تكنولوجيا

وقتُ الشاشةِ: كيف تؤثر الهواتف الذكية في أجسادنا وأدمغتنا

إذا كنتَ تصدق العناوين، فمن المفترض أن تشوه الشاشات هيكلنا العظمي وتضر صحتنا العقلية وتبعدنا عن عائلاتنا. غير أن الأدلة ترسم لنا صورةً أكثر دقةً

بقلم: دوغلاس هايفين

ترجمة: محمد الرفاعي

“ستؤذي عينيك!” هذا ما اعتادت أمي أن تقوله عندما كنتُ أجلس لساعاتٍ محدقاً بشاشة التلفاز. وقد تجاهلتها بالطبع، فلم يكن ذلك إلا شيئاً اعتاد الأهل قوله. وبعد مرور عدة عقودٍ صرت أنا الأب. وطفلتي ذات الأعوام الخمسة تعيش في عالمٍ لم تعُد فيه الشاشات قطع أثاث مثبتة بل صارت منتشرة حولنا على طاولة المطبخ وعلى الأريكة وقرب السرير، ويمكن الوصول إليها في أي وقت. ولا يمكنكَ أن تتجنبها حتى لو خرجت من المنزل. وكما يقول عالم النفس تيم سميث Tim Smith من كليّة بيربيك في جامعة لندن Birbeck, University of London: “الشاشات ليست فقط في جيوبنا، بل هي على لوحات الإعلانات والحافلات وعلى صناديق القمامة”.

وقد تضاعفت المخاوف حديثا مع زيادة عدد الشاشات. ففي العقد الماضي سمعنا أن هذه الشاشات ستعيد تشكيل الوصلات العصبية في أدمغتنا، وستجردنا من قدراتنا الإدراكية، وستضر صحتنا العقلية. والعديد منا يشعر بالتشتت الذهني بسببها، وصار يحس بأنه أحدُّ طبعاً وأكثر إحساساً بالذنب وشعوراً بالتعب نتيجةً لذلك. ومقارنة بقائمة الأمراض التي تسببها الشاشات، فإن ضرر العينين يبدو غير ضارٍ.

لذا، هل علينا أن نأخذ هذه المخاوف على محمل الجِد؟ بالنظر إلى الوقت الذي يقضيه العديد منا برفقة هذه الأجهزة المضيئة، فهذا سؤالٌ مهم.

المشكلة تكمن في أن العديد من الأجوبة التي تُقدم على أنها الأكثر تأكيدا هي الأقل مصداقية. فالأجهزة الذكية واللوحية ليست فقط أجهزة التلفاز، بل هي أيضاً غرف الدردشة وواجهات المحلات والبنوك وألبومات الصور. نستعملها للعمل واللعب، ولتسجيل النشاطات الجسدية ومراقبة النوم، وعن طريقها يمكن أن نطّلع على أوراق مراجعة الأقران papers Peer-reviewed أو نتجول في منتديات الحركات المناهضة للقاح Anti-vaxxing forums، أي إن هناك اختلافاتٍ مهمة تختفي عند استخدام المصطلح الفضفاض “وقت [الذي نقضيه أمام] الشاشة” Screen time. وبما أن المخاوف تنمو والنقاش يحتدم، فقد حان الوقت لنفصل النصائح الصحية المثبتة عن المبالغات.

هل تضر الشاشات أجسامنا؟

يسبب استعمال الهواتف الذكية تشوهاً في الخنصر، وآلاماً في الرقبة، وتَشَكُل نتوءات عظمية Bone spurs في قاعدة الجمجمة: الأمراض التي تسببنا بها لأنفسنا نتيجة فرط استعمال الهواتف الذكية، تبدو مخيفةً. وهذا ما تروّج له عناوين الأخبار. وفي الحقيقة لا يوجد دليلٌ قويٌ على أنّ مثل هذه الحالات الصحية تحدث نتيجة عادات استعمال التكنولوجيا.

والأضرار التي قد تحدث أقل دراميةً من ذلك بكثير. وتنصح منظمة الصحة العالمية World Health Organization (اختصارًا: المنظمة WHO)، على سبيل المثال، بتقليل الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات كطريقة للحد من السمنة، ولا تشير في الوقت نفسه إلى مخاوف تتعلق بالشاشات بحد ذاتها.

ماذا عن تأثير التحديق إلى الشاشات المضيئة الصغيرة في النظر؟ يقول ماكس ديفي Max Davie من الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل Royal College of Paediatrics and Child Health في لندن، إن الأطباء في المملكة المتحدة صاروا يصفون النظارات لعددٍ أكبر من الأطفال. وحدا هذا الأمر بالبعض إلى لوم الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، غير أن ديفي يظن أن السبب في زيادة وصف النظارات يعود إلى العلاج المُكثف للحالات الصحية. ويعلق على ذلك: “في الوقت الراهن، ليس لدينا دليلٌ كافٍ على وجود علاقة سببية”.

وأحد الأمور التي يبدو أنها تأثرت هي النوم. فقد أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين مُنحوا كتابًا ليقرؤوه في السرير يعانون صعوبة أكبر في النوم إذا قرؤوه من الشاشةٍ بدلاً من النسخة الورقية. وقد يكون مردُّ هذا الأمر إلى الضوءِ الأزرق المنبعث من معظم الشاشات، الذي يسبب خللًا في إيقاعنا اليومي Circadian rhythm ويخدعنا إلى الاعتقاد أن الوقت مازال في النهار.

ولكن غالبيتنا بالتأكيد لا ينظر إلى شاشات الهاتف الذكي قبل النوم لقراءة كتاب، ومعظم الاضطراب في النوم سببه التحفيز الذهني: كانتظار الإشعار التالي، أو التنقل بين الأخبار اللانهائية. ويوجد ارتباطٌ بين النوم المضطرب أو غير الكافي وازدياد خطورة الإصابة بكل أنواع المشكلات الصحية متضمنةً الاكتئاب وغيره من مخاوف الصحة العقلية (انظر: هل تعبث الشاشات بعقلي؟).

ويقول سميث عن ذلك: “إذا كان هناك أي توصية لأخذها في الاعتبار، فإن أفضلها عدم النظر في الشاشات خلال الساعة التي تسبق النوم”.

 

هل تعبث الشاشات بعقلي؟

ابتداءً من ألعاب الحاسوب إلى المقامرة، فقد أثارت التطبيقات والمواقع التي يمكن الاطلاع عليها باستعمال هواتفنا موجةً من المخاوف. وشركات التكنولوجيا الكبرى بارعةٌ في استغلال حاجتنا إلى الحصول على التقدير الاجتماعي، وتجعلنا متعلقين بعدد الإعجابات وإعادة التغريدات والمتابعين. وفي جلسة استماعٍ لمجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو (2019)، أدلى تريستان هاريس Tristan Harris بشهادته، وهو مصممٌ سابق في شركة Google ومشارك في تأسيس مركز التكنولوجيا الإنسانية Center for Humane Technology، مجادلًا في هذه الجلسة بأن الإنترنت أنشأت ثقافةً من النرجسية الجماهيرية.

وقاد هذا الأمر بالكثيرين إلى القلق حيال الضغوط العاطفية التي يجرّها عالمٌ مفرطٌ في الاجتماعية على المراهقين. وببحثٍ سريعٍ على الإنترنت يمكن العثور على عشرات الدراسات التي تربط استعمال الشاشة أو وسائل التواصل الاجتماعي بتأثيراتٍ ضارةٍ في الصحة العقلية منها: الاكتئاب، وفقدان الشهية، والانتحار. وتشير بعض الأرقام إلى أن الفتيات أكثر تأثراً. وفي هذا السياق قال هاريس في شهادته: “بعد عقدين من التراجع، فإن (مشكلات) الصحة العقلية التي تعانها الفتيات بين سن 10 إلى 14 عاودت إلى الازديادِ بنسبةٍ وصلت إلى 170 % في الأعوام الثمانية الأخيرة”.

هذه التحذيرات مخيفة، وهي في الوقت نفسه تحظى بقبولٍ واسع، والفضل في ذلك يعود إلى كتبٍ ذات شعبيةٍ مثل آي جين iGen من تأليف جين توينغ Jean Twenge، وهي عالمة نفسٍ من جامعة سان دييغو San Diego State University، تقول فيه إن التكنولوجيا الرقمية دمرت جيلاً بكامله. غير أن المشكلة هنا تتمثل في أن البيانات المستخدمة يمكن استعمالها للوصول إلى نتائج أخرى، كما تقول آمي أوربين Amy Orben من جامعة أوكسفورد University of Oxford التي تدرس تأثير التكنولوجيا – ووسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص- في الصحة العقلية.

ووسائل التواصل الاجتماعي في نهاية المطاف ليست إلا واحدا من العديد من الأشياء التي قد تؤثر في صحة الفرد. ومن دون دراساتٍ متحكم فيها Controled studies، سيكون من الصعب التوصل إلى استنتاجاتٍ ذات معنى.

وعندما بدأت أوربين البحثَ في استعمال الشاشات منذ عدة أعوام، أرادت أن تبحث في ادعاءات الأبحاث الأكثر تطرفاً. فعلى سبيل المثال، ربطت توينغ بين استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وبين إصابة المراهقين بالاكتئاب وإقدامهم على الانتحار. وتملّك الفضولُ أوربين لإلقاء نظرةٍ على هذه الأدلة بنفسها.

ووجدت أن هذه الادعاءات غير مقنعة، كما عثرت على مَواطِن خلل في العديد من الدراسات الكبيرة التي أُجريت منذ عام 2017، والتي ادعت وجود ارتباطٍ بين استعمال الأجهزة ذات الشاشات وبين أعراض الاكتئاب عند المستخدمين، وتقول: ” وجدت أن تغيير طريقة تحليل البيانات سيفضي بي إلى نتائج مختلفة جدا”.

ولكي تضع نتائجها ونتائج زملائها في المكان المناسب، فقد قارنوا تأثير استعمال الأجهزة بتأثير أشياء أخرى في حياة المراهقين. على سبيل المثال، درسوا تأثير ارتداء النظارات ووجدوا أنها مرتبطةٌ بشكلٍ سلبيٍ أكبر بالصحة مقارنةً باستعمال الشاشات. وبحثوا كذلك في عدد المرات التي يأكل فيها المراهقون البطاطا، وتقول أوربين: “إن البطاطا موجودة في الخانة نفسها التي توجد فيها الشاشات”. غير أن هذا لا يعني وجوب حظرها في المدارس.

وتبدو توينغ مقتنعة بنتائجها، مشيرةً بدورها إلى ما اعتبرته عيوباً في طرق أوربين الإحصائية. أما ديفي وغيره فيعتقدون أن النتائج التي تتحدث عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والوقت الذي نقضيه أمام الشاشات في الصحة العقلية مازالت متضاربة. ويقول عن هذا: “لا يمكننا النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها جيدة أو سيئة بشكل عام”. ويعتقد أن أوربين أدت عملا رائعا في تفنيد الخرافات، غير أنه يحذّر من إطلاق الأحكام العامة على الأفراد. ويقول إنه يستحيل أن يخبر أهلاً مفجوعين بوفاة ابنهم بأن منشوراً على الانستغرام Instagram عن إيذاء الذات لا علاقة له بموت ابنهم، ويضيف قائلًا: “لا نعرف ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي غير مسؤولةٍ في الحالات الفردية”.

هل أنا مدمنٌ على هاتفي؟

إذا لم تكن تستعمله لغرض نعلم أنه مسببٌ للإدمان كمواقع المقامرة، فالإجابة ستكون بالنفي على الأرجح. وعلى الرغم من ذلك، فإن التقاط هاتفي صار عادةً مزعجة، والاهتزازُ المتخيل في جيبي يدفعني إلى سحب هاتفي لإلقاء نظرةٍ على رسائل غير موجودة. وكلما انخفض تركيزي، كما هي حالي الآن وأنا أكتب هذه الجملة على سبيل المثال، فإن أفكاري تتوجه إلى هاتفي. فما الذي يحدث؟

وأمام مجلس الشيوخ، فقد صوّر هاريس الوسائلَ التي تستعملها شركات التكنولوجيا كفيسبوك Facebook وتويتر Twitter بصورة المُذنِب؛ لأنها تسيطر على انتباهنا بشكلٍ وصفه بـ “السباق إلى قاع جذع الدماغ”. وقال إنّ هناك خدعاً في التصميم كالسحب نحو الأسفل على الشاشة لتحديث الصفحة، وهو ما يشترك في خواصه مع آلات القمار، فيقول: “لديها خواص الإدمان نفسها التي تُبقي الأفراد متعلقين بها في لاس فيغاس”.

ونحن أيضاً في قبضة خوارزميات التوصية التي تعرف ما نريد أكثر منا. وأكثر من 70% من وقت المشاهدة على اليوتيوب YouTube يشمل أفرادا يشاهدون فيديوهاتٍ مقترَحَةً من قبل المنصة بدلا من مشاهدة شيءٍ مخططٍ له مسبقاً. ويقول هاريس عن هذا: “تجلس لتشاهد فيديو واحد لكنك تستيقظ بعد ساعتين لتقول ’يا إلهي، ماذا حدث؟ ‘والإجابة هي الحاسوب الخارق المصوب نحو دماغك”.

وكل هذا يشير إلى أننا مأسورون بهواتفنا، وأفكارنا شاردةٌ حتى عندما يكون هناك شيءٌ أكثر إلحاحاً يجب أن نركز عليه – كعبور الطريق. وهذا الخطر دفع بعض الجهات المختصة في مجموعةٍ من البلدات كأوغسبورغ Augsburg في ألمانيا إلى وضع إشارات مرورٍ على الأرض على أمل ألا يصطدم المشاة الشاردون بحافلة.

وعلى الرغم من أن خطر التشوش حقيقيٌ جداً، فإن الحديث عن الإدمان قد يكون مُبَسَّطَاً أكثر من اللازم. ويقول ديفي عن ذلك: “أعتقد أن علينا أن نكون حذرين جدًّا عند استعمال مصطلح ’إدمان‘، فالإدمان ذو معنىً دقيقٍ جدًّا يتعلق بوجود استعمالٍ قهريCompulsive use ، والحاجة إلى زيادة الجرعة إضافة إلى التأثير الضار في الحياة. لكن، هناك الكثير من الأفراد الذين يمضون نحو ثماني ساعاتٍ في اليوم يلعبون الألعاب، وهذه هي ببساطةٍ الطريقة التي يحبون أن يقضوا بها وقتهم. لا بأس بالأمر مادام أنه لا يتداخل مع باقي حياتك”. أنت في هذه الحالة لست مدمناً، لكن من المرجح أن لديك عادةً سيئة.

كم المدة التي يُسمح للأطفال بقضائها أمام الشاشة؟

 أنا أعاني هذا الأمر أكثر من غيره. فذلك لا يتوقف عند حد ذهني الشارد بالهاتف في الوقت الذي يجب أن أنتبه فيه لابنتي حين تناديني–”بابا. بابا. بابا!”-بل إنني أستعمل الشاشات لِأُلهي ابنتي طوال الوقت. فعندما أريد أن أطبخ أو أجري مكالمة عمل أو عندما أشعر بالتعب فإنني أضعها أمام شاشة ما. هل هذه مشكلة؟ الأمر يعتمد برمته على من تسأل وعلى عمر الطفل. فعلى سبيل المثال، لا توجد توجيهاتٌ تخص المراهقين، وحتى النصائح الخاصة بالأطفال الأصغر لا تتسم بالوضوح.

تَحُثُّ الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال American Academy of Pediatrics (اختصاراً: الأكاديمية AAP) الأهلَ على عدم السماح للأطفال دون العامين بأي استعمالٍ للشاشات، وألا يتجاوز الاستعمال ساعةً واحدةً في اليوم لمن هم بين الثانية والخامسة. وتقول المنظمة WHO إن الأطفال دون الثالثة يجب ألا يمضوا أي وقتٍ أمام الشاشة وألا يزيد استعمال من هم بين الثالثة والرابعة على ساعةٍ يومياً، لكن تركيزها ينصب مرة أخرى على الحد من سمنة الأطفال.

وتتبع حكومة المملكة المتحدة إرشادات الأكاديمية AAP إلى حدٍ كبير. لكن، من جهةٍ أخرى، اختارت الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل ألا تقدم أي توصيةٍ بخصوص كمية الوقت المسموح بها، ويقول سميث: “هناك ارتباكٌ عام”.

ويعتقد أن مقاربة الكليّة هي الأكثر منطقية؛ إذ تتخذ موقفها بناء على المراجعة المستمرة للأبحاث، وتوصلت بذلك إلى خلاصةٍ مفادها عدم وجود دليل كافٍ على التأثيرات الإيجابية أو السلبية لتقديم أي توجيه. ويضيف: “إنها طريقة نزيهة جدًّا لإصدار سياسةٍ معتمدةٍ على الدليل”.

ووجهة نظر الكليّة تتلخص في أن النصيحة جيدةٌ بمقدار فعاليتها، ويقول ديفي عن ذلك: “الأفراد يدعمون الحظر الصريح لاستعمال الأطفال دون العامين للشاشة إلى أن يكونوا في مكانٍ فيه أطفالٌ من مختلف الأعمار مع بعضهم”، ويضيف قائلًا: “وحينها يدركون سريعاً بأن ذلك غير فعال”. ويعتقد أن التوجيهات التي يصعب تطبيقها تفشل في مساعدة العائلات على اكتساب عاداتٍ جيدة ومن ثم يتجاهلونها.

“عندما يتعلق الأمر بالتأثير السلبي، فإن تأثير البطاطا يماثل تأثير الشاشات”

ليست كل الجوانب سلبية. ففي عام 2016 لم يجد سميث وزملاؤه دليلاً على أن إمضاء الوقت في استعمال الشاشة – بدلا من عن التحرك أو التفاعل مع بشرٍ آخرين-أخّر معالم تطور نمو محددة، كتعلم المشي والكلام عند الطفل. وعلى العكس من ذلك، فقد وجدوا ارتباطاً بين استعمال الشاشة وبين تطور مهارات الحركات الدقيقة، كالقدرة على التقاط المكعبات ووضعها فوق بعضها لبناء بُرج.

ومرةً أخرى، لا يوجد رابطٌ سببي Causal link. فمن الوارد أن يتمتع الأطفال الذين يطورون مهارات الحركات الدقيقة باكراً بفرصٍ أكبر لالتقاط الشاشات واللعب بها. ومن المحتمل أيضاً أن عملية النقر واللمس المطلوبة للتعامل مع الشاشة تساهم في تدريب الطفل على هذه المهارات.

يجب علينا ألا نقلل من أهمية استعمال الشاشات بالنسبة إلى الأطفال الأكبر أيضًا. فدورها لا يقتصر على تزويدهم بوصولٍ غير مسبوقٍ للمعلومات القيمة وبالتسلية، بل إن تعليم الأطفال عن المخاطر التي قد يصادفونها على الإنترنت يتطلب قدراً من معرفة هذه المخاطر. ويقول سميث: “لكي يفكر الأطفال بشكلٍ نقدي، يجب عليهم المشاركة”.

كيف يمكن أن أتعلم التوقف عن القلق وأن أحب شاشتي؟

إن الازدياد الهائل في استعمال الهواتف غيّر حياتنا جذرياً. وبإمكاني أن أحمّل الأفلام والتدوينات الصوتية، وأكتب المقالات، وأتواصل مع عائلتي، و أبُثَّ إلى العالم أجمع بضغطة زر. فهي إمكاناتٌ غير مسبوقة، غير أنّ هناك أسئلةً عن هذه الأدوات القيّمة والمثيرة للجنون لم نستطع أن نجيب عنها بعد. غير أنه من الواضح أن العديد من الإجابات كانت ردود أفعال مبدئية مفرطةً في القوة وليست أجوبةً معتمدةً على الأدلة.

وبدلا من وضع قيودٍ عشوائية، فإن علينا أن نقيم استعمالنا للشاشات ونتساءل عن الكيفية التي تتلاءم بها مع نشاطاتنا ونمط حياتنا الذي نريده كأفرادٍ وعائلاتٍ. كَبِرَت أوربين، ذات 24 عاماً، مع وسائل التواصل الاجتماعي. وبالنسبة إليها وإلى أقرانها، فإن تنظيم الوقت الذي يمضونه في استعمال الشاشات كان جزءًا من عملية نضجهم، فتقول: “كحال أي مستخدمٍ لوسائل التواصل الاجتماعي، هناك أوقاتٌ أشعر فيها بأن عليّ أن أقلل من استعمالها، أشعر برغبتي في التحكم”، وتضيف قائلة: “كلنا لدينا طرقٌ نحاول أن نُنَظِمَ بها أنفسنا”.

بإمكانك أن تعدّل إعدادات هاتفك لتقلل عدد الإشعارات التي تصلك، أو تزيل تطبيقاتٍ معينةً لكيلا تكون متاحةً للاستعمال دائماً. وقد اقترح البعض إنشاء “مطبّات سرعةٍ عقلية” Mental speed bumps تتجلى مهمتها في الوقوف في وجه عادة تفقّد الهاتف كثيراً، ككتابة ملاحظةٍ لنفسك على شاشة القفل، أو أن تضع ببساطةٍ رباطاً مطاطيًّا حول الجهاز الذي تستعمله كنوعٍ من التذكير.

تحوي هواتف آبل Apple وأندرويد Android والأجهزة اللوحية أدواتٍ تساعدك على التحكم في الشاشات وتنظيم استعمالك لها. وبإمكانك أن تضع حدوداً زمنية على الاستعمال وأن تطفئ الإشعارات وتتتبع ما كنت تقوم به على الجهاز. وتوجد أيضاً إعدادت “وقت الليل” Night-time التي تقلل الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة، ووضع الـ “تخفيض” Wind-down المُصمم لجعل الشاشة أقل جاذبية عن طريق تحويل ألوانها إلى الأبيض والأسود.

وكل هذه الأمور تساعدنا على إدراك طبيعة استعمالنا لهذه الشاشات. لكن باستطاعة آبل وغوغل أن تعملا المزيد، كما يقول سميث : “هذا تضليل نوعًا ما” على سبيل المثال، لا تسمح لك هذه الأدوات بتتبع استعمالك للشاشة لمدة أكثر من أسبوع، وهو ما قد تريد فعله لتعرف إذا ما كان أي تغيير في نمط الحياة قد أحدث فرقًا.

وكل تكنولوجيا جديدة تُحدث تأثيراً كبيراً ستثير مخاوف جديدة. وتتذكر أوربين مقالةً تعود إلى عام 1941 رثت حال مراهقي الولايات المتحدة المدمنين على برامج الراديو، وتقول: “في العديد من المجلات الموجهة إلى الأهل التي صدرت في ذلك الوقت، يمكنك أن تستبدل بكلمة ’راديو‘ كلمة ’وسائل التواصل الاجتماعي‘ وربما سيكون باستطاعتك أن تنشر المقالة لتصف يومنا هذا”.

وبناءً على كل هذا، فإن الرهان الأفضل قد يكون بأن تسأل نفسك: ما هو مستوى استعمال الشاشة الذي يجعلك أنت ومن حولك سعيداً؟ وحاول أن تلتزم به. وإذا حدث ووجدت نفسك منغمساً أكثر من اللازم، فلا تخف – ولا تشعر أبداً بالذنب. فلا أحد يعرف شيئاً يستحق أن تخاف منه.

© 2019, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى