التاريخعلم السياسة

مُؤرّخٌ يرى وجود تناظر بين روما القديمة وأمريكا الحديثة

"الجمهورية الهالكة: كيف هَوَت روما إلى الاستبداد"

المؤلف: إدوارد جيه. واتس

صفحات: 336

منشورات: بيسك بوكس Basic Books

السعر: 32 دولار.   

ترجمة: مي منصور بورسلي

على مشارف بدايات القرن الثالث قبل الميلاد واجهت جمهورية روما خطرا هدد هيمنتها على شبه الجزيرة الإيطالية تهديدا كبيرا. وفي سلسلة من المعارك الوحشية، وبمساعدة استعراض مرعب من عشرين فيلا تستخدم في الحروب، استطاع بيروس الإبيري Pyrrhus of Epirus إلحاق الهزيمة بجيوش روما. وعندما عرض بيروس على روما معاهدة سلام متساهلة نسبيًا، كان معظم كبار رجال الدولة حريصين على إبرام الصفقة.

وقد ذكر إدوارد جيه. واتس Edward J. Watts في كتابه الجمهورية الهالكة Mortal Republic، أنّ القوة الهائلة للمؤسسات السياسية في روما هي التي حولت انتصار بيروس إلى هزيمته هزيمةً نكراء صارت مضرب المثل. فعندما اجتمع مجلس الشيوخ Senate في روما لمناقشة عرض الصلح، دخل عضو كفيف وكبير في السن يدعى أبيوس كلاوديوس Appius Claudius إلى المبنى وقد حمله أبناؤه.  وحينما ساد الهدوء القاعة، وقف ليوبِّخ زملاءه، وقال: “لطالما اعتبرت أنّ الحالة السيئة لعينيّ مصيبة، لكنني الآن وأنا أسمعكم تتجادلون حول قرارات مشينة ستقوض مجد روما، كنت أتمنى لو لم أكن أعمى فقط بل أصمَّ أيضا.” وحذر كلاوديوس من أن الانصياع لبيروس سيؤدي إلى تحرش المزيد من القوى الخارجية بجمهورية روما. ومع تضاؤل فرص النصر، لن يكون أمام روما سوى مواصلة القتال.

لطالما اعتبرت أنّ الحالة السيئة لعينيّ مصيبة، لكنني الآن وأنا أسمعكم تتجادلون حول قرارات مشينة ستقوض مجد روما، كنت أتمنى لو لم أكن أعمى فقط بل أصمَّ أيضًا أبيوس كلاوديوس Appius Claudius

 

 

 

وعندما لم يستطع بيروس تهدئة جمهورية روما من خلال المعاهدة، فقد تحوّل إلى دفع الرشى. وحين وصل فابريسيوس Fabricius، السيناتور الذي اشتهر بتميزه مثلما اشتهر بفقره، ليتفاوض على تبادل السجناء، عرض عليه بيروس الذهب والفضة؛ مما يكفي لجعله أحد أغنى أغنياء العالم، لكن فابريسيوس رفض ذلك وأعلن مترفعا: “إن جمهورية روما تمنح أولئك الذين يختارون العمل في المناصب العامة كلَّ ما يحتاجون إليه.” ولما كان باستطاعة أي رجل حتى لو كان فقيرا تبوؤ أكثر المناصب تميزا، فإن سمعته كانت أكثر أهمية من أموال بيروس.

وإذا أخذنا الخطبتين معا، كما يُبين واتس، نجد أنهما تجسدان أسس النجاح الرائع لروما. ففي بداية تأسيسها، “قدمت الجمهورية بنية قانونية وسياسية توجه الطاقات الفردية للرومان بطرق تفيد المصلحة المشتركة للكومنولث الروماني بكامله.” لكن مع تعاقب القرون ضعفت هذه المؤسسة تدريجيا، ثم انهارت سريعًا.

ولما كان الآباء المؤسسون قد صاغوا الولايات المتحدة –بوضوح- وفق نموذج جمهورية روما، فإن أي دراسة تبحث في ملابسات زوالها ستحمل في طياتها أهمية كبيرة لزمننا الحاضر. وكما يوضح واتس، فإنّ الهدف الرئيسي من كتابه هو تمكين “القراء من تقدير المشكلات الجدية -التي تنشأ بفعل السياسيين الذين ينتهكون القواعد السياسية للجمهورية، وكذلك تلك التي تنشأ عن المواطنين الذين يختارون عدم معاقبتهم على ذلك- تقديرا أفضل.” تُرى هل حَقّق هذا الهدف الطموح؟

ورواية واتس عن الموت المؤلم لجمهورية روما توضح الكيفية التي أدت بها التحولات الهيكلية البطيئة إلى زوالها تدريجيا. ومع تفجر عدد السكان وازدياد درجة تعقيد الاقتصاد، بدأت الشريحة المتنامية من المواطنين الفقراء بالمطالبة بالإصلاح. لكن لما كان النبلاء الذين لديهم أمور كثيرة سيخسرونها في حال اتخاذ إجراءات معينة، كإجراءات إصلاح ملكية الأراضي، يهيمنون على مؤسسات الدولة، فإنهم لم يبالوا بشكاوى الرومان العاديين مطلقا. ومع الغضب الشعبي المتزايد ضد المؤسسات المختلة، بدأ النبلاء الطموحون، المصممون على التغلب على منافسيهم، ببناء قاعدة متينة من الدعم من خلال تقديم وعود كبيرة. وقد كان هؤلاء الشعبويون – مثل تيبيريوس غراكوس Tiberius Gracchus وأخيه الأصغر غايوس Gaius- في سعيهم إلى السلطة، أول من كسر بعض أكثر قواعد الجمهورية رسوخا.

وقد أدى تغيير نظام جيش روما إلى مضاعفة التحدي المتمثل في تزايد عدم المساواة. وفي الأيام الأولى للجمهورية، نظر الجنود إلى مشاركتهم في الخدمة العسكرية باعتباره واجبا مدنيا. وأمل القادة بالحصول على درجات شرف رفيعة وربما على مناصب أعلى. لكن بحلول أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، تمت خَصْخصَة الجيش بشكل جوهري. وعرف القادة أنّ نهب الأراضي الجديدة قد يجلب لهم ثروات هائلة. وانضم الجنود إلى الركب أملا بالحصول على تخصيص سخي من أراض ينشئون مزارع عليها. ومع تزايد ولاء الجنود لقادتهم، وتدافع القادة لتحقيق أقصى قدر من المكاسب الخاصة، لم يعد مجلس الشيوخ هو المسيطر على الجمهورية.

وقد استغرق الأمر وقتا طويلا لتراكم هذه التوترات. لكن بمجرد وصولها إلى نقطة حرجة، كان انحدار روما إلى الفوضى والاضطراب سريعا بصورة مذهلة.

وخلال القرن ونصف القرن بين أيام بيروس ونهوض تيبيريوس غراكوس، لم يتفجر أي عنف سياسي واسع النطاق. وفي ذلك الحين دفع تيبريوس بإصلاحات الأراضي متحديا “فيتو” مجلس الشيوخ. وفي النزاع الذي أعقب ذلك قُتل هو ومئات من أتباعه. وبذلك انتُهك “تابو” سياسة القوة المُجردة (غير المقترنة بالمنفعة) Naked power، ولم تتعاف بعد ذلك قطُّ.

وعلى مدار السنوات التالية سرعان ما صار من الطبيعي للسياسيين الشعبويين تنحية القواعد العريقة جانبا في سبيل تحقيق أهدافهم؛ وللقادة العسكريين أن يطوِّعوا مجلس الشيوخ بما يتوافق مع إرادتهم عبر التهديد باحتلال روما؛ وللجنرالات المتنافسين أن يشنّوا الحرب على بعضهم بعضا. “في غضون جيل من أول عملية اغتيال سياسي في روما، بدأ السياسيون بتسليح مؤيديهم واستخدام التهديد بالعنف للتأثير في أصوات المجالس وانتخاب القضاة. وفي غضون جيلين هوت روما إلى حرب أهلية.”

وإذا كان لنا أن نتحاشى المصير الذي ألمّ بروما في النهاية، كما يحذر واتس، فمن المهم لنا جميعا أن نفهم الكيفية التي نجحت بها جمهورية روما، وما الذي حققته، ولماذا بعد نحو خمسة قرون أشاح مواطنوها جانبا – في نهاية المطاف-  نحو الحكم الفردي لأوغستس Augustus . ونوعا ما يفشل هذا الكتابُ في تحقيق الطموح المنشود. ومع التقدم في فصول الكتاب، يتخلى واتس، وهو أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا University of California بسان دييغو، عن التحليل الدقيق للاتجاهات الأوسع نطاقا من أجل سرد النزاعات التي قسَّمت الجمهورية في القرن الأخير من وجودها سردا مغرقا في التفاصيل. وفي بعض الأحيان، فإن هذه الأحداث المتتالية التي لا نهاية لها – خرقٌ جديد لبعض المعايير التقليدية، أو أحدث قائد يهدد بغزو روما، أو تَحوُّل آخر في مجموعة هشة من السلطة – سرعان ما تثير الملل.

لكن من جهة أخرى، فإنّ التكرار المطلق للأحداث التي حلت بروما يؤكد الرسالة الأكثر إلحاحا لهذا الكتاب. إذا أردنا بيان التناظر الضمني الذي يمتد على طول الطريق عبر “الجمهورية الهالكة”، فإننا على الأرجح سننظر إلى دونالد ترامب كتجسيد هزلي لتيبيريوس غراكوس. وكما الشعبوي الأصيل، دُفِع ترامب إلى السلطة بواسطة إخفاقات النظام السياسي الملموسة وغير القادرة على الحد من عدم المساواة المتنامية، أو حشد أبرز المواطنين حول مفهوم مشترك للصالح العام. ومثل غراكوس، يعتقد ترامب أنه يتصرف باسم المحرومين، وسعيه إلى تمزيق تقاليد الجمهورية مبرَّر تماما.

وإذا كان هذا التناظر صحيحا، فالخبر السار هو أنّ ترامب، بمجرد أن يكتب تاريخ جمهوريتنا الهالكة، سيتحول إلى شخصية ثانوية نسبيا. وبعيدا عن تدمير نظامنا السياسي بمفرده، فهو الشخصية الانتقالية التي برهن انتخابها إلى أي مدى بدأت إخفاقات ديمقراطيتنا في النهاية بإحداث تأثيرها.

  والأنباء السيئة هي أنه من غير المرجح أن تحمل لنا العقود المقبلة الكثير من لحظات الهدوء والطمأنينة. وعلى الرغم من أنّ أربعة أجيال تقف بين الموت العنيف لتيبيريوس غراكوس ونهوض أوغستس السريع إلى السلطة المفوضة، فإنّ هذا القرن كان أحد القرون التي شابها فعليا الخوف والفوضى المتواصلان. وإذا كان التناظر المركزي الذي بعث الحياة في كتاب “الجمهورية الهالكة” تناظرًا صحيحًا، فمن المحتمل أن يستمر التحدي الحالي للنظام السياسي الأمريكي مدة طويلة، حتى بعد مغادرة شاغلها الحالي للبيت الأبيض.

©2018 The New York Times

Distributed by The New York Times Syndicate

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق