فلك وعلم الكونيات

خلل عند حافة الكون قد يقود إلى إعادة صياغة الفيزياء

يُحدد أحد الأعداد الغامضة كيفية عمل الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء. لكنّ تشير مجموعةً من التجارب المثيرة للجدل إلى أنه ليس عدداً واحدا فقط.

بقلم: مايكل بروكس Michael Brooks
ترجمة: همام بيطار

إنه سرٌّ جرى الحفاظ عليه جيداً، لكننا نعرف الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالحياة والكون وكل شيء؛ وهذه الإجابة ليست 42 وإنما 1/137.

يحدد هذا العدد الثابت آليةَ احتراق النجوم، وطبيعة الكيمياء، إضافة إلى إجابته عن السؤال المتعلق بإمكانية وجود ذرة ما من عدمه. وقد دعاه عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان Physicist Richard Feynman، وهو الذي يعرف أمراً أو اثنين عن هذا العدد، بـ “أحد أعظم الألغاز اللعينة في الفيزياء: إنه عدد سحري يظهر لنا دون أن نفهمه!”

والآن يزداد لغز هذا العدد غموضاً، فهنالك إشارات تدل على أنه ربما لا يكون ذلك الثابت الكوني الذي افتراضناه، وإنما يتغير ببطء بمرور الزمن وبتغير المكان. ستكون لهذه الحقيقة، إذا ما تأكدت، نتائج عميقة في كيفية فهمنا للفيزياء، وستجبرنا على إعادة النظر بالافتراضات الأساسية المتعلقة ببنية الواقع. وفي حين يحتدم الجدل بخصوص هذه الاكتشافات الجديدة وتأثيراتها، إلا أنّ التجارب الموجودة التي تنظر إلى أعماق الكون، وتلك التي تدرس البنية الدقيقة للواقع في المختبرات، ربما تقودنا إلى حكم نهائي بخصوص هذه القضية.

والفكرة المتعلقة بكون ثوابت الطبيعة -أشياء مثل سرعة الضوء، وشدة القوى، وكتل الجسيمات المختلفة- التي ربما لا تكون ثابتة جداً لها تاريخ عريق. ففي عام 1937 أرسل عالِم الفيزياء بول ديراك Paul Dirac إلى مجلة نيتشر Nature مقالا يُشكك فيه بمحاولات عالم الفلك آرثر إدينغتون Arthur Eddington حساب الثوابت من الصفر معللاً ذلك بالقول: ما الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأنها لم تتغير قطُّ بمرور الزمن الكوني؟

يقدم ثابت البنية الدقيقة، المعروف بالثابت “ألفا” Alpha، مثالاً على ذلك. يقبع هذا الثابت في صميم نظرية وضعها ديراك وعمل فاينمان على تطويرها: الإلكتروديناميكا الكمية Quantum electrodynamics، أو اختصاراً النظرية QED، التي تُمثل النسخة الكمية للقوة الكهرومغناطيسية وتصف التفاعلات بين الضوء والمادة.

يحدد الثابت السابق شدة هذه القوة، وهو ناجم عن سرعة الضوء، وشحنة الإلكترون، والعدد pi -هنالك عدد قليل من النظريات الفيزيائية المكتملة من دون الحاجة إلى العدد pi- وزوجٌ من الثوابت الأساسية المرتبة بحذر، بحيث تُؤلف عددا مستقلا عن تأثير الإنسان، وهو: 0.00729735، وهي طريقة مختصرة للتعبير عن 1/137.

غيِّرْ هذا العدد بمقدار ضئيل جدا، وستغير حينها الكون كله. فإذا ما قمت بزيادته جداً، حينها ستدفع البروتونات بعضها البعض بشدة كبيرة بحيث لن تتمكن نوى الذرات الصغيرة بعد ذلك من البقاء متماسكة. وإذا ما مضيت أبعد من ذلك بقليل، ستتوقف حينها مصانع الاندماج النووي الموجودة داخل النجوم ولن يكون بمقدورها بعد ذلك إنتاج الكربون الذي يعتبر عنصراً أساسياً للحياة. وإذا ما جعلت قيمة ألفا أصغر بكثير من ذلك، ستتحطم حينها الروابط الجزيئية عند درجات حرارة أقل؛ مما سيؤثر كثيراً في العديد من العمليات الأساسية للحياة.

حفنة من الثوابت A fistful of constants

هنالك مصدر قلق كبير لعلماء الفيزياء يتمثل بحاجة نظريتنا عن الطبيعة إلى إقحام مجموعة من الأعداد العشوائية لجعلها تعكس الواقع، إذ لا يبدو لنا وجود نظام أو سبب محدد وراء تلك الأعداد. فهي ببساطة موجودة، وعلينا قياسها تجريبياً.

  • يتطلب النموذج القياسي في فيزياء الجسيمات Standard model of particle physics وجود 19 عدداً من تلك الأعداد بما في ذلك ثابت البنية الدقيقة المعروف بألفا، وكذلك كتلة بوزون هيغز (Higgs boson)، إضافة إلى سلالة كاملة من كتل الجسيمات المميزة، وقوى التفاعلات.
  • لإعادة استنتاج الفيزياء عموماً، عليك إضافة ثابت الجاذبية (G)، وسرعة الضوء، وثابت بلانك Planck constant التي تمثل معالم الأحجام الأساسية للأشياء الكمومية.
  • يتطلب النموذج الكوني القياسي 12 معاملا آخر بما في ذلك ثابت هابل Hubble constant الذي يصف معدل توسع الكون، وعوامل أخرى لمعالجة كثافة كل من الطاقة المعتمة والمادة المعتمة.

وعلى الأقل فوق الأرض ثابت ألفا محدد تماماً، إذ بيَّنت التجارب أنه يتغير موضعياً بنحو بضعة أجزاء لكل 10 بلايين وهذا مقدار غاية في الصغر؛ مما يجعل من قياسه، على سبيل المثال، أكثر دقة بنحو 100 ألف ضعف من قياس ثابت الجاذبية G المسؤول عن تحديد شدة الجاذبية،.

لكن ديراك ألمح إلى احتمال أن التفاعلات الكهرومغناطيسية ربما كانت أشد أو أضعف في الماضي، أو أنها مختلفة في الأجزاء البعيدة من الكون، وقد يكون ذلك مهماً في وقتٍ يبدو فيه أن الفيزيائيين وصلوا إلى طريق مسدود في سعيهم إلى الكشف عن حقائق الواقع الأكثر عمقاً. يقول كارلو روفالي Carlo Rovelli من جامعة أكس-مارسيليا University of Aix-Marseille في فرنسا: “لدينا مجموعة من الأسئلة الأساسية عمرها أكثر من نصف قرن، ولم تتناقض قطُّ مع أي قياس،” ويضيف باولو مولارو Paolo Molaro، الذي تركز أبحاثه على التغييرات الحاصلة في الثوابت الكونية في مرصد ترايست الفلكي Astronomical Observatory of Trieste بإيطاليا: “إذا تمكنا من الحصول على قياس يختلف عن تلك السابقة، فإن ذلك الاكتشاف سيكون مهما جداً، فأخيراً لدينا شيء جديد،” ويتابع قائلا: “إذا كانت التغيرات موجودة، فإنها ستكشف النقاب عن فيزياء جديدة.”

على سبيل المثال، يتضمن ذلك وجود أبعاد إضافية. وتقترح نظرية الأوتار String theory أحد الرهانات المدعومة جداً كممثل للجيل القادم من نظريات الفيزياء- وجود أبعاد صغيرة جداً وملتوية لا يُمكننا رؤيتها. ولذلك تأثير في العديد من الأشياء مثل ثابت ألفا. يقول عالم الكونيات جون بارو John Barrow من جامعة كيمبريدج University of Cambridge: “تنخفض مكانة المقادير التي ندعوها ثوابت بعض الشيء إذا كنت تعتقد بوجود أبعاد إضافية،” ويتابع قائلا: “إذا كانت هناك حقاً تسعة أبعاد أو عشرة للفضاء، وثلاثة منها كبيرة فقط، ستكون ثوابت الطبيعة غير المتغيرة موجودة حينها في العدد الكلي للأبعاد، وتلك الظلال ثلاثية الأبعاد التي نرصدها ليست ثوابت حقيقية.”

أما بالنسبة إلى عالم الفيزياء جون ويب Jhon Webb، فقد صار احتمال تغير الثابت ألفا مسألة أقرب إلى الهوس منذ أكثر من عقدين من الزمن. ففي عام 1996 كان ويب يعمل كباحث شاب مع بارو، وبعدها عمل في جامعة سوسيكس University of Sussex في المملكة المتحدة، وقد انغمس العالمان في مسألة مناقشة ديراك لصحة الثوابت، وقد تساءل ويب حينها عما إذا كان الضوء المجموع من أقوى تلسكوباتنا قادراً على حل هذه المسألة.

موطئ قدم Getting a toehold

بدأ بعضٌ من هذا الضوء رحلته منذ فترة طويلة جداً. وباستطاعة تلسكوبات “كيك” Keck telescopes الموجودة على قمة ماونا كيا، أعلى نقطة في هاواي، التقاط الضوء الصادر عن مراكز المجرات فائقة السطوع (الكوازارات Quasars) التي تبعد عنا 12 بليون سنة ضوئية. يعبر الضوء على طول رحلته نحو الأرض سُحباً من الغازات التي تمتص أطوالاً موجية محددة؛ مما يقدم بصمة فريدة لثابت ألفا. ويقول ويب: “إذا غيّرت قيمة ثابت ألفا، فذلك يعني أنك تُغير أيضاً قوة التجاذب بين الإلكترونات ونوى الذرات،” وهذا يُعدل بدوره الأطوال الموجية المُمتصة من قبل ذرة معينة؛ مما يعني أن طيف الامتصاص Absorption spectrum يمنحنا بصمة خاصة بقيمة ثابت ألفا عند اللحظة التي استُخلص فيها الطيف.

لقد طوّر ويب جنباً إلى جنب مع زملائه من جامعة نيوساوث ويلز University of New South Wales طريقة جديدة لتحليل أطياف الامتصاص المعقدة تلك، وقد طبقوا هذه الطريقة على بيانات الكوازارات المستخلصة من تلسكوبات كيك. وحصل الفريق الذي يضم أيضاً بارو، على أولى النتائج في عام 1998، وقد أشارت هذه النتائج إلى أنّ قيمة ثابت ألفا زادت بنحو ستة أجزاء في المليون في الفترة الممتدة بين 12 إلى 6 بلايين سنة مضت، وهذه الزيادة لم تكن كافية للتأثير في الفيزياء بذلك الوقت، لكنها كانت تغيراً.

كانت تلك النتيجة مثيرة، وقد صدقها عددٌ قليل فقط من الأشخاص -ربما لسببٍ جيد. ويقول بارو: “إن البحث عن تغيرات في قيمة ثابت ألفا أمرٌ صعبٌ جداً من الناحية التقنية،” إذ لدينا 23 طيفا فقط، وجميعها قادم من التلسكوب كيك مما يؤدي إلى ارتفاع احتمال وقوع خطأ منهجي في عين التلسكوب التي كانت تمسح الفضاء حينها.

مثّلت تلك البيانات بداية شوط طويل من لعبة القط والفأر. وسينشر ويب ومجموعة من المتعاونين معه تحليلاً جديداً يبرهن على حصول تغير في قيمة الثابت معتمدين في ذلك التحليل على بيانات مختلفة، وستقوم مجموعات أخرى بدراسة ودحض تلك النتائج. وفي كل مرة يدحض فيها فريق ويب تفنيدات فرق أخرى وذلك عن طريق العمل على إيجاد مصادر لأخطاء منهجية في تلك التفنيدات. وفي الوقت نفسه، فقد تمكن الفريق من الحصول على بيانات من تلسكوب آخر هو التلسكوب الكبير جدا VLT الموجود في مرتفعات صحراء الإنديز التشيلية.

يتضمن ادعاؤهم الأخير بخصوص تغير ثابت ألفا أنّ ذلك الثابت يتغير بشكلٍ تدريجي وخطي تقريباً بالنسبة إلى البعد عن الأرض. ويقول ويب: “إذا ما سافرنا مسافة تعادل تلك التي تحركها الضوء منذ حصول الانفجار الكبير Big bang، فإننا سنجد أنفسنا حينها في جزء من الكون تبدأ الفيزياء فيه لتوها بالتغير بشكلٍ ملحوظ قليلاً.” يواصل الكون توسعه منذ لحظة الانفجار الكبير، ولكن كذلك يتوسع الكون بما هو أكثر من ذلك. ويقترح ذلك التغير الخطي أنّ قيمة ثابت ألفا ربما تتغير بشكلٍ كافٍ جداً لدرجة أن الكون نفسه سيبدو مختلفاً جذرياً. يقول ويب: “ربما يكون مختلفاً جداً إلى درجة أن الحياة كما نعرفها لا يمكن أن توجد.”

يعترف ويب أيضاً أن تلك النتائج لاتزال مثيرة للجدل، فهوامش الخطأ في البيانات كبيرة جداً، كما أن ذلك التغير قد يختفي إذا ما كان لدينا قياسات أفضل، وميشيل مورفي Michael Murphy من جامعة سوينبورن Swinburne University متأكدٌ من حتمية ذلك. وقد عمل ميشيل على موضوع ثابت ألفا لسنوات عديدة، وقد كان ويب مشرفاً على رسالته للدكتوراه. وإذا ما استثنينا ويب، فإنّه لا يوجد أحد يعرف المعدات وطرق تحليل البيانات أكثر من ميشيل الذي ادّعى عام 2014 أنه اكتشف خطأً يُقصي الادعاءات المتعلقة بتغير ثابت ألفا نهائياً.

أدرك مورفي وزميله جوناثان وايتمور Jonathan Whitmore من جامعة سوينبورن أن الضوء الصادر عن المصباح المستخدم في معايرة جهاز القياس لا يتمتع بالتوتر والاستقطاب نفسهما الخاصين بالضوء الكوني. وعندما أعادا معايرة الجهاز باستخدام الضوء القادم من أجسام فلكية قريبة كالشمس، أو النجوم الشبيهة بها، أو حتى الضوء المنعكس عن الكويكبات، أدى ذلك إلى تغير النتائج. يقول مورفي: “اكتشفنا أنّ ذلك يقود إلى تغير الطيف جذرياً، إذ انزاحت بعض خطوط الطيف نحو خطوط أخرى، كما ابتعدت خطوط أخرى عن بعضها ويعتمد ذلك التغير على موضعك في الطيف،” ويتابع قائلاً: “ذلك كافٍ لتوليد انطباع بتغير ثابت ألفا.”

دحض ويب مع زميله فينسنت دومونت Vincent Dumont من جامعة كاليفورنيا University of California في بيركلي ذلك التفنيد عام 2017، إذ ادعى الاثنان أن تحليل البيانات ذلك فيه عيوب وينطبق فقط على مجموعة جزئية من نتائج التلسكوب الكبير جداً VLT، وليس على النتائج الأصلية لتلسكوب كيك. واعترف مورفي بصحة هذه النقطة، لكنه يواصل القول إنّ تلك النتائج ضعيفة.

لكن، لا يرغب مورفي في ترك الموضوع، إذ يعلق على الأمر قائلاً: “لا نزال لا نفهم الثوابت الأساسية، وذلك الدافع لم يتغير حتى الآن،” ويتابع قائلا: “تعودنا على قياس تلك الأشياء بأفضل ما نستطيع عندما يكون ذلك متاحاً. علينا إنجاز تلك الأمور بشكلٍ مختلف -وأفضل- في المستقبل.”

وهذا ما يحصل حالياً. إذ تهدف التجارب المختبرية الجديدة إلى قياس قيمة ألفا بدقة أكبر من أي وقتٍ مضى. وفي الوقت نفسه ستبدأ أداة جديدة عملها في موقع التلسكوب الكبير جداً VLT في نوفمبر القادم، وهي المرصد الطيفي المستقر للكواكب الخارجية الصخرية Echelle Spectrograph for Rocky Exoplanet and Stable Spectroscopic Observation (اختصاراً: المطياف ESPRESSO)، وتعتبر هذه الأداة الحلم بالنسبة إلى قياس أطياف الكوازارات البعيدة وفقاً لتقديرات مورفي الذي يصفها قائلاً: “إنه مطياف فائق الاستقرار وسيجيب حتماً على هذا السؤال.”

“قد يكون الكون مختلفاً جداً في بعض أجزائه إلى درجة لا يُمكن للحياة كما نعرفها أن توجد”

يقول فرانشيسكو بيبي Francesco Pepe، وهو كبير باحثي الأداة الجديدة، إنه لن يكون من السهل تشغيل المطياف ESPRESSO. ففي البداية سيتعين عليهم معايرة الأداة والتمكن من التعامل معها. ويقول بيبي: “نشعر أنه سيكون بمقدورنا في نهاية عام 2019 تأكيد الادعاءات الحالية -أو أو استبعادها- بخصوص تغير قيمة ثابت البنية الدقيقة (ألفا) وصولاً إلى مستويات تبلغ بضعة أجزاء في المليون،” كما أنه سيكون بمقدور المطياف ESPRESSO البحث عن التغيرات الحاصلة على امتداد فترة زمنية تصل إلى 10 بلايين عام -وربما أكثر- وسبر كامل الكون المرئي. ويعلق بارو على ذلك بالقول: “أعتقد أن احتمالات إحراز تقدم كبير صارت جيدة جداً.”

وفي الوقت نفسه سيكون ويب أعمى من الناحية العلمية، إذ إنّ حساب قيمة ألفا بالاعتماد على أطياف كوزارات بعيدة يتضمن اتخاذ قرار ذاتي يتعلق باختيار أجزاء من الطيف لإجراء القياس، وفي بعض الأحيان نتعرض لإغراء تجاهل بعض المناطق “غير المهمة” من الطيف لأن عدد خطوط الامتصاص داخلها قليل جداً، لكن هذه التبسيطات قد تقود إلى تغيير النتائج. ولتجنب ذلك، فقد وضع ويب والطالب ماثيو بينبريدج Matthew Bainbridge خوارزمية تعليم-آلة تدرس البيانات الخام بعمق، ويضيف ويب: “لقد غيرنا آلية اتخاذ القرار كلياً، ورمينا بالمسألة على عاتق الحواسيب الفائقة.”

سيبدأ ويب بالنظر إلى النتائج بعد أن تنهي الآلة ألف عملية قياس، وهذا يساهم في التقليل من الأخطاء الناجمة عن استثناء الأجزاء التي لا تتناسب مع الفرضية. في الوقت الحالي هنالك نحو 500 قياس، وسيُنجز العمل في المرحلة نفسها التي ينتهي فيها تحليل المطياف ESPRESSO وفقاً لويب.

تغيير فعلي Change on the ground

إنّ عمل جون ويب الرائد والمثير للجدل حول التغيرات في ثابت ألفا يستحضر أيضاً فكرة أن القوانين العالمية للطبيعة ربما لا تكون ثابتة، وإنما تتغير وفقاً للزمن والمكان. ففي شهر يونيو من هذا العام صمم تشارلز كلارك Charles Clark وزملاءٌ له من المعهد الوطني للمعايرة والتكنولوجيا في الولايات المتحدة US National Institute of Standards and Technology تجارب مختبرية باستطاعتها البحث عن التغيرات في ثوابت الفيزياء، وينص أحدها ببساطة على مزامنة ساعتين ذريتين ومن ثمّ مراقبة فيما إذا كان ذلك التزامن يتغير مع مرور الزمن.

ربما تقدم هذه التجارب معياراً ذهبياً يُمكن مقارنة أي قياس مستقبلي للتغيرات معها، كما أنها تُعطينا أدلة تساعد الفيزيائين على تجاوز النموذج القياسي في فيزياء الجسيمات الذي يُعتبر أكثر الأوصاف تماسكاً بالنسبة إلى كيفية عمل الكون. ويقول كلارك: “نعلم أن النموذج القياسي سيفشل في موضعٍ ما. كما أن التغيرات لن تكون منسجمة مع النظريات السائدة في الفيزياء.”

وفي وقتٍ مبكر من هذا العام قدمت مجموعة من التجارب أكثر القياسات دقةً للثابت ألفا فوق سطح الأرض، فقد راقب هولغر مولر Holger Müller وزملاؤه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي التفاعلات الحاصلة بين الفوتونات وذرات السيزيوم بهدف قياس قيمة ألفا بدقة تتجاوز جزء من البليون، وهذا كافٍ لاستبعاد بعض الاقتراحات المتعلقة بنماذج بديلة للنموذج القياسي في الفيزياء وما زلنا في انتظار المزيد. ويقول مولر: “نقوم بتصميم تجربة جديدة، ونعتقد أيضاً أنه سيكون بوسعنا كسب المزيد من الدقة خلال السنوات القليلة المقبلة.”

ولكنّ ويب يعتقد أن التجارب الأرضية تركّز على المكان الخطأ، فأي تغير في قيمة ألفا سيكون قابلا للقياس عند عتبات الأحجام الكونية فقط، ويتابع القول: “على سبيل المثال، من المحتمل أن تلك التغيرات كانت سريعة في المراحل المبكرة من عمر الكون، لكنها صارت قليلة في عصرنا الراهن، أو أنها توقفت تماما،ً” ويضيف: “إذا كانت الحال كذلك، فإن التجارب الأرضية لن تتمكن على الإطلاق من اكتشاف أي تغير مهما كانت دقتها.”

مايكل بروكس Michael Brooks مستشار نيوساينتيست

نشرت المقالة في مجلة نيوساينتيست، العدد ، 6 أكتوبر 2018

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق