وباء الكورونا

“سرعة خاطفة”: جهود أمريكية لإنتاج اللقاح تخرج إلى العلن

الهدف هو تطعيم 300 مليون أمريكي بحلول يناير

بقلم:       جون كوهين

ترجمة:   د. عبد الرحمن سوالمة

الحكمة المتعارف عليها هي أن إنتاج لقاح لكوفيد-COVID-19) 19) لن يكون ممكنا قبل سنة على الأقل من الآن، ولكن جهود الجهات التنظيمية في حكومة الولايات المتحدة، والتي تعرف بعملية السرعة الخاطفة  Operation Warp Speed (أو أسرع من الضوء)، لا تنطبق عليها هذه الحكمة التقليدية. وهذا المشروع،  المبهم حتى الآن، والذي من المرجح أن يُعلِن عنه البيت الأبيض رسميًا في الأيام القادمة، سيختار مجموعة متباينة من اللقاحات المرشحة ويضخ كمًا هائلًا من الموارد في دراسات مقارنة Comparative studies غير مسبوقة على الحيوانات، والتجارب البشرية المُسرَّعة، وعملية التصنيع. ودون أن يتعاون مع البرنامج العالمي للعثور على لقاح، ودون أن يُضَّمِن الدراسة أي لقاح مرشح من الصين، فإن المشروع يأمل بأن يوفر 300 مليون جرعة بحلول يناير 2021 لمنتج ذي قدرات مثبتة تجريبيا، ومخصص للأمريكيين فقط.

وهذه التفاصيل وغيرها التي شرحها لمجلة ساينس Science مسؤول حكومي يعمل على “مشروع السرعة الخاطفة” أثارت قلق بعض علماء اللقاحات وخبراء الصحة العامة. وهم متشككون حول الجدول الزمني ويأملون بأن يكون “مشروع  السرعة الخاطفة”  مُكمِّلا، وليس منافسًا، للجهود القائمة حاليًا لإنتاج لقاح لكوفيد-19، ومن ضمنها الجهود التي أعلنت عنها معاهد الصحة الوطنية National Institutes of Health (اختصارًا: المعاهد NIH) في شهر أبريل. وكما تقول نيكول لوري Nicole Lurie: “التكرار لا يؤدي إلا إلى  نزاع  داخلي وإبطاء الإنتاج”، ونيكول لوري هي الأمين المساعد السابق لبرنامج التأهب والاستجابة، كما تقدم الاستشارات لتحالف ابتكارات التأهب الوبائي Coalition for Epidemic Preparedness (اختصارًا: التحالف CEPI) وهي مؤسسة تجمع التبرعات وتساعد على تنسيق جهود إنتاج لقاح لمرض كوفيد-19. وتقول: “يجب على الولايات المتحدة، وغيرها من الدول حول العالم، أن تكون منخرطة في هذا التنافس ضد الفيروس، وليس ضد بعضها البعض”.

ومشروع السرعة الخاطفة التي أفصحت عنها أولًا وكالة بلومبيرغ الإخبارية Bloomberg News في 29 من أبريل، ليس إلا في مرحلة التخطيط الأولي. وقد ناقش الرئيس دونالد ترامب Donald Trump هذه المبادرة باختصار في اليوم التالي قائلًا: “سنُعجِّل من هذا الأمر بطريقة لم ترونها من قبل”. وبحسب تقرير لشبكة سي إن إن CNN في 1 مايو، وكما أكد المصدر الذي تحدث إلى مجلة  ساينس Science، فإن المشروع ينوي توفير المئة مليون جرعة الأولى من اللقاح في نوفمبر، والـ 200 مليون الأخرى على امتداد الشهرين التاليين.

وهناك أكثر من 100 لقاح لمرض كوفيد-19 تحت التطوير، وهناك ثمانية لقاحات واعدة -أربعة منها من شركات صينية- دخلت في مرحلة التجارب على البشر، وذلك بحسب تحديث أخبار- بتاريخ 11 مايو- من منظمة الصحة العالمية World Health Organization (اختصارًا: المنظمة WHO). ولكن هناك المزيد مما هو غير مصرح به حول هذه الجهود، وذلك بحسب ما يقوله أحد العارفين باللَقاحات والذي طلب ألّا يذكر اسمه. “نصفها عبارة عن شركات فيها ثلاثة أشخاص ومساعد إداري وكلب”.

وقد خرجت فكرة مشروع السرعة الخاطفة  للنور في بداية أبريل، وذلك بحسب ما يقول المسؤول الحكومي، وهو باحث أعطي الإذن بمناقشة هذا الموضوع بشرط أن لا يُفصح عن اسمه. ويقول: “إذا نظرنا حولنا، يصير من الواضح أنه من دون جهود بطولية، فإن أيًا من الجهود الحالية لإنتاج اللقاح لن تقودنا إلى الحصول على لقاح لمنع الموجة الثانية، والتي يبدو أنها قد تأتي في أكتوبر أو نوفمبر”. وسيتألف المشروع السرعة الخاطفة  من”فرق افتراضية” Virtual teams تعمل منفصلة للتعامل مع التطوير، والإمداد والتصنيع، والتوزيع، ويقودها “فريق مركزي” يتمثل ببضع عشرات من الخبراء من الحكومة والصناعة الصيدلانية والأكاديميا.

ومشروع السرعة الخاطفة  قد قلص لتوه قائمة اللقاحات المرشحة إلى أربعة عشر لقاحًا، ويُخطِّط للمضي قدمًا في تجربة ثمانية، وذلك وفقا للمسؤول الحكومي. ويقول: ” تتمثل فكرتنا باختيار مجموعة متنوعة” من اللقاحات المصنعة باستخدام تقنيات مختلفة أو منصات مختلفة. وكان المنظمون قلقين من أن مشروع الاستثمار الآخر للحكومة في اللقاحات كان “يميل جدا” إلى صالح لقاحين مرشحين فقط؛ أحدهما مُصنَّع بتقنية الحمض النووي المرسال Messenger RNA والذي يُرمِّز لبروتين سطحي “شوكي” Spike لفيروس كورونا، والآخر يستخدم فيروسًا غُدانيًا Adenovirus مسببًا للزكام لتقديم الجين المُرمِّز للبروتين نفسه للجسم. ويقول المسؤول الحكومي إن هاتين الطريقتين لم تقودا بعد إلى صنع لقاحات مُصادق عليها لأي مرض.

هذا، وقد رفض المسؤول الحكومي الإفصاح عن هوية اللقاحات المرشحة لمشروع السرعة الخاطفة، ولكنه شدد على معيارين: الأمان، والقدرة على تصنيع مئات الملايين من الجرعات بسرعة. ويقول: “لا وقت لدينا لاتباع إجراءات التصنيع التقليدية”. وبحلول يوليو، يأمل مشروع السرعة الخاطفة بأن تدخل لقاحاته الثمانية المرشحة مرحلةَ التجارب على البشر. وفي الوقت نفسه، سيُموِّل المشروع دراسة مقارنة كبيرة لفحص أمان اللقاحات وفاعليتها في حيوانات القداد (الهامستر) والنسانيس من أجل غربلة هذه المجموعة. ويقول: “إذا كان هناك شيء سيئ جدًا، فسنتخلص منه فورا”.

وبالتزامن مع التجارب، سيضع المشروع القواعد الأساسية “للتصنيع المُكثّف” Heavy duty manufacturing لما يصل إلى أربعة لقاحات مختلفة. فقد يتضح أن أكثر من لقاح مهيأ للنجاح، كما إن وجود العديد من الخيارات يحمي ضد حوادث التلوث وغيرها من مخاوف توفير الإمدادات الضرورية.

وصحيح أن مشروع السرعة الخاطفة لم يستثن أي نوع من اللقاحات، إلا أنه لن يأخذ بالاعتبار اللقاحات المصنعة في الصين، مثل لقاح الفيروس المعطل Inactivated virus vaccine الذي ثبت مؤخرًا أنه أول لقاح يحمي النسانيس من فيروس كورونا. “لا يمكننا التعاون مع شركات صينية”، هذا ما قاله المسؤول الحكومي، ويضيف قائلا: “بكل بساطة، لن يحدث ذلك”، فقد أتى القرار من منصب “أعلى رتبة مني”.

والهدف الأساسي لمشروع السرعة الخاطفة هو حماية الولايات المتحدة. ويقول المسؤول الحكومي: “التوجه المتبع هنا هو مثل كيفية استخدام قناع الأكسجين. نريد أن نرتدي قناع الأكسجين الخاص بنا أولًا ثم سنساعد الآخرين من حولنا”. وكما يقول إن مشروع السرعة الخاطفة  يخطط لأن “يوفر المعلومات مجانًا” إلى الدول الأخرى، بما في ذلك تقنيات التصنيع، وقد يُنتج المشروع جرعات إضافية للعالَم.

ولكن العديد من العلماء والمؤسسات جادلوا في أن أي لقاح لمرض كوفيد-19 يجب أن يكون متاحًا في الوقت نفسه وميسور التكلفة بالنسبة إلى أي شخص في العالم. هذا، وقد أطلقت المنظمة WHO مُعجِّل الوصول إلى أدوات كوفيد-19 Access to COVID-19 Tools Accelerator والذي يهدف إلى تسريع تطوير سبل التشخيص، والعلاج، واللقاحات، والتأكد من وجود “وصول عالمي مُنصِف لمنتجات آمنة، وذات جودة، وفعالة، وميسورة التكلفة”. وقد نظمت المفوضية الأوروبية European Commission بدورها حملة لجمع التبرعات في 4 مايو، تحت شعار الاستجابة العالمية لفيروس كورونا Coronavirus Global Response، والتي تعهد فيها قادة عالميون من العديد من الدول، وبعض المحسنين بتوفير مبلغ ثمانية بلايين دولار، ولم تشارك الولايات المتحدة فيه. هذا، وسيشرف التحالف CEPI، ومجموعة أخرى غير ربحية، وهي التحالف العالمي للقاحات والتحصين المعروف اختصارًا بالتحالف GAVI، على عمليات تطوير اللقاح. ويقول سيث بيركلي Seth Berkley، رئيس التحالف GAVI: “هذه مشكلة عالمية، وتحتاج إلى حل عالمي”.

و يدعم بيركلي خطة مشروع السرعة الخاطفة لفرز المرشحين، ولكنه يصف استثناء المنتجات الصينية بـ “غلطة من غلطات قصر النظر، فهم يسبقوننا بعدة أشهر”. وإضافة إلى ذلك، فإن مؤسسة بيل وميليندا غيتس Bill& Melinda Gates Foundation تتابع عن قرب الأبحاث الجارية على “ما يقارب 15” لقاحًا مرشحًا”، وستدعم اللقاحات الأكثر وعدًا، هذا ما يقوله إميليو إميني Emilio Emini، مطور لقاحات سابق انضم مؤخرا إلى المؤسسة؛ ويتابع قائلا: “يجب أن تكون لديك مجموعة عالمية متنوعة حتى لا تصرف كل مواردك على عدد محدود من الفرص”.

أما عن علاقة مشروع السرعة الخاطفة بمبادرة المعاهد NIH، تعجيل التدخلات العلاجية واللقاحات لكوفيد-19 Accelerating COVID-19 Therapeutic Interventions and Vaccines (اختصارًا: المبادرة ACTIV)، فتبقى غير واضحة. إذ يخطط  هذا المشروع لتنسيق تجارب إكلينيكية لعدد من لقاحات كوفيد-19 ويستعين بلجان مؤسسية للمراجعة، ومراقبة الأمان، ووضع البروتوكولات، كما وضّح مدير المعاهد NIH فرانسيس كولينز Francis Collins والمؤلفون المشاركون في تعليق نشرته مجلة ساينس على الإنترنت في 11 مايو.

وعندما سئل المسؤول الحكومي المتحدث باسم مشروع السرعة الخاطفة عن جهود المعاهد NIH، قال إنه: “لا يوجد تعارض على الإطلاق -إنهما يعملان معًا- أحدهما على الجانب المعرفي (المبادرة ACTIV) والآخر على الجانب العملي (مشروع السرعة الخاطفة )”. ولكن هناك عددًا من العلماء في اللجنة الفرعية للقاحات المبادرة  ACTIV يقولون إنهم لا يعلمون إلاّ القليل عن مشروع السرعة الخاطفة. وأحد الأعضاء، بيتر هوتيز Peter Hotez، من كلية بايلور للطب Baylor College pf Medicine، متخوف من الاسم والجدول الزمني لمشروع السرعة الخاطفة، منوها إلى أن الحركة المجتمعية المضادة للقاح Antivaccine movement تجادل في أن المنتجات غالبًا ما تضخ إلى السوق من دون فحص كاف. ويقول هوتيز: “بعض الكلام الذي يخرج من البيت الأبيض مدمر جدًا”، وهوتيز هو عضو في فريق يعمل على صناعة لقاح مرشح لمرض كوفيد-19. وأما عن مسألة توفير ثلاثمئة مليون جرعة بحلول يناير فيقول: “لا أرى طريقة يمكنك بها جمع بيانات حول الفاعلية والأمان بحلول نهاية السنة”.

ويعترف المسؤول الحكومي أن مشروع السرعة الخاطفة  يتطلع إلى تحقيق أهداف عالية، ويقول: “أعلم أن هناك احتمالات منطقية بأننا سنفشل. وإذا فشلنا، أريد أن نكون متأكدين أننا بحثنا في كل الطرق الممكنة المختلفة التي كان بإمكاننا اتباعها”.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق