فضاءفيلم، راديو، التلفزيون، مسرح

داخل مهمة منع ارتطام كويكبات عملاقة بالأرض

عندما تحلُّ علينا نهاية الأرض بسبب اصطدام كويكب، لا يمكننا ببساطة الاستنجاد ببروس ويليس Bruce Willis. تعرّف على مَن يراقب السماء فعلا، ويضع الخطط المفصلة لنجاتنا

بقلم:     ليا كرين

ترجمة: وفاء الكندري

تجاوز الوقت منتصف الليل للتو في 29 أبريل 2027. أُجلي سكان جزيرة مانهاتن بنيويورك إجلاءً تامًّا. أضواء تايمز سكوير Times Square مطفأة، والشوارع مهجورة. يكتنف صمت مخيف الأحياء الخالية. وفي السماء، تقترب كرة صخرية بحجم مبنى كبير من الأرض بسرعة 19 كم/ثانية. في أقل من دقيقة – إذا ما صحت الحسابات – ستنفجر الصخرة في سماء حديقة سنترال بارك Central Park.

حظيت المدينة بستين يوما للاستعداد للحدث. وأُفرغت المتاحف من المعروضات وأوقفت محطات الطاقة النووية القريبة عن العمل وصودرت أساطيل الحافلات. وقاطنو أعلى حواضر الولايات المتحدة كثافة بالسكان يحتاجون إلى إعادة توطين. وتفيد الملاحظات الموجزة والواقعية حول الإخلاء بأن «السكان راحلون دون رجعة. لن يبقى أي شيء».

عند الساعة 00:01:38 حدث الاصطدام. فقد حول انفجار بقوة ألف قنبلة ذرية، كالتي ضربت هيروشيما، جزءا كبيرا من نيويورك إلى أنقاض. الأضرار الاقتصادية والمالية لا يمكن حسابها. فقد خسر عشرة ملايين شخص بيتهم.

في قاعة اجتماع بواشنطن العاصمة، كانت هناك أحاديث متحمسة في حين أعلن بول كوداس Paul Chodas انتهاء عرض المحاكاة Simulation. وقد أجري التمرين على مدار خمسة أيام في مؤتمر الدفاع الكوكبي Planetary Defense Conference مركزا على اصطدام كويكب خيالي سُميّ 2019 PDC بدءا من لحظة اكتشافه وحتى لحظة الاصطدام (تابع تطورات المشهد في الفقرات ذات الخط المائل في الصفحات التالية) في محاولة لتبين ما سيحدث في حال – أو عند – وقوع الحدث فعلا.

يقول كوداس: «هذا هو أساسا أسوأ السيناريوهات المحتملة»، ويضيف: «على الرغم من أن السيناريو يصلح كنص جيد لفيلم سينمائي غير أن هذه عوامل واقعية». ولكن كما أدرك الفلكيون والمهندسون ومتخذو القرار الحكوميون الذين امتلأت الغرفة بهم، فإن النهايات السعيدة غير مضمونة.

وخطر اصطدام كويكب بالأرض هو الثمن الذي ندفعه لقاء عيشنا في بقعتنا المزدحمة من الفضاء. لا تجذب الشمس بجاذبيتها أقمار مجموعتنا الشمسية وكواكبها فقط، بل تجذب أيضا العديد من الكتل الصخرية أو المتجمدة المنفردة الهائمة المتزاحمة. وحتى الآن، تمكن الفلكيون من اكتشاف أكثر من 21 ألف كويكب بمدارات ستقربها من عالمنا. وفي كل يوم، يكتشف جرم آخر من الأجسام القريبة من الأرض Near Earth Objects.

وبالنسبة إلى أغلب هذه الأجسام، فإن فرصة الاصطدام بالأرض تكاد تكون صفرا. أما بالنسبة إلى البقية، فإن الأغلبية الساحقة منها ليست مدعاة إلى القلق. وتسقط عشرات آلاف الأطنان من المواد من الفضاء إلى الأرض كل عام، وتكون في الغالب على صورة جسيمات غبار عديمة الأهمية. وحتى إذا ما كان لكويكب بحجم مركبة، فإن احتراقه في الغلاف الجوي سيكون مرئيا دون أن يتسبب بأي دمار على الأرض. ولكن ثمة كويكبات في الطرف الآخر من هذا الطيف مثل الكويكب الذي ضرب منطقة شيكسولوب Chixulub فيما يعرف الآن بدولة المكسيك Mexico قبل نحو 66 مليون عام وأباد الديناصورات. تراوح قطر هذا الكويكب بين 10 و81 كم. ولحسن الحظ، فمثل هذه الأجرام العملاقة نادرة كما أن ضخامتها تمكننا من رؤيتها إذا ما اتجهت نحونا (انظر: صانعة الفوهات). «لقد عثرنا على الأغلبية الساحقة من الأجسام من فئة “مبيدة الديناصورات”، وهو أمر رائع، ولكن بالنسبة إلى الأجسام الأقل من ذلك حجما بقليل، فهناك الكثير منها»، كما تقول أيمي ماينزر Amy Mainzer من مختبر أبحاث القمر والكواكب Lunar and Planetary Laboratory في جامعة أريزونا University of Arizona. لم نعثر إلا على نحو ثلث الأجسام التي نعتقد أنها يمكن أن تسوي بلدا صغيرا بالأرض وأقل من نصف الكويكبات التي يمكن أن تدمر مدينة. وتمثل الأجسام التي بهذا الحجم خطرا حقيقيا؛ لأنها كبيرة بما يكفي لإحداث ضرر بالغ لكنها صغيرة بما يكفي لأن نخطئها فلا نكتشفها.

حين تهوي السماء

يعتقد جونسون «أن اصطدام كويكب بالأرض من الكوارث الطبيعية القليلة التي نعرف كيفية منعها إذا ما استشعرنا خطرها قبل وقت كاف». وتمول الوكالة ناسا معظم عمليات المسح بحثا عن الكويكبات. وفي 2005 وضعت الوكالة ناسا هدفا تمثل في تتبع وتحديد خصائص 90% من الأجسام القريبة من الأرض التي يبلغ قطرها 140 م أو أكثر بحلول 2020. إحدى الطرق لتقييم مدى نجاحنا هي حساب عدد مرات إعادة رصد المراصد للكويكبات ذاتها. كلما قل عدد الأجسام الجديدة التي نرصدها، زدنا ثقة بأننا تمكنا من اكتشاف معظم الكويكبات الموجودة فعلا. وحتى الآن، وجدنا أقل من نصف هذه الأجسام التي يفترض وجودها استنادا إلى التقديرات الفلكية. وعلى الرغم من أنه لم تكن لأي من تلك التي وجدناها فرصة الاصطدام بالأرض فعلا خلال القرن المقبل، فإن هذه الإحصائيات مثيرة للقلق.

يقول جونسون إنه «بالنظر إلى قدرات التلسكوبات حاليا، فإن عدم رؤية كويكب مقترب منا في الوقت المناسب لمنع اصطدامه بالأرض احتمال وارد». جزء من المشكلة هو أن التلسكوبات الأرضية تحتاج إلى ظروف (غولديلوكس) مثالية Goldilocks conditions لتعمل بشكل مناسب. ويضيف جونسون إنه «لا يمكن تشغيل التلسكوبات إلا ليلا، في طقس صاف، وحين لا يكون القمر بدرا لئلا تكون السماء مضاءة أكثر مما ينبغي». فقد فشلنا في رصد كويكبات كبيرة مرت على مسافة قريبة من الأرض مرات عدة، بما في ذلك ما حدث مؤخرا في منتصف 2019 كما يقول. لحسن الحظ، لم تكن أيٌّ من هذه الكويكبات في مسار يؤدي إلى الاصطدام بنا. ومع ذلك، فإن الخطر الأكثر إلحاحا يظل على الأرجح متمثلا في اصطدام أجسام نرصدها فعلا بكوكبنا.

في العاصمة واشنطن، يبدأ كوداس بالكشف عن السيناريو الذي أعده بأقصى اهتمام بالتفاصيل. يبدأ الأمر ببساطة برصد باحثي مشروع تلسكوب بان-ستارز Pan-STARRS في هاواي ما يبدو أنه جرم قريب من الأرضNear Earth Object  . التاريخ المعطى في هذا السيناريو الخيالي هو 26 مارس 2019. ووفقا للبروتوكول المعمول به، تبلغ الملاحظة إلى مركز الكواكب الصغيرة Minor Planet Center (اختصارًا: المركز MPC) التابع للاتحاد الفلكي الدولي International Astronomical Union . ويطلق المركز MPC على الجرم اسمه الرسمي 2019 PDC، ويبدأ بجمع ملاحظات فلكيين آخرين. ويُبلَّغ مركز دراسات الأجسام القريبة من الأرض Center for Near Earth Object Studies في مختبر الدفع النفاث Jet Propulsion Laboratory التابع لناسا في كاليفورنيا. كما يُبلِّغ باحثو المختبر ليندلي جونسون Lindley Johnson في مكتب تنسيق الدفاع  الكوكبي Planetary Defense Coordination Office التابع لناسا الذي يرسل التفاصيل الضرورية إلى مقر الوكالة ناسا وبقية إدارات الحكومة الأمريكية. وفي الوقت الحالي، فإن الأولوية الأهم هي استمرارية المتابعة. ليس هناك ما يستدعي القلق في الحال.

يتيح راصدو الكويكبات الاطلاع على جميع بياناتهم للعموم، ولذلك فما إن يُرصد جرم يحتمل أن يشكل خطرا حتى يقيم فلكيون في دول مختلفة الخطر في الوقت نفسه. وفي 2013 أوصت منظمة الأمم المتحدة بتنظيم أكثر للجهود الدولية، فأنشئت الشبكة الدولية للإنذار بخطر الكويكبات International Asteroid Warning Network لتربط الفلكيين ووكالات الفضاء من أوروبا وآسيا والأمريكتين الشمالية والجنوبية. وإذا اتفق جميعهم أن اصطداما ما يحتمل فعلا أن يكون كارثيا، ترسل الشبكة رسالة إلى مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي United Nations Office for Outer Space Affairs (اختصارًا: المكتب UNOOSA)، الذي يجمع بدوره الدول الأعضاء لمناقشة ما يجب فعله إزاء أي خطر وشيك.

وستعتمد خطتهم بدرجة كبيرة على ما نعرفه عن الكويكب وموقع ارتطامه بالأرض. في أفضل الاحتمالات – إذا ما كان الجرم صغيرا ومن المرجح احتراقه في الغلاف الجوي أو إذا كان سيقع في عرض المحيط – قد نقرر عدم فعل أي شيء أو الاكتفاء بتحذير الناس في المنطقة المعرضة للابتعاد عن النوافذ التي قد تتحطم بفعل انفجار في الغلاف الجوي. أما في أسوأ الاحتمالات؛ فربما لا يسعفنا الوقت لعمل أي شيء عدا الإجلاء، وفقا لما يقوله جونسون.

في الوضع المثالي سنكتشف الكويكب قبل أن يأخذ مسارا للاصطدام بالأرض بعقود أو بسنوات على الأقل. ولن نعرف حينها أين سيحدث الاصطدام بالضبط، غير أننا سنكون على قدرٍ من اليقين بأنه متجه نحونا. وفي اللحظة التي ندرك فيها ذلك، يحين وقت وضع الخطط والاستعدادات.

بالنسبة إلى الحضور المشاركين في مؤتمر الدفاع الكوكبي، حانت هذا اللحظة فعلا. التاريخ هو 29 أبريل 2019، ونحن نعلم أن الكويكب 2019 PDC ربما يقطع مدار كوكبنا في غضون ثماني سنوات – في أواخر 2027.  يبقى احتمال اصطدام مباشر ضعيفا، 1% تقريبا. ونظرا لأن للكويكب قطرا يعادل 200 م تقريبا وأنه قد يتسبب بأضرار جسيمة، فإن هذا من حسن الحظ. واستنادا إلى مقياس تورينو Torino Scale الذي يصنف هذه الأجسام في مراتب من الصفر تصاعديا إلى عشرة – الأعلى خطورة – فقد صنف الكويكب في المرتبة الثانية؛ مما يعني أنه “جدير باهتمام الفلكيين”. ووفقا للقرار 71/90 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، تبدأ الشبكة الدولية للإنذار بخطر الكويكبات بتنسيق الاستعدادات.

يعتقد جونسون أنه «إذا كان هناك احتمال كبير لحدوث اصطدام ، وعندما أقول احتمالًا كبيرا فأنا أقصد ما بالكاد تجاوز 10% ، فلا يجدر بنا إضاعة الوقت لتطوير مهمة قادرة على تقليل الأضرار. ولأن مهمة اعتراض كويكب كهذه ستستغرق ثلاث سنوات تقريبا، فهو يضيف إننا «إذا انتظرنا حتى نعلم يقينا أين سيسقط الكويكب، فسيكون الأوان قد فات».

وعودة إلى المحاكاة التي يعرضها كوداس، فقد وصل التاريخ في التجربة إلى 29 يوليو 2019، وقد ارتفع احتمال اصطدام الجرم 2019 PDC بالأرض للتو إلى 10%؜. وتشير الحسابات إلى أن أرجح المواقع المحتملة للاصطدام تقع ضمن نطاقين جغرافيين: يضم الأول المنطقة من سان فرانسيسكو إلى نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين يقع الثاني في إفريقيا ويضم المنطقة من نواكشوط في موريتانيا إلى ليلونغوي Lilongwe في مالاوي. واعتمادا على أحدث تقدير لقطرالكويكب البالغ 185 م، فإنه يمكن لارتطامه بالأرض أن يجعل مدنا بكاملها غير صالحة للسكن. النصيحة المقدمة لوكالات الفضاء هي بدء إجراءات الحد من الضرر حالا. أولى الأولويات: إطلاق مهمة استطلاعية إلى الكويكب. ويقل الوقت المتاح لهذا عن سنتين.

عندما نوقن أن كويكبا في مسار مؤد به إلى الاصطدام بالأرض، نجد أنفسنا أمام خيارين: إما أن نفجره أو نغير مساره. تفجير الكويكب بقنبلة نووية، وهو النهج المفضل في أفلام الكوارث كفيلم آرماغيدون Armageddon و ديب إمباكت Deep Impact هو خيار غير ممكن لأسباب سياسية. «هناك مشكلة تحول دون هذا الخيار وهي متعلقة بالمعاهدات الدولية: لا يمكنك فعلا إطلاق أسلحة نووية إلى الفضاء» طبقا لبيتر ڤير Peter Vere -فلكي في مركز الكواكب الصغيرة.

أيضا المسألة تعلق بالناحية العملية: حين نفجر كويكبا، فإن الشظايا لا تختفي ببساطة. ربما ستتجه نحو الأرض، وربما لا تكون صغيرة بما يكفي لتتلاشى في الغلاف الجوي. «لن نتمكن من التخلص منه، لذلك سنجد أنفسنا في مواجهة وابل من شظايا بحجم قادر على إيذاء وقتل البشر بدلا من جرم واحد متجه نحونا» كما يوضح جونسون. «ويمكن لهذا أن ينشر الدمار على رقعة أكبر من الأرض». كما يقلل هذا من قدرتنا على التنبؤ فيما يتعلق بهذا الخطر.

تتبقى لدينا في ضوء ما سبق طريقة جيدة وحيدة للتخلص من كويكب مقترب: يجب علينا إخراجه عن مساره الحالي. ولفترة طويلة، فقد كان أكثر المقترحات قبولا هو استخدام مسبار مركبة جاذبية Gravity tractor ، مركبة فضائية كبيرة تحلق بالقرب من الكويكب، وتغير مساره ببطء بفعل قوة جاذبية المركبة دون أن تتماس معه فعلا. غير أن هذا الأسلوب بطيء، ولذلك تحولت معظم الجهود في السنوات الأخيرة الى استخدام الصادمات الحركية Kinetic Impactors: مركبات فضائية تصطدم بالصخرة المقتربة لتغير مسارها.

نحن الآن في اليوم الثالث لمؤتمر الدفاع الكوكبي. في عالم تجربة المحاكاة، أي في 30 ديسمبر2021، ريكون وانRecon 1 ، وهي المركبة الفضائية التي أُرسلت في مهمة لاستطلاع الكويكب 2019 PDC، جمعت معلومات جديدة حاسمة. أصبحنا نعلم الآن، وبدرجة تقارب 100% من اليقين، أن الكويكب في مسار سيقوده إلى الاصطدام بالأرض في موقع بالقرب من دنفر في كولورادو الأمريكية. وبما أن إطلاق صاروخ نووي لجعل الكويكب ينحرف عن مساره مسألة ستثير الكثير من الجدل والخلاف، فقد ركزت جميع الجهود على خيار الصادمات الحركية. إذا كنا سندفع الكويكب بالقوة الكافية لينحرف عن مساره، فسنحتاج إلى إطلاق ستة صواريخ في نهاية مايو 2023، لتضرب الكويكب في أغسطس 2014. وسيتطلب هذا التعاون بين العديد من وكالات الفضاء، لترسل كلا منها أثقل الصواريخ المتاحة لديها في مهمة دون عودة. يجب تحديد مواعيد إطلاق جميع هذه الصواريخ بدقة متناهية: لدينا فرصة وحيدة لإصابة الهدف وفقا للميكانيكا المدارية Orbital Dynamics.

لكي ننجح في مسعى كهذا، علينا أولًا معرفة المزيد عن الكويكبات. وكما يقول فير: «ستسهل علينا حماية أنفسنا كثيرا إذا ما عرفنا عدونا». نحن نعرف مسبقا أن بعض الكويكبات عبارة عن تكتلات مسامية من الصخر تعرف بأكوام أنقاض، في حين يتكون بعضها الآخر من معدن الحديد الخالص. ومن المرجح أن هناك طيفا من التراكيب المختلفة ما بين هذين المثالين. وتؤكد ماينزر أن معرفة تركيب الكويكب أمر مهم. «إذ تعتمد الطرق والقوى الفيزيائية المطلوبة لإزاحة شيء ما من موضعه على طبيعته».

لهذا السبب، فما إن يرصد كويكب يهدد كوكبنا حتى يبدأ السباق لتحديد خصائصه. ستخبرنا التلسكوبات الأرضية بحجمه وشكله، وكذلك انعكاسيته Reflectivity. ونتوقع أن تكون للكويكبات الأقل انعكاسية كثافة أقل لأنها مزيج مسامي من الصخر والجليد، في حين من المرجح أن تكون الكويكبات الأكثر سطوعا أكثر صلابة. وبيانات الرادار قد تمكننا أيضا من تحديد المدار بدقة أكبر والبحث عن أي جلاميد صخر أو أقمار قد تدور في مدار حول الكويكب وربما تزيد من خطورته.

ولكن هناك حدّا لما يمكننا اكتشافه عن الكويكبات من الأرض. وهنا تكمن الأهمية الكبيرة لمهمة ناسا أوزيريس ركس OSIRIS-REx ومهمة وكالة استكشاف الفضاء اليابانية JAXA المسماة هايابوسا تو Hayabusa 2 اللتين تستهدفان جمع عينات من كويكبات يحتمل أن تكون خطرة. وتقول ماينزر: «إن دراسة الشهب والنيازك أمر رائع، ولكن بفضل هذه المهمات، سنتمكن من تبين طبيعتها قبل أن تحترق بفعل دخولها الغلاف الجوي للأرض بسرعة 20 ألف ميل/ساعة».

حتى الآن، تبين لنا أن كلا الكويكبين اللذين تزورهما ناسا والوكالة JAXA – بينو Bennu و ريوغو Ryugu – أكثر مسامية مما ظننا، إذ تشكل الحفر والكهوف 40% من بينو في حين أن ريوغو أجوف بنسبة 50%.

وقد يُشكِّل هذا عائقا لمهمة مركبات صادمات حركية محتملة، إذ يقول فير: «إذا كان كويكب عبارة عن كومة أنقاض، بكثير من الحفر، فإن صدمه قد يغير من شكله دون أن يغير مداره». ويضيف: «الأمر أشبه بضرب قطعة إسفنج بمضرب بيسبول». فإذا كانت الكويكبات أكوام-الأنقاض شائعة، ويبدو هذا مرجحا، فنحن بحاجة إلى دراسة أعمق لأثر مركبات الصادمات الحركية.

وقد بدأت ناسا بالتصدي لهذا الأمر فعلا بالاستعانة بمسبار اختبارات إعادة توجيه الكويكبات المزدوجة Double Asteroid Redirect Test (اختصارًا: المسبارDART). من المفترض إطلاق المسبار DART العام المقبل إلى الكويكب ديديموس Didymos، الذي سيتعمد الاصطدام بقميره ذي القطر البالغ 150 م الذي أُطلق عليه اسم ديديمون Didymoon. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تغيير مدار ديديمون بدرجة يمكن رصدها من الأرض. وإذا ما عرفنا نتيجة الاصطدام بكويكب ما ( أو في هذه الحالة، الاصطدام بأحد أقماره) على حركته؛ فسنكون أقدر على بناء صادمات حركية بكثير، وعلى ضمان نجاحه.

لدى كادوس خبر جيد وآخر سيىء. الخبر الجيد هو أن الصادمات الحركية اصطدمت بالكويكب 2019 PDC، وأن معظم كتلته لم تعد في مسار اصطدام بالأرض. أما الخبر السيئ فهو أن شظية بقطر يبلغ 60 م تقريبا بقيت في المسار الأصلي نحونا. إضافة إلى ذلك، فقدنا الاتصال بالمركبة ريكون ون، وقد يكون هذا ناتجا من اصطدامها بالحطام. وقد تفاقم نقص المعلومات الناتج من ذلك لوجود الكويكب خلف الشمس حاليا؛ مما يؤدي إلى استحالة رؤيته من الأرض. خياراتنا محدودة. وصلت المحاكاة إلى تاريخ 3 سبتمبر 2024، ومع اقتراب وقت الاصطدام تزداد قوة الدفع المطلوبة للتأثير في مسار الشظايا بما يكفي لتفادي الأرض. ولكن نظرا لصغر حجم الكويكب، فمن الأرجح أن يؤدي أي تأثير إلى تحطمه، ليتكرر بذلك سيناريو اليوم. ويقدم اقتراح جذري بإحداث اصطدام متعمد القوة، ليتحطم الكويكب إلى قطع صغيرة الحجم لا تلحق الضرر بسطح الأرض. ويعني هذا أننا بحاجة إلى مركبة بقدرات نووية. غير أن الجدال محتدم حول مشروعية عملية إطلاق كهذه. وفي هذه الأثناء، يستمر العد التنازلي.

وفي الخلاصة، تبقى ضربة كويكب مدمرة من هذا النوع مستبعدة فعلا. ولكن ينبغي لنا أن نكون مستعدين مع ذلك. ويعني هذا تطوير أنماط جديدة من مهمات الفضاء (انظر: قد ينجح هذا فعلا)، وبناء المزيد من التلسكوبات للبحث عن الكويكبات وربما إطلاقها في مدارات تمكننا من تشغيلها على مدار الساعة والأسبوع. ويعني هذا المزيد من سيناريوهات “ماذا لو” لكوداس، لاختبار الحدود القصوى لقدرتنا على التخطيط لمواجهة الطوارئ. «في كل واحدة من هذه التجارب،» كما يضيف كوداس: «نتعمق أكثر بقليل في تفاصيل مثيرة للاهتمام ونضطر للتفكير في مسائل لم نفكر فيها من قبل».

هذا السيناريو الأخير، على سبيل المثال، جعلته يدرك ضخامة الاستجابة المطلوبة للكارثة. يقول كوداس: «إن إجلاء سكان منطقة حضرية كبيرة سيكون، بلا شك، مهمة شاقة». ويضيف: «أهم ما أدركته كان ما ستستغرقه مهمة كهذه من الوقت». أما الكيفية التي ستستأنف فيها الحياة في اليوم التالي لتهاوي السماء فهو أمر خارج عن اختصاصه. «ستتصدى لذلك وكالة الولايات المتحدة الامريكية الفدرالية لإدارة الطوارئ Federal Emergency Management Agency (اختصارا: الوكالة FEMA) بعد وقوع الحدث، كما تتعامل مع الكوارث الأخرى».

ولكن بفضل أبحاث الدفاع الكوكبي، فإن احتمال أن نحتاج إلى عملية كنس حطام كهذه ضعيف جدا، فتقول ماينزر: «إذا بذلنا أقصى جهدنا … سيكون هذا بندا يمكننا شطبه من قائمة مخاوفنا». لن يبيدنا جميعا كويكب على الأرجح. ولكن سيكون من الجيد أن نعلم هذا على وجه اليقين.

أُلغي توجيه ضربة نووية إلى بقايا الكويكب كخيار أخير لضيق الوقت. فقد صار التصادم محتوما منذ أسابيع. وفي الليلة الماضية أكد مرصد أريسيبو Arecibo في بورتوريكو أن الصخرة الفضائية ستنفجر فوق حديقة سنترال بارك في نيويوك بعد عشرة أيام، بعد الاقتراب من مانهاتن بزاوية 29 درجة متجهة من الجنوب إلى الشرق. وبصدفة حاكها القدر، فقد تطابق هذا مع اتجاه شوارع الجزيرة؛ مما سيمكن أي من الكائنات الحية التي تعيش فيها من رؤية كرة اللهب المقتربة دون أي عائق. فقد دمرت هجمات 9 سبتمبر منطقة بمساحة 16 فدانًا تقريبا؛ أما الكويكب 2019 PDC فمن المتوقع أن يجعل مساحة 20480 فدانا غير صالحة للسكن البشري. بدأ إجلاء السكان في الحال.

 

قد ينجح هذا فعلا هناك خياران من المرجح أنه يمكن الوثوق بهما لمساعدتنا على تغيير اتجاه كويكبات من مسارات تقودها إلى الاصطدام بالأرض، ولكن هناك أفكارًا أخرى تؤخذ على محمل الجد أيضا، حتى وإن كانت أكثر جنونا. أبسط هذه الافكار هو طلاء أحد وجهي الكويكب باللون الأبيض أو الفضي. سيعكس الوجه المطلي قدرا أكبر من ضوء الشمس نتيجة لذلك، وقد تصبح الطاقة المستمدة من انعكاس الضوء الإضافي من هذا السطح كافية لتغيير مسار الكويكب. وهناك خيار آخر وهو القائل بإمكانية تثبيت محركات على الكويكب لتحويله إلى مركبة فضائية، أو استخدام أشعة ليزر بطاقة عالية يمكنها تبخير الصخر. في حين أنه ليس من المرجح أننا سنتمكن من تدمير كويكب بكامله بالليزر، فإن غيمة الغبار المتدفقة من السطح قد تؤدي دورًا دافعًا؛ مما يمكننا من دفع الكويكب إلى الخروج عن مساره. من الممكن لمثل هذه الأفكار أن تنجح، غير أنها غير مجربة ومن الأرجح أن تنفيذها سيحتاج إلى عقود من الزمن أو إلى تكنولوجيا لم نطورها بعد، وبناء على ذلك فهي ليست جزءا من أي خطة رسمية.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق