الفيزياء التطبيقيةفلك وعلم الكونياتفيزياء نظرية

السباق لرؤية بداية الزمن في بزوغ أول ضوء للكون

مرصد وحيد في القطب الجنوبي لديه فرصة نادرة لرصد سر مكتوب في السماء. لو رأيناه فسنعرف الكيفية التي ولد بها كل من الزمن والفضاء

بقلم: دانييل كوسنج Daniel Cossins

ترجمة: أ.د. محمد قيصرون ميرزا

حتى ترى الكيفية التي بدأ بها كلّ شيء عليك الذهاب إلى نهاية الأرض، وتحديدا على بعد كيلومتر من محطة أمندسون-سكوت Amundson-Scott في القطب الجنوبي. وهناك يعانق البرية البيضاء الواسعة تلسكوب يلتقط الضوء القادم من بدايات الزمن تقريبا، مستنطقا إياه للحصول على إجابة عن أقدم سؤال: كيف انتهى الكون إلى ما هو عليه؟

يقول أحد أقدم الأجوبة إنه كان للكون في لحظاته الأولى طفرة نمو هائلة، متضخما خلال جزء من الثانية بما يعادل تضخمه خلال الـ 13.8  بليون سنة التالية. يا له من ادعاء.

كان الباحثون الذين بنوا تلسكوب أنتاركتكا Antarctic المذكور آنفا مقتنعين قبل عدة سنوات بأنهم وجدوا الدليل على هذا التضخم الكوني من أنماط دوّارة مكتوبة بضوء قديم أشار إلى الانتفاخ المبكر للكون. واحتل اكتشافهم العناوين الرئيسية في العالم. لكنهم انتبهوا إلى وجود خطأ في تحليلهم للبيانات، فتحولت نتيجتهم إلى هباء منثور.

بيد أن ذلك لم يكن نهاية القصة؛ فقد عاد هؤلاء الباحثون إلى العمل، وصاروا بعد خمس سنوات من ذلك على وشك مجابهة هدفهم المنشود وجها لوجه. لكن ليس هناك من ضمانة لذلك، وسيكونون بالتأكيد أكثر حذرا هذه المرة. لكن بما أن أيّ تلسكوب آخر يستطيع تحري هذه الإشارات الصعبة المنال لن يكون جاهزا للعمل قبل عقد من الزمن على الأقل، فإن كواشفهم Detectors التي تم تطويرها تعد أفضل ما لدينا للوصول إلى الحقيقة عن أصول كل شيء.

يقول دان هوبر Dan Hooper عالم الكوزمولوجيا من جامعة شيكاغو University of Chicago غير المشارك في هذا البحث “إنّ هذا أكثر شيء مثير في الكوزمولوجيا حاليا. لأننا، نتيجة لهذه التجارب، بدأنا سبر أغوار المنطقة التي نتوقع أن تكشف التضخم بالتحديد.”

ويعرف الضوء الذي يسعى وراءه هذا التلسكوب باسم إشعاع الخلفية الكونية الميكروي Cosmic background microwave (اختصارا: الإشعاع CBM). فبعد 380 ألف سنة من الانفجار الكبير لم يكن هناك شيء ماعدا حساء من الجسيمات تحت (دون) الذرية Subatomic particles ذات الكثافة والحرارة العاليتين جدا، فيما تصادمت جسيمات الضوء، أي الفوتونات، بالذرات تحت الذرية دون أن تكون قادرة على الهروب. ثم بردت الأشياء بشكل كاف لتتشكل ذرات الهيدروجين، وعندها صارت الفوتونات تتحرك بحرية. وانطلق الضوء في كلّ اتجاه وكأنّ أحدهم قد أدار مفتاحا، وصار الكون شفافا. إنّ الإشعاع CBM هو تلك الفوتونات الأولى المتحررة.

لا يمكنك رؤية هذا الضوء بالعين المجردة لأنه تمدد، خلال تضخم الكون، من الأطوال الموجية المرئية إلى الميكروية، ومن هنا جاء اسمه. بيد أنه يغمر الفضاء كلّه ويصل إلى الأرض من كلّ اتجاه. وهو مصدر غني بالمعلومات. إن الإشعاع  CBM إشعاع خاص جدا، كما يقول جاك ديلابرويلَّي Jacques Delabrouille من جامعة باريس ديدروت Paris Diderot University في فرنسا، ويتابع: “إنه إضاءة خلفية تضيء كل البُنى Structures الممتدة بين إصداره وبيننا، ومن ثم فإنه يشمل جميع تاريخ الكون.”

من أهم القضايا التي قد يكشف عنها الإشعاع CBM هي التضخم، تلك الفرضية التي تصف الكيفية التي انتفخ بها الكون في لحظاته الأولى. فعلى الرغم من أن التضخم يبدو غريبا فإنه يوفر تفسيرا جيدا للتوزع السلس المدهش للمجرات عبر الكون. مدهش لأن نظرية الكمّ Quantum theory تخبرنا بأنه كان يجب على تذبذبات الطاقة البسيطة أن تندفع بعيدا باستمرار عند لحظات الكون الأولى. ويؤدي هذا إلى ظهور الجسيمات واختفائها باستمرار في مناطق عشوائية؛ مما يؤدي إلى توزع غير منتظم للمادة، والذي يفترض أن يتزايد مع تضخم الكون. غير أننا لا نرى شيئا من عدم التوازن هذا. فيحتمل أن يعزى الكون السلس الذي نراه إلى نمو ابتدائي غزير أدى إلى تسوية هذه الاختلافات.

على الأقل هذا ما تطرحه بعض نماذج التضخم المختلفة ويدعمها الإشعاع CBM نوعا ما. في عام 2018 أصدر القمر الاصطناعي بلانك Planck satellite التابع لمؤسسة الفضاء الأوروبية أوسع خريطة تفصيلية لـه. وتتوافق التغيرات الطفيفة في درجات الحرارة الواردة في هذه الخريطة – إلى درجة كبيرة – مع عدد من التنبؤات المفصلية الناتجة من أحد أكثر النمذجات التضخمية شعبية.

انفجار أم ارتداد؟

لا بأس بهذا، إلا أن بول ستاينهارت Paul Steinhardt عالم الكوزمولوجيا في جامعة برينستون Princeton University، وأحد واضعي فرضية التضخم، هو من ضمن المجموعة التي تجادل الآن بأنّ المرونة البنيوية العالية في النظرية تجعل من الصعب الحكم عما إذا كان التضخم قد حصل أم لا من المشاهدات الرصدية فقط. وتعتقد هذه المجموعة أن علينا أن ننظر بجدية إلى البديل الأبرز: إنّ كوننا هو نتيجة كون سابق متهالك ويرتد Rebounding. وقد حصل سيناريو الارتداد الكبير هذا مؤخرا على ارتداد من نوع ما إذ أظهرت عدة مجموعات بأنه أمر ممكن نظريا من دون الحاجة إلى استخدام أي فيزياء غريبة.

© New Scientist

لقراءة المزيد، يمكنكم طلب نسختكم من عدد مجلة العلوم مايو- يونيو 2019 عبر

shop.aspdkw.com

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق