اخترنا لك

لماذا يحتاج التفكير التصميمي في الأعمال التجارية إلى إعادة التفكير فيه ؟

للوصول إلى كامل إمكاناته، يجب أن يتسق المنهج الابتكاري الرائج اتساقًا أكبر مع الواقع في الأعمال التجارية المُؤسَّسة والديناميكيات الاجتماعية بداخلها.

في السنوات الأخيرة غدا «التفكير التصميمي» Design thinking رائجا في العديد من الصناعات، مع محاولة الشركات المُؤسَّسة تطبيق تقنيات لحل المشكلات التي يتبعها المصممون على عمليات الابتكار داخل الشركات.[i] وتتضمن العناصر الأساسية من منهج التفكير التصميمي: التكرار السريع، والتفاعل المبكر والمستمر مع العملاء، والتصميم السلس للعمليات مع قدر أقل من التدرج الإداري Hierarchy;، واعتماد مقاربة التعلُّم العملي التي تتضمن بناء نماذج أولية Prototypes وصنع نماذج مصغرة Mock-ups من أي نوع في أقرب وقت ممكن من العملية.

وفيما يلي الكيفية التي يجب أن تُطبق فيها مبادرات التفكير التصميمي في سياق الشركات: يُعرض تحدٍ ابتكاريٍّ محدد المعالم على فريقٍ تلقى تدريبًا على التفكير التصميمي. فيجري الفريق أبحاثًا لفهم المشكلة فهمًا أفضل. بعد ذلك، واعتمادا على رؤيته يقترح الفريق مجموعة متنوعة من الحلول، ويبدأ بتصميم نماذج أولية، وفي نهاية المطاف يُحدِّد فرصةَ عمل جديدة ومُربحة.

هذا هو النمط المفترض لسير العملية، ولكن هذا نادرًا ما يحدث. فعلى مدار السنوات السبع الماضية، ساعدْنا أكثر من 20 شركة في السعي إلى تحقيق أكثر من 50 مبادرة تفكير تصميمي، وتوصلنا إلى أن مثل هذه المبادرات نادرًا ما تسير وفق النمط النموذجي. فالابتكار بطبيعته عملية فوضوية، ويتفاقم هذا الجانب الفوضوي بسبب أنه يتعارض، في عدة أوجه، مع العمليات المؤُسَّسة والبُنى وثقافات الشركات. ولحسن الحظ، فبمجرد أن تفهم التحديات، يمكنك تجنب السقطات الأكثر شيوعا.

وأساس معظم المشكلات هو القطيعة بين التفكير التصميمي وعمليات إدارة الأعمال التقليدية. ففي نهاية المطاف، يعتمد معظم نجاحات الشركات على تقديم منتجات مُتوقَّعة من خلال وسائل قابلة للتكرار. وهذا يعني أن المؤسسات تقاوم بشكل غريزي إدخال الرؤية المُجرَّدة والفوضوية والمبهمة في المعادلة. وهذا النفور من التفكير التصميمي يضرب بجذوره عميقا في المؤسسات، ممتدا من الإدارة العليا إلى العمال الفنيين. فنجد أن الموظفين غالبًا ما يحاولون التهرب من مهام التفكير التصميمي، ويتجنبون العادات ونمط التفكير التي تتطلبهما هذه المنهجية.

وتنظيم فرق العمل نفسها يؤدي إلى ظهور المزيد من الصعوبات. ويدعو منهج التفكير التصميم إلى المساواة، وإلى أن تكون الفرق ذاتية التنظيم، ولكن هذه ليست الطريقة التي تعمل بها معظم الشركات الكبرى والمؤُسَّسة. ففي الواقع، تميل فرق التفكير التصميمي، التي درسناها، إلى أن تكون لديها آليات عمل واضحة وأفراد يمتلكون المشروع، والذين عادة ما يكونون من الإدارة العليا. ولا يتولى هؤلاء المديرون الإشرافَ على مشروع التفكير التصميمي فحسب، ولكن أيضًا يتولون توزيع المهام على أعضاء فرق العمل، ويكونون مسؤولين عن نتائج المشروع. وما يزيد الطين بلة، أن هؤلاء المديرين يشرفون عادة على 12 إلى 15 مشروعًا من مشروعات التفكير التصميمي في الوقت نفسه. وهذا يزيد من استغلال وقت المدير الاستغلال الأمثل، ولكنه يقلل من فعالية فرق العمل، ويعيق الالتزام بالعمل والشغف به، وكذلك يُبطئ من وتيرة التقدم المُحرز.

وفي العديد من الشركات، هناك أربعة عوامل ثقافية تزيد من حدة هذا القصور التنظيمي:

التخصص Specialization

غالبًا ما يؤدي التخصص عن اتفاق ضمني يُخصِّص مهامّ محددة لأقسام بعينها. ولهذا الأمر تأثيران في التفكير التصميميك أولًا، غالبا ما يجد المشاركون من الأقسام المختلفة صعوبةً في التواصل بفعل وجهات نظرهم المُحدَّدة جدا. ثانيًا، الكثير من الأشخاص، الذين ينتمون إلى أقسام تعتبر تقليديا أقل إبداعًا -مثل أقسام المحاسبة أو التدقيق الداخلي- يعانون ضعفَ ما يطلق عليه المفكران في مجال الإدارة ديفيد كيلي David Kelley وتوم كيلي Tom Kelley “الثقة الإبداعية” Creative confidence.[ii] فإذا لم تُشجّع قطّ على أن ترى الابتكار والإبداع جزءًا من عملك، وأخبرك الكثيرون بأنك لست بارعًا في هذا المضمار، فإنك على الأرجح ستُسلِّم برأيهم. وهذا سيقلل الاحتكاك، ويجعل المؤسسة تعمل بسلاسة أكثر، ولكنه يقلل أيضًا فرصة انطلاق شرارة الإبداع.

مطبات السرعة البشرية Human Speed Bumps

المديرون في بعض الأقسام (لا سيما الأقسام القانونية والشؤون التنظيمية والامتثال) يرون أن دورهم يتمثل أساسا بمنع حدوث الأشياء. ولتحقيق أقصى فائدة من التفكير التصميمي، يجب أن يحتضن الموظفون في تلك الأقسام سلوكيات تهدف إلى الإنجاز، ويركزون طاقتهم الإبداعية على استكشاف كيفية القيام بالمهام بطرق مختلفة. ويحتاج الأمر إلى نوع خاص من القيادة لتمكين هذه الثقافة الداعمة في المجالات الوظيفية Functional domains التي تكون بطبيعتها متحفظة، ومُتجنِّبة للمخاطر.

التركيز على النتائج المالية Focus on Monetary Results

في المشروعات ذات المستويات العالية من التجديد، يجب أن تكون التوقعات حول ما نتعلمه وليس النتائج. والتركيز المبكر على النتائج المالية (أو غيرها من المقاييس Metrics) يمكن أن يثبط الإبداع، بل ومن المفارقة أنه قد يقلل من فرص النتائج المُدرِّة للأرباح على المدى البعيد.

الخوف من الفشل Failure Phobia

إن العديد من الشركات الراسخة في السوق تعاقب الفشلَ، وهو ما يردع الإقبال على المخاطرة التي يحتاج إليها التفكير التصميمي. وفي ورشة عمل مع شركة كبرى لمنتجات للمستهلكين، طلبنا إلى المشاركين وضع فرضيات حول السلوكيات الشرائية للمستهلكين في إحدى فئات المنتجات. وبدلًا من وضع فرضيات مفيدة، وضع المشاركون فرضيات عامة واسعة النطاق وغير محددة، سيكون من المستحيل اختبارها. وسرعان ما أدركنا أن المشاركين في ورشة العمل كانوا يتجنبون ارتكاب الأخطاء، التي من الممكن أن يتعرضوا للمحاسبة عليها. ومع الأسف، فإن تقليل نسبة المخاطرة الشخصية بالفشل يعني تقليل الفرصة الجماعية للنجاح.

وتشير الأبحاث، التي أجريناها، إلى أن الشركات تحتاج إلى اتخاذ خمس خطوات لتحقيق الاستفادة الكاملة من إمكانات التفكير التصميمي:

  1. تشجيع كبار المديرين على دعم وتشجيع مبادرات التفكير التصميمي: توصلنا إلى أن فرق التفكير التصميمي تتطلب نوعين من الاهتمام من الإدارة العليا: نوع استباقي Proactive وآخر للمتابعة Follow up. الاهتمام الاستباقي يأتي في العديد من الأشكال، مثل إطلاق المبادرة، والمشاركة في العملية، والتوصل إلى الأفكار وطرحها، وتذليل العقبات. أما اهتمام المتابعة، فهو المجهودالذي يستثمره القادة بعد أن يؤدي فريق التفكير التصميمي عمله، مثل ترويج الأفكار في المؤسسة، وفي بعض الأحيان تقديم تقييم واضح عند عدم تنفيذ الأفكار. ومثل هذه السلوك يمكن أن يساعد على دمج التفكير التصميمي في المؤسسات القائمة بالفعل واستمراريته.

إلاّ أن العامل المُحدِّد Limiting factor الأكبر هو اضطلاع المديرون بالكثير من المهام. فبدلًا من متابعة التقدم، الذي تحرزه 12 إلى 15 مبادرة تفكير تصميمي في الوقت نفسه، يكون من الأفضل للمديرين السعي إلى تحقيق هدف واحد من أهداف التفكير التصميمي في كل مرَّة.

  1. تحقيق التوازن بين فرق العمل: إن تحقيق التوازن بين التفكير الحدسي والتفكير التحليلي أحد أكبر التحديات عند تأسيس ثقافة الابتكار. فإدارة فرق العمل، التي تطبق هذا التفكير، تكون مهمة صعبة بالنسبة إلى المؤسسات القائمة، فمن الصعب منح الأشخاص حرية التصرف، وفي الوقت نفسه التأكد من أنهم لا يفقدون تركيزهم على أهداف العمل الأخرى المهمة.

وأحد العوامل الرئيسية هو إدراك أعضاء فرق العمل المختلفة وتقديرهم لتنوع خبراتهم ومهاراتهم. فعلى سبيل المثال، قد يركز بعض الأعضاء أكثر على إدارة ورش العمل، في حين يركز الآخرون على استخدام شبكة العلاقات الشخصية داخل الشركة لتحديد المشروعات المحتملة. ويتعين أن تشتمل فرق العمل جميعَ الوظائف ذات الصلة، بما في ذلك التسويق والمبيعات وإدارة المنتجات والبحث والتطوير.

  1. تحديد القواعد الأساسية: تحتاج فرق التفكير التصميمي قدرًا كبيرًا من الاستقلالية حتى تؤدي عملها جيدًا. ومن ثم ينبغي تمكينهم لاتخاذ القرار دون الحاجة إلى الحصول على إذن في كل خطوة صغيرة. والطريقة المناسبة للقيام بذلك هي تحديد الحد الأدنى من القواعد لكل فريق، على سبيل المثال، كتابة قائمة تضم خمسة عناصر غير مسموح لهم القيام بها، مثل تعريض صورة العلامة التجارية Brand للخطر، أو المشاركة في أنشطة غير قانونية. ومن المفروض أن كل ما عدا ذلك يكون بإمكانهم القيام.
  2. دمج التفكير التصميمي في عملية تطوير المنتجات: عادة ما يُعامل التفكير التصميمي على أنه مهمة أخرى تُسندها الإدارة الرئيسية للشركة- مجرد مهمة أخرى يتعين القيام بها. ولتغيير هذا المنظور، تحتاج فرق العمل المسؤولة عن التفكير التصميمي إلى أن تدرس عن قرب عمليات تطوير المنتجات القائمة بالفعل. إذ قد يكون من المفيد تضمين مُخرجات Deliverables محددة لعملية التفكير التصميمي، مثل التقييمات الأولية للمستهلكين في مرحلة تحديد المشكلات، وتقييمات المستهلكين على نطاق أكبر في مرحلة حلول السوق، وكذلك النماذج الأولية والنماذج المصغرة في جميع المراحل. ومن شأن الربط بين التفكير التصميمي واستراتيجية الابتكار أن يسهل قياس تأثير التفكير التصميمي في جودة المنتجات والخدمات الجديدة، ومدى تلبيتها لاحتياجات السوق. عندها سيرى المزيد من أصحاب المصلحة Stakeholders أن هذا التفكير جزء لا يتجزأ من عملية تطوير المنتجات، وليس عملية تسير بالتوازي معها.
  3. إعادة تحديد المقاييس: نظرًا لأن التفكير التصميمي يرتبط بالمرحلة المبكرة من عملية الابتكار، فإن فرق العمل يجب أن تركز ليس على الأرباح وإنما على التعلُّم. ومن خلال التعريف الواضح لنتائج التعلُّم عبر طرح أسئلة (مثلا: “لماذا لا يوقع المرضى على نموذج الموافقة المستنيرة”؟) يمكنك وضع فرضيات دقيقة (على سبيل المثال: “لأن الاستمارة طويلة للغاية”، أو “لأن لغة الاستمارة غير مفهومة”). وحتى إذا باء المشروع بأكمله بالفشل، فإن تجربة التعلُّم ستؤدي إلى طرح أسئلة أفضل أو إلى مشروع آخر.

دعم التفكير التصميمي Supporting Design Thinking

استثمرت العديد من الشركات -بسذاجة- في تدريب الموظفين على منهجيات التفكير التصميمي، ثم شعرت بالإحباط عندما لم ترَ تأثيرًا ملموسًا لهذا في نتائج الابتكار. فالابتكار بطبيعته عملية اجتماعية تتضمن، ليس فقط الابتكار، ولكن أيضًا إقناع الأشخاص بتنفيذ المهام بطريقة جديدة. ولتحقيق النجاح، لابد أن يرتبط برنامج التفكير التصميمي ارتباطا وثيقا بالديناميكيات الاجتماعية في المؤسسة، إذ إنه، دون تطبيق آليات الدعم المناسبة، على الأرجح لن يُحقَّق النتائج المرجوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق