فيزياء

كيف نفكر في… الجسيمات

من المنطقي أن تكون الأشياء مؤلفة من أشياء. لكن تمعن عن قرب بالمكونات الأساس للمادة فستجد أنه من المدهش أن هناك القليل منها

يعترف ديفيد كايسر David Kaiser، الفيزيائي من معهد ماساتسوستش للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology، علانية بأنه عندما يتخيل جسيمات فإنه يتوصل إلى أفكار فيزيائية خاطئة. ويقول: “مع احترامي الشديد لأسلافي، فإنني شخصيا لا أزال أبدأ بتصوُّر الكرات الزجاجية الصغيرةMarbles ، تلك الجسيمات الكروية الصغيرة التي تدور وتدور في حركة مغزلية.”

إن لهذه الصورة قبولا بديهيا. أليس من الواضح أنّ الجسيمات الأولية التي تشكل المادة هي صغيرةٌ وغير قابلة للتجزئة ولها خواص محددة مثل الموقع والكتلة؟ فقد عرفنا منذ إطلالة ميكانيكا الكم، وهي النظرية التي تحكم عمل هذه الجسيمات، أنها تدور دورانا مغزليا – أو لها على الأقل خاصيةٌ، تشبه ظاهريا دوران أجسام كروية، نسميها خاصية الدوران المغزلي  (الفتل) Spin.

ولكنْ، إذا تَمعنت أكثر… فستتوارى كراتك الزجاجية بسرعة.

لقد بدأ هذا النخر خلال تجارب أُطلقت فيها جسيماتٌ، يفترض أنها أولية، على جسيمات أخرى فوجد أنها تتهشم – بشكل مغاير لما تتوقعه من وحدات المادة الأولية غير القابلة للتقسيم. وخلال القرن العشرين تبين في تتابع سريع  أن الذرات تتألف من نوى تدور حولها إلكتروناتٌ، كما تبين أن النوى هي بروتونات ونيوترونات، والتي تتجزأ بدورها إلى جسيمات أصغر تسمى كواركات وغلوونات.

فهذه الجسيمات الأصغر هي أيضا كراتٌ زجاجيةٌ، أليس كذلك؟ هذا محتمل، باستثناء أن تجارب كمية أخرى تبين أنه يمكن لهذه الجسيمات أن تمر أحيانا من خلال الجدران وعبر الفضاء والزمن من دون أن تقطع طريقا قابلا للكشف، كما أنها قد تكون في أكثر من موضع واحد في الوقت نفسه.

ولذا، فإن الاستنتاج الذي يجب أن نتوصل إليه بسيطٌ كما أنه محيرٌ. فالجسيمات المادية هي في الوقت ذاته موجاتٌ غير مادية، بحيث إذا تركت وحدها لايكون لها موضعٌ معينٌ، كما يمكن وصفها بـ “بدالة موجية” Wave function احتمالية فقط. ويقول فرانك ويلتشك Frank Wilczek، الفيزيائي النظري في الجسيمات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “إنَّ لها خواصَّ شبه موجية، وفي الوقت نفسه هذه الفكرة التقليدية لكرة موجودة في فضاء محدد.”

إنها خاصيةٌ لا يستطيع أحد أن يفسرها تماما. ولهذا السبب تحاول بعض الكتب مقررات الكيمياء وصف الإلكترون أحيانا بأنه نقطةٌ، وأحيانا بأنه غيمةٌ منتشرةٌ تدور حول النواة الذرية.

واللغز أعقد من ذلك. فالجسيمات ليست فقط موجات بل إن الموجات هي جسيمات أيضا. فشئٌ غير مادي مثل الضوء يتألف من وحدات، فوتونات، ليست لها كتلة أو شحنة، ومع ذلك يمكن أن نقول في بعض الحالات إنها متموضعة في مكان واحد مثل كرة زجاجية أثيرية.

بركات وليست كرات زجاجية  Ponds, not Marbles

لا تشكل هذه الجسيمات المادةً، إلا أنها ترتبط بمجالات تملأ الفضاء وتحدد كيف تتصرف الجسيمات المادية. مثلا، تجسد الفوتونات المجالَ الكهرومغناطيسي الذي يعمل على الجسيمات المشحونة كهربائيا، ويملأ مجالُ هيغز Higgs field غير المرئي الفضاءَ كلّه ليعطي الجسيمات كتلها. احقن هذا المجال بطاقة كافية، كما فعل الباحثون في سيرن CERN قرب جنيف في سويسرا عام 2012، فتبرهن عندئذ علي أنها موجودةٌ بجعلها تظهر فجأة كجسيم – بوزون هيغز.

بالمحصلة، بما أن المادة تعمل على مستويات لا يمكننا أن نراها مباشرة، فإن كلا من الجسيمات والمجالات ليست أكثر من عكازات رياضياتية غير مثالية تدعم فهمنا لها. إلا أنه عندما تصل الأمور إلى خواص المادة فإن مجالاتها والقوى التي تولدها هي التي تتحكم بكل شئ. فهي تحدد سبب تجمع البروتونات والنيترونات معا في النواة الذرية، وسبب دوران الإلكترونات، سواء كانت غيوم منتشرة أم نقاطا محددة، حولها.

لذا، إليك هذه الدليل: دعْ عنك الكرات الزجاجية وفكر في الواقع كما لو كانت بركة ماء. يقول ويلتشك: “إن الشيء الأساس هو الماء، والجسيمات هي اضطرابات فيه،” بغض النظر عن ماهية هذه الجسيمات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق