تكنولوجيا

لماذا يتسارع تسليع التكنولوجيا الفائقة

بقلم: ويلي شيه Willy Shih
ترجمة: صفاء كنج

إن المعرفة التي تتضمنها أحدث أدوات الإنتاج والتصميم هي قوة جبارة تعمل على تمسيد ساحة قطاع التكنولوجيا العالمي. إذ تسبغ طابعاً ديموقراطياً على الابتكار وتجعل المنافسة في المستقبل أكثر صعوبة من أي وقت.

ويبدو أن التقدم على المنافسين الدوليين يزداد صعوبة يوماً بعد يوم بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا التي تعتمد على الهندسة المتطورة. فقد كان الاعتقاد راسخاً من قبل أن شركات تصنيع المنتجات التي تعتمد استخداما كثيفاً للتكنولوجيا Technology-intensive products وصانعي السيارات أو مصنعي الأجهزة المنزلية يمكن أن تعوِّل على ريادتها طويلة الأمد في مجالي الهندسة والتصميم لترسيخ موقعها على المستوى العالمي. ولكن الأمر لم يعد كذلك. فاليوم يمكن للشركات حديثة النشأةYoung upstarts  في العديد من قطاعات المنتجات، وخصوصاً من الصين، تطوير قدرات تصميم وإنتاج ذات مستوى عالمي في فترة زمنية قصيرة. وفي بعض الحالات تتمكن من قفز الفجوات بينها وبين الشركات الراسخة منذ فترة طويلة لتكون رائدة في السوق في غضون عقد من الزمن.

ويسود الاعتقاد أن وراء ذلك ثلاثة عوامل رئيسية هي: (1) النسخ الصارخ للملكية الفكرية (IP)، (2) ضغط الحكومات على الشركات لتقاسم التكنولوجيا في مقابل الحصول على حقوق ممارسة الأعمال التجارية، و(3) انتشار المعرفة بصورة طبيعية مع انتقال العاملين من الشركات متعددة الجنسية إلى الشركات المحلية. لكن لبعض القوى الأخرى الملحوظة بدرجة أقل دوراً في ذلك، وهي قوى تعمل على تسريع عملية التسليع ويصبح تمايز  المنتجات Product differentiation  أكثر صعوبة.

والمعرفة، ولا سيما المعرفة الضمنية التي يستغرق تطويرها سنوات، تتدفق الآن عبر مسارات نأخذها كأمر مُسلَّم به. فهي جزء لا يتجزأ من الأدوات المستخدمة لتصميم وتصنيع المنتجات، وتُدمج في وحدات البناء المُستخدمة لبناء أنظمة أكثر تعقيداً. والآثار المترتبة على ذلك عميقة جدا. ولعل أكبر أثر يترتب على ذلك هو أن المنافسين الشباب المسلحين بهذه المعرفة يمكنهم تخطي سنوات من الممارسة وبناء الخبرات، وأن يكونوا منافسين يحسب لهم حساب على الفور تقريباً.

تبسيط الأمور المعقدة Making Complex Things Easy

إن أدوات الإنتاج والأتمتة المتطورة هي في صميم العديد من عمليات التصنيع وتستند تصاميمها على سنوات من البحث العلمي والتطوير (R&D). فهي تأخذ الأشياء التي يصعب القيام بها – على سبيل المثال، صنع الأجهزة الإلكترونية التي تقاس أبعادها بعشرات الذرات – وجعلها أمرا روتينيا. وتقوم الأدوات المتخصصة على الكثير من المعرفة ويمكن لإجراءات استخدامها تسريع دورات التطوير من خلال تحويل العلم إلى مجرد مسألة اتباع وصفة معينة. فهي تجعل الأدوات العملية قابلة للنسخ وتنزع منها عناصر التقلب والمخاطر. هذا قد يؤدي إلى التسليع السريع لأنواع من المنتجات بأكملها: كل ما تحتاج إليه هو المال لشراء الأدوات.

وتصبح المشكلة حادة بشكل خاص في قطاعات التصنيع القائمة على التكنولوجيا الفائقة مثل أشباه الموصلات وشاشات الكريستال السائل المسطحة (LCD) والصمامات الثنائية الباعثة للضوء (LED)، ولكن يمكننا أيضا رؤية التأثير في مجالات متنوعة مثل أدوات التجميع الدقيقة والسَّلْسَلة الجينية والمؤثرات المرئية المُنتجَة بواسطة الحاسوب في صناعة الأفلام. وعندما كنتُ أعمل في شركة آي بي إم IBM Corp.  في أوائل التسعينات، كنا نشير إلى هذه القطاعات بعبارة “الصناعات الانتحارية” kamikaze industries (انظر: حول البحث). كان من الصعب ضمان استدامة ضخ الاستثمارات في البحث والتطوير في المجالات التي جرى فيها نقل المعرفة إلى المنافسين عبر أدوات – وكنا نرى في ذلك شكلاً من أشكال الانتحار الاقتصادي. وقد أدى نشر المعرفة إلى التسليع السريع؛ ويمكن للشركات ذات الرساميل أو النفقات العامة المنخفضة الدخولُ إلى سوق ما دون استثمارات ضخمة في البحث والتطوير.

حول البحث

تستند هذه المقالة إلى أكثر من خمسين حالة دراسية في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد دُرست بين عامي 2009 و2017 حول صناعة أشباه الموصلات، وصناعة الشاشات LCD والمصابيح LED، وغيرها من شركات المنتجات الصناعية كثيفة التكنولوجيا في قطاعات المنتجات الاستهلاكية والسيارات والطيران والفضاء. وقد ركزت بعض الحالات على تطوير أو فقدان الميزة التنافسية لقدرات محددة للغاية أو ركزت على أدوات التصميم التي رفعت مستوى التجريد. كما أجريتُ مقابلات مع عشرات الشركات الأخرى وزرتُ مرافق الإنتاج في العديد من الشركات الأخرى التي كانت تعتمد بشكل كبير على أدوات الإنتاج والتصميم المتطورة وكانت قادرة على توثيق أمثلة محددة لنقل المعرفة. كما تعتمد المقالة على سنوات عديدة في القطاع، فقد شهدتُ خلالها النضال من أجل السيطرة على نشر معارف الملكيات الفكرية المسجلة Proprietary knowledge  في عمليات التصنيع المتقدمة.

ويقدم تحول الدوائر المتكاملة Integrated circuits خلال أواخر التسعينات من الألمنيوم إلى الأسلاك النحاسية مثالاً جيداً. وعلى الرغم من أن النحاس معروف بأنه موصل أفضل من الألمنيوم إلا أنه واجه عقبة تقنية خطيرة: فقد هاجرت ذرات النحاس إلى الطبقة العازلة من الشرائح، الأمر الذي نتج منه اتصالات سيئة وفشل الشريحة. أمضت آي بي إم سنوات في البحث عن كيفية التغلب على هذا التحدي قبل أن تكون أول شركة تستخدم الأسلاك النحاسية المتداخلة في شرائح السيليكون، وهو التطور الذي أُعلن عنه على نطاق واسع باعتباره ابتكاراً كبيراً. لكن ميزة آي بي إم التقنية لم تدم طويلاً. ففي غضون عامين بدأ مورد أدوات أشباه الموصلات الذي عملت معه لتطوير العملية في بيع القدرة نفسها. وعلى الرغم من أن المورّد كان ممنوعاً بموجب العقد من بيع تقنيته لمدة عامين، فبمجرد انتهاء تلك الفترة، لم يكن هناك ما يمنع الشركات من تايوان وأماكن أخرى من نسخ نموذج آي بي إم، وهذا ما فعله كثيرون.

لقد حدثت نقلة مماثلة في قطاع الشاشات LCD المسطحة المستخدمة في أجهزة التلفزيون وشاشات الحواسيب والهواتف الذكية. فالشاشات تُصنَّع  في مصانع مؤتمتة للغاية تعتمد على أدوات متخصصة، ويمكن لأي شخص يشتري الأدوات ويتحلى بالصبر لتَعلُّم كيفية استخدامها أن يدخل إلى المجال التجاري. وقد أبرزت المقابلات التي أجريتها مع العديد من مصنِّعي اللوحات المسطحة كيف عمل مصنعو الأدوات والزبائن بشكل تعاوني لحل مشكلات الإنتاج. وعمل موظفو المُورِّد جنباً إلى جنب مع عملائهم لنقل المصانع إلى مرحلة الإنتاج. وقاموا بدور أساسي في تطوير القدرات المحلية، وأمكنهم بعد ذلك استخدام الدراية التي طوروها مع العملاء اللاحقين.

والصناعات التي تؤدي فيها الأدوات دوراً أساسياً في القدرة التنافسية للتصنيع تؤدي إلى ظاهرة أخرى تسمى “ميزة القادمين المتأخرين” Latecomers advantage.في عام 2004 على سبيل المثال، زرتُ سبعة مرافق لتصنيع الجيل الخامس من الشاشات LCD. وقد كان بعضها يعمل منذ عام أو عامين بينما بدأ البعض الآخر للتو بالإنتاج. وقد زودت الشركات نفسها جميع المصانع بالأدوات. تعلم صانعو الأدوات كيفية تشغيل عمليات الإنتاج الجديدة في المصانع الأولى ثم مرروا ما تعلموه إلى أولئك الذين جاءوا لاحقاً. وتوصل أحد المصانع إلى طريقة أفضل لحقن مادة الكريستال السائل باستخدام “حشوة القطرة الواحدة” “One drop filling”. وعمل مالك المصنع بشكل وثيق مع مُورِّد الأدوات لتحسين الطريقة. وكان منحنى التعلم في حده الأدنى بالنسبة إلى المصانع الجديدة، إذ كان بإمكانها شراء الحل كاملاً متكاملا من المورِّد الذي صار خبيراً.

هنا تكمن المعضلة: في الوقت الذي يستفيد فيه العملاء الأوائل من العمل مع مصنِّعي الأدوات لدفع حدود المعرفة إلى الأمام، فإنهم سرعان ما يفقدون هذه الميزة. ونظراً لارتفاع تكاليف التطوير، يحتاج صانعو الأدوات إلى بيع تقنيتهم على نطاق واسع. وعندها فقط يمكنهم تبرير الاستثمارات الكبيرة والمخاطر المرتبطة بتوسيع المدى المتاح أمام التكنولوجيا الجديدة.

يتوقف مقدار الضغوط التسليعية التي تواجهها الشركة على عدد الأصول التكميلية Complementary assets  التي تحتاج إليها للعمل بنجاح (انظر: الأصول التكميلية: ما الذي أحتاجه إلى جانب الأداة؟) ومدى صعوبة تكرار إنتاجها. قد تكون هذه الأصول أدوات أخرى أو قدرات تشغيل محددة. وإذا احتاج المنتِج إلى استخدام أداة بالتزامن مع أدوات أو وصفات أخرى (كما هو شائع في عمليات أشباه الموصلات الأكثر تقدماً)، فمن السهل حماية فضاء المنتَج. ومع ذلك، إذا كانت الأداة هي حجر الأساس والأصول التكميلية يسهل الحصول عليها، فإن التسليع هو النتيجة المُرجَّحة.

الأصول التكميلية: ما الذي أحتاجه إلى جانب الأداة ؟
Complementary Assets: What Do I Need Besides the Tool ?

 ند تقييم مخاطر التسليع، يجب على الشركات أن تنظر في سؤالين رئيسيين: ما مقدار المعرفة التي تتضمنها الأداة، وما هي الأصول التكميلية الأخرى التي نحتاج إليها؟ إذا كانت الأداة تجسد الكثير من المعرفة العملية Know how وتتطلب القليل من الأصول التكميلية، فإن النتيجة المرجحة ستكون الضغط السريع للتسليع. إذ ستزيد الحاجة إلى الأصول والقدرات المكمِّلة من إمكانية الدفاع عن منطقة ما. وفي ظل الظروف الواردة في الربع العلوي الأيسر، مع القليل من المعرفة الضمنية والعديد من الأصول التكميلية المطلوبة، يمكن للمرء أن يستفيد من الحماية التي توفرها حواجز دخول مرتفعة.

هذا الذي  حدث بالضبط  في إنتاج المصابيح LED المستخدمة في الإضاءة المقتصِدة للطاقة. وبمجرد أن امتلكت شركة أداة الإنتاج، كانت القدرات الأخرى سهلة نسبياً. وقد حصل موردو الأدوات الذين أرادوا بيع أكبر عدد ممكن من الآلات على مساعدة من الحكومة الصينية التي كانت سعيدة لمساندة صناعة جديدة مزعزِعة بتقديم دعم لشراء الأدوات. ومع ذلك، بمجرد الإفراط في القدرات وبلوغ مرحلة التسليع شديد التنافس لم يكسب أحد عدا مصنعي الأدوات. واشتكى أحد كبار المديرين في إحدى الشركات الأوروبية الرائدة في مجال تصنيع المصابيح LED من أن شركته أُخرجت من قطاعات السوق الضخمة وتعين عليها أن تتراجع إلى الأسواق المتخصصة. وحتى ذلك كان من الصعب الحفاظ عليه مع مرور الوقت.

اتبعت السَّلْسَلَة الجينية مسارا مماثلاً. وكانت الميزة التنافسية الرئيسية لشركة بي جي آي BGI، وهي شركة تعمل في مجال السَّلْسَلَة الجينية ومقرها شنجن Shenzhen في الصين، قدرتها على جمع رأس المال لشراء أحدث آلات السَلْسَلَة التي تتضمن الخطوات العملية الصعبة. وبمجرد حصولها على الآلات وظفت “لاعبي” حاسوب ودربتهم على توفير الدعم للبرمجة. ومكن هذا الشركة من خفض تكلفة السَلْسَلَة بشكل كبير وتحويله إلى سلعة. واتبعت شركات صينية أخرى مساراً مماثلاً وحولت الصين إلى “القوة العظمى في الحمض النووي” “DNA superpower”.

تخفيض حواجز الدخول
Lowering Entry Barriers

تعد القدرة على توصيل المعلومات التفصيلية حول تصميم وعملية تصنيع منتج مادي أمراً أساسيا لإنتاج كميات كبيرة منه. وقبل عصر الحوسبة كان ذلك يتم باستخدام رسومات هندسية مرسومة بخط اليد. وقد بدأ التصميم بمساعدة الحاسوب  Computer-aided design  (اختصارا: البرمجيات  CAD) بأتمتة عمليات الرسم، ولكن مع تقدمها فتحت هذه البرمجيات البابَ أمام أدوات النمذجة والمحاكاة التي أتاحت للمهندسين قدرات عالية لتصميم المنتجات المتطورة. في ذلك الوقت لم يفكر أحد في التصميم بمساعدة الحاسوب بالفعل كوسيلة لنقل المعرفة. مع ذلك، وأثناء دراسة حالة حول نمو صانع دراجات نارية صيني في عام 2010، أدهشني الدور الذي قام به التصميم بمساعدة الحاسوب وأدوات التصنيع بمساعدة الحاسوب خلال مرحلة تقليد هذه الصناعة، عندما انكبت شركات على نسخ أجزاء الدراجات النارية اليابانية وجمعها لتصنع دراجات كاملة. وكان للانتشار واسع النطاق لبرنامج أوتوكاد AutoCAD، وهو برنامج  رائد من برمجيات CAD معد للحاسوب الشخصي، دور تحوُّلي. وقامت المتاجر الصغيرة بالنسخ الضوئي للأجزاء ووضعتها في نماذج AutoCAD. وبعد ذلك ادخلت عليها تحسينات وتوصلت إلى تصميم أدوات إنتاج محوسبة.

في صناعات الدراجات النارية والسيارات، مكنت البرمجيات CAD الشركات من تصميم الأجزاء وتجميعها، ولكن القدرة على تطوير وتحسين الأنظمة الميكانيكية الكاملة (على سبيل المثال: ضبط الخصائص الحرارية أو اهتزاز المركبة) كانت أكثر تعقيداً. هنا دخلت الميدان أدوات المحاكاة المحوسبة التي يمكنها تقييم الخصائص الميكانيكية والديناميكية لمجموعة معقدة، مثل محرك كامل أو ناقل حركة. وبفضل أحدث الأدوات الهندسية بمساعدة الحاسوب، امتلك المهندسون القدرةَ على تحديد المشكلات المحتملة (مثل: الضوضاء أو الاهتزاز) ثم استخدام المحاكاة لتحسين حلولهم.

إن مصنِّعي السيارات الصينيين هم الصورة المثالية المعبرة عن هذا النمط من التطور. وقبل عشر سنوات، لم تكن السيارات التي تنتجها شركات مثل بي واي دي أوتوBYD Auto Co. Ltd. ومقرها شنجن Shenzhen أو دونغفنغ موتور Dongfeng Motor Corp في ووهان Wuhan تضاهي أياً من المنتجات التي تصنِّعها الشركات الألمانية أو اليابانية أو الأمريكية. ولكن في الآونة الأخيرة، بدأوا بعرض سيارات محلية الصنع مزودة بناقلات حركة أوتوماتيكية مزدوجة بست سرعات Six-speed dual-clutch automatic transmissions وشواحن توربينية وغيرها من الميزات التي استغرق في السابق تطويرها جيلاً كاملاً من الخبرة الهندسية. وعلى امتداد العقد الماضي، صارت هذه الشركات الصينية تنافس فولكس فاغن Volkswagen وهوندا Honda وجنرال موتورز General Motors (وهو أمر مدهش، نظراً لأن بي واي دي لم تدخل سوق السيارات على محمل الجد حتى عام 2003).

إن التصميم المتطور وأدوات المحاكاة هي عناصر لا بد منها في تصميم المنتجات الحديثة. فقد أضفت مجموعات الأدوات التي تسمح للشركات بتحليل الهيكليات والضوضاء والاهتزاز والصوتيات والسلوك الحراري وتدفق السوائل والحركة والديناميكيات طابعاً ديمقراطياً على التصميم. وخفَّضت حواجز الدخول في القطاعات التي تعتمد على العمل الهندسي الكثيف وأتمتت عملية الابتكار التراكمي أو حوَّلتها إلى عملية تشغيل آلية وسمحت لوافدين جدد إلى السوق بالوقوف على قمة هرم من الابتكارات السابقة. باختصار، أطلقت العنان لقوة جبارة تقود عملية التحول السلعي في الأسواق المُعولَمة.

ارتفاع مستوى التجريد
The Rising Level of Abstraction

البرمجة هي في أبسط مستوياتها الأساسية عبارة عن سلسلة من الرقمين 1 و0 تخبر الدوائر بما يجب فعله. ولكن إذا كان عليك أن تقلق بشأن التفاصيل في كل مرة تكتب فيها برنامجاً، فستغيب عنك الصورة الكبرى. فقد سهّلت اللغات الرمزية Symbolic Languages والأساليب الأكثر تقدماً استخدام أشياء وطبقات البرمجة تسهيلا كبيرا. وقد ذهب البعض إلى حد القول إن تاريخ برامج الحاسوب يمكن وصفه على أساس ارتفاع مستويات التجريد.[xii]

لقد كان الارتقاء بمستوى التجريد موضوعاً مطروحاً بقوة في القطاعات الأخرى أيضاً. صارت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية مع أجهزة الاستشعار وشاشات اللمس وقابليتها للبرمجة لبنات بناء أساسية للأدوات التي قد تقوم بمجموعة واسعة من الأمور بما في ذلك مراقبة صحة المرضى وآلات التحكم وإعطاء تعليمات إلى الأقمار الاصطناعية الميكروية Microsatellites المسافرة عبر الفضاء. حتى أن منصات الحوسبة السحابية تتيح المزيد من التجريد. لست بحاجة إلى أن يكون لديك مركز بيانات خاص بك – يمكنك أن تتصل بخدمة تقوم بكافة الأعمال ذات المستوى المنخفض. ويُمكِّننا التجريد من الحصول على لبنات بناء التكنولوجيا القوية ويحررنا من الاضطرار إلى فهم كيف تعمل.

القواعد الجديدة للمنافسة
The New Rules of Competition

نظراً للآثار العميقة لتدفقات المعرفة الضمنية Embedded knowledge في تسليع التقنية الفائقة، فإنه لمن الأهمية بمكان أن يفهم المديرون نقاط ضعفهم ويعالجوها. وسيكون لدى الوافدين الجدد إلى قطاعات التكنولوجيا وخصوصاً من الصين “نقاط انطلاق” كان تطويرها يستغرق في السابق سنوات أو حتى جيلاً كاملاً. وفي بعض الحالات ستكون لدى الشركات الناشئة الفتية القدرةُ على الحصول على الأصول التكميلية بسرعة؛ وفي حالات أخرى، قد تكون مقيدة بالتشريعات المُنظِّمة وحقوق الملكية الفكرية أو الصعوبات المتأصلة المتصلة باستيعاب التعقيد ومعالجته. ومع ذلك، ينبغي على الشركات القائمة أن تتوقع المزيد من ضغوط الأسعار مع دخول طاقة الإنتاج إلى السوق. وسيستفيد الوافدون الصينيون -الذين يحظون بسوق محلية ضخمة تمكنهم من خلالها ممارسة عمليات الإنتاج وتحسينها- سيستفيدون من الإنتاج على نطاق واسع مما يُعزِّز من مزايا التكلفة المنخفضة.

ما الذي يمكن أن يفعله المديرون لحماية ميزتهم الناتجة من الملكية الفكرية المُسجَّلة؟ ما هي أنواع التميُّز في المنتجات التي يمكن الدفاع عنها بمرور الوقت؟ فيما يلي عدة استراتيجيات استخدمتها الشركات للتعامل مع ضغوط التسليع.

 دلا من القلق بشأن الأجزاء السلعية في سلسلة القيمة Value chain، يجب التركيز على تصميم الأنظمة المعقدة وعلى النواحي القابلة للحماية. فقد اعتمد العديد من الشركات هذا النهج لا سيما حيث يمكن فصل المنتج إلى عناصر سلعية وأخرى تعد ملكية فكرية. على سبيل المثال، تصنِّع جنرال إلكتريك للطيران GE Aviation العديد من مكوناتها (مثل الأجزاء سهلة النسخ في محركاتها التجارية النفاثة) في مناطق منخفضة التكلفة ولكنها تصنع ما تعتبره أجزاءً مهمة (مثل الشفرات المُركَّبة من مادة السيراميك وأجهزة الاحتراق) بنفسها وتقوم بالتجميع النهائي في مصانعها. ويصعب تقليد قدرات تكامل الأنظمة المعقدة لدى شركة جنرال إلكتريك، على الأقل في الوقت الحالي. وتقوم شركات أخرى ، مثل آي بي إمIBM ، بإعادة توازن محافظها دوريا وتخرج من القطاعات المُسلَّعة.

في القطاعات التي تكون فيها المعرفةُ العملية بكيفية استخدام الأدوات عاليةً، يعتمد التميز على توسيع حدود التصميم لما هو ممكن والتوسع بسرعة في الانتاج. فإذا كنت تعتمد على أدوات متطورة، فمن المنطقي أن تتجاوز قدرات الأداة للبقاء على مسافة من منافسيك.

يطبق مصنعو الشرائح الإلكترونية مثل شركة إنتل Intel Corp. وشركة تايوان لصناعة أشباه الموصِّلات Taiwan Semiconductor Manufacturing Co. هذه الاستراتيجية بحكم الضرورة. إنهم يحاولون البقاء عند حدود قدرات الأدوات عن طريق الدفع باتجاه تحقيق التقدم في منتجات مثل الترانزستورات العمودية (المعروفة بـ finFETs، نظراً لشبه بنيتها بالزعنفة Fin) والتي تعتمد على خبرات عميقة في الفيزياء وعلوم المواد. ويصعب الحصول على الأصول التكميلية اللازمة للمنافسة في مجالات تقنية جديدة (مثل مهارات النمذجة على المستوى الذري)، الأمر الذي يبطئ عملية التسليع.

تركيز التميز على ما هو واضح كملكية فكرية والدفاع عنه بشراسة. فحتى في المصابيح LED ذات التنافسية المذهلة، نجحت بعض الشركات في ترسيخ موقع مربح من خلال حماية مجموعات كيميائية محددة من المواد وتصاميم أجهزة مادية مستخدمة في التصنيع. وعلى سبيل المثال، تنتج نيكيا Nichia Corp وهي شركة مواد إلكترونية يابانية مقرها توكوشيما، مصابيح LED محمية ببراءة اختراع في أجزاء من الطيف اللوني يصعب صنعها (لإنتاج الضوء الأبيض) وقد دافعت بقوة عن براءاتها. وبقدر ما قد تبدو هذه الاستراتيجية واضحة، فإنها لا تنجح سوى عند التعامل مع الابتكارات التي يمكن فيها الكشف عن الاختراع الأساسي، وإلا فلا طائل من الكشف عن الاختراعات غير القابلة للاكتشاف/أو القابلة للإنفاذ. كما أنها تقترح أن الإفصاح الدفاعي Defensive disclosures – أي نشر أساليب العمل أو التصاميم لمنع الآخرين من تسجيلها كبراءات اختراع لهم – قد يكون استراتيجية فعالة. وبينما لا يزال إنفاذ حقوق الملكية الفكرية يطرح صعوبات في أسواق مثل الصين، فمن المرجح أن يتحسن الوضع مع إدراك الشركات الصينية أنها بحاجة إلى الحماية كذلك. وهذا هو النمط الذي عرفه قطاع معدات الاتصالات.

حماية المعرفة العملية المتصلة بعملية التشغيل في النواحي التي يصعب اكتشافها. يتطلب هذا الإجراء من الشركات مراجعة سياساتها التجارية السرية مع التركيز بشكل خاص على حماية المعرفة بشأن الأصول التكميلية، ومن ثم توثيق هذه السياسات وتطبيقها. كما يقترح أن تفكر الشركات ملياً فيما يجب أن تسجل براءة اختراعه مقابل ما يجب حمايته بصفته سراً تجارياً. (انظر: ما الذي يجب أن تحميه الشركات؟)

ما الذي يجب أن تحميه الشركات؟

تكون البراءات منطقية عندما تكون هناك طرق محدودة لتنفيذ الاختراع وعندما يكون من الممكن معرفة أن البراءة قابلة للاستخدام. فإذا لم يكن من الممكن الكشف عن طرق الاستخدام (كما هي الحال عادةً في عملية التصنيع)، فإن براءات الاختراع لا تخدم سوى في إخبار الآخرين بكيفية القيام بشيء ما؛ وبدلاً من تسجيل براءات الاختراع قد يكون من الأفضل حماية الاختراع باعتماد سياسة توفير حماية قوية للأسرار التجارية. فإذا كان هناك العديد من الطرق لفعل شيء ما، فقد يكون من الأفضل اللجوء إلى الإفصاح الدفاعي ونشر الفكرة، بحيث لا يتمكن الآخرون من منعك من استخدامها عن طريق تسجيل براءة اختراعها في تاريخ لاحق.وللمفارقة، فإن العديد من الشركات التي استفادت ذات يوم من الدراية المتضمنة في الأدوات في آسيا صارت اليوم تدافع بشراسة عن حماية الأسرار التجارية وذهبت حتى إلى حد الحرص تماماً على من تسمح لهم بزيارة منشآتها الإنتاجية. وصارت شركة لتصنيع مصابيح LED درستها في عام 2015 منخرطة إلى حد كبير في دعاوى انتهاك براءات الاختراع. وفي جولة في العام الماضي لأحدث مصنع لأشباه الموصلات في تايوان، قيل لنا إنهم يرحبون بزيارتنا حديقة الطمأنينة Tranquility garden، ولكن لا يمكننا دخول منشأة الإنتاج. وعلى الرغم من أن المديرين التنفيذيين يتوقعون أن تتسرب معرفتهم في نهاية الأمر (غالباً من خلال التوظيف المستهدف Targeted hiring من قبل المنافسين في الصين)، فإنهم يأملون بتأخير ذلك لأطول فترة ممكنة.

ولكن في بعض الشركات ، لا يمكن للأدوات أن تفعل الكثير. وهنا قد تكون الأصول التكميلية عاملا مميِّزاً حاسماً. فقد رأيت هذا مؤخرا في منشأة لقطع الماس في جنوب شرق آسيا. وفي الماضي، كان قطع الماس يتطلب مهارات متخصصة، وكان يؤديه في الأساس حرفيون مدربون تجمع كثير منهم في أنتويرب في بلجيكا. لكن أدوات التحليل الجديدة المحوسبة وأجهزة القطع بالليزر أدت إلى إزاحة الحرفيين وتحويل قَطع الماس إلى سلعة. ولا يزال المُنتِج الراقي الذي زرتُه يمتلك قدرات متطورة في مجال تصميم المجوهرات مكنته من استخدام الماس بطرق فريدة كما أن لديه علاقات عميقة في مجال التوريد والتوزيع. هذه العلاقات والقدرات – وليس خبرته في القطع – كانت العوامل التي حمت مكانته في السوق. وأدوات الإنتاج والتصميم المتطورة التي تتضمن المعرفة تبسط عملية الابتكار والإنتاج. فهي تجعل من السهل على المنافسين الجلوس على قمة هرم المعرفة المتراكمة الذي يجعل بدوره تصنيع المنتجات التي تتطلب تكنولوجيا مكثفة أمرا ممكنًا. وهذا التحول سوف يولد منافسين عالميين جدداً، ويضع خيارات جديدة في متناول المستهلكين. ولكنه سينطوي كذلك على تحديات قاتمة وربما وجودية لقادة السوق الراسخين. وستؤدي الزيادة السريعة في عملية التحول السلعي إلى زيادة رهانات استراتيجيات الابتكار وأهمية الأصول التكميلية.

عن المؤلف

ويلي شيه Willy Shih (@WillyShih_atHBS) أستاذ كرسي روبرت وجين سيزيك في ممارسة الإدارة من كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد في كامبريدج، ماساتشوستس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق