العلوم الاجتماعية

التنافس بين الإخوة: كيف يؤثر ترتيب الولادة في شخصيتك وصحتك

بقلم: هيلين تومسون

ترجمة: محمد الرفاعي

إن أختي الكبيرة مثال نموذجي للطفل البكر في الأسرة: فهي تتصرف بمسؤولية، وذات ضمير حي، وتؤدي دور المعلمة عندما كنا نلعب لعبة المدرسة، وهي مخرجة مسرحياتنا في عيد الميلاد. أما أختي الوسطى فتصاحب الأشخاص المرحين، ولديها الكثير من الأصدقاء، وكانت طفلة جامحة إلى حد ما. أما أنا، وكما هو واضح، فقد تحديت القوالب النمطية الخاصة بالطفل الأصغر المدلل الذي يسعى إلى جذب الانتباه، والذي هو مثال على الإنسان المحبب اللطيف ذي الطبيعة الحسنة.

على مدار قرون، جادل علماء الاجتماع والفلاسفة، وتقريبا كل شخص لديه عائلة، بأن ترتيب الولادة يشكِّل الشخصية. ويمكن تلخيص وجهة النظر هذه كما يلي: الطفل الأول مجد وجدير بالثقة. الأوسط متمرد لكنه ودود. أما الأخير فلطيف ويسعى إلى الحصول على الاهتمام. أما الطفل الوحيد فهو أكثر حكمة من عمره، مدلل، ويسعى إلى الكمال.

لكنني أكاد أسمع صيحات الاعتراض. وإذا لم يكن هذا متوافقا مع ما تعرفه عن نفسك، أو في الواقع عن معظم الناس، فأنت لست وحدك. فعلى الرغم من شيوع الاعتقاد بهذه النماذج النمطية، فإنه لا يوجد دليل قوي يدعمها.

والسبب في ذلك لا يعود إلى انعدام المحاولة. فلطالما سعى علماء النفس إلى الاستدلال على تأثير ترتيب الولادة في تشكيلنا، غير أن بحثا حديثًا أظهر أن هذه الدراسات معيبة إلى درجة تجعلها عديمة الفائدة. ولكن الآن يهدف أكبر تحليل لترتيب الولادات من نوعه إلى وضع الأمور في نصابها.

وفي الوقت نفسه، هناك سبب ملح يدفعنا إلى تركيز انتباهنا على ترتيب الولادة: فقد بدأنا نفهم الكيفية التي يؤثر بها ذلك في صحتنا الجسدية والنفسية، لأسباب ليس أقلها أن بعض خلايا جسمنا تحتوي على الحمض النووي DNA لإخوتنا الأكبر بدلا من حمضنا. وبغض النظر عن النماذج النمطية، فإن لترتيب الولادة تأثيرات عميقة.

وبناء عليه، فما مقدار الأثر في شخصيتنا ونجاحنا وصحتنا، الذي يمكن أن يعزى إلى كوننا الطفل الأكبر أو الأصغر أو الأوسط أو الطفل الوحيد؟

كان العالم الموسوعي فرانسيس غالتون Francis Galton – وهو الأصغر بين تسعة إخوة- أول من اقترح في القرن التاسع عشر مفهوم أهمية ترتيب الولادة، إذ لاحظ أن العلماء الإنجليز غالبا ما يكونون الأطفال البكر في عائلاتهم. ووضع نظرية مفادها أن الطفل الأكبر يحصل على اهتمام أكبر من الأهل فيتفوق بفضل ذلك. وبعد ذلك بنحو 50 عاما رأى المعالج النفسي النمساوي ألفريد أدلر Alfred Adler -الذي كان الثاني في عائلته من بين ستة أطفال- أن الأطفال الأكبر يحظون بامتيازات أكبر بيد أنهم «محافظون متعطشون للقوة» وميالون للشعر ويمتازون بفيض كبير من الإحساس بالمسؤولية والتوتر. ورأى أن الطفل الأوسط مفاوض خبير أما الأصغر فمُدلَّل غير جدير بالثقة وكسول، ومرجع ذلك دلال الأبوين المفرط.

وفي عام 1995، أحيا فرانك سولواي Frank Sulloway، الذي يعمل حاليا في جامعة كاليفورنيا University of California ببيركلي النقاش حول الموضوع مرة أخرى باقتراحه لنظرية” الأدوار المتخصصة في الأسرة“ Family niche المتمحورة حول تأثير ترتيب الولادة: ومفادها أن شخصيات الإخوة تتمايز بحيث يأخذ كل فرد دورا مختلفا في ديناميكية الأسرة، وهو ما يقلل من المنافسة ويسهل التعاون. فعلى سبيل المثال، في فترة الطفولة يكون الطفل الأكبر الأقوى جسديا، مما قد يجعله أكثر عدوانية أو يستخدم حجمه لمصلحته. بيد أن والديه يسران بتقمصه لدور الوالد البديل لإخوته، وهذا بدوره سيزيد من حس المسؤولية لديه.

أما الأطفال المولودون فيما بعد فليس بوسعهم، أو ليسوا بحاجة إلى ملء خانة الأدوار المتخصصة نفسها، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل. وهذا ما قد يتطلب منهم أن يطوروا قدرة أكبر على التخيل من إخوتهم الأكبر لكن ذلك يجعلهم في المقابل أكثر وعيا بذواتهم. ويقول سولواي إنّ ترتيب الولادة ليس سببا مباشرا، بل وسيط يسمح لديناميكية الأسرة بتشكيل شخصيتك.

بيد أن هناك قصورا يعتري هذا الطرح: لم يتمكن أحد من إثبات صحته. وعلى مدار العقدين التاليين، كانت الدراسات التي حاولت معرفة الصفات التي تتأثر بترتيب الولادة تتوصل إلى نتائج متضاربة. وتقول جوليا رورير Julia Rohrer من جامعة ليبزيغ University of Leipzig في ألمانيا: «كانت الأدبيات العلمية في حالة عارمة من الفوضى»، وتضيف: «اتضح أن العديد من الارتباطات كانت تعاني الانتقائيةَ».

فهذه الدراسات لم تأخذ في الحسبان العدد الكبير من العوامل المُربِكَة Confounding factor. مثلا، الأطفال الأكبر يكونون أكثر حسا بالمسؤولية لأن هذه الصفة تنمو ببساطة مع تقدم العمر. ومن جهة أخرى، فالأطفال الذين يولدون لاحقا نجدهم فقط في العائلات الكبيرة، والوالدان اللذان يختاران إنجاب العديد من الأطفال مختلفان أصلا عن نظرائهما الذين ليس لديهم إلا طفل وحيد. كما أن العديد من الدراسات لم تضع بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والفارق العمري بين الأطفال، أو كم كان عمر الوالدين عندما أنجبا أطفالهما. وعندما كانت هذه الدراسات تجد ارتباطا ما، فإنه لا يثبِت صِحَتَه إلا عندما يكون موجودا ضمن ظروف محددة جدا: الإخوة الأكبر سنا، أو العائلات بثلاثة أطفال، أو الأفراد الذين لديهم أخت أصغر بعامين بالضبط. وتعلق رورير عن ذلك قائلة: «إذا حلّلت البيانات بطرق متنوعة فستتوصل بالتأكيد إلى شيء ما، غير أنه لا يعدو أن يكون نتيجة إيجابية كاذبة False positive توصلت إليها عن طريق المصادفة».

«كانت الدراسات الخاصة بترتيب الولادة معيبة إلى درجة تجعلها عديمة الفائدة»

 

وفي عام 2015، وسعيًا إلى إزالة اللبس فقد حلّلت رورير وزملاؤها بيانات 20 ألف طفل في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا – وكانت قاعدة البيانات هذه هي الأكبر من نوعها حتى ذلك الوقت. وبعد الأخذ في الاعتبار كل العوامل المربكة التي عانتها الدراسات السابقة، استنتجوا أن تأثير ترتيب الولادة في الشخصية يكاد يكون معدوما. والتأثير الحقيقي الوحيد كان ارتباطا بين ترتيب الولادة والذكاء – وحتى هذا التأثير كان ضئيلا، ويعادل انخفاضا في نسبة معدل الذكاء IQ تتراوح قيمتها ما بين 1 إلى 2.5 نقطة بين الطفل الأكبر والأصغر.

وتقول رورير إن هذا ببساطة غير ذي مغزى، فهو الاختلاف نفسه الذي قد تتوقع وجوده إذا خضعتَ لاختبار معدل الذكاء نفسه في أيام مختلفة. وتعَقِب رورير على ذلك قائلة: «من المثير للاهتمام أننا نستطيع أن نرى بوضوح وجود هذا الارتباط، غير أنه ليس شيئا يمكنك أن تلحظه في الحياة اليومية».

كانت هذه الدراسة ستصبح المسمار الأخير في نعش تأثير ترتيب الولادة لو لم يمض سولواي جل وقته في العقدين الماضيين محاولا دفع هذا المجال خطوة أخرى إلى الأمام. ولكي يواجه الشكوك التي كانت تحوم حول الأبحاث السابقة أعدّ ثلاث دراسات مسحية عن الشخصية، مما أعطاه تحكما أفضل في العوامل المربكة.

ووجد أربع قضايا أساسية يجب التعامل معها. أولا، الطريقة التي يرى بها الأفراد الاختلاف في شخصيتهم تختلف تبعا للشخص الذي تربطهم به علاقة ما. فقد تنظر إلى نفسك على أنك تحترم والديك، لكنك ستجد نفسك مسيطرا مقارنة بإخوتك الصغار. لذا، طلب سولواي في الاستبانات الثلاث إلى الأفراد أن يقيّموا شخصا آخر كأخ أو أخت أو شريك عاطفي، مما سيسهل حل هذه الإشكاليات المتداخلة.

ثانيا وثالثا: لا يجيب الأفراد بصدق دائما عن استطلاعات الرأي، ويميلون إلى الرد بالإيجاب عن الأسئلة – فقد يصنفون أنفسهم على أنهم كثيرو الكلام وصامتون وذلك عندما يجيبون عن أسئلة مختلفة. ويشير البحث إلى أن الأفراد يجيبون أجوبة أكثر واقعية إذا فكروا سلفا بمعضلات أخلاقية. لذا بدأ فريق سولواي إحدى الاستبانات بـ 40 سؤالا حول التوجهات الأخلاقية Moral attitudes للمشاركين. وقيموا الأفراد كذلك بناء على ميلهم إلى الرد بالإيجاب عن الأسئلة ووضعوا هذا الأمر في الحسبان في التحليل النهائي.

في المحصلة ستحتاج إلى الكثير من البيانات. «لذا استغرق منا الأمر 18 سنة لنتِمَ هذا العمل»، كما يقول سولواي. وفي هذا العام (2019)، وبعد الحصول على 500 ألف رد من مشاركين من ستة بلدان تتكلم الإنجليزية، بات سولواي قادرا على تحليل النتائج التي سترسَل للنشر لاحقا في هذا العام.

ومثل دراسة رورير، عثر فريق سولواي على دليل مشابه يشير إلى وجود زيادة في الذكاء، وإن كانت صغيرة، في الولد الأول مقارنة بإخوته الأصغر. لكن، وعلى عكس ما توصلت إليه رورير، فقد اقترح أحدث تحليل لسولواي وجود تأثيرات حقيقية في الشخصية يمكن عزوها إلى ترتيب الولادة. ويؤكد بحث سابق أن الجينات قد تفسر نحو 50% من الاختلافات في شخصيتنا. ووجد سولواي وفريقه أن العمر والجنس يساهمان في 5.5% و10% على الترتيب. أما ترتيب الولادة فكان أقل أثرا إذ ساهم في نحو 4.1% في الاختلافات بالشخصية. وعلق سولواي على ذلك قائلا: «ما يزال لهذا تأثير مذهل، لاسيما أن أهمية ترتيب الولادة شُكِكَ بها لفترة طويلة».

صحيح أن حجم هذا التأثير أقل مما وجدته الدراسات السابقة المتنازع على صحتها، لكن الدراسة الجديدة حددت عددا من النزعات المشابهة: يميل الأبناء الأكبر من إخوتهم إلى أن يكونوا أكثر ثقة بأنفسهم ويشعروا بتقدير أعلى للذات، لكنهم في الوقت نفسه يكونون أكثر مزاجية وتوترا. الأبناء الأصغر لديهم ميل أكبر إلى إضحاك الآخرين، ويَغلب عليهم أن يكونوا أكثر انفتاحا، لكنهم قد يكونون أكثر قلقا، ويتوترون بسهولة. أما الأبناء الواقعون في الوسط، فإنهم يمتازون بالصفات الأكثر قبولا، فيثقون في الآخرين ويكونون متعاونين معهم، غير أنهم أقل احتمالا لأن يكونوا واثقين من أنفسهم أو كثيري الكلام. وأخيرا فالطفل الوحيد غالبا ما يميل إلى أن يكون عصابيا متوترا، بيد أنه ذو تقدير عال للذات.

«غالبا ما يحصل الطفل الأصغر على تعليم أقل بستة أشهر ويجني مردودا أقل من الأخ الأكبر»

 لكن ما وزن هذه الاكتشافات الحديثة؟ أقرّ سولواي أن الاختلافات نفسها التي أشارت إليها دراسته قد تظهر عند الإخوة لأسباب أخرى غير ترتيب الولادة. لكنه يجادل في أهمية محاولة فهم ما يحدث لأن ترتيب الولادة ذو أثر نفسي مهم. ويقول في هذا السياق: «يلجأ الناس إلى ترتيب الولادة كي يبرروا سبب اختلافات الإخوة. إنهم يضخمون تأثير هذا الأمر لكن من المهم أن نعرف أن بعضا من هذا التأثير حقيقي».

وعلى الرغم من أن رورير مقتنعة بأن نظرية سولواي حول الأدوار المتخصصة في الأسرة مميزة، فإنها تقول إنه حتى التحليل الأخير الذي أجراه سولواي يشبه شيئا من قبيل «ضع كل العوامل مع بعضها بعضًا لتتفاعل وانتظر لترى ما الذي ستحصل عليه».

قد يكون من الأسهل محاولة فهم تأثير ترتيب الولادة في مجالات أخرى من الحياة كالتعليم والمهنة والدخل. ففي عام 2018، حللت عالمة الاقتصاد ساندرا بلاك Snadra Black وفريقها -من جامعة تكساس University of Texas في أوستن- بيانات تعود إلى 1.4 مليون طفل في النرويج، ووجدت أنه بازدياد حجم الأسرة تزداد معاناة الطفل الأصغر تعليميا واقتصاديا. ففي أسرة مؤلفة من ثلاثة أطفال، يتلقى الطفل الأصغر تعليما أقل بستة أشهر، وخلال حياته يكسب أقل من الطفل الأكبر بمقدار 2.8%.

وتقول بلاك عن ذلك: «لا نعرف على وجه الدقة ما يحدث، غير أنه من الوارد أن الطفل الأكبر يحظى باهتمام أكبر ووقت أكثر بمفرده مع والديه». وإذا كانت هذه هي الحال فإن هناك طريقة للتخفيف من هذا الضرر. فقد وجدت دراسة صغيرة أجراها دوغلاس داوني Douglas Downey من جامعة ولاية أوهايو Ohio State University أن تأثير ترتيب الولادة في عائلات المورمون Mormon لا يكون كبيرا، وقد يعود ذلك إلى الدعم الكبير الذي تحظى به هذه العائلات من مجتمعها. ومن ثم يقي هذا من التأثيرات السلبية التي تحدث عندما تقل الموارد المتاحة نتيجة ازياد حجم الأسرة.

إن تأثير إخوتك الأكبر يتعدى مجرد حصولهم على حصة أكبر من اهتمام الوالدين، إذ إنهم قد يؤثرون فيك حتى قبل أن تولَد.

قد يكون لترتيب الولادة تأثير في صحتنا نتيجة تعرضنا لأنواع معينة من الهرمونات والميكروبات. مثلا، قد يفسر وجود تراكيز عالية من الإستروجين في الحبل السري في حالات الحمل الأولى قلة شيوع السرطانات نسبيا في الأطفال الأصغر. إذ قد يتسبب تعرض الطفل الأول لهذه المستويات العالية من الإستروجين في الرحم لخطر أعلى للإصابة بسرطان في مراحل لاحقة من الحياة.

مخاطر صحية 

من ناحية أخرى، فإن الأطفال الذين يولدون لاحقا يتعرضون لخطر أعلى للإصابة بالفصام Schizophrenia؛ لأن الالتهابات الفيروسية المرتبطة بهذه الحالة يجلبها الأطفال الصغار المصابون بالرشح. وهذا يعني أن المرأة الحامل المُحاطة بأطفال صغار تتعرض لخطر أكبر للإصابة بالالتهاب ومن ثم يزداد الخطر على جنينها.

بل ويمكن لإخوتنا أن يؤثّروا في صحتنا بالعديد من الطرق الأخرى غير المتوقعة. فمن لديه أخ أو أخت أكبر منه، فإنّ خلايا هذا الأخ/هذه الأخت ستتجول داخل جسمه. نعلم الآن أن خلايا الجنين قد تنتقل إلى دم الأم وتتجول فيه لعقود بعد أن تلده، وذلك لأن هذه الخلايا تعبر المشيمة إلى الأم أثناء الحمل. والعكس صحيح كذلك، إذ تستطيع خلايا الأم أن تنتقل إلى جنينها. وهذا ما يسمى بالخيمرية الميكروبية Microchimerism. وتؤدي هذه الخلايا المانحة Donor cell دور خلايا جذعية Stem cell، فتدمج نفسها في كل نسيج في الجسم درسناه حتى الآن بما في ذلك الطحال والكبد والقلب والدماغ، وهناك يمكن أن تستقر إلى نهاية حياتنا. وبما أن هذه الخلايا تهاجر في الاتجاهين، فمن الوارد أن تستعمر أجسامَنا خلايا يعود أصلها إلى إخوتنا، بل وحتى إلى خالاتنا وأخوالنا وجداتنا. بعبارة أخرى، كلنا كائنات خيمرية Chimeras.

وقد يعطي وجود خلايا إخوتنا شارة البدء للتصارع على الاستحواذ على اهتمام الوالدين. ويرى ديفيد هيغ David Haige من جامعة هارفارد Harvard University أن هؤلاء الغرباء الصغار ينتقلون من الجنين لمنع حدوث حمل سريع بطفل آخر. وهكذا تتحسن صحة الطفل الأول بتقليل المنافسة على رعاية الأم. وفي المرأة الحامل حديثا توجد أعداد أكبر من خلايا الجنين في بطانة الرحم وفي نسيج الثدي. ويرى هيغ أن هذه الخلايا قد تمنع حدوث حمل جديد بتعزيز الإرضاع مما يثبِّط الدورة الشهرية للمرأة، إضافة إلى إعاقة عملية الإباضة وعملية غرس الجنين Implantation.

تقول لي نيلسون Lee Nelson التي تعمل في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان Fred Hutchinson Cancer Research Centre  بسياتل إن كل جنين يحدِث مجموعة من التعديلات على الجهاز المناعي للأم، وتنقل الأم بدورها هذه التعديلات إلى أطفالها اللاحقين عن طريق الخيمرية الميكروبية، فتؤثر في جهازهم المناعي، وهو ما قد يكون ذا تأثيرات مغيِّرة للحياة. إذ وجِد مؤخرا أن الأفراد الذين احتاجوا إلى نقل خلايا جذعية دموية لعلاج سرطان الدم حظوا بمعدلات نجاة أعلى ومعدلات انتكاس أقل إذا كانوا هم الإخوة الأكبر في عائلاتهم وكان مصدر هذه الخلايا إخوتهم الأصغر. وبعبارة مبسطة، فإن الجهاز المناعي الموجود في الإخوة الأصغر تعرض لخلايا الأخت أو الأخ الأكبر، سواء أكان ذلك بشكل مباشر عن طريق الخيمرية الميكروبية أم بشكل غير مباشر عن طريق التعديلات التي أحدثتها خلايا الأخت أو الأخ الأكبر في جهاز الأم المناعي، وهذه التعديلات تنقل بطبيعة الحال في المستقبل إلى الإخوة الأصغر في حالات الحمل اللاحقة. وهذه الخلايا المُتبرّع بها للإخوة الأكبر هي أكثر شبها بخلاياهم الأصلية، وبذا تقدم بعض الفائدة.

إن توصلنا إلى فهم أفضل لتأثير ترتيب الولادة قد يقودنا إلى اكتشاف علاجات لأمراض مميتة. فعلى سبيل المثال، ارتبط وجود خلايا الخيمرية الميكروبية بانخفاض خطر الإصابة بسرطان الثدي، غير أنه في ذات الوقت ارتبط بخطر أعلى للإصابة بسرطان القولون. إضافة إلى ذلك، قد يكون ذا تأثير في معدلات البقاء Survival في بعض أورام الدماغ. وتقول نيلسون عن ذلك: «إن فوائد الخيمرية الميكروبية أكبر من مضارها». وتشير أيضا إلى أننا إذا فهمنا التأثيرات البيولوجية لترتيب الولادة بشكل أفضل، فإننا قد نتمكن من استهداف الخلايا الموروثة التي تسبب الضرر، أو نحَسِن العلاجات المناعية بناء على الملاحظات ذات الصلة بالتأثير الواقي لترتيب الولادة. وتختتم قائلة: «لم نفهم بعد أهمية ترتيب الولادة والبيولوجيا المرتبطة بها».

© Copyright New Scientist Ltd.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق