وباء الكورونا

لماذا تُسبب السمنةُ تفاقمَ مرض كوفيد-19؟

حتى الأشخاص الذين يعانون زيادة في الوزن فقط يواجهون مخاطر مرتفعة للإصابة بأمراض خطيرة

تغطية مجلة ساينس Science لأخبار كوفيد-19 يدعمها مركز بوليتزر ومؤسسة هيسينغ-سيمونز Pulitzer Center.

بقلم:     ميريديث وادمان

ترجمة:  مي بورسلي

 

في ربيع هذا العام، بعد أيام من ظهور أعراض تشبه أعراض الإنفلونزا والحمى، وصل رجل إلى غرفة الطوارئ في المركز الطبي بجامعة فيرمونت Vermont Medical Center. كان شابا، في أواخر الثلاثينات من عمره، وكان يعشق زوجته وأطفاله الصغار. وكان يتمتع بصحة جيدة، وقد كرّس ساعات لا نهاية لها في إدارة أعماله التجارية الصغيرة، كان كل شيء جيدا باستثناء شيء واحد: كان يعاني سمنة مفرطة Severe Obesity. بعد ذلك، ثبتت إصابته بكوفيد-19 (COVID-19) وكان يعاني ضيقا متزايدا في التنفس.

وقد أدخل مباشرة إلى وحدة العناية المركزة Intensive Care  Unit  (اختصارا: الوحدة ICU) و في غضون ساعات وضع تحت جهاز التنفس الاصطناعي. وبعد أسبوعين، وافته المنية.

“لقد كان شابًا يتمتع بصحة جيدة ويعمل بجد”، كما تتذكر ماري إلين أنتكوفياك MaryEllen Antkowiak، طبيبة الرعاية الحرجة الرئوية والمديرة الطبية لوحدة ICU في المستشفى. وتقول: “عامل الخطر الرئيسي Major risk factor للإصابة بهذا المرض بهذه الشدة هو السمنة”.

ومنذ أن بدأ الوباء، فإن العشرات من الدراسات أفادت بأن العديد من مرضى كوفيد- 19 الأشد مرضًا هم من المصابين بالسمنة. وفي الأسابيع الأخيرة من أغسطس صار هذا الارتباط أكثر وضوحا، إذ عززت الدراسات الجديدة – التي أجريت على المجاميع الكبيرة – الارتباط وأظهرت أنه حتى الأشخاص الذين يعانون مجرد زيادة الوزن فقط هم أكثر عرضة للخطر. فعلى سبيل المثال، في التحليل التلوي Metaanalysis الأول من نوعه، الذي نُشر في 26 أغسطس في دورية مراجعات السمنة Obesity Reviews، جمع فريق دولي من الباحثين البياناتِ من عشرات الأوراق التي سبق وأن راجعها الأقران، والتي حصرت 399 ألف مريض. ووجدوا أن الأشخاص الذين يعانون السمنة، والذين أصيبوا بالفيروس سارس كوف-2 (SARS-CoV-2)، كانوا أكثر عرضة بنسبة 113% من الأشخاص ذوي الوزن الصحي لينتهي بهم المطاف في المستشفى، و74% أكثر عرضة للدخول إلى الوحدة ICU، و48% أكثر عرضة للوفاة.

وتتسبب مجموعة من العوامل الفسيولوجية والاجتماعية في تلك الأرقام المروعة. بيولوجيًا، يترافق مع السمنة الآتى : ضعف المناعة، والالتهابات المزمنة، والدم المعرَض للتخثر، وجميعها قد تؤدي إلى تفاقم كوفيد-19. ولأن السمنة ينظر إليها كوصمة عار شنيعة، فقد يتجنب المصابون بالسمنة طلب الرعاية الطبية قبل فوات الأوان.

“لم نتوصل إلى فهم عوامل الخطر الرئيسية للسمنة إلا مؤخرا … فلم ندرك حتى وقت قريب التأثير المدمر للسمنة، لا سيما في الشباب”، كما تقول آن ديكسون Anne Dixon، العالمة والطبيبة التي تدرس السمنة وأمراض الرئة من جامعة فيرمونت University of

Vermont. وقد يكون هذا أحد أسباب التأثير المدمر لكوفيد-19 في الولايات المتحدة، حيث يعاني 40% من البالغين من السمنة.

الأشخاص المصابون بالسمنة هم أكثر عرضة من الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي لخطر الإصابة بأمراض أخرى، تكون في حد ذاتها عوامل خطر مستقلة للإصابة الشديدة بكوفيد-19، بما في ذلك أمراض القلب وأمراض الرئة وداء السكري. وهم أيضًا عرضة لمتلازمة التمثيل الغذائي Metabolic syndrome، إذ تكون مستويات السكر في الدم أو مستويات الدهون أو كلتيهما غير صحية وقد يرتفع ضغط الدم. ووجدت دراسة حديثة من جامعة تولين  Tulane University أجريت على 287 مريضًا مصاب بكوفيد-19 في المستشفى أن متلازمة التمثيل الغذائي نفسها تزيد زيادة كبيرة من مخاطر دخول الوحدة ICU والحاجة إلى التنفس الصناعي، والموت.

 ولكن في حد ذاته، “يظل مؤشر كتلة الجسم Body mass index (اختصارا: BMI) عامل خطر قويًا ومستقلاً” بالنسبة إلى الإصابة الشديدة بكوفيد-19، فوفقًا للعديد من الدراسات التي تأخذ العمر والجنس والطبقة الاجتماعية وداء السكري وأمراض القلب بالحسبان، كما يقول نافيد ستار Naveed Sattar، الخبير بأمراض القلب والأوعية الدموية من جامعة جلاسكو University of Glasgow. “يبدو أن العلاقة طردية”.

والتأثير يمتد ليشمل 32% من الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن في الولايات المتحدة. ووجدت أكبر دراسة وصفية Descriptive study حتى الآن على مرضى كوفيد-19 في المستشفيات في الولايات المتحدة، والتي نشرها باحثو جين تيك Genentech في شهر أغسطس، أن 77% من نحو 17 ألف مريض في المستشفى مصابين بكوفيد-19 يعانون زيادة الوزن (29%) أو السمنة (48%). (تعرف مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها Disease Control and Prevention الوزن الزائد هو أن يكون مؤشر كتلة الجسم BMI   من 25 إلى 29.9 كيلوغرام لكل متر مربع، والسمنة على أنها 30 أو أكثر).

وفي أغسطس نشرت الدورية  وقائع الأكاديمية الوطنية للعلومProceedings of the National Academy of Sciences دراسة أخرى قد سجلت معدل دخول حالات كوفيد-19 إلى المستشفيات لأكثر من 334 ألف شخص في إنجلترا.  وقد وجدت الدراسة أنه على الرغم من أن المعدل بلغ ذروته في الأشخاص الذين لديهم مؤشر BMI يساوي 35 أو أكثر، إلا أنه بدأ بالارتفاع بمجرد أن يميل شخص ما إلى فئة الوزن الزائد (انظر: الرسم البياني ). ويقول مارك هامر Mark Hamer، عالم فيسيولوجيا التمارين الرياضية Exercise physiologist والمؤلف الأول للورقة العلمية – من جامعة يونيفيرسيتي كوليدج لندن University College London: “لا يدرك الكثيرون أنهم يتسللون إلى فئة الوزن الزائد هذه”.

والأمراض الجسدية التي تجعل الأشخاص الذين يعانون السمنة عرضة للإصابة بكوفيد-19 تبدأ بالميكانيكا: فالدهون الموجودة في البطن تدفع إلى الأعلى نحو الحجاب الحاجز، مما يتسبب في ضغط تلك العضلات الكبيرة؛ التي تقع أسفل تجويف الصدر، على الرئتين مما يحد من تدفق الهواء. ويؤدي حجم الرئة المنخفض هذا إلى انهيار المسالك الهوائية Airways في الفصوص السفلية للرئتين، حيث يصل المزيد من الدم إلى الأكسجة مقارنة بالفصين العلويين. وتقول ديكسون: “إذا كنت قد بدأت بالفعل [مع] بهذه العوامل، فسوف تزداد سوءًا زيادة سريعة” عند الإصابة بكوفيد-19.

 وهناك عوامل أخرى تفاقم هذه المشكلات الميكانيكية. في البداية، فإن دم الأشخاص المصابين بالسمنة يميل إلى التجلط – وهو خطر جسيم خاصة أثناء العدوى التي، عندما تكون شديدة، تتسبب وحدها في تجلط الأوعية الدموية الصغيرة بالرئتين (Science, 5 June, p. 1039). وفي الأشخاص الأصحاء، تقول بيفرلي هانت Beverley

Hunt، العالمة والطبيبة والخبيرة في تخثر الدم بمستشفيات غاي وسانت توماس Guy’ and St. Thomas’Hospitals: “عادة ما تقول الخلايا البطانية Endothelial cells التي تبطن الأوعية الدموية للدم المحيط:” لا تتجلط “. وتقول هانت: “نعتقد أن كوفيد يغير الإشارات”، لأن الفيروس يؤذي الخلايا البطانية التي تستجيب للهجوم  بتنشيط نظام التخثر Coagulation system.

وإذا أضفت السمنة إلى هذا المزيج، يرتفع خطر التجلط. ففي حالة مرضى كوفيد-19 السمان، تقول هانت: “يكون لديك هذا الدم اللزج، يا إلهي – الدم الأكثر لزوجة رأيته في كل سنوات عملي”.

كما تضعف المناعة أيضًا لدى السِمان، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الخلايا الدهنية تتسلل إلى الأعضاء حيث تنتج الخلايا المناعية وتُخزَّن، مثل الطحال ونخاع العظام والغدة الصعترية Thymus، كما تقول كاثرين أندرسن Catherine Andersen، عالمة التغذية من جامعة فيرفيلد Fairfield University. وتقول: “نحن نفقد الأنسجة المناعية التي تتحول إلى أنسجة دهنية، مما يجعل جهاز المناعة أقل فعالية في حماية الجسم من الكائنات الممرضة  Pathogens   أو الاستجابة إلى اللقاح”.

وميليندا بيك Melinda Beck، مؤلفة مشاركة في دراسة التحليل التلوي التي نشرتها دورية مراجعات السمنة Obesity Reviews ، والتي تدرس السمنة والمناعة من جامعة نورث كارولينا University of North Carolina في تشابل هيل، تقول :” إن المشكلة ليست فقط عددًا أقل من الخلايا المناعية، ولكنها أقل فعالية”. وأوضحت دراسات بيك حول الكيفية التي تستجيب بها الفئران السمينة لفيروس الإنفلونزا أن الخلايا المناعية الرئيسية التي تسمى الخلايا التائية T cells “لا تعمل جيدا في حالة السمنة”، كما تقول. فهي تنتج عددًا أقل من الجزيئات التي تساعد على تدمير الخلايا المصابة بالفيروس، كما أن مجموعات خلايا “الذاكرة” التائية التي تُركت بعد الإصابة؛ والتي تعتبر مفتاحًا لتحييد الهجمات المستقبلية للفيروس نفسه، كانت أصغر منها في الفئران ذات الوزن الصحي.

 و يشير عمل بيك إلى أن الشيء نفسه يحدث لدى الأشخاص: فقد وجدت أن الأشخاص المصابين بالسمنة الذين أخذوا اللقاح ضد الإنفلونزا معرضون لخطر الإصابة ضعف خطر إصابة الأشخاص ذوي الوزن الصحي والذين أخذوا اللقاح. وهذا يعني أن تجارب لقاحات فيروس سارس-كوف-2 يجب أن تشمل الأشخاص المصابين بالسمنة، كما تقول، لأن “لقاحات الفيروس التاجي Coronavirus قد تكون أقل فعالية في هؤلاء الأشخاص”.

إضافة إلى ضعف الاستجابة للعدوى، يعاني الأشخاص المصابون بالسمنة أيضًا التهابا مزمنا منخفض الدرجة. وتفرز الخلايا الدهنية عدة نواقل كيميائية مسببة للالتهابات تسمى السيتوكينات Cytokines، والمزيد منها تفزه الخلايا المناعية المسماة البلاعم (ماكروفاجات) Macrophages التي “تكنس” وتنظف الخلايا الدهنية الميتة والمحتضرة. قد تؤدي هذه التأثيرات إلى مضاعفة نشاط السيتوكين الجامح الذي يميز الحالة الشديد للإصابة بكوفيد-19. وتقول إلهم ميساودي Ilhem Messaoudi، عالمة المناعة التي تدرس استجابات المضيف للعدوى الفيروسية من جامعة كاليفورنيا University of Califonia في إيرفين: “ينتهي بك الأمر إلى التسبب في الكثير من تلف الأنسجة، وتجنيد عدد كبير جدًا من الخلايا المناعية، وتدمير الخلايا السليمة”. تضيف قائلة إنه من بين المخاطر الإضافية للسمنة: “أود أن أقول إن الكثير منها هو نتيجة لضعف المناعة”.

وشدة الإصابة بكوفيد-19 في الأشخاص السمان تساعد في تفسير الخسائر غير المتناسبة في بعض المجموعات. ففي الهنود الأمريكيين وسكان ألاسكا الأصليين، على سبيل المثال، يجتمع الفقر ونقص الوصول إلى الغذاء الصحي والافتقار إلى التأمين الصحي وفرص التمارين الرياضية السيئة لجعل “معدلات السمنة … مرتفعة ارتفاعا ملحوظا”، كما يقول سبيرو مانسون Spero Manson، وهو من جماعة بيمبينا شيبيوا Pembina Chippewa وعالم الأنثروبولوجيا الطبية من كلية الصحة العامة بجامعة كولورادو University of Colorado’s School of Public Health.

كما يقول مانسون إن السمنة “مرتبطة بكل هذه [الأمراض] الأخرى، مثل داء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، مما يجعلنا عرضة” للإصابة الشديدة بكوفيد-19.

   وإضافة إلى ذلك، تظهر مجموعة كبيرة من المؤلفات أن الأشخاص الذين يعانون السمنة قد يؤخرون طلب الرعاية الطبية بسبب الخوف من التعرض للإحراج، مما يزيد من احتمال الإصابة بمرض خطير أو الوفاة. وتقول فاطمة كودي ستانفورد Fatima Cody

Stanford، عالمة طب السمنة من كلية الطب بجامعة هارفارد Harvard Medical School ومستشفى ماساتشوستس العام Massachusetts General Hospital: “المرضى الذين يشعرون بالإحراج بسبب الوزن أقل احتمالا لطلب الرعاية ويقل احتمال طلب المتابعة لأنهم لا يشعرون بالترحيب في بيئة الرعاية الصحية”.

وتضيف أن هناك حاجة ماسة إلى بحث خاص بمرض كوفيد -19 حول هذا السؤال. وتقول ستانفورد: “لا نعرف عدد الأشخاص الذين يموتون في المجتمع ممن لا يصلون إلى المستشفى”. “ربما كان ذلك [بسبب] وزنهم أو عرقهم، وهما أكثر وصمات العار شيوعا في الولايات المتحدة”.

فبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون السمنة، فإن الخطر الإضافي يضيف عبئًا نفسيًا، كما تقول باتي نيس Patty Nece، نائبة رئيس تحالف مكافحة السمنة Obesity Action Coalition. “لقد ازداد قلقي تمامًا”، كما تقول، مضيفة أنه بسبب الأكل لتعويض الضغط النفسي، استعادت مؤخرًا 30 من 100 رطل كانت قد فقدتها قبل الوباء. “تشعر بقلق عام من هذا الوباء … وبعد ذلك تضيف إليها:” أنت على وجه الخصوص، قد تمرض حقًا”.

والبيانات المتعلقة بكيفية علاج مرضى كوفيد -19 المصابين بالسمنة شحيحة. إذ تدعم الأدلة المنشورة إعطاء هؤلاء المرضى جرعات أعلى من مضادات التخثر، كما يقول سكوت كاهان Scott Kahan، الطبيب في تخصص طب السمنة الذي يدير المركز الوطني للوزن والعافية National Center for Weight and Wellness. ولكن لا يُعرف سوى القليل جدًا حول ما إذا كان ستتعدل العلاجات الأخرى مثل ريمديسفير Remdesivir وديكساميثازون Dexamethasone وكيفية تعديلها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن المرضى الذين يعانون السمنة “غالبًا ما يُستبعدون من التجارب الإكلينيكية (السريرية)”. ويحث على أن تشمل تجارب علاج كوفيد-19 الأشخاص ذوي مؤشر كتلة الجسم BMI المرتفع كلما أمكن ذلك.

 وتقول ميساودي إنه يجب على الأشخاص الذين يعانون السمنة توخي مزيد من الحذر لتجنب الإصابة بالمرض. وهي تقول: “إذا كنت شخصًا مصابًا بالسمنة، فكن أكثر حذراً…ارتدِ كمامتك. اغسل يديك. تجنب التجمعات الكبيرة”.

إضافة إلى ذلك، فإن ممارسة الرياضة وفقدان القليل من الوزن قد يحسنان التمثيل الغذائي للشخص المصاب بالسمنة، وبذلك يقلل من فرص الإصابة بكوفيد-19 الحاد إذا أصيب، كما يقول ستيفن أورايلي Stephen O’Rahilly، الطبيب- العالم الذي يدير وحدة أمراض التمثيل الغذائي  بمركز الأبحاث الطبية MRC Metabolic Diseases Unit  في جامعة كيمبريدج University of Cambridge. “إذا كان وزنك 300 رطل، فمن المرجح أن تكون لخسارة وزن متواضع فائدة كبيرة لمدى قدرتك في التعامل مع عدوى الفيروس التاجي. ليس عليك أن تكون نحيفًا جدا للاستفادة”.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى