الدماغالعقل / الذاكرةعلم الأعصابعلم النفس

الأمراض الناجمة عن الانفصال بين الدماغ والعقل

بقلم: كلير ويلسون Clare Wilson
ترجمة: د. إيهاب عبد الرحيم علي

لم تكن اختلاجات Seizures أماندا باين Amanda Payne لتختفي، على الرغم من تعاطيها لأدوية قوية لعلاج الصرع Epilepsy. ذات مرة، شعرت بعلامات التحذير قبل النزول من حافلة على طريق مزدحم في مدينة غلاسكو. وبمجرد أن تمكنت من الوصول إلى الرصيف انهارت وبدأت تختلج.
أُرسلت باين لإجراء مزيد من الفحوصات. ومثل الكثير من المصابين بالصرع، فقد شخّصت بناء على تاريخ لفقدان الوعي المفاجئ، لكنها لم تخضع قطَّ اختبار حاسم لتسجيل النشاط الكهربائي في دماغها خلال مثل هذه النوبات. وهذه المرة أدخلت إلى المستشفى حيث وضعت على رأسها أقطاب كهربائية لمدة أربعة أيام. وفي النهاية عرف الأطباء شيئاً واحداً: أيّاً كان مرضها، فهو ليس صرعاً.
على الرغم من أربع سنوات من الاختلاجات الظاهرة، فإن دماغها كان يعمل بشكل جيد على ما يبدو. أما بخصوص المشكلة الحقيقية؛ فلم يكن لدى الأطباء أي تفسير بسيط، لكنهم رأوا مثل هذه الحالة مِن قبل.
باين هي من أولئك الأشخاص الذين يُظهرون أعراضاً عصبية- تلك التي تؤثر في الجهاز العصبي- يستعصي تفسيرها على جميع الفحوصات الطبية المعتادة. وإضافة إلى الاختلاجات، فإن المظاهر الأخرى تشمل الشلل والارتعاش والعمى والألم- ولكن لا يمكن العثور على سبب بدني. وحتى وقت قريب، كان الأطباء يتجاهلون روتينيّاً مصابي هذه الاضطرابات باعتبارهم باحثين عن الاهتمام ومدّعين.
لكن علماء الأعصاب أدركوا في العقد الماضي مدى واقعية هذه الأعراض، وكيف يتعرض المصابون بها للظلم وسوء المعاملة. وأدى هذا التحول إلى إيجاد تقنيات تساعد الأفراد على استعادة التحكم في أجسادهم. إضافة إلى ذلك أنه يسلط الضوء على بعض التجارب الجسدية المُحيّرة التي قد نشهدها جميعاً وحتى على طبيعة الوعي نفسه. يقول أندي كلارك Andy Clark، وهو عالم إدراك من جامعة إدنبره University of Edinburgh بالمملكة المتحدة: «لو كان ذلك صحيحاً؛ فقد يمكننا تفسير كم هائل من الأمور الغريبة التي لاحظناها حول الدماغ.»

دراسة حالة: بعد الجراحة 
منذ سنتين بدأت مشكلات مات تيرنر Matt Turner بعد أن خضع لعملية جراحية طارئة لإزالة فقرة منهارة في عموده الفقري. عندما أفاق من المخدر لم يستطع تحريك ساقه اليمنى. وفي اليوم التالي أصيبت ذراعه اليُمنى بالشلل. اشتبه الأطباء بتعرضه لسكتة دماغية Stroke، لكن جميع الفحوصات والأشعة كانت سلبية.
وبعد أن فحصه العديد من الاختصاصيين، قيل له إنه يعاني اضطراباً وظيفياً عصبيّاً Functional neurological disorder، قد ينشأ عن حدوث خطأ ما في الطريقة التي يعالج بها الدماغ الإشارات الواردة من الجسم. وفي بعض الأحيان يشار إلى هذه الحالات بأنها «نفسية جسدية» Psychosomatic، وتعني أن المصاب لا يكذب بشأن أعراضه، لكن لا يمكن العثور على أي شيء خطأ في هذا الجزء من الجسم. لكن تيرنر يكره هذه الكلمة، فيقول «يعني هذا تقريباً أنك تختلقها. إنك لا تختلق هذه الأعراض أبداً.»
وبعد إعادة التأهيل التخصصي استعاد تيرنر معظم حركة ذراعه، لكن ذلك لم يشمل ساقه، والآن لا يمكنه سوى خلط ورق اللعب ببطء، كما أن ذلك يؤلمه. ولا يزال يجهل سبب ظهور المشكلة، على الرغم من أنه ليس من غير المألوف أن يحدث اضطراب عصبي وظيفي بسبب إصابة أو عملية جراحية.
===
والمصطلح الطبي للحالات التي يعطل فيها الجسم دون أي سبب بنيوي واضح هو الاضطرابات الوظيفية Functional disorders، لكن لها أسماء كثيرة. في القرن الـ19 كانت تسمى اضطرابات التحويل Conversion disorders، بناء على فكرة تحويل الصدمة العقلية إلى أعراض جسدية. وحاليا، يمكن للأطباء استخدام مصطلحي الأعراض النفسية الجسدية أو غير مُعلَّلة طبيا. يعني هذا أن الشخص لا يكذب بشأن أعراضه، لكن لا يمكن العثور على أي خلل في هذا الجزء من الجسم. قد يصعب تصديق ذلك- خاصة بالنسبة إلى المصابين- لكن يبدو أن الأعراض تنتج من حدوث خطأ ما في أدمغتهم.
هذه الأمراض الغامضة لا تظهر فقط في جناح الأمراض العصبية. قد يصاب الأشخاص أيضاً بالربو، أو الإمساك، أو ألم الصدر الوظيفي، وما إلى ذلك. ولكن يمكن بسهولة استبعاد المرض الجسدي في حالة الأعراض العصبية الوظيفية بفضل مجموعة من الاختبارات البالغة الدقة، والمتاحة على الأعصاب والعضلات. ومن ثم، فهذا أيضاً هو المجال الذي أجريت فيه معظم الأبحاث، وحيث حققنا معظم التقدم.
إضافة إلى الصرع الوظيفي Functional epilepsy، وهو ما أصاب باين، يمكن للأشخاص أن يتعرضوا لمشكلات في الحركة، تتراوح بين ضعف الذراعين أو الساقين إلى الارتعاشات، والتشنجات اللاإرادية وحتى الشلل (انظر: انقطاع الاتصال). وتشمل المشكلات الحسية الألم أو الوخز Tingling أو العمى. وقد تشبه الأعراضُ أعراضَ السكتة الدماغية أو حالات مثل التصلب المتعدد Multiple sclerosis. وتقول سوزان أوسوليفان Suzanne O’Sullivan، من المستشفى الوطني لطب الأعصاب وجراحة الدماغ والأعصاب National Hospital for Neurology and Neurosurgery في لندن، إن أطباء الأعصاب الخبراء يمكنهم تحديد الجوانب التي يجب أن تكون مستحيلة طبياً.
فمثلاً، أوسوليفان، مؤلفة كتاب الأمر كله في رأسك: قصص حقيقية عن أمراض متخيّلة It’s All in Your Head: True stories of imagined illness، رأت ذات مرة امرأة مصابة بورم صغير غير ضار في الأنسجة الدهنية على جانب رأسها، وكانت مقتنعة بأنه ورم دماغي. وعانت المرأة ضعفاً متدهوراً في هذا الجانب من جسمها حتى أصيبت بالشلل تقريباً؛ مما أثبت لها أن «السرطان» كان ينمو في دماغها. لكنها لم تعلم أن نصف الدماغ يتحكم في الجانب الآخر من الجسم، ومن ثم كان الجانب «الخطأ» هو الذي أصيب بالشلل.

اختبارات لا تحصى
أصيبت امرأة أخرى بتقلص عضلي دائم في يدها وكان قويّاً جدّاً لدرجة سببت معها تجعّد أصابعها إلى الداخل؛ مما ترك اليد عديمة الفائدة. وافقت أوسوليفان على العلاج المعياري، وهو حقن البوتوكس Botox الذي يشل العضلات. وبعد دقائق انفك تجعّد أصابع المرأة، ونظرت إلى أعلى بفرح. ولكن البوتوكس يستغرق عدة أيام لكي يعمل، ومن ثم كشفت المرأة للتو أن المشكلة لا تكمن في يدها بل في رأسها.
يأخذ بعض الأطباء مثل هذه الحوادث كدليل على التظاهر، وهو خطر يدركه المصابون جيداً. وتقول أوسوليفان: «إنهم قلقون من أنك تظن أنهم يتعمدون ذلك.» قد يشتبه أيضاً بإصابتهم بمتلازمة منشاوسن Munchausen’s، وهي حالة نفسية نادرة جداً، حيث يزيّف الناس الأعراض ويلتمسون الرعاية الطبية طلبا للعناية.
لا توجد طرق مضمونة، لكن مع الوقت والخبرة، يمكن للأطباء أن يفرقوا عادة بين المدّعين وبين من هم متحيرون حقّاً مما يحدث لهم، كما يقول جون ستون Jon Stone، وهو طبيب أعصاب من جامعة إدنبرة. وقد أشار إلى أن المصابين بهذه الحالات يخضعون لاختبارات لا تعد ولا تحصى ويراجعون الأطباء مراراً وتكراراً لأنهم “يرغبون بشدة في معرفة المشكلة.»
مثل هذه الحالات شائعة بشكل مدهش. وفي دراسة استقصائية أجريت في عام 2010 على أشخاص يرتادون عيادات خارجية للأمراض العصبية، وجد أن 16% منهم يعانون اضطراباً وظيفيّاً؛ مما يجعله ثاني أكثر الأسباب شيوعاً لمراجعة طبيب الأعصاب بعد الصداع.
قد يكون الصرع الوظيفي، الذي يُعرف أيضاً بالنوبات التفارقية Dissociative attacks، أحد أكثر الأمور إثارة للقلق. وإذا أجري مخطط كهربية الدماغ EEG؛ فسيُظهر أن هذه الاختلاجات ليست نوبات صرع، عندما توجد زيادة في النشاط الكهربائي للدماغ، كما أنها ليست شبيهة بالإغماء الناتج من نقص الدم الواصل إلى الرأس. ومع ذلك، قد ينهار الشخص، ويبدأ بالارتعاش ولا يمكنه تذكّر ما حدث أثناء النوبة.
«هذه الاضطرابات هي ثاني أكثر الأسباب شيوعاً لمراجعة طبيب الأعصاب.»

قد تؤدي النوبة التي تستمر أكثر من بضع دقائق إلى نقل الشخص إلى المستشفى. وإذا لم يكن موظفو قسم الحوادث والطوارئ على دراية بالاضطرابات الوظيفية، فهناك خطران: أحدهما أن يعالجها الأطباء كنوبة اختلاجية حقيقية، فيعطون المصاب أدوية قوية مع وضع أنبوب للتنفس عبر حلقه؛ مما قد يؤدي إلى العدوى. والآخر هو أن يدرك الموظفون أن هذا ليس صرعاً، ولكن بسبب افتقارهم إلى فهم الحالة، يظنون أن الشخص يفتعله. وتقول باين: «يتعرض المصابون بهذه الحالة إلى كثير من القسوة.»
وعندما يفيق المصاب من نوبة انفصالية (تفارقية) Dissociative attack، فقد يستعيد الوعي قبل أن يتحدث أو يتحرك، لذلك يتعين عليه أن يظل مستلقيّاً ويستمع إلى الملاحظات المتشككة من الموظفين. وقيل لباين نفسها أن تكفّ عن ذلك، لكنها تقول: «لو كان بوسعك التوقف عن فعل ذلك، لتوقفت.»
والأسوأ من ذلك هو تكثيف الأطباء جهودهم لإيقاظ المصاب، عن طريق إدخال إبرة مثلاً أو الضغط بمفاصل الأصابع على منطقة مؤلمة من الصدر، وهو الإجراء المعروف بفرك القصّ Sternal rub. وهذه تقنيات عادية لقياس مستوى وعي أحدهم، ولكن مع النوبات الانفصالية، قد ينفذها مراراً وتكراراً الأطباء الذين يشكون في أن الشخص مدّعٍ. فإذا حدث هذا عندما يكون قد استعاد وعيه جزئياً؛ فقد يشعر وكأنه يتعرض لمعاملة سيئة.
ولذلك إذا لم يكن المصابون باضطرابات وظيفية مدّعين، وليست لديهم أي مشكلة بدنية في جهازهم العصبي، فما التفسير؟ خلال معظم القرن الـ20 ظن الأطباء أن الحالة ناجمة حصريّاً عن صدمة نفسية، وأن آليتها يتعذر فهمها (انظر: لماذا تبدأ الأعراض الوظيفية؟). بدأت الأمور بالتغير مع وصول تقنية المسح الدماغي المعروفة بالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI التي تتيح لنا رؤية أجزاء الدماغ التي تنشط في ضوء الظروف المختلفة.
وأظهر العديد من الدراسات أن المصابين بارتعاش وظيفي Functional tremor، مثلاً، يُظهرون نشاطاً عقليّاً مختلفاً مقارنة بـالمتطوعين الذين طلب إليهم اصطناع الارتعاش. وقد ساعد ذلك على إقناع الأطباء بأن أولئك الأشخاص لا يدّعون أو يتخيلون أشياء، كما يقول ستون.

===
دراسة حالة: انقطاع الاتصال
«من الصعب عليك أن تفهم،» كما تقول جيمي لاسيل Jamie Lacelle، وهي راقصة سابقة، أصيبت بمرض غامض قبل عامين. وبدأ الأمر بتفاقم الألم في مفصل الفخذ، الذي كان دائماً ما يسبب لها مشكلة. ثم بدأت تجرّ تلك الساق، واعترتها حركات اهتزازية Jerking movements غريبة عندما تمشي، وسرعان ما اضطرت إلى استخدام كرسي متحرك.
كانت لاسيل محظوظة؛ لأنها أحيلت إلى طبيب أمكنه إدراك أنها تعاني اضطراباً وظيفيّاً عصبيّاً. ويعني هذا أنه بينما لم تكن هناك إصابة بدنية في ساقها، بيد أنها لم تكن تتخيل أعراضها أو تصطنعها. وبدلاً من ذلك كانت المشكلة في دماغها. ويجعل هذا من الصعب على لاسيل أن تصف للآخرين ما حدث لها وتقول: «أقول لهم إن لديّ حالة عصبية لا يتحدث فيها دماغي وجسدي أحدهما مع الآخر البعض بشكل صحيح. وهذا أمر يصعب شرحه، ولا يستطيع طبيب الأعصاب تفسيره، فليس عليكم مني.»
على الرغم من أنه لا يزال هناك الكثير من الغموض حول هذه الاضطرابات، فإن سبل العلاج الطبيعي الجديدة قد تفيد. ونتيجة لذلك، فقد تحسنت لاسيل بشكل كبير ويمكنها الآن أن تمشي بمساعدة عكاز.
لاسيل في حيرة بسبب ما حدث لها. وبينما تقول إحدى النظريات إنه قد يحدث بسبب الصدمة أو الإجهاد (انظر: لماذا تبدأ الأعراض الوظيفية؟)، فلم تكن هذه هي الحال بالنسبة إليها. وتقول: «لقد عشت حياة سعيدة ومحظوظة جدّاً. وعندما بدأ كل ذلك فجأة، كنت عائدة للتو من شهر العسل، وهو أسعد أوقاتي على الإطلاق. لم أصب بأي صدمة جسدية أيضاً. ليست لدي أي فكرة عن سبب حدوث هذا.»
غير أن التقدم في العلاجات جاء من طريق مختلف. ومنذ نحو 15 عاماً، صار ستون مهتماً بشيء لوحظ منذ فترة طويلة في الكتب الدراسية الطبية لكنه لم يُستكشف كثيراً: تميل الأعراض الوظيفية إلى الانخفاض عندما يتشتت انتباه المصاب.
خذ شخصاً يعاني ارتعاشاً وظيفيّاً في يده اليمنى، واطلب إليه أن يفرد يده للأمام؛ فستجد أن الارتعاش قد ازداد بشكل ملحوظ. اطلب إليه فرد يده اليسرى أيضاً والنقر بها على الطاولة بإيقاع معين، فمع تركّز الانتباه بعيداً عن يده اليمنى، فقد تتوقف عن الارتعاش، أو أن تلتقط إيقاع اليد اليسرى نفسه. ولو كان للارتعاش سبب بدني؛ لظلَّ كما هو. وبالمثل، فإن المشكلات الأخرى، مثل الضعف في أحد الأطراف، تقل عندما يُطلب إلى الشخص أداء مهمة تشمل جزءاً مختلفاً من جسمه.
استُخدمت مثل هذه الاختبارات روتينيّاً لأغراض التشخيص، لكن الأطباء لم يناقشوها مع مرضاهم. ومع ذلك، فقد كان معروفاً أن بعض الأفراد يتعافون ببساطة بمجرد إخبارهم بالتشخيص الوظيفي لحالتهم- إذا قبلوا ذلك. ولذلك بدأ ستون يشرح للأفراد الكيفية التي تراجعت بها أعراضهم بفعل تشتت الانتباه- مع تصويرهم بالفيديو أحياناً أثناء تحريكهم ساقا، مثلاً، للمساعدة على إقناعهم بأن العضلات تعمل بشكل طبيعي. وبعد ذلك بدأ اتخاذ خطوات إضافية عبر اقتراح مفاده أن يستخدم الأشخاص تقنياتهم الخاصة لتشتيت الانتباه إذا بدأت الأعراض.
يمكن استخدام هذا النهج من قبل المصابين بالنوبات الانفصالية، الذين غالباً ما يُحسون بعلامات تحذيرية قبل أن يفقدوا الوعي. وقد أثبت ذلك نجاحه لدرجة أن المرضى يتبادلون الآن النصائح عبر الإنترنت حول أفضل التقنيات. قد يشمل ذلك العد إلى الوراء بمضاعفات الرقم خمسة، والنظر حول غرفة لاكتشاف الأشياء التي لها لون معين، أو التربيت على حيوان أليف أو مجرد التحدث إلى شخص ما.
تستخدم باين عكازها الذي يحتوي عموده المعدني على سلسلة من الثقوب لتعديل ارتفاعه: إن مجرد تمرير أصابعها على الثقوب يوفر تشتيت الانتباه الكافي. تقول: «إنك تجعل ذهنك يفكر في شيء آخر.» فقد توقفت عن تناول الأدوية ولم أصب بالاختلاجات لمدة عامين.
أظهرت بعض التجارب الصغيرة التي أجريت على هذه التقنيات نتائج إيجابية سواء بالنسبة إلى النوبات الانفصالية أم المشكلات الحركية، وجارٍ تنفيذ دراسات أكبر.
وعلى الرغم من أن هذا أمر مشجع، فإن تشتيت الانتباه لا يعمل على الفور، خاصة إذا لم يكن الشخص يتحرك من مكانه Immobile لفترة طويلة ومن ثم ضعفت عضلاته بسبب قلة الاستخدام. تقدم بعض المستشفيات حاليّاً برامج مخصصة للعلاج الطبيعي تعتمد على تشتيت الانتباه، حيث يستعيد الناس قدراتهم المفقودة تدريجيّاً. ويقول مارك إدواردز Mark Edwards، وهو طبيب أعصاب في مستشفى سانت جورج St George بجامعة لندن University of London، بدأ اهتمامه بالعلاج بتشتيت الانتباه في الوقت نفسه الذي بدأ فيه ستون تقريباً: «عن طريق تعليمهم كيفية إعادة توجيه الانتباه، نحن نحفّز الأنماط الطبيعية الكامنة للحركة.»

«تعني الاضطرابات “النفسية الجسدية” أنك لا تختلقها في معظم الحالات.»


من المثير للاهتمام، أن هذا النهج قد يسلط الضوء على السبب الكامن وراء الأعراض الوظيفية، كما يقول إدواردز. وفقاً لنظرية تتعلق بالكيفية التي يعمل بها الدماغ عادة، فنحن نعايش العالم ليس كبيانات أولية واردة من حواسنا، بل كخليط بين هذه البيانات وبين تكهناتنا وتوقعاتنا.
ويجادل إدواردز في أن هذه الدائرة تفشل في الاضطرابات الوظيفية بحيث يسبغ الدماغ وزناً مفرطاً على هذه التنبؤات، بدلاً من مدخلات الحواس. وفي حالة مصاب بالعمى الوظيفي، مثلاً، فإن توقّع الظلام يتخطى إشارات الأعصاب البصرية. وفي شخص لا يستطيع تحريك ذراعه، تتخطى معتقداته بخصوص ذراعه الإشارات العصبية الحقيقية الواردة من العضلات. يقول إدواردز: «إذا كانت هذه التوقعات خاطئة في كل مرة تحاول فيها الوصول إلى الحركة؛ فستخطئ بالفعل.»

دراسة حالة: خدر غامض
تقول راشيل تروب Rachael Troup، البالغة من العمر 21 عاماً وتعيش في إدنبرة المملكة المتحدة: «ظننت أنني مصابة بسكتة دماغية.» وكانت تتناول الغداء مع بعض الأصدقاء عندما أصيبت ذراعها وساقها اليمنى بالخدر، وتدلى الجانب الأيمن من وجهها إلى الأسفل. نقلها أصدقاؤها إلى المستشفى، حيث أجرت عدداً من الفحوصات، بما في ذلك الأشعة السينية وأشعة الدماغ بالرنين المغناطيسي، ولكن لم يُظهر أيّاً منها وجود أي خطأ.
وخلال الأيام القليلة التالية في المستشفى، بدأت تستعيد قدرتها على الحركة. وقال الأطباء إن السبب في ذلك ربما كان نوعاً من الصداع النصفي (الشقيقة) Migraine أو شلل بيل Bell’s palsy الناتج من التهاب أعصاب الوجه. وتذكر الملاحظات الطبية في ملفها أيضاً احتمال أن تكون الأعراض «وظيفية» في الأصل. ولكن الأطباء لم يشرحوا لها ما يعنيه هذا.
وفي الأشهر التالية عاد ضعفها وشللها وانتهى بها المطاف على كرسي متحرك وهي تعيش في المنزل مع والديها. تلقت تروب علاجاً طبيعيّاً عاديّاً، لكنه لم ينجح واتُهمت بعدم بذل الجهد الكافي. وأخيراً، راجعت طبيب أعصاب متخصصا بالاضطرابات الوظيفية، وقال لها: «أولاً، هذا أمر حقيقي وليس من خيالاتك.» وقد بدأت حالياً بالعلاج الطبيعي المصمم خصيصاً لإيقاف العمليات الدماغية الخاطئة التي تولّد تلك الأعراض.
تجد تروب هذا مفيداً، على الرغم من أنها لا تزال تتعرض لانتكاسات، وتحتاج إلى إعادة تقوية عضلاتها التي صارت ضعيفة بسبب عدم الاستخدام. وقالت «ظننت أنني سأظل على كرسي متحرك بقية حياتي. لقد منحني هذا أملاً في المستقبل.»
ومع ذلك، فمن غير الواضح لماذا تسوء التنبؤات. إحدى الأفكار هي أن ذلك يرجع إلى اهتمام الأشخاص المفرط بالجزء المعطل من الجسم- سواء بوعي أم من دون وعي. وأظهرت العديد من الدراسات أن المصابين باضطرابات وظيفية يولون انتباهاً لجميع أحاسيسهم الجسدية أكثر ممن لا يعانون هذه الاضطرابات. ويمكن لتقنيات تشتيت الانتباه أن تفيدهم ببساطة عن طريق تشتيت الانتباه.
سواءً كان تفسير إدواردز صحيحاً أم لا، فإن تقنيات تشتيت الانتباه تساعد الأشخاص بالفعل على التعافي من الحالات الوظيفية. ومع ذلك، فهي ليست حلاً سحريّاً، فاحتمالات نجاحها تقل لدى من يعانون حالات أخرى يصعب علاجها، مثل الاكتئاب أو التهاب المفاصل Arthritis. ويعاني بعض الأشخاصِ العديد من الأعراض الوظيفية المختلطة معاً، والتي تنحسر وتزول بمرور الوقت؛ مما يجعل من الصعب إحراز تقدم.
لا يتقبّل بعض الناس تشخيصهم. وهذا أمر مفهوم، كما تقول أوسوليفان. «تخيل أنك ظللت على كرسي متحرك لمدة خمس سنوات وكنت تظن أنك مصاب بالتصلب العصبي المتعدد ثم أخبروك بأن ذلك وظيفي. ستظل معاقاً، لكن يحتمل أن تفقد كل الدعم الذي تحصل عليه، وربما المنافع المالية. والآن عليك أن تخبر جيرانك وصاحب عملك بذلك.»
يعتمد الكثير على خبرة الطبيب وبراعته، وما إذا كان هناك علاج طبيعي تخصصي وخدمات نفسية لإعادة التأهيل. لكن يبدو أن الزمن يتغير. يقول إدواردز إنه إذا تحسنت قدرتنا على مساعدة المصابين بالاضطرابات الوظيفية، فقد تكون هناك فوائد أوسع أيضاً.

قوة العقل
ولدى المصابين بأمراض جسدية واضحة، ربما لا ترتبط درجة الأعراض ارتباطاً كبيراً بخطورة المرض كما يتضح في الاختبارات الموضوعية. وقد يكون ذلك بسبب مرض جسدي يتفاقم بسبب ما يُسمى أحياناً التراكب الوظيفي Functional overlay. ويقول إدواردز: «أي أعراض هي مزيج من العملية الفسيولوجية وشعور دماغك بها وعرضها عليك.»
يقول أندي كلارك، من جامعة إدنبره، إن الفكرة قد تساعد على تفسير تأثير الدواء الغفل (الوهمي) Placebo effect، الذي يبدو معه أن الأمراض تتلاشى بعد العلاجات الطبية الزائفة. وعلى الرغم من أن لهذا التأثير شهرة واسعة، فإن تأثيره عادة ما يكون ضئيلاً نسبيّاً، مثل تحقيق انخفاض قدره 1 أو 2 نقطة على مقياس الألم المؤلف من عشر نقاط. وقد يتلاشى التراكب الوظيفي لمرض ما بفعل قوة التوقع.
حتى غير المرضى قد يعايشون ما يشبه تغلب العقل على المشكلات الجسدية. كما أن التوقعات السلبية بخصوص أحد أجزاء الجسم قد تؤدي إلى حدوث خلل في الأداء، فقد تبين أن التوقعات الإيجابية تعزّز الأداء، في صورة زيادة القدرة على التحمل في الرياضة، مثلاً.
يقول كلارك: «إن الدرس المستفاد هنا هو أن الطريقة التي نتصور بها عالمنا هي التي تبني تجربتنا الواعية. تُحدث بعض هذه التنبؤات الشيء نفسه الذي تنبأت به. ويمكنك تسخير ذلك سلباً أو إيجاباً.»
وإذا صحت هذه الأفكار، فإن أي تبصر نكتسبه من تعلم كيفية مساعدة المصابين باضطرابات وظيفية قد يفيدنا جميعاً. ويقول إدواردز: «في يوم ما قد تخطئ هذه المجموعة الضعيفة نسبيّاً من المرضى بتقدير لإسهامها في تحسين صحة البشر. هذا ما آمله.»

لماذا تبدأ الأعراض الوظيفية؟
روّج سيغموند فرويد Sigmund Freud لواحد من أقدم التفسيرات للاضطرابات الوظيفية، إذ لا يوجد سبب بنيوي واضح للأعراض الجسدية، فقد اعتقد أنها ناجمة عن صدمة نفسية سابقة. قد يكون هذا صحيحاً بالنسبة إلى قليل من المصابين. وأظهر تحليل تلوي أن 24% من المصابين باضطراب عصبي وظيفي تعرضوا للإيذاء في الطفولة، مقابل 10% في المجموعة المقارنة.
كما يبدو أن أعراض الآخرين تحرّضها بعض أنواع الإصابات الجسدية أو الأمراض. ومن الشائع أن يتعرض أحدهم لحادث سيارة، مثلاً، وتلحق به إصابات تسبب الألم أو الضعف في جزء من جسمه، ولكن مع شفاء جروحه تستمر المشكلات. ويذكر بعض الناس أن أعراضهم بدأت عند مرورهم بفترة من التوتر. لكن بالنسبة إلى الكثيرين، ليس لها أصل واضح.
وتشيع هذه الاضطرابات بين النساء أكثر من الرجال: ثلثا المصابين هم من النساء. لا أحد يعرف سبب ذلك. ولكن عموماً، تكون النساء أكثر عرضة من الرجال لتجاهل الأطباء لمشكلاتهن الطبية أو التقليل من شأنها، وهو اتجاه مقلق عندما يكون من الصعب فهم الحالة نفسها.


كلير ويلسون Clare Wilson: مراسلة لمجلة نيوساينتيست New Scientist

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق