فيزياءفيزياء نظريةميكانيكا الكم

ماذا يوجد داخل اللاشيء؟ ليزر جديد سيمزق الفراغ لسبر أغواره

أبعد ما يمكن من أن يكون فارغا، يعج الفضاء الفارغ بجسيمات افتراضية غامضة، ولدينا الآن جهاز قوي لدرجة كافية لتمزيق ذلك الفراغ ورؤية ما بداخله.

بقلم: جون كارترايت

ترجمة: همام بيطار

تخيل مكانا بعيدا عن هنا في أعماق فراغ الفضاء. هذه النقطة تبعد عن الأرض سنوات ضوئية، بعيدة بعدا شاسعا عن  سديم أو نجمة أو حتى ذرة وحيدة. لدينا الكثير من الكلمات لوصف مثل هذا المكان: كالخلاء، أو الفراغ، أو الخواء.  إلا أن هذا العدم في الواقع هو بحر من النشاط.

فوفقا لميكانيك الكم، فإن الفضاء الفارغ ممتلىء بجسيمات افتراضية. وتلك الجسيمات موجودة دائما، وتُمكِّن الواقعَ من أن يستمر بسلاسة. ولا يمكن بتاتا رصد هذه الجسيمات -إلا إذا كان لديك مصدر لطاقة هائلة جدا. يقول عالِم الفيزياء النظرية ماتياس ماركلوند Mattias Marklund من جامعة تشالمرز University of chalmers في غوتينبورغ بالسويد: “في العادة، عندما يتحدث الناس عن الفراغ، فإنهم يعنون بذلك شيئا ما فارغا. لكن باستطاعة ليزر أن يكشف لك عن أسرار الفراغ.”

ولكشف جسيمات افتراضية وجعلها شيئا ملموسا نحتاج إلى ليزر قوي جدا.  وهذا ما يضع الفيزيائيون اللمسات الأخيرة عليه حاليا في رومانيا. هذه الآلة التي شغلت للمرة الأولى قبل بضعة أشهر لن تساعدنا على الكشف عن حقيقة الفضاء الفارغ فقط، وإنما ستعلمنا الكثير عن لغز كبير آخر هو الطاقة المُعتِمة dark energy وهي المكون المسؤول عن تسارع معدل التوسع الكوني. إذًا، حان الوقت لتمزيق العدم ورؤية ما بداخله.

قد تبدو فكرة امتلاء العدم بجسيمات افتراضية فكرة خيالية، ففي المحصلة لم يتمكن أي رائد فضاء من السباحة في بحر افتراضي، ولم يتعرض قمر اصطناعي لصدمات مقاومة ناتجة عن احتكاك افتراضي. باختصار، الجسيمات الافتراضية غير قابلة للرصد. يكمن السبب في اعتقادنا بوجودها في أساسيات الإلكتروديناميكا الكمّية (الكمومية) QED، وهي أحد فروع نظرية الكم Quantum theory وتستخدم لحساب ما يحصل عندما تتفاعل الفوتونات –جسيمات الضوء- مع الإلكترونات.

عندما طور علماء الفيزياء الإلكتروديناميكا الكمية في ثلاثينات القرن الماضي، نجحت حساباتهم بشكل صحيح فقط عندما أخذوا في الحسبان كل الطرق التي يمكن من خلالها للجسيمات أن  تقترب أو ترتد عن بعضها بعضا، وشمل ذلك مسارات لا تسلكها الجسيمات العادية لأنها تكسر قوانين الفيزياء. ومن ثم فإنّ سالكي هذه المسارات المستحيلة لا يمكن أن يكونوا حقيقيين تماما. لطالما كان هنالك سؤال يتعلق بكيفية تفسير الأشياء الضرورية رياضياتيا، لكنها غير موجودة تماما (انظر:ما هو الجسيم الافتراضي؟)

وتركت الإلكتروديناميكا الكمّية احتمالا مغريا آخر عالقا أيضا. فإذا كان لديك حقل كهربائي قوي بصورة كافية، يمكنك حينها “تحطيم الفراغ” وجعل الجسيمات الافتراضية حقيقية. إذ توجد الإالكترونات الافتراضية دائما جنبا إلى جنب مع ما يعادلها من ضديداتها المعروفة بضديدات البوزيترونات، وهذان الجسيمان عادة ما يفني أحدهما الآخر عندما يتلاقيان. لكن إذا كان باستطاعتك توليد حقل كهربائي ضخم، فحينها قد تتمكن الجسيمات من الإفلات من بعضها بعضا وتصبح حقيقية حينها: جسيماتٌ يمكن رصدها.

تعرف عتبة الطاقة التي يحصل عندها هذا الأمر بحد شوينغر Schwinger limit نسبة إلى عالم الإلكتروديناميكا الكمّية الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء جوليان شوينغر Julian Schwinger على الرغم من أن آخرين تنبؤوا بها قبله. عند هذا الحد تتحطم الخاصية الأهم للفراغ وهي خواؤه. يقول سيرجي بولانوف Sergei Bulanov عالم الفيزياء النظرية من دولني بريني في جمهورية التشيك: “لا يعود الفراغ حينها فراغا.”

بوجود كمية كافية من الطاقة، لا يعود الفراغ خواء، ويتحطم فراغه.

 

سيتطلب الوصول إلى حد شوينغر قصف الجسيمات الافتراضية بعدد هائل جدا من الفوتونات، وذلك بهدف نقل الطاقة اللازمة لحصول ذلك. ما مقدار الطاقة اللازم لذلك؟ يعادل ذلك المقدار مراكمة بليون ضعف الطاقة التي تنتجها كل محطات الطاقة في العالم داخل فضاء لا يفوق حجمه حجم ذرة، وهذا غير محتمل إلا إذا كان بإمكانك تخزين الطاقة تدريجيا ومن ثم إصدارها دفعة واحدة في ومضة ضخمة.

وهنا يدخل الليزر إلى المشهد. تنتج الفوتونات داخل أجهزة الليزر عبر سلسلة من التفاعلات التي تقود إلى فوتونات بالتردد نفسه، قبل أن تحزم كل هذه الفوتونات وتطلق داخل حزمة ضيقة جدا يكون بمقدورها قطع الفولاذ السميك. يحتاج الأمر لبعض الوقت للوصول إلى هذه المرحلة، فشدة الليزرات القديمة كانت محدودة، وكنا في الوقت نفسه نكافح للحصول على مواد قادرة على تحمل الليزر الشديد دون أن تتلف في مثل هذه الظروف المتطرفة. بعد ذلك وفي العام 1985، طوّر الفيزيائيان جيرارد مورو Gérard Mourou ودونا سترايكلاند Donna Strickland، أثناء عملهما في جامعة روشستر University of rochester بنيويورك، التعزيز التوربيني Turbo boost، فقد اكتشف العالمان طريقة للمطّ المسبق Pre-stretching الليزر ومن ثم الإضعاف المسبق Pre-weakening لنبضة الليزر. و بفضل هذه الطريقة يمكن تضخيم نبضة الليزر دون حرق وتدمير المواد الموجودة داخل حجرة الليزر قبل أن تضغط لتعود لشكلها الأصلي، مما يؤدي إلى مضاعفة طاقتها التي حصلت عليها أثناء مرحلة التضخيم. وقد قاد هذا الإنجاز مورو وسترايكلاند إلى الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2018.

لكن، ركز مورو بعد ذلك عمله على هدف أكثر طموحا. يقول مورو: “كانت الطاقة المتحققة لليزر من رتبة الغيغاوات، وبعدها التيراوات،  ثمّ حتى البيتاوات كانت ممكنة،” ويتابع: “لذا من الطبيعي أننا فكّرنا  ما إذا كان بإمكاننا تحطيم الفراغ؟”

في عام 2005 بدأ مورو بتخيل ليزرا عملاقا يمكنه من خلال الطاقة الهائلة توليد حقول كهربائية تصل إلى حد شوينغر. وأصبحت فكرته حقيقة في مشروع البنية التحتية للضوء الشديد Extreme Light Infrastructure project (اختصارا: المشروع ELI) الذي جمع خلال بضع سنوات بين أكثر من 40 مختبرا من 13 بلدا أوروبيا تموَّل بميزانية أوروبية واحدة تصل إلى 850 مليون يورو. يمتد المشروع الآن على ثلاثة مواقع، ويشمل ذلك منشأة الفيزياء النووية إيلي ELI Nuclear Physics facility الموجودة بالقرب من بوخارست-رومانيا والتي تحتضن ليزرين تبلغ طاقتهما 10 بيتاوات عندما يعملان بكامل قوتهما، وبذلك يكونان الليزر الأقوى في العالم، وتجرى الآن الاختبارات المتتالية عند شدات أعلى بقليل في كل مرة.

شرح الصورة: بدأت الاختبارات على أقوى ليزر في العالم في “ELI” برومانيا.

باستطاعة الليزر القيام بأكثر من تحطيم الفراغ، فتحويل الجسيمات الافتراضية إلى حقيقية ربما يخبرنا الكثير حول الطاقة المعتمة التي تعتبر واحدا من أكبر الألغاز في علم الكون، فنحن نعرف بوجود شيء ما يقود الكون إلى التوسع بمعدلات أسرع وأسرع، لكن ما هو؟ يشك البعض أن ذلك العامل الغامض قد يكون الطاقة الموروثة في الجسيمات الافتراضية.

 هذه ليست القصة الكاملة، فعندما تضيف طاقة كل تلك الجسيمات مجتمعة فمن المتوقع حينها أن تكون سرعة توسع الكون أكبر بكثير، لكن سبر الجسيمات الافتراضية بشكل مباشر قد يسلط الضوء على هذا اللغز.

يمكن لليزر ELI أن يساعدنا أيضا على فهم الدفقات الساطعة لأشعة غاما وكذلك الموجات الراديوية التي يواصل علماء الفلك رصدها في سماء الليل. فهذه الموجات تنفجر أحيانا مولدة طاقة أكبر من تلك التي تنتجها الشمس لعام كامل بآلاف المرات. لا يعرف أحد الكيفية التي تنشأ بها هذه الانفجارات، لكن من المحتمل أنها تنطوي على توليد بلازما مؤلفة من البوزيترونات والإلكترونات، التي تدور بشكل عنيف وتصدر فوتونات أثناء قيامها بذلك. باستطاعة ليزر ELI توليد سحابة من الإالكترونات والبوزيترونات مما يساعدنا على دراسة المواد التي تجعل من تلك التوهجات الكونية ساطعة جدا.

أما الجائزة الكبرى فهي معرفة ما يوجد خلف حدود الإلكتروديناميكا الكمية. ففي شروط الحياة اليومية، تتنبأ هذه النظرية بدقة، وبنجاح، بكل المخرجات التجريبية التي تتضمن إلكترونات وفوتونات. لكن هذه المنهجية تنهار بعد تجاوز حد شوينغر بقليل؛ لأن المسارات التي تتبعها الجسيمات الافتراضية تصبح أكثر تعقيدا بكثير لدرجة تصير معها الحسابات بلا معنى، ويعلق بولانوف على الأمر قائلا: “ما يحصل حينها هو سؤال مفتوح!”

مع كل هذه الإمكانات ليس من المفاجئ انتظار العلماء للبدء بتجارب ليزر ELI على أحر من الجمر. لكن بصرف النظر عن رؤية مورو الذكية، لن يكون باستطاعة أي من تلك الليزرات وحده الوصول إلى حد شوينغر. وحتى منشأة الليزر الرابع في ELI – التي تمتلك شدة أكبر بعشر مرات من أي من الليزرات الثلاثة الأخرى- ستكون استطاعتها أقل من اللازمة بنحو عشرة آلاف مرة. يقول مايكل دونافان Michael Donovan مدير ليزر بيتاوات تكساس Texas Petawatt Laser في أوستن: “لن يصل أي شيء بني حديثا إلى ذلك الحد.”

لحسن الحظ، فإنّ ذلك لا يستبعد حصول سحر ما، إذ يعتقد أن حد شوينغر هو عبارة عن صعود حاد أكثر من كونه وجها لجرف صخري. بعبارة أخرى، من الممكن تحوّل الجسيمات الافتراضية إلى جسيمات حقيقية عند شدات ليزر أقل من تلك المطلوبة (انظر: الرسم البياني).

سيل قاتل؟

سيكون ذلك اكتشافا مذهلا، لكن قد تكون هناك نتائج غير سارة في النهائية. ففي عام 2010، أدرك مورو، الموجود حاليا في كلية بوليتكنيك Ecole polytechnique بباريس، وزملاؤه أن هذه الأزواج المادية الجديدة المكونة من جسيمات افتراضية ستدور بشكل حلزوني حول حزمة الليزر فتُطلق فوتونات أخرى تتحوَّل بدورها إلى أزواج جديدة زوج الإلكترون-البوزيترون، إلى أن نصل إلى سيل Avalanche مؤلف من هذه الأزواج.

قد يرحب علماء الفيزياء الفلكية بذلك بهدف دراسة بلازما الإلكترون-البوزيترون، لكنّ هذا السيل قد يخفي التحول الأساسي لزوج الجسيمات الافتراضية، والأسوأ من ذلك أنه يستهلك طاقة الليزر مانعا إياه من الوصول إلى حد شوينغر. يقول جوناثان ويلر Jonathan Wheeler وهو أحد المتعاونين مع مورو في كلية بوليتكنيك: “قد تكون تلك إحدى اللحظات التي نقول فيها: حسنا، لن يكون بمقدورنا الوصول إلى ذلك الحد،” ويتابع قائلا: “لكن مع عدم وصولنا إليه، فإننا تعلمنا شيئا ما.”

هل نستسلم لذلك؟ ليس بعد. فبعد وقت قصير من نشر مورو ورقته العلمية، أدرك بولانوف وزملاؤه أن تأثير السيل لن يحصل إلاّ إذا كان شعاع الليزر مستقطبا في شكل دائري، بحيث يدور حقله الكهربائي بطريقة مماثلة لفتاحة سدّادات الفلين Corkscrew أثناء ارتحاله على طول الشعاع. وقد حسبوا أنه إذا كان استقطاب الليزر خطيا -أي تكون حينها مسارات الإلكترونات والبوزيترونات متعرجة  Zigzag على طول الشعاع- فعندها يكون بمقدورهم توليد كميات أقل من الفوتونات،  محتوين بذلك خطر تأثير السيل. يقول بولانوف: “في الحقيقة، يمكننا الوصول إلى حد شوينغر.”

“إحدى الأفكار الغريبة لزيادة شدة الليزر هي مرآة تحلق بسرعة الضوء.”

ليس بولانوف المتفائل الوحيد، فلتجاوز الضعف الكامن في شدة ليزر ElI، بدأ علماء ليزر نظريون بالإبداع، إذ يقول أحد الآراء بمقاطعة شعاعي ليزر أو أكثر مع بعضها وذلك لمضاعفة شدة الليزر في مكان التقاطع. هذا النوع من النهج الشبيه بأعمال صيادي الأشباح Ghostbusters قد يبدو سهلا، لكنَّ ويلر وآخرين يعتقدون  أن التفاصيل العملية لتحقيقه ستكون معقدة جدا.

قد يكون الرأي الأفضل من ذلك رأيا أشد غرابة بكثير وهو مرآة تطير بسرعة قريبة من سرعة الضوء. فإذا انعكس شعاع ليزر ما عن مرآة كهذه، فإن طول موجته ينضغط جدا؛ مما يسمح بتركيزه في مساحة صغيرة جدا. وكلما كانت تلك البقعة أصغر، كانت شدة الضوء أكبر. ليس باستطاعة هذا المبدأ، الذي اقترحه بولانوف عام 2003، استخدام مرآة حمام عادية؛ فالطاقة اللازمة لتسريعها لا يمكن تصورها حينها. لكن بولانوف يقول بإمكان استخدام مرآة مؤلفة من موجة داخل بلازما إلكترونات بغرض عكس الضوء عنها.

نشر بولانوف منذ خمسة أعوام النتائج الأولية التي تثبت صحة مبدأ المرآة الطائرة، وهو يقود الآن مبادرة الحقل المرتفع High Field Initiative في ELI، التي تستكشف الطرق التي يمكن من خلالها زيادة شدة الليزر. يقول بولانوف: “أنا متأكد تماما من أن فكرتي تعمل،” وفي الوقت نفسه يدرس كل من مورو وويلر مبادئ مشابهة لتحطيم حد شوينغر. يقول مورو: “سنجد طريقة ما.”

وبعض الباحثين يزيدون من شدة الليزر بطرق أخرى، ويرصدون في الوقت نفسه تأثيرات غريبة. ففي فبراير من عام 2018، وجه فريق دولي يقوده ستيوارت مانغليس Stuart Mangles من جامعة إمبيريال كوليدج لندن Imperial College London  حزمة من ليزر Gemini الموجود في منشأة الليزر المركزية بالمملكة المتحدة نحو حزمة إلكترونات. وكما هي الحال عندما تصطدم سيارة بأخرى يكون الاصطدام أكبر مقارنة باصطدامها بحائط، كذلك زادت شدتا شعاعي الليزر والإلكترونات نتيجة لتصادمهما معا.

شاهد الفريق حينها إصدار الإلكترونات لفوتونات، ومن ثمّ ارتدادها أثناء العملية. ولحصول ذلك يجب على الإلكترونات الموجودة في التجربة امتصاص وابل من الفوتونات من خلال عملية معقدة جدا بالقرب من حافة الإلكتروديناميكا الكمية، ويعلق مانغليس على ذلك قائلا: “إنها الفيزياء في طريقها نحو حد شوينغر.”

وفي الوقت نفسه، هنالك منشآت ليزرية بقوى شبيهة بقوة بالليزر ELI في طور التطوير، ويشمل ذلك مركز إكزاوات  لدراسات الضوء الشديد Exawatt Center for Extreme Light Studies في روسيا، ومحطة الضوء الشديد Station of Extreme Light في شنغهاي. يقول ديفيد ريس David Reis وهو عالم ليزر من جامعة ستانفورد university of stanford في كاليفورنيا إن منشأة شنغهاي التي هي قيد التطوير تقع بالقرب من ليزر كبير آخر؛ مما قد يسمح بتصادم شعاعي الليزر معا ، ويضيف: “سيكون ذلك مذهلا حقا.”

يبدو مستقبل فيزياء الليزر مشرقا، كما أن مورو يرغب في رؤية زيادة أخرى في شدة الليزر كتلك التي قادت إلى حصوله على جائزة نوبل للفيزياء مع سترايكلاند. يتذكر ويلر سماع تصريحات الحاصل على جائزة نوبل بتجاوز حد شوينغر خلال مؤتمر عقد مؤخرا قائلا: “قال مورو سيكون ذلك متاحا خلال السنوات الخمس المقبلة، فضحكت بتوتر”، ويتابع: “لكن دعونا نكتف بالقول إن السنوات القليلة المقبلة ستكون مثيرة جدا.”

ما الجسيم الافتراضي؟

يمكن الاستعانة بالإالكتروديناميكا الكمّية من أجل حساب احتمال وصول فوتون أو إلكترون بدأ في نقطة A إلى نقطة B بدقة عالية جدا. ويتطلب القيام بذلك الأخذ في الحسبان كل المسارات الممكنة للجسيم، والعديد من تلك المسارات لا يخضع لقوانين الفيزياء الأساسية. تلتزم الجسيمات العادية بالقانون دائما، لذلك ندعو الجسيمات التي تحطم هذه القوانين بالافتراضية. لكن ما هي في الحقيقة؟

تنص إحدى الطرق على تصور جميع الجسيمات على شكل تموجات غير مرئية، أو حقول، داخل الفضاء. عندما تكون هذه الحقول قوية وفاعلة، فإنها تتجلى على شكل جسيمات. وهذه هي الجسيمات التي تؤلف كل شيء ملموس ومحيط بنا، انطلاقا من الهواء الذي نتنفسه وصولا إلى الأرض التي نسير فوقها. لكن هذه الحقول لا تنتج شيئا في الفراغ تقريبا. وهنا بالتحديد يوجد أشد تلك الحقول بهوتا -فهي ليست جسيمات حقيقية تماما، لكنها تظل شيئا ما.

قد تبدو تلك الجسيمات أثيرية، لكن حسابات الإلكتروديناميكا الكمية لا تتحقق دون وجود الجسيمات الافتراضية. كما أن هنالك تلميحات إلى وجودها تكمن في مفعول كازيمير Casimir effect الذي ينص على أنه عند تقريب مرآتين إحداهما من الأخرى لمسافة تصل إلى بضعة نانومترات فإن إحداهما ستبدأ، بشكل مفاجئ، بالتجاذب مع الأخرى. ينص أحد التفسيرات على أن الجسيمات الافتراضية الموجودة بين المرآتين تنضغط ولا يعود بمقدورها موازنة الضغط الناجم عن الجسيمات الافتراضية الموجودة خارج الحيز الكائن بين المرآتين.

على الرغم من ذلك، فإن تصور الجسيمات الافتراضية سيكون مخادعا دائما، وأكثر الأمور دقة التي يمكن قولها عن ذلك هو أنه يوجد في كل مكان تابع موجي كمّيّ -الوصف الرياضياتي للزمن والمكان- وفقا لعالم الفيزياء النظرية شون كارول  Sean Carrollمن معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا   California Institute of Technology، الذي يعلق بالقول: “إنه شيء لا يكون حدسنا الكلاسيكي عظيم دائما في جعله مدركا، لذلك غالبا ما نستخدم استعارات حية لوصف ما يجري.”

جون كارترايت صحافي علمي يعيش في بريستول بالمملكة المتحدة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق