أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
فلك وعلم الكونيات

المركبة كيوريوسيتي التابعة لناسا تكتشف طينا عضويا ثمينا على سطح المريخ

جزيئات الكربون الموجودة في صخور قاع بحيرة قديمة تشبه الكيروجين Kerogen، وهي لبنة "لزجة" من لبِنات الوقود الأحفوري على الأرض

الصورة: أثمر موقع حفر الحجر الطيني (موقع واحد من اثنين)، والمسمى موهافي على المريخ Mojave on Mars، عن جزيئين عضويين يشبهان الكيروجين Kerogen.

    في سعيها إلى العثور على جزيئات يمكن أن تدل على الحياة على كوكب المريخ Mars، أصابت المركبة كيوريوسيتي Curiosity Rover التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا NASA منبعا. فمنذ أن هبطت المركبة في عام 2012، غربلت عينات من التربة والرواسب الصخرية للبحث عن علامات على وجود جزيئات عضوية Organic Molecules – سلاسل الكربون Complex Carbon Chains المُعقّدة التي تُشكّل اللبِنات الأساسية للحياة على الأرض. وقد كانت الاكتشافات السابقة ضعيفة لدرجة أنها يمكن أن تكون مجرد تلوث (Science, 27 March 2015, p. 1402). والآن، نتجت من العينات -المأخوذة من موقعين مختلفين للحفر في قاع بحيرة قديمة- جزيئات ضخمة عضوية مُعقّدة تبدو مشابهة إلى حد مذهل لِلَّبِنات البناء المُتأحفرة للنفط والغاز على الأرض. وبقيمة تعادل بضع عشرات أجزاء في المليون، فإنّ المستويات المُكتشفة أعلى من الاكتشافات السابقة بمقدار مئة ضعف.

    وعلى الرغم من أنّ الفريق لا يستطيع حتى الآن الجزم ما إذا كانت هذه الجزيئات تنبع من الحياة أو من عملية جيولوجية عادية، إلا أنّه يبرهن على أنه يمكن الحفاظ على المواد العضوية لبلايين السنين في البيئة السطحية القاسية المريخية، كما تقول جينيفر إيغينبرود Jennifer Eigenbrode، وهي باحثة في الكيمياء الجيولوجية الحيوية Biogeochemist من مركز غودارد لرحلات الفضاء Goddard Space Flight Center التابع لناسا في غرينبيلت بولاية ماريلاند ، والتي قادت دراسة نُشرت في مجلة ساينس: “نحن في وضع جيد حقا للمضي قدما في البحث عن علامات على وجود الحياة.”

    ومنذ أن وصلت إلى هدفها الأساسي، أيوليس مونس Aeolis Mons، وهو جبل يبلغ ارتفاعه 5 آلاف متر يرتفع من أرضية فوهة غايل Gale Crater، أمضت مركبة كيوريوسيتي السيّارة جل وقتها في القيادة على الأحجار الطينية Mudstones المُتكونة من الرواسب التي استقرت في قاع بحيرة منذ ثلاثة بلايين سنة، عندما كان المريخ مكانًا أكثر ملاءمة. وتُعتبر الأحجار الطينية مثالية لحبس الجزيئات العضوية وحفظها. ولأنّ الأشعة فوق البنفسجية Ultraviolet والمُركّبات المُؤَكسدة في التربة المريخية ستدمر أي مركبات مكشوفة على السطح، فقد استخدم علماء كيوريوسيتي حفّارة آلية لاختراق الحجر الطيني لعدة سنتيمترات. وقاموا بنقل الحصى الجديدة إلى فرن داخل بطن المركبة.

     ولتحليل الجزيئات العضوية الموجودة في العينات، حمّصها الفرن لدرجات حرارة تتراوح بين 600 و860 درجة سيليزية – وهو النطاق الذي يختفى فيه مُلوّث معروف – وتُغذي الأبخرة الصادرة مقياسَ مطياف الكتلة Mass Spectrometer، فيمكن للمطياف تحديد الجزيئات حسب الوزن. ووجد الفريق خليطا من الإشارات العضوية وثيقة الصلة ببعضها، والتي تعكس عشرات أو مئات الأنواع من جزيئات الكربون الصغيرة، ربما حلقات قصيرة وخيوط تسمى بالجزيئات العطرية Aromatics والدهنية Aliphatics، على الترتيب. ولم يكن يوجد سوى عدد قليل من الجزيئات العضوية -حلقات الكربون الحاملة للكبريت Sulfur-bearing Carbon والتي تسمى الثيوفين Thiophenes- بمستويات وفيرة بما فيه الكفاية للكشف عنها مباشرة، كما تقول إيغينبرود.

     وبدت الأنماط الكُتلية كتلك التي تكوّنت على الأرض بواسطة الكيروجين Kerogen، وهو لبنة بناء لزجة للوقود الأحفوري الموجود في الصخور مثل الصخر الزيتي Oil Shale، وهي نتيجة توصّل إليها الفريق عن طريق تحميص وتكسير الجزيئات العضوية باستخدام آلات متطابقة [لما على المركبة السيّارة] على الأرض، في غودارد. وفي بعض الأحيان يُعثر على الكيروجين مع الكبريت، مما يساعد على الحفاظ عليه عبر بلايين السنين. ويعتقد علماء كيوريوسيتي أنّ مُركّبات الكبريت في عيِّناتهم تُفسر أيضًا طول عمر مُركبات المريخ.

     وقد تشكّل كيروجين الأرض عندما ضغطت القوى الجيولوجية البقايا القديمة من الطحالب Algae والمخلوقات المماثلة. ومن المستحيل زعم أنّ تفسير الكائنات العضوية المريخية هو وجود حياة قديمة. فالنيازك Meteorites الغنية بالكربون تحتوي على مركبات مماثلة للكيروجين، وتهطل باستمرار على المريخ. أو يمكن لثاني أكسيد الكربون البدائي

الناتج من التفاعلات المدفوعة من البراكين المريخية القديمة قد كوّنت المُركبات. وتعتقد مونيكا غرادي Monica Grady، عالمة الكواكب Planetary Scientist من الجامعة المفتوحة The Open University في ميلتون كينز بالمملكة المتحدة، أنّ المُركّبات تشكلت بطريقة ما على سطح المريخ لأنه من غير المرجح أن تكون المركبة السيّارة قد حفرت في موقع سقط فيه نيزك قديم. كما تُنوّه إلى أنّ الإشارة كانت موجودة في قاع بحيرة قديمة، وهي مستجمع محتمل لبقايا الحياة. وتقول: “أظن أنها جيولوجية. وآمل أن تكون بيولوجية .”

     وعند كيوريوسيتي أداة أخيرة لمساعدة الفريق على اكتشاف ذلك: تسعة أكواب صغيرة تحتوي على مُذيب Solvent يُحرّر المُركّبات العضوية المترابطة في الصخر، لنفي الحاجة إلى فصلها – واحتمال تعرضها للتلف – في درجات حرارة عالية. ففي ديسمبر 2016 كان علماء المركبة قد استعدوا أخيراً لاستخدام أحد الأكواب، ولكن عندها توقفت آلية تمديد أداة الحفر للمركبة عن العمل بشكل يُعَّول عليه. فبدأت المركبة باستكشاف سلسلة من التلال الغنية بالحديد، تاركة وراءها الحجر الطيني. وفي أبريل الماضي، بعد أن وجد المهندسون طريقة لإصلاح مشكلة الحفر، اتخذ الفريق قرارا نادر الحدوث فقرروا العودة إلى الوراء، والقيادة رجوعا أسفل التل إلى الحجر الطيني لحفر العينة الأولى خلال عام ونصف. وإذا كشف الفرن ومقياس مطياف الكتلة عن وجود علامات عضوية في العينة، فمن المرجح أن يستخدم الفريق الكوب. ويقول آشوين فاسافادا Ashwin Vasavada، عالم مشروع كيوريوسيتي من مختبر الدفع النفاث Jet Propulsion Laboratory في باسادينا بكاليفورنيا: “إننا نقترب جدا، يمكنني الاحساس ذلك.”

     وقد يعطي الاكتشاف دفعة لخطط استكشاف المريخ المستقبلية. إذ ستحفر مركبة إكسومارز ExoMars الأوروبية، التي من المقرر إطلاقها في عام 2020، إلى مسافات أعمق من كيوريوسيتي، في جوف التربة المحمية بشكل أفضل من الإشعاع. ولكن اكتشاف الحياة الماضية قد يعتمد في النهاية على التحليل الدقيق في المختبرات على الأرض، كما تقول غرادي. وتضيف: “علينا جلب بعض العينات.” إذ يُمكن للفنيين في هذه المختبرات تذويب الجزيئات غير العضوية وعمل فهرسة كاملة للجزيئات العضوية المتبقية، بما في ذلك، على سبيل المثال، الأحماض الدهنية Fatty Acids التي تحوي عددا زوجيا من ذرات الكربون، وهي دَمغة الحياة. وقد أضاف دليل آخر إلى الحافز: في دراسة منفصلة منشورة في مجلة ساينس، أفاد علماء كيوريوسيتي أنّ آثار الميثان Methane في الغلاف الجوي المريخي ترتفع وتنخفض مع الفصول. ويمكن للعمليات غير البيولوجية أن تشرح الإشارة – كما يمكن للميكروبات المتغيرة موسمياً أن تفعل ذلك أيضا (Science, 5 January, p. 16 ).

     ولحسن الحظ، فمن المقرر أن تجمع المركبة القادمة التابعة لناسا،  مارس  2020 ، نحو ثلاثين عينة صخرية لإعادتها إلى الأرض في رحلات لاحقة. وخطط جلب هذه الصخور بعيدة كل البعد عن تكون في مراحلها النهائية –أو الحصول على تمويل، لكن حجة ناسا أصبحت أقوى بكثير مع الاكتشاف العضوي، يقول جورج كودي George Cody، عالم الجيوكيمياء Geochemist بمعهد كارنيغي للعلوم Carnegie  Institution for Science في واشنطن العاصمة: “إذا طلب إلى شخص ما الذهاب إلى الكونغرس والدفاع عن مهمة جلب العينات، فإن هذه الورقة العلمية ستسهل المهمة بكثير.”

    ويضيف كودي أنّ الفريق الذي عثر على أي شيء على الإطلاق يتكلم عن التخطيط والتنفيذ جيداً. تخيل التنقيب في صحراء أتاكاما Atacama Desert في تشيلي، والتي غالبًا ما تستخدم كنظير للمريخ. “ستكون محظوظًا إذا كشفت عن كيروجين قديم.” ولكن فريق كيوريوسيتي تمكن من ذلك – على المريخ. “لقد حالفهم الحظ. لقد حالفنا الحظ.”

الطريق إلى الكربون The path to carbon

منذ هبوطها في فوهة غايل في عام 2012، وصلت المركبة كيوريوسيتي إلى قاعدة جبل يبلغ ارتفاعه 5 آلاف متر. وقد أسفرت عينات استُخرجت من قاع بحيرة قديمة عن جزيئات عضوية قد تكون من مصادر بيولوجية أو جيولوجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى