علم المناخ

مصير مناخ الأرض أخيرا صار أكثر وضوحًا

دراسة بارزة تضيق حدود "الحساسية المناخية"، مستبعدة الاحترار غير الضار

بقلم:    بول فوسن

ترجمة: مي منصور بورسلي

يبدو كسؤال بسيط: إلى أي درجة ستصير الأرض ساخنة؟ كرر علماء المناخ الإجابة غير المُرضية نفسها على مدى 40 عامًا: إذا ضاعف البشر انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) في الغلاف الجوي من مستويات ما قبل العصر الصناعي، فسوف يسخن الكوكب في النهاية ما بين 1.5 سْ و4.5 سْ – وهو نطاق درجة حرارة يتراوح ما بين ارتفاع مثير للقلق وكارثة.

حاليا، في جهد جبار، ضيّق فريق مكون من 25 عالمًا حدود هذا العامل الحاسم -المعروف بالحساسية المناخية Climate sensitivity- تضييقا شديدا. وهذا التقييم الذي أُجري في إطار البرنامج العالمي لأبحاث المناخ World Climate Research Programme (اختصارا: البرنامج WCRP) ونشر في الأسبوع الثالث من يوليو في دورية مراجعات الجيوفيزياء Reviews of Geophysics، يعتمد على ثلاثة خطوط من الأدلة: الاتجاهات التي يشير إليها الاحترار المعاصر، وأحدث فهم لآثار التغذية الراجعة Feedback التي قد تبطئ أو تسرع تغير المناخ، ودروس من المناخات القديمة. ويقول ستيفن شيروود Steven Sherwood، أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة وعالم المناخ من جامعة نيو ساوث ويلز University of New South Wales، إن الأدلة تدعم نطاق الاحترار المحتمل بين 2.6 سْ و3.9 سْ. “هذا هو الرقم الذي يتحكم حقًا في مدى سوء الاحترار العالميGlobal warming “.

ويقول جيمس هانسن James Hansen، عالِم المناخ المتقاعد الشهير من الوكالة ناسا NASA، والذي ساعد على صياغة أول نطاق حساسية عام 1979، إن الدراسة الجديدة هي ثمرة عقود من التقدم في علوم المناخ، وهي دراسة شاملة ومثيرة للإعجاب، وأنا لا أقول هذا فقط لأنني أتفق مع النتيجة. كل من رعى هذا يستحق امتناننا”.

لقد أطلقت البشرية بالفعل ما يكفي من غاز CO2 ليكون في منتصف الطريق إلى نقطة المضاعفة Doubling point والتي تبلغ 560 جزءًا لكل مليون، والعديد من سيناريوهات الانبعاثات يتوقع وصول الكوكب إلى هذه العتبة بحلول عام 2060. والتقرير يؤكد مخاطر تلك الدورة: ويستبعد مستويات معتدلة من الاحترار في بعض الأحيان الذي يتذرع بها أولئك الذين يتجنبون تخفيضات الانبعاثات. ويقول ديفيد فيكتور David Victor، باحث في سياسة المناخ من جامعة كاليفورنيا University of California في سان دييغو، والذي لم يشارك في الدراسة: “بالنسبة إلى الأشخاص الذين يأملون بشيء أفضل، فإن هذه الآمال أقل ارتباطًا بالواقع”.

وتقدير الحساسية الذي توصل إليه البرنامج WCRP قد صُمم لتستخدمه الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ Intergovernmental Panel on Climate Change United Nations’ (اختصارا: الهيئة IPCC) التابعة للأمم المتحدة عندما تنشر تقريرها الرئيسي التالي في عام 2021 أو 2022. وهذا التقدير سيقدم أيضا معلومات عن توقعات ارتفاع مستوى سطح البحر والأضرار الاقتصادية وأمور أخرى. وتقول ديانا ريكين Diana Reckien، خبيرة تخطيط المناخ من جامعة تفينتي University of Twente، إن وجود صورة أوضح لهذه العواقب قد يفعل الكثير لتحفيز الحكومات المحلية على خفض الانبعاثات والتكيف مع الاحترار. ” من المحتمل أن يحفز  انخفاض عدم اليقين المزيدَ من السلطات المحلية على التصرف”.

والدراسة تبدد عدم اليقين الناتج من أحدث النمذجات المناخية. تاريخيا، استخدمت النمذجات لتقدير الحساسية، بدءًا من عام 1979، مع أول تقييم شامل في العالم لتغير المناخ الناتج عن انبعاث غاز CO2. وفي ذلك الصيف، في اجتماع في وودز هول Woods Hole بولاية ماساتشوستس الذي ترأسته جولي تشارني Jule Charney، قدم العلماء ورقة بحثية، عرفت منذ ذلك الحين بتقرير تشارني، توقعت فيه ارتفاع درجة الحرارة بين 1.5 سْ و4.5 سْ بفعل تضاعف انبعاثات غاز CO2. وهذه الأرقام – المستندة جزئيًا إلى نمذجة طورها هانسن – ظلت مستخدمة لفترة أطول بكثير مما كان يتصور أي شخص: فتقرير الهيئة IPCC، من عام 2013 اقترح النطاق نفسه.

  تشير النمذجات الأخيرة إلى أن النطاق قد يزيد. فهو يتجه نحو السخونة، ويتوقع البعض ارتفاع درجة الحرارة إلى أكثر من 5 سْ بفعل تضاعف انبعاثات غاز CO2 (Science, 19 April 2019, p. 222)، على ما يبدو بسبب الطريقة التي تولد النمذجة بها الغيوم، خاصة فوق المحيط الجنوبي. ولكن هذه النمذجات الحديثة تكافح لإعادة إنتاج مناخ القرن العشرين بدقة، مما يقوض مصداقيتها. ويقول روبرت كوب Robert Kopp -الاختصاصي بعلم المناخ من جامعة رُتغيرز Rutgers University في نيو برنزويك، والذي لم يشارك في هذه الدراسة- إن هذه النمذجات تؤدي دورًا مساندا فقط في التقييم الجديد. ويقول: “لدينا الآن ما يكفي من خطوط الأدلة المستقلة التي تغنينا عن الحاجة إلى استخدام النمذجات المناخية كدليل مستقل”.

انطلقت دراسة البرنامج WCRP من ورشة 2015 في شلوس رنبيرغ Schloss Ringberg، قلعة في جبال الألب البافارية. وكان العديد من المشاركين غير راضين عن إجراءات الهيئة IPCC المعنية بتغير المناخ وأرادوا أن ينظروا في الكيفية التي قد تحدد بها الآليات الفيزيائية حدود نطاق الحساسية. وقتها قال بيورن ستيفنز Bjorn Stevens، الاختصاصي بعلم الغيوم من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية Max Planck Institute for Meteorology، والذي حرر تقرير البرنامج WCRP مع ساندرين بوني Sandrine Bony من معهد بيير سيمون لابلاس  Pierre Simon Laplace Institute: “اعملوا على النهايات بدلا من المنتصف”. ووافق شيروود ومارك ويب Mark Webb، الاختصاصي بعلم المناخ من مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة، على قيادة الجهود.

 وأول خط من الأدلة التي نظروا فيها كان الاحترار في العصر الحديث. منذ بدء حفظ السجلات في القرن التاسع عشر، فقد ارتفع متوسط درجات حرارة السطح بمقدار 1.1 سْ. واستمرار هذا الاتجاه في المستقبل سيؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأطراف الدنيا من النطاق. ولكن الملاحظات الأخيرة أظهرت أن الكوكب لا يحتر بانتظام؛ على وجه الخصوص، بالكاد لامس الاحترار أجزاء من شرق المحيط الهادي والمحيط الجنوبي، حيث ترتفع المياه الباردة والعميقة وتمتص الحرارة. في نهاية المطاف، تشير النمذجات وسجلات المناخ القديم إلى أن هذه المياه ستصبح دافئة – ليس فقط خسارة المصرف الحراري Heat sink، ولكن أيضًا تحفيز تكوين السحب فوقها مما سيحبس المزيد من الحرارة. وتقول كيت مارفل Kate Marvel، الاختصاصية بعلم المناخ من معهد غودارد لدراسات الفضاء Goddard Institute for Space Studies التابع للوكالة ناسا، إن تعديل توقعات درجة الحرارة لهذه الحقيقة ينقض تقديرات الحساسية المنخفضة.

وفي الخط الثاني، فحص الفريق ردود أفعال مناخية فردية. وبعضها؛ مثل تأثير الاحترار لبخار الماء، معروفة جيدًا. ولكن الغيوم التي قد تبرد الكوكب أو تدفئه اعتمادًا على الكيفية التي تعكس بها أشعة الشمس والحرارة المحبوسة، كانت منذ فترة طويلة عاملا يصعب التنبؤ بتأثيره. فعلى وجه الخصوص، يريد علماء المناخ فهم أسطح السحب الطبقية Stratocumulus clouds التي تتكون قبالة السواحل. فإذا امتدت أكثر كاستجابة للاحترار، كما يعتقد البعض، فقد يكون لها تأثير التبريد.

وقبل عدة سنوات حددت مجموعة من النمذجات السحابية عالية الدقة اثنين من ردود الأفعال التي قد يكون لها تأثير معاكس، وترقّق الغيوم جعل الاحترار أسوأ. وفي النمذجات سمحت درجات الحرارة المرتفعة لمزيد من الهواء الجاف باختراق السحب الرقيقة من الأعلى، مما منعها من التكثف. وفي الوقت نفسه، احتجزت مستويات أعلى من غاز CO2 الحرارة قرب قمم الغيوم، مما خفف من الاضطراب الذي يدفع إلى تكوين المزيد من الغيوم. وقد رصدت الأقمار الاصطناعية منذ ذلك الحين هذه الديناميكيات بالفعل في الأجزاء الأكثر دفئًا من المتوسط في الغلاف الجوي. ويقول ثورستن موريسين Thorsten Mauritsen، الاختصاصي بعلم المناخ من جامعة ستوكهولم Stockholm University: “هناك إجماع متزايد على أن ردود الأفعال [السحابية] إيجابية، لكنها ليست كبيرة جدًا”.

وفي الخط الثالث، اطلع الفريق على سجلات من مناخين سابقين – منذ 20 ألف سنة، في ذروة العصر الجليدي الأخير، وفترة دافئة قبل ثلاثة ملايين سنة، كانت آخر مرة تكون فيها مستويات غاز CO2 في الغلاف الجوي مماثلة لمستواها اليوم. و تشير الدراسات الحديثة إلى أن حساسية المناخ ليست خاصية ثابتة للكوكب، ولكنها تتغير بمرور الوقت. وخلال الفترات الدافئة، على سبيل المثال، ربما أدى غياب الصفائح الجليدية إلى زيادة الحساسية. فقد تمكن الفريق من تحديد الحساسيات البالغة 2.5 سْ و3.2 سْ في الفترات الباردة والدافئة على التوالي وذلك اعتمادا على سجلات درجات الحرارة القديمة ومستويات غاز CO2 الفريق. وتقول جيسيكا تيرني Jessica Tierney، الاختصاصية بعلم المناخ القديم من جامعة أريزونا University of Arizona، والتي لم تشارك في تحضير التقرير: “إنه تقرير شامل حقًا”. وتقول إنه حتى في أبرد حالة مناخية، فإن احتمال حساسية أقل من 2 سْ هو احتمال مهمل.

 كان تجميع خطوط الأدلة الثلاثة مهمة ضخمة. ولكن مارفل يقول إن ربطها معًا للحصول على تنبؤ موحد كان أكثر صعوبة. فقد استخدم الفريق الإحصاء البايزي Bayesian statistics “لتكسير حسابات” مجموعة البيانات معا، مما سمح للباحثين باختبار الكيفية التي تؤثر بها افتراضاتهم في النتائج. ويقول تيرني إن “الميزة الحقيقية” للإحصاء البايزي، هي الكيفية التي تسمح بها بتغذية حالات عدم اليقين من كل مرحلة في النتيجة النهائية. ويقول مارفل إن آراء المؤلّفين غالبًا ما كانت متعارضة. ويضيف قائلا: “لقد كانت عملية طويلة ومؤلمة”. ويقع حد النطاق النهائي في فترة ثقة Confidence interval تعادل 66%، يطابق النطاق “المحتمل” التقليدي للهيئة IPCC. وقد حسب فريق البرنامج WCRP أيضًا فترة ثقة بنسبة 90%، تتراوح من 2.3 سْ إلى 4.7 سْ، أي أن ارتفاع درجة الحرارة فوق 5 سْ هو ذو احتمال طفيف جدا.

وعلى أي حال، فإن التقرير يشير إلى نقطة أساسية بسيطة، كما يقول شيروود: مضاعفة انبعاث غاز CO2 يضمن الاحترار بما هو أكثر من 2 سْ. ويضيف قائلا: “عند النظر إلى الخطوط الثلاثة الرئيسية من الأدلة، يكون من الصعب جدا قبول الحدود الدنيا من الحساسية المناخي”.

“نحن متقدمون بسنوات ضوئية عن المرحلة التي كنا فيها عام 1979” ريتو كنوتي ، المعهد ETH

 

في السنوات الأخيرة، تضاءلت معطيات عدم يقين أخرى في مستقبل المناخ أيضًا: يبدو من غير المحتمل أن تصل الانبعاثات العالمية إلى أسوأ السيناريوهات التي ساعدت الهيئة IPCC على صياغتها قبل 15 سنة، مما يستبعد بعض توقعات الاحترار الشديد. يقول ريتو كنوتي Reto Knutti، المؤلف المشارك والاختصاصي بعلم المناخ من المعهد الفدرالي للتكنولوجيا ETH Zurich (اختصارا: المعهد ETH) في زيوريخ: “نحن متقدمون بسنوات ضوئية عن المرحلة التي كنا فيها عام 1979”.

للأسف، فإن سنوات العمل اللازمة لتحقيق ذلك اليقين جاءت بتكلفة: أربعة عقود من الانبعاثات الإضافية والاحترار العالمي، بلا هوادة.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى