أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
العلوم البيئيةعلم المناخ

علم الفلك يعاني مشكلة مناخية ويزيد من حدتها

بصمات الكربون الكبيرة ونقاط الضعف المتزايدة تدفع علماء الفلك إلى اتخاذ إجراءات

بقلم:     دانييل كليري

ترجمة: مي بورسلي

 

في أغسطس، بينما كانت حرائق الغابات تتسلل بالقرب من مرصد ليك التاريخي Lick Observatory بالقرب من سان خوسيه في ولاية كاليفورنيا، شاهدت كلير ماكس Claire Max ألسنة اللهب تتجه نحو مباني المرصد والعديد من التلسكوبات من على كاميرات الويب الحية. وفي النهاية تمكن رجال الإطفاء من إبقاء النيران بعيدة.  والرغم من تدميرها مبنيين غير مستخدمين وتضرر العديد من المنازل، إلا أن التلسكوبات العاملة لم يكن بها سوى القليل من الرماد على المرايا. وتقول ماكس، مديرة مراصد جامعة كاليفورنيا University of California Observatories، والتي تدير المرصد ليك: “لقد تفادينا الحريق فعلا”. ولطالما عانت كاليفورنيا الساحلية  دوراتِ الجفاف والحرائق. “لكن من المعقول تمامًا أن يقول الأشخاص إن الاحترار العالمي Global warming يزيد من حدة المشكلة”.

    وبهذا تكون لدى علماء الفلك مشكلة مناخية. ولا يؤدي الاحترار العالمي فقط إلى زيادة تواتر حرائق الغابات وشدة الأعاصير التي تهدد المراصد فعليا، ولكن المناخ المتغير يمكن أن يُفسِد عليهم الرصد نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة واقتراب الهواء المضطرب من أعالي قمم الجبال التي عليها المراصد. ويضيف علماءُ الفلك أنفسَهم أيضًا إلى مشكلة المناخ، وذلك من خلال رحلاتهم الطويلة إلى المرافق والاجتماعات البعيدة والاستخدام المكثف للحواسيب الفائقة المتعطشة للطاقة من أجل عمليات المحاكاة الكوزموسية. ويقول ليو بورتشر Leo Burtscher من جامعة لايدنLeiden University : “نحن جزء من المشكلة، ولسنا الحل”.

   وفي شهر سبتمبر نشرت مجلة نيتشر أسترونومي Nature Astronomy ست ورقات بحثية أظهرت هذه المخاوف بوضوح. أولها، كانت انبعاثات الكربون الناجمة عن حضور الاجتماعات، والتي تَبَيّنت مباشرة من اجتماع الجمعية الفلكية الأوروبية European Astronomical Society (اختصارا: الجمعية EAS)، والذي انعقد في 2019 بفرنسا أثناء موجة حرٍ قياسية تجاوزت فيها درجات الحرارة 45 ْس. ويقول بورتشر: “كنّا نجلس بلا تكييف، ونتعرق خلال هذه المحادثات الممتعة”. وتحولت المناقشات إلى دراسة ظاهرة التغير المناخي وانبعاثات الكربون التي تَسبّب بها الحضور إلى الاجتماع؛ مما ألهم بورتشر وزملاءَه تحديد حجم الانبعاثات الناجم عن السفر لحضور الاجتماع. فقد أضافوا ما يقرب من 1900 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2) أو نحو 1.5 طن لكل مندوب حضر الاجتماع، تقريبًا هي الكمية نفسها من متوسط انبعاثات شخص مقيم في الهند لعام كامل.

   ولا شك في أن مجالات العلوم الأخرى تولد انبعاثات مماثلةً ناجمة عن حضور الاجتماعات الكبيرة، لكن عادات العمل لدى علماء الفلك تُولّد الكربون بكمية كبيرة أيضًا. ووجدت دراسة أخرى من الدراسات الست أن علماء الفلك الأستراليين أنتجوا 37 طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون  سنويًا، منها 60% من استخدام الحاسوب الفائق. “لقد فوجئنا بمدى ضخامة انبعاثات الحواسيب الفائقة. ويقول آدم ستيفنزAdam Stevens ، الباحث الرئيسي من جامعة غرب أستراليا University of Western Australia في بيرث، “اعتقد الجميع أن الانبعاثات الناجمة عن الرحلات الجوية ستهيمن على الانبعاثات الناجمة عن أنشطة أخرى”. وفي مجلة نيتشر أسترونومي أظهر تحليل مماثل لانبعاثات عام  2018 أُجري في معهد ماكس بلانك الألماني لعلم الفلك Max Planck Institute for Astronomy (اختصارا: المعهد MPIA) انخفاضَ الانبعاثات عامةً (18 طنًا لكل فلكي)، والتي كانت الرحلات الجوية هي المساهم الأكبر فيها. ويقول الباحثون إن الاستخدام الأكبر للطاقة المتجددة في ألمانيا قد يفسر بعضًا من هذا التباين، لكن علماء الفلك من المعهد MPIA ما زالوا يُولّدون ثلاثة أضعاف انبعاثات الكربون للشخص الألماني العادي.

    والمناخ الذي يساعد علماء الفلك على تسخينه يهدد بدوره مدى رؤيتهم للسماء. وفي ورقة أخرى بَحَث فاوستين كانتالوب Faustine Cantalloube، من المعهد MPIA، وزملاؤه في سجلات الطقس خلال فترة 30 عاما الماضية من مرصد بارانال Paranal في تشيلي، والذي يديره المرصد الأوروبي الجنوبي Southern European Observatory (اختصارا: المرصد ESO). ووجدوا أن متوسط درجات الحرارة هناك ارتفع بمقدار 1.5 ْس، أي أكثر من متوسط الارتفاع العالمي بمقدار 1 ْس منذ فترات ما قبل الحقبة الصناعية. ويقول كانتالوب إن هذا يُسبب بالفعل مشكلة لتلسكوب مرصد بارانال الكبير جدًا Very Large Telescope – أربع عدسات عاكسة منفصلة بقطر 8.2 متر. وخلال النهار تعمل أنظمة التبريد على الحفاظ على درجات الحرارة داخل قِباب التلسكوب، والتي تكون مماثلة لدرجة حرارة الهواء الخارجي عند غروب الشمس، وذلك لتجنب التباينات في درجات الحرارة التي تسبب اضطرابًا هوائيا عند فتح القبة. وخلال النهار عندما تتجاوز درجاتُ الحرارة الدرجةَ 16 ْس، فإن النظام يتأثر. ويقول كانتالوب: “تبريد القبة ليس جيدًا بما يكفي…ففي الوقت الذي شُيّد به في تسعينات القرن العشرين، لم نكن نعتقد أن درجات الحرارة ستكون مرتفعة جدًا بحلول عام 2020”.

  كما أن الارتفاع في درجة الحرارة أدى إلى زيادة الاضطراب في الطبقة السطحية للغلاف الجوي، أي الهواء على بعد عشرات الأمتار فوق التلسكوبات.

    والباحثون وجدوا أن اضطراب الطبقة السطحية ازداد منذ ثمانينات القرن العشرين، وعلى الرغم من أنه لم يؤثر بعد في الرصد، إلا أنه مقلق، كما يقول كانتالوب. “من الواضح أن هناك شيئًا ما يحدث على مقربة شديدة من الأرض”، كما يقول.

   ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى ارتفاع مستويات الرطوبة أيضًا؛ مما قد يؤدي إلى زيادة الغطاء السحابي – وهي مشكلة واضحة لعلماء الفلك. ويمكن لبخار الماء نفسه أن يحجب الأشعة تحت الحمراء والأشعة الميكروية، وهي ما ترصده مصفوفة أتاكاما المليمترية / ما تحت المليمترية الكبيرة Atacama Large Millimeter/ submillimeter Array (اختصارا: المصفوفة ألما ALMA)، الموجودة أيضًا في تشيلي. حتى الآن، لم تزد نسبة الرطوبة في مرصد بارانال، كما أظهر تحليل كانتالوب، أو في مرصد المصفوفة ألما، وفقًا لدراسة منفصلة. والنمذجات المناخية ليست دقيقة بما يكفي للتنبؤ بنسب الرطوبة المستقبلية في المراصد. ويقول آنغل أوتارولا Angel Otárola، الاختصاصي بعلم الغلاف الجوي من المرصد ESO: “سيتعين علينا أن نرى ما إذا كان التغير المناخي سيؤدي إلى زيادة الرطوبة في المنطقة”.

   ويتخذ علماء الفلك الآن خطوات لتقليل بصمتهم الكربونية. ففي دراسة أخرى من الدراسات الست دعا سايمون بورتيغيز زوارت Simon Portegies Zwart، من جامعة ليدن إلى إحداث تغييرات في استراتيجية الحوسبة. إذ يجب على علماء الفلك تجنب الحواسيب التقليدية، وبدلاً من ذلك استخدام الحواسيب التي تعتمد على وحدات معالجة غرافيكية  Graphical processor أكثر كفاءة، كما يقول زوارت، على الرغم من صعوبة برمجتها. ويجب على علماء الفلك أيضًا التخلي عن لغات البرمجة الشائعة مثل البايثون Python مقابل اللغات المترجمة الفعالة. ولغات البرمجة مثل الفورتران Fortran و السي بلس بلس C++، كما تدل الحسابات التي أجراها زوارت، هي أكثر كفاءة في استخدام الكربون بمئة مرة من البايثون لأنها تتطلب إجراء عمليات أقل. وهناك خيار آخر، كما يقول نود جانكي Knud Jahnke من المعهد MPIA، وهو إنشاء حواسيب فائقة في آيسلندا، لوجود طاقة حرارية أرضية خالية من الكربون ومناخها البارد؛ مما يقلل من الحاجة إلى التبريد، أو إنشاؤها في البلدان الأخرى ذات الطاقة المتجددة الوفيرة.

   كما بدأت المراصد الرئيسة أيضا باتخاذ عدد من الإجراءات. ففي عام 2016 انتهى المرصد ESO من إنشاء مصفوفة للطاقة الشمسية لتغذية مرصد لاسيلا La Silla في تشيلي، وفي عام 2019 أبرمت اتفاقا  لإنشاء محطة كهروضوئية Photovolaic للمساعدة على تبريد تلسكوبها الكبير جدا Extremely Large Telescope، والذي هو حاليا تحت الإنشاء بالقرب من المرصد بارانال. وتلسكوبات المرصدين كيك Keck وجيميناي Gemini في هاواي، ومرصد ميرتشيسون Murchison للفلك الراديوي Murchison Radioastronomy Observatory في أستراليا، كانت قد ركبت مصفوفاتٍ للطاقة الشمسية أيضًا. وللحد من رحلات الطيران يُجرِي المزيدُ من التلسكوبات روتينَ رصدٍ عن بعد. وتقول ماكس إن جامعة كاليفورنيا بنت غرفًا للرصد عن بُعد في حرمها الجامعي النائي، لذا لم يحتاج الباحثون إلى السفر إلى المرصد ليك أو إلى المراصد الأخرى. ومنذ حدوث جائحة كوفيد-19 (COVID-19)  توسع المخطط ليشمل الحواسيب المحمولة المنزلية، “الرصد بالبيجامة” Pajama observing، كما تسميها ماكس. وتقول: “صارت أيام السفر إلى هاواي للرصد معدودةً “.

والاجتماعات هي هدف آخر جاهز للإصلاح. ويقول ترافيس ريكتور Travis Rector، من جامعة ألاسكا University of Alaska في أنكوراج، والذي يرأس لجنة الاستدامة بالجمعية الفلكية الأمريكية American Astronomical Society (اختصارا: الجمعية AAS): “هناك الكثير من الإثارة حول الإمكانات” بخصوص الاجتماعات الافتراضية. وعندما صار اجتماع الجمعية EAS لهذا العام (2020) افتراضيًا بسبب جائحة كوفيد-19، أجرى الفريق الذي حَسَب انبعاثات الكربون نتيجة حضور الاجتماع الذي انعقد في 2019 تحليلا جديدا. وبناءً على دراسة استقصائية حول استخدام المندوبين والمنظمين للحواسيب والإنترنت، حسبوا انبعاثات تبلغ 582 كيلوغرامًا صادرة عن الاجتماع بأكمله، أي أقل من واحد إلى ثلاثة آلاف من إجمالي اجتماع عام 2019. ويقول مارك ماكوغرين Mark MsCaughrean، وهو باحث ومستشار كبير في وكالة الفضاء الأوروبية European Space Agency (اختصارا: الوكالة ESA): “لقد تطلب ذلك وقفة للتفكير حقًا”.

  والجمعية EAS تدرس تنسيقًا هجينًا للاجتماعات المستقبلية، بحيث سيشارك أولئك البعيدون مشاركة افتراضية. ويقول ريكتور إن  لدى الجمعية AAS عقودًا تلتزمها بعدة سنوات من الاجتماعات الشخصية، لكنه يتوقع أن تنتقل الجمعيات إلى الاجتماعات الافتراضية بعد ذلك. ويقول إن الجمعيات: “ستتعلم من بعضها البعض الكيفية التي تُجرِي بها ذلك على نحو أفضل”. وفي أكتوبر أزال عمالُ المرصد Lick الأشجارَ حول الموقع لتقليل مخاطر الحرائق المستقبلية. ويقول بورتشر إن علماء الفلك بحاجة إلى اتخاذ إجراءات أيضًا، وهو يقول إنه قرار أخلاقي وعملي. “فنحن بحاجة إلى التغيير لمواصلة عملنا”.

©2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى