العلوم الطبيعيةفيزياءفيزياء نظريةميكانيكا الكم

عالم الكمّ غريبٌ جدا- ربما عرفنا السبب الآن

الخاصية التي تجعل من العالم تحت الذرّيّ غريباً جدّاً قد تكون هي أيضاً المحرك الذي سيمنح الحواسيب الكمومية قدراتها الفائقة.

بقلم: سيارين لي
ترجمة: همام بيطار

ارمِ كرةً نحو الحائط، وراقبها وهي ترتد، التقطها، حتى الآن الأمور جيدةٌ جدّاً. الكرة لم تختفِ فجأة عبر الجدار، أو تتحول إلى شيءٍ آخر. وما حدث طبيعيٌ جدا، فالسلوك المتوَقع الذي شهدته ما هو إلّا تطبيقاً لفيزياء كلاسيكية. وحتى عام 1900 كانت تُسمى الفيزياء فقط، بغض النظر عن المادة المدروسة، سواء أكانت جسيمات أم كواكب، فالقوانين التي تحكم ارتداد الكرة يمكن استخدامها لوصف أي شيءٍ آخر في هذا الكون، لقد كان العالم يبدو منطقيّا.

بعد ذلك جاءت ميكانيكا الكم Quantum mechanics، وعلى مدارٍ أربعة عقود حاسمة وذات وتيرة متسارعة، صار عالمنا مكانا غير مألوفٍ وغريبا وجامحا. فقد سلكت الأجسام سلوكاً كانت تبدو فيه وكأنها تشغل حيزين في الوقت نفسه، وعاشت الجسيمات حياة مزدوجة كموجات، وبدا أن المعلومات تنتقل بسرعةٍ أكبر من سرعة الضوء. فقد صارت غرابة العالَم الكمّيّ (الكمومي) أسطورية، لكنّ منشأ هذه الغرابة يبقى لغزاً عميقاً. وعلماء الفيزياء النظرية أمثالي يتابعون المعركة بسؤال يبدو أساسيّاً بشكلٍ لا يكاد يُطاق: ما الذي يعطي العالم الكمّيّ نكهته الكمّيّة المميزة والمخالفة لما هو بديهي؟

الحقيقة، نحن لا نعلم الإجابة حتى الآن. وهذا الجهل ولّد عواقب عميقة لإدراكنا للواقع، إضافة إلى تأثيره في قدرتنا على استخدام الظواهر الكمّيّة في تكنولوجيا العالم الواقعي. وفي الوقت الذي ظهرت فيه العديد من الأطروحات على مرِّ السنين، يبدو أننا نقترب من الإجابة الحقيقية.

لا يمكن أن يكون لهذا تأثير تحويلي أكثر منه في سعينا الآن نحو بناء حواسيب كمومية Quantum computer. وموصوفةً بأنها الخليفة المتفوق للحواسيب الاعتيادية، فإن تفوقها الخرافي يُعزى إلى مجموعةٍ متكاملة من الظواهر الكمّيّة، وإذا كنا قد حددنا الأصل الحقيقي للكمّيّة، فإننا سنشهد ثورة حوسبية جديدة في القريب العاجل.

بدأ كل ذلك مع ألبرت آينشتاين Albert Einstein في مطلع القرن الـ20، وكان في طليعة موجة الفيزيائيين الشباب الذين كانوا يأتون باكتشافات جذرية ومصيرية للعالم من حولنا. وفي عام 1905 تبنى آينشتاين فكرة اقتنع بها بشدة، وهي أن الضوء الذي لطالما اعتبرته مؤسسة الفيزياء موجة؛ عليه أن يسلك سلوكاً يشبه كثيراً سلوك الجسيمات. وقد وقع عالَم الفيزياء في حيرة كبيرة حين أظهرت التجارب التي أُجريت على جسيمات تحت ذرّيّة تُسمى الإلكترونات أنها تنتشر كالموجات.

«حقيقةً، وعلى الرغم من كل إمكاناتها الثورية، فلا يزال الغموض يكتنف مصدر قوة الحوسبة الكمّيّة.»

إن شرح هذه الظواهر الجديدة يستدعي إعادة النظر في بنية الضوء والمادة، وعوضا عن كونها كرات صلبة، وُجد أن الجسيمات والذرات المجهرية هي في مجملها ذات هويات مراوغة. وأفضل ما وصفها هو كيانات رياضياتية تُدعى الدوال الموجية Wave function، وهي تحسب احتمالات وجودها في أماكن مختلفة. وحتى تتمكن من تحديد مكانها الدقيق تماما،ً توجد كل هذه الاحتمالات المختلفة مرة واحدة.
ولاستبدال اليقين الثابت بالدوال الموجية والاحتمالات نتائج مذهلة. فقد عنى ذلك أنه عند مجابهة حاجزٍ قوي فاحتمال وجود جسيم على الجانب الآخر من الحاجز لا يساوي الصفر، وسيسمح له هذا بأداء مهمة اختراق تبدو مستحيلة وسيستطيع النفاذ إلى الجهة الأخرى عبر نفقٍ مباشر في الحاجز.

كثيرون هم الفيزيائيون الذين لا يحبذون هذه الصورة، وأكبر المعارضين كان من بينهم آينشتاين نفسه الذي انتابه الخوف من عواقب نظرة العالم الكمّيّ الذي ساعد هو نفسه على الولوج إليه. وفي محاولةٍ لتسليط الضوء على غرابة هذه الفيزياء الثورية الجديدة، تعاون مع اثنين من زملائه في جامعة برينستون Princeton University هما: بوريس بودولسكي Boris Podolsky وناثان روزن Nathan Rosen- وجميعهم كانوا يتشاطرون الفكر ذاته- في إنجاز أطروحة عُرفت بأطروحة EPR، وهي اختصارات لأوائل أحرف أسماء مؤلفيها، وقد أوضحت العواقب الوخيمة لكونٍ تحكمه الاحتمالات. وفي ضوء الشروط الصحيحة، كما توضح الورقة قد أن ترتبط الدوال الموجية لجسيمين، أو تتشابك، وتقريباً، تطبيق أي فعل على أحدهما، سيؤثر في الآخر فوراً، بغض النظر عن المسافة الفاصلة بينهما.

كانت هذه هرطقة. ففي لغة الفيزياء الكلاسيكية يمكن للإشارات أن تنتقل بسرعة الضوء فقط. وهذا يعني أن الأشياء تحتاج إلى وقت أطول للتواصل مع الأشياء البعيدة عنها من تواصلها مع الأجسام الموجودة في جوارها المباشر، وهو ما يُعرف بمبدأ الموضعية Locality. وباتباع هذا المنطق تقول الفيزياء الكلاسيكية إن جسيمين متشابكين تفصل بينهما مسافة سنةٍ ضوئية، سيحتاجان إلى 12 شهراً كاملاً للتفاعل مع أي تغير حدث لأحدهما. ووفقا للأطروحة EPR، تبدو مثل هذه التفاعلات لحظية، وليس من العجب أن آينشتاين أطلق على هذا التأثير الشبحي عن بعد Spooky action at a distance.

نقض آينشتاين
لم يكن الجميع مرتاعين إلى هذه الدرجة، فإرفين شرودينغر Erwin Schrödinger، أحد رواد النظرية الكمّيّة، تبنى التشابك Entanglement على اعتباره الظاهرة التي تفصل تماما بين عالمي الكم والفيزياء الكلاسيكية، واصفا إياه بالسمة المميزة لميكانيكا الكم. وبالنسبة إلى فيزيائيين كشرودينغر، كانت شبحية العالم الكمّيّ هي بالذات ما جعله المكان المثالي للعثور على المكونات الأساسية التي تعطي العالم الكمّيّ كموميته.

وطول ذلك الوقت، كان المشكّكون كآينشتاين مستميتين لتفسير هذه التوأمة الغريبة بوسائل كلاسيكية بحتة. وأحد الاقتراحات كان أن الجسيمين لهما خصائص محددة سلفاً لا يمكن الكشف عنها بوسائل الرصد المتاحة. ولو أخذت زوجاً من القفازات إلى أقصى نهايات الكون، على سبيل المثال؛ فلن يكون مفاجئاً أبداً أن تعلم أن أحد القفازين كان لليد اليسرى حالما تحدد أن القفاز الآخر هو لليد الأخرى، واليد المناسبة للقفاز لم تظهر بطريقةٍ ما لدى تحري القفاز الآخر؛ لقد كان ذلك جزءاً لا يتجزأ من هويتها طوال الوقت.

مثل هذه النظرية، التي يبدو كأنها تفسر التشابك مع حفاظها على الموضعية، صارت القشة التي يتشبث بها رافضو الكم بيأس متعاظم. وقد تغير كل ذلك عام 1964،حين تصور الفيزيائي جون ستيوارت بيل John stewart bell سلسلة من التجارب الفكرية كانت قادرة على التمييز بين التشابك الكمّيّ الحقيقي والمكافئ الكلاسيكي الذي حافظ على الموضعية

وفي سلسلة تطبيقات تجريبية لأفكاره، بدأها منذ عام 1972 و فاقت سابقاتها في دقتها، ظهر التشابك كحقيقةٍ واقعة. وكانت الفيزياء الكمّيّة لاموضعية على نحوٍ مُبهج. يقول ماتي هوبان Matty Hoban الذي يعمل على نظرية المعلومات الكمّيّة Quantum information theory في مركز غولد سميث Goldsmiths بجامعة لندن University of London: «لقد أغلقت هذه التجاربُ البابَ في وجه أي أمل بإنقاذ صورة واضحةٍ صافية عن الواقع.»

ولكن بينما تعد اللاموضعية بوضوح جزءا لا يتجزأ مما يجعل من ميكانيكا الكم أمراً غريباً، فإن القصة لم تنتهِ هنا. وأحد الأمور هو أن اللاموضعية تنطبق فقط على جسيمين أو أكثر. وهي غير ذات أثر بالنسبة إلى أي تأثيرات كمومّيّة تشمل جسيماً واحداً فقط، كما هي الحال مع تأثير النفق الكمّيّ الذي يتضمن قدرة الجسيم على اختراق العديد من الجدران، أو انتحال الجسيم لهويات متعددة، وهكذا تحطمت بعض قوانين الفيزياء الكلاسيكية الأخرى.

شهود غير جديرين بالثقة
ومرة أخرى، كان جواب هذه المعضلة يمكن التوصل إليه بالرجوع إلى آينشتاين. إذ افترض مؤلفو أطروحة EPR ومؤيدوهم أن تلك التجارب الكمّيّة تخضع لقوانين الفيزياء الكلاسيكية نفسها. وافترضوا ثبات خصائص أي جسم، التي يمكن معرفتها بطرح السؤال التجريبي الصحيح. فقفاز اليد سيبقى دائما لليد اليسرى، إنها خاصية جوهرية لم تتغير. وسواء اختبرت القفاز (هل هو لليد اليسرى أو اليمنى) بارتدائه، أم سألت صديقاً أن يرتديه، أم ارتديته كانت عيناك مغلقتين وأنت تحت الماء، فهذه السياقات المختلفة لا ينبغي أن تُغيِّر هوية القفاز.

ما أظهرته اختبارات بيل أنه في العالَم الكمّيّ ستكون هذه السياقات مؤثرة فعلاً، وترتبط النتيجة التي ستحصل عليها لدى إجرائك قياساً على واحدٍ من جسيمين مترابطين وبشدة على القياس الذي أُجري على الجسيم الآخر (شريكه، المرتبط به). وبكلمات أخرى، الإجابة حول كل جسيم ينبغي أن تعتمد على السياق الذي طرح فيه السؤال. وبالنظر إليها من هذا المنظور، ستكون معظم نتائج العالم الكمّيّ المخالفة لما هو بديهي نتائج منطقية فجأة. فقد استجوب الجسيم الكمّيّ في ضوء الشروط الملائمة، وستتمكن من التأثير في طبيعة اعترافه. حاليّاً جسيم، حاليّاً موجة، الآن على أحد جوانب الجدار، الآن على الجانب الآخر. يقول مارك هوارد Mark Howard الذي يعمل على الحوسبة الكمّيّة في الجامعة الوطنية الإيرلندية National University of Ireland بغالواي: «السياقية Contextuality هي السمة المميزة للكمّيّة.»

وبالنسبة إلى آنا بيلين ساينز Ana Belén Sainz من معهد المحيط للفيزياء النظرية Perimeter Institute for Theoretical Physics في كندا، يجعل ذلك من السياقية أكثر الظواهر الكمّيّة تأصلاً، ومع اللاموضعية تكون هي الطريقةٍ الوحيدة التي تتجلى بها.

لكن لمعرفة ما إذا كان ذلك حقّاً هو مصدر غرابة العالم الكمّيّ المتأصلة، فنحن بحاجة إلى تطوير اختبار يشبه الذي صممه بيل من أجل اللاموضعية. سينطوي ذلك على إعداد التجربة نفسها في سياقين مختلفين، ومقارنة النتائج. وقد تبين أن ذلك سيكون تحديّاً كبيراً، إذ إن أصغر عيب في المعدات سيسبب تشويشاً تجريبيّاً؛ مما سيؤدي إلى اختلافات طفيفة في النتائج. وكيف سنتمكن من التمييز بين الفروقات العائدة إلى التشويش التجريبي وتلك العائدة إلى الغرابة الكمّيّة.

أتت الإجابة عام 2016، حين أجرى فريقان اختبارين تجريبيين مستقلين للسياقية الكمّيّة. والمنهجان اللذان اتبعاهما كانا قويين بما يكفي لإقصاء الضوضاء التجريبية، بحيث ظهر بشكلٍ مقنع أن الأجسام في العالم الكمّيّ هي شهود لا يمكن الوثوق بها: فالأجوبة التي يقدمونها لا تعتمد على التساؤلات التي تطرحها فحسب، لكنها تعتمد على السياقات التي تطرحها بها أيضاً. وبالنسبة إلى ساينز، فإن هذه التجارب تمثل حجر أساس في تاريخ الفيزياء الكمّيّة.

وعلى الرغم من دورها المحوري في العالم الكمّيّ، افتقرت السياقية إلى الاعتراف الذي تستحقه لعقود عدة. لقد كان غياب عبارة مشجعة معتَمدة من آينشتاين، هو قمة الجبل الجليدي فقط؛ ويقول هوبان: «يعود أصل الكثير من المعضلات إلى قيمة الصدمة Shock value.» فبالنسبة إلى الفيزيائيين، تبدو اللاموضعية صدمة أكبر؛ لأنها تلامس مكونات جوهرية من الواقع، كالمكان والزمن والسببية. ومهما كان السبب، ربما كانت هيمنتها على وشك أن يُطعَن بها.
وإذا كنت تصدق هذه الدعاية الإعلامية؛ فربما يكون عام 2019 هو العام الذي سيشهد فيه العالم بناء أول حاسوبٍ كمومّيّ كبير. ووفقا لكبار المتنافسين في هذا المجال ستستغل مثل هذه الحواسيب المزايا الغريبة لميكانيكا الكم لأداء مهام بسرعةٍ أكبر من السرعة التي تؤديها بها الحواسيب الفائقة، بدءا من اكتشاف عقاقير جديدة للسرطان وحتى تطوير طرق التنبؤ الجوي وتنظيم حركة المرور. ولكن ما الذي يجعل هذه الحواسيب مميزة؟

تحت الغطاء لا يعدو الحاسوب أن يكون سوى جهاز قادر على معالجة المعلومات لأداء المهمة المطلوبة، وفي حاسوب تقليدي أو محمول، يُنجَز ذلك عبر وسطٍ من بلايين الترانزستورات الموضوعة على رقائق داخل الآلة. وكل ترانزستور قد يكون في حالةٍ من اثنتين: إما on وهي الحالة التي يمر من خلالها التيار الكهربائي، والثانية هي off. وهاتان الحالتان اللتان يُشار إليهما بالرقمين 1 و 0، تمثلان بت Bit وحيدا من المعلومات. اجمع ما يكفي من البتات بعضها مع بعض، وستصبح قادراً على فعل أي شيء؛ من حساب مسارات مكوك فضائي وصولا إلى بناء نموذج للكون.

في الحوسبة الكمّيّة يُستَبدل البت الكلاسيكي بالبت الكمّيّ، أو الكيوبت Qubit. وبدلا من وجود الصفر والواحد فقط؛ ستسمح الدالة الموجية للكيوبت بأن يُوجد في مزيج جديد من الصفر والواحد، يُعرف بالتراكب Superposition. وحتى الآن، هذا الكلام سهل وبسيط. لكن عند هذه النقطة، تخرج الكثير من محاولات تفسير قدرة الحوسبة الكمّيّة عن مسارها الصحيح. والإصدار القياسي ينحو منحى يشبه الآتي: على البت الكلاسيكي أن يختار واحدة من القيمتين: الواحد أو الصفر، أي إحدى الحالتين، لكن بفضل التراكب قد يمثل الكيوبت الحالتين في الوقت ذاته. وهكذا، فبينما على الحاسوب التقليدي تجربة كل حل ممكن مرة واحدة في زمن محدد، يسمح التراكب الكمّيّ للحاسوب الكمّيّ بتجربة كل الحلول الممكنة للمعضلة في وقتٍ واحد، ما يجعله أسرع وأكثر فاعليةٍ من الحاسوب الاعتيادي. يبدو ذلك مذهلاً، المشكلة الوحيدة أن ذلك يبدو غير منطقي أبداً. ويقول هوارد: «لو كانت الأمور بهذه البساطة؛ لأصبحنا سنصبح جميعنا أثرياء، وسيكون تصميم خوارزمية كمّيّة أمرا سهلا.»

والحقيقة هي، بالنسبة إلى كل قدراتها الثورية، يبقى مصدر قدرة الحواسيب الكمّيّة أمراً يكتنفه الغموض. يقول هوبان: «إن فهم ما تقوم به الحواسيب الكمّيّة فعلاً مشكلة عويصة، حتى بالنسبة إلى الخبراء»، ونحن نعلم أنه في بعض الحالات، كانت الخوارزميات الكمّيّة قادرة على إنجاز مهام تبدو مستحيلة باستخدام ظواهر كالتشابك والتراكب- لكننا نعلم أيضا أن بعضاً من إنجازاتها يمكن نمذجتها على آلة كلاسيكية؛ أي إن مجرد استخدام التأثيرات الغريبة هذه لا يكفي لإعطاء الحواسيب الكمّيّة أفضلية على ما سواها. وتقول أنجيلا كارانجاي Angela Karanjai الفيزيائية الكمّيّة في جامعة سيدني University of Sydney: «المثير للقلق أننا لا نمتلك حتى الآن طريقة لتحديد الظروف الكافية والضرورية التي ينبغي أن يمتلكها نظام كمومّيّ لمعرفة ما يمتاز به عن الحوسبة التقليدية.»

لكن البعض لديهم الاعتقاد أنهم يعرفون أين تكمن هذه المزايا. في عام 2014 نشر هوارد وزملاؤه ورقة تاريخية تُظهر أن السياقية ربما كانت المحرك الكامن في صميم الحوسبة الكمّيّة. وبدؤوا بأنظمةٍ بسيطة تُعرف بدوائر التثبيت Stabiliser circuits، التي هي كمّيّة متأصلة، لكن محاكاتها سهلة على الحواسيب التقليدية. وفي لغة علماء الحواسيب الكمّيّة، هذه الدارات ليست دارات عامة Universal، ولن تعمل عليها كل الخوارزميات الكمّيّة الممكنة. كما اتضح أنها ليست متطورة بما يكفي لتظهر السياقية.
لقد أثبت هوارد وزملاؤه أنه حالما تعطي دارات التثبيت القدرةَ على خلق حالات ملائمة للسياق (سياقية)، ستجعلها عامة. ويصف هوبان ذلك بالقول: «لقد أتت هذه النتيجة بأرضية جديدة وستكشف عن جزء من حجر الأساس في قدرة الحواسيب الكمّيّة.»

القدرة الفائقة للكم
إذا، هل السياقية هي المحرك السري المسؤول عن سرعة الحوسبة الكمّيّة المتزايدة؟ بالنظر إلى النماذج المتنوعة من الحوسبة الكمّيّة المتاحة، يحذر هوارد من الإفراط في التعميم. ومع ذلك، فإن معرفة أن السياقية يمكنها -في معظم الأحيان- أن تجعل الحوسبةَ كمّيّة حقّاً ما زالت أمراً مفيداً ولو لبعض الوقت. وقد أظهر العمل الأخير الذي أنجزته كارانجاي وزملاؤها أن مقدار السياقية الذي تظهره دارة كمّيّة يضع حدّاً على الذاكرة التي يحتاج إلى حاسوب تقليدي لمحاكاتها. وكلما زادت السياقية، ازداد مقدار الذاكرة المطلوبة. وتقول كارانجاي: «تدعو هذه النتائج من يبني حاسوباً كمومّيّاً إلى بنائه باستخدام أنظمة تظهر السياقية؛» فذلك يمكنه أن يوفر المزيد من قدرات الحوسبة.

لكن السياقية لا تعد بشيء تكنولوجي فحسب، فبعد قرن من الشك وعدم اليقين، ربما ستتيح لنا أخيراً ترسيم الحدود الضبابية بين الفيزياء الكمّيّة والتقليدية.
بالنسبة إلى شرودينغر، فإن حقيقة كون التشابك «شبحيا» -التي قوّضت أفكارنا الكلاسيكية المسبقة؛ كانت كافية للتبشير به كأمر آخر مهم موجود على الطرف الآخر من الهوة. ولكن عمل هوارد وكارانجاي والآخرين يشير إلى أننا قد نكون قريبين من تحقيق تعريف أكثر دقة. وعوضاً عن كونها نظرية فوضوية مؤلفة من تلك الظواهر المخالفة للتوقعات الكلاسيكية، يمكن للفيزياء الكمّيّة في جوهرها أن تكون نظرية حول الحوسبة. ومذهلة كما تبدو، فإن السمات الحقيقية للسلوك الكمّيّ ربما كانت تلك التي توفر مزايا حوسبية واضحة.

وإذا صمد ذلك، فإن السباق نحو بناء حاسوب كمومّيّ سيقدم أكثر من إحداث ثورة في الحوسبة. وما سيترتب على ذلك حقّاً قد يحدد ما يجعل ميكانيكا الكم كمّيّة.

سيارين لي Ciarán Lee (على (quantumciaran@): فيزيائي من جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن University College London، وباحث أول في الموقع الإلكتروني Babylon Health.

© Copyright New Scietist Ltd.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق