فلك وعلم الكونيات

هل الكون واعٍ؟ يبدو الأمر مستحيلاً إلى أن تُجري العمليات الحسابية

 السؤال عن الكيفية التي يُولِّد بها الدماغُ التجربةَ الشخصية هو السؤال الأصعب على الإطلاق. غير أن علماء الرياضيات يعتقدون أنه يمكنهم المساعدة، لكن محاولاتهم الأولى أتت باستنتاجٍ مذهلٍ

بقلم:     مايكل برووكس

ترجمة: محمد الرفاعي

يُسمونها بـ ” فعالية الرياضيات غير المعقولة” Unreasonable effectiveness of mathematics. فقد صاغ الفيزيائي يوجين ويغنر Eugene Wigner هذه العبارة في ستينات القرن الماضي ليُلَخِّصَ الحقيقة المثيرة للفضول ومفادها: أنه بمجرد التلاعب بالأرقام يُمْكِننا وصف كامل سلوك الظواهر الطبيعية وتوقعها بوضوحٍ مذهل، ابتداءً من حركة الكواكب وتصرف الجسيمات الأساسية Fundamental particles الغريب وصولاً إلى نتائج اصطدام  ثقبين أسودين على بعد بلايين السنوات الضوئية. والآن، يتساءل البعض عمّا إذا كان باستطاعة الرياضيات أن تنجح حيث فشل الجميع، وتكشف ما يُمَكِّنُنا من فهم قوانين الطبيعة في المقام الأول.

هذا سؤالٌ كبير. فالسؤال عن الكيفية التي تولِّد بها المادة ُ التجربة المحسوسة Felt experience هو إحدى أصعب المسائل التي نعرفها. وبكل تأكيد، فأول نماذج الوعي الرياضياتية Mathematical model of consciousness المُفَصَّلَة أثارت نقاشاً محتدماً حول ما إذا كان بإمكان النموذج أن يخبرنا بأي شيء ذي معنى. لكن، بينما يعمل علماء الرياضيات ليُحَسِنوا أدواتهم ويوسعوا نطاقها لدراسة ما يحدث عميقا داخلنا، فإنهم يجدون أنفسهم أمام نتائج مذهلة.

وليس أقلها: إن ما يكتشفونه يقترح أنه إذا أردنا الوصول إلى وصفٍ دقيقٍ للوعي، فإن علينا أن نضع حدسنا جانباً ونتقبل بأن جميع أشكال المادة غير الحية قد تكون واعية – وحتى الكون بمجمله قد يكون كذلك. ويقول يوهانس كلاينر Johannes kleiner، وهو عالم رياضياتٍ من مركز ميونيخ للرياضيات الفلسفية Munich Centre for Mathematical Philosophy في ألمانيا: “قد يكون هذا بداية ثورةٍ علميةٍ”.

إذا كان الأمر كذلك، فهو أمرٌ قد طال انتظاره. فقد تفكر الفلاسفة في طبيعة الوعي لألفي عام، دون أن يتوصلوا إلى شيء. وبعدها، منذ نصف قرنٍ من الزمن، تدخل علماء البيولوجيا. وقد اكتشفوا وجود ارتباطٍ بين نشاط خلايا الدماغ وحالات تجربة الوعي الفردية والتي تُعرف بالكيفيات المحسوسة Qualia. ولكن الحقيقة المرّة هي أن علم الأعصاب لم يقربنا من الإجابة عن سؤال: كيف تولِّد الخلايا العصبية (العصبونات) Neurons الشعور بالفرح أو الغضب، أو برائحة القهوة.

هذا ما وصفه الفيلسوف ديفيد تشالمرز David Chalmers بـ “مشكلة الوعي الصعبة” Hard problem. وتنبع صعوبتها الفريدة من الطبيعية الشخصية المتأصلة في التجربة المحسوسة. فمهما كانت، فإنها ليست شيئاً بالإمكان لمسه وقياسه. وقد دعى أحد الفلاسفةِ الوعيَ بالـ “الشبح في الآلة” Ghost in the machine، ويظن بعض الأشخاص بأننا لن نتمكن من إخراجه Exorcise.

لكن، وكما أشار ويغنر، حققت الرياضيات أرقاماً قياسيةً في التعامل مع المشكلات الصعبة. ويُرَدُّ ذلك إلى قدرتها على ترجمة المفاهيم إلى عباراتٍ منهجيةٍ ومنطقيةٍ يمكنها أن تأتي برؤىً لم يكن يمكن كشفها بمجرد الحديث عن الأشياء بلغة البشر الفوضوية. ويقول كلاينر: “قد يساعدنا هذا على قياس تجاربَ كشمّ القهوة بطرقٍ لن تكون ممكنةً إن اعتمدنا على اللغة بمحضها”.

ولهذا السبب بدأ هو وشين تول Sean Tull، عالم الرياضياتٍ من جامعة أكسفورد University of Oxford ، بصياغة معادلات رياضياتية تضع أساس نظرية الوعي الأولى، وربما يمكن الجدل في أنها الوحيدة، ذات الأساس الرياضياتي، حتى وإن لم يكن مكتملاً (انظر: نماذج التجربة). وقد ولِدَتْ فِكْرَةُ نظرية المعلومات المُدْمَجَة Integrated information theory (اختصاراً: النظرية IIT) منذ أكثر من عقد على يد جيوليو تونوني Giulio Tononi، وهو عالم أعصابٍ من جامعة ويسكونسن University of Wisconsin. وفكرته الأساسية مبنية على أن وعي نظامٍ ما ينشأ من طريقة انتقال المعلومات بين أنظمته الفرعية.

وإحدى طرق تخيل هذه الأنظمة الفرعية هي اعتبارها جزراً، تحتوي كل واحدةٍ منها على مجموعةٍ من الخلايا العصبية. فهذه الجزر مرتبطةٌ  ببعضها بمسارات تتدفق فيها المعلومات. ويقول تونوني إنه لكي يظهر الوعي، يجب على تدفق المعلومات هذا أن يكون معقداً بما فيه الكفاية لجعل الجزر معتمدةً على بعضها. ويجب أن يؤثر تغيير تدفق المعلومات من جزيرةٍ في حالة ومخرجات جزيرةٍ أخرى. ومن حيث المبدأ، يسمح لك هذا بوضع رقمٍ يدل على درجة الوعي: قد تحدد كميته عن طريق قياس مقدار اعتماد مخرجاتِ جزيرةٍ على المعلومات المتدفقة من جزرٍ أخرى. وهذا يزودنا بطريقة لقياس مدى جودة نظامٍ ما في دمج المعلومات، قيمةً تُسمى “فاي” Phi.

إذا لم يكن هناك اعتمادٌ على التدفق بين الجزر، فستكون قيمة فاي صفراً ولن يكون هناك وعي. ولكن إذا كان خنق أو قطع التواصل يسبب اختلافاً في كمية المعلومات التي تدمجها وتبثها، فحينها تكون قيمة فاي فوق الصفر. وكلما زادت قيمة فاي، زاد الوعي الذي يُظهره النظام.

ميزةٌ مهمة أخرى في النظرية IIT  تُعرف بفرضية الاستبعاد Exclusion postulate، وتقول إن المجموعة لن تُظْهِرَ وعياً بوضوحٍ إلا إذا كانت قيمة فاي “كبرى” Maximal. ويعني هذا أن درجة وعيها يجب أن تكون أكبر من درجة الوعي التي يمكن إرجاعها إلى أي جزءٍ منها، وأكبر في الوقت نفسه من أي درجة وعيٍ لأي نظامٍ تقعُ ضمنه. وعلى سبيل المثال، فإن أيّ وكلَّ جزءٍ من الدماغ قد يمتلك وعياً مُصَغَّراً Micro-consciousness. لكن، عندما يزداد وعي جزءٍ ما، كما يحدث مثلاً عندما يستفيق شخصٌ من التخدير، فإن الوعي المُصَغَر يُفْقَد. وفي النظرية ITT ، النظام الذي له أعلى قيمة فاي هو الوحيد الذي يُظْهِرُ وعيًا نُسَجِلُهُ على أنه تجربة Experience.

وقد اكتسبت الفكرة مؤيدين منذ أن اقترحها تونوني. ويقول دانيل بور Daniel Bor من جامعة كيمبريدج University of Cambridge: “نظرياً، إنها جذابة”. “لدينا هذا الارتباط بين الوعي والذكاء: يبدو أن الكائنات القادرة على التعرف على نفسها في المرآة هي الأذكى أيضاً. لذا، فإن بعض الارتباط بين الوعي والذكاء يبدو أمرًا منطقيًا “. كما يرتبط الذكاء بجمع المعلومات ومعالجتها. ويقول بور: “هذا يعني أنه بإمكانك أيضاً أن تستنتج أن الوعي مرتبطٌ بطريقةٍ ما بمعالجة المعلومات ودمجها”.

ويبدو أن هذا الأمر منطقي إذا أخذنا بالحسبان ما نعرفه عن الوعي في الدماغ البشري. إذ يتدنى إذا تعرضت القشرة المخية للضرر، على سبيل المثال. وفي هذه المنطقة عددٌ قليلٌ نسبياً من الخلايا العصبية لكنها ذات ترابطٍ عالٍ فيما بينها، فتكون قيمة فاي الخاصة بها عاليةً طبقا للنظرية IIT . وفي المقابل، يوجد عددٌ أكبر من الخلايا في المخيخ Cerebellum، إلا أنها نسبياً غير مترابطة. وتتنبأ النظرية IIT بأن الضرر الذي يلحق بالمخيخ قد يكون قليل التأثير في تجربة الوعي، وهو ما تظهره التجارب فعليا.

لكن النظرية IIT أقل قدرةً على الإقناع عندما يتعلق الأمر ببعض التفاصيل. وقيمة فاي يجب أن تنخفض عندما تخلد إلى النوم أو تُهَدَّأٌ باستعمال مخدرٍ عام على سبيل المثال، لكن الأبحاث في مختبر بور لا تظهر ذلك. ويقول بور: “إما أن تزداد أو تبقى على حالها”. وتفسير “لمَ يُولِّدُ تدفق المعلومات تجربةً مثل شمِّ القهوة” هو أمرٌ صعب حله. إذ تُصَوِّرُ النظرية IIT تجربة الوعي على أنها نتيجةٌ لـ “بنىً مفاهيمية” Conceptual structure تتشكل بترتيب أجزاء الشبكة المعنية، لكن العديد منا يجد هذا التفسير معقداً وغير مرضٍ.

والفيلسوف جون سيارل John Searle هو أحد منتقدي النظرية IIT . ويقول إنها تتجنب سؤال “لمَ وكيف ينشأ الوعي”، وتقدم عوضاً عن ذلك اقتراحاً مثيراً للجدل يقول إن الوعي هو ببساطةٍ منتجٌ جانبيٌ لوجود المعلومات. ولهذا السبب يقول عنها: “لا يبدو أنها اقتراحٌ علميٌ جاد”.

وقد يكون أهم الانتقادات المقلقة الموجهة إلى النظرية IIT ، بوصفها نظريةً رياضياتية، يخصُ تدني وضوحها بشأنِ الأرقام التي تُبنى عليها. فعندما يخص الأمر حساب قيمة فاي لكامل نظامٍ معقدٍ كالدماغ، تعطي النظرية وصفةً يكاد يستحيل اتّباعها – أمرٌ يعترف به تونوني نفسه.

ويقول تول: “وفقاً للمعطيات الحالية، يَصْعُبُ جداً حساب قيمة فاي لكامل الدماغ”. قد يكون هذا تقليلاً من حجم الموقف. واستنتج الباحثون أن حساب قيمة فاي للـ 86 بليون خلية عصبية المكونة للدماغ باستعمال الطريقة الحالية سيستغرق أكثر من عمر الكون. واستنتج بور أن حساب قيمتها لـ 302 خلية عصبية المكون لدماغ الديدان الأسطوانية Nematode باستخدام حاسوبٍ اعتيادي سيستغرق 5 × 1079 عامٍ.

وعندما تحسب قيمة فاي لأشياءٍ لا تتوقع أن تكون واعيةً، تنتج جميع أشكال النتائج الغريبة. فعلى سبيل المثال، سكوت آرونسون Scott Aaronson – فيزيائيٌ نظريٌ من جامعة تكساس University of Texas في أوستن- كان في البداية متحمساً للنظرية ITT، ووصفها بأنها “محاولةٌ جادةٌ جديرةٌ بالتقدير” لمعرفة كيفية الإتيان بأجوبةٍ معقولةٍ عن سؤالٍ يبحث أيَّ الأنظمة الفيزيائية واعيًا. لكنه بعدها بدأ يختبرها.

أخذ آرونسون مبادئ النظرية IIT واستعملها لحساب قيمة فاي لشيءٍ رياضياتي يُدعى مصفوفة ڤانديرموند Vandermonde matrix. وهي عبارةٌ عن شبكةٍ من الأرقامِ قِيَمُهَا مرتبطةٌ ببعضها، ويمكن استعمالها لبناء دارةٍ تشبه الشبكة، تُعرف بدارة رييد سولومون لفك التشفير Reed-Solomon decoding circuit، تُستخدم لتصحيح الأخطاء في المعلومات التي تُقْرَأُ من السي دي CD أو الدي في دي DVD. ووجد أنه إذا كانت دارةَ رييد سولومون كبيرةً بما يكفي؛ فستكون لديها  قيمة فاي هائلة. وإذا زاد حجمها إلى مقياسٍ كبيرٍ بما فيه الكفاية، فإن إحدى هذه الدارات قد تصبح أكثر وعياً من الإنسان بكثيرٍ.

ونجد المشكلة نفسها في ترتيبات نظم معالجة معلوماتٍ أخرى، ويشير آرونسون: قد تكون لديك معلوماتٌ مدمجة، ذات قيمة فاي عالية، لكنها لا تولِّد أي شيء يمكن أن نعتبره وعياً. واستنتج أن النظرية IIT تتنبأ بشكلٍ لا يمكن التهرب منه بوجود كيمةٍ هائلةٍ من الوعي في أنظمةٍ فيزيائيةٍ يَرفضُ أيّ شخصٍ عاقلٍ اعتبارها “واعيةً” على الإطلاق.

تراجع آرونسون عن آرائه حول النظرية، لكن لا يرى الجميع أن الدارة الواعية المشابهة للشبكة تمثل مشكلةً لا حل لها. فبالنسبة إلى كلاينر، الأمر ببساطةٍ نتيجةٌ لطبيعة المعضلة: تنقصنا المعلومات لأن أي تحليلٍ للوعي يعتمد على التعبير الذاتي عنه وعلى الحدس. يقول: “لا يمكننا الحصول على تعبيرٍ من شبكة، هذه هي المشكلة”.

عوضاً عن التخلي عن نموذجٍ واعدٍ، يرى كلاينر أننا بحاجةٍ إلى توضيح وتبسيط الرياضيات الكامنة وراء النظرية. ولهذا السبب انطلق هو وتول محاولَين أن يحددا المكونات الرياضياتية الضرورية للنظرية IIT ، مقسمَين إياها إلى ثلاثة أقسام. أولاً، الأنظمة الفيزيائية Physical systems التي تُرَمِّزُ المعلومات. تليها مظاهر تجربة الوعي Conscious experience  أو “فضاءاتها” Spaces المختلفة. وأخيراً، لبنات البناء الأساسية التي تربط هذين الاثنين: “مجموعة الأنماط” Repertoires السبب والنتيجة.

وفي فبراير  نشرا مسودة أوليةً من دراسةٍ تصف الكيفية التي تربط بها هذه المكونات بطريقةٍ تؤمن آليةً متماسكةً منطقياً لتطبيق خوارزمية النظرية IIT لإيجاد قيمة فاي. ويقول كلاينر: “الفكرة الأساسية محددةٌ الآن بوضوحٍ كافٍ لنتمكن من التخلص من المشكلات التقنية”.

ويطمحان إلى أن يصبح علماء الرياضيات قادرين على إنتاج نماذج وعيٍ جديدةٍ انطلاقاً من المقدمات المنطقية النظرية IIT – أو ربما يقدمون ما هو أفضل من ذلك؛ نظرياتٍ منافسة. ويقول كلاينر: “سنكون مسرورين بالمساهمة في تطوير النظرية IIT ، لكننا نأمل كذلك بأن نساعد على تطوير وتوحيد النماذج العديدة الموجودة. وفي النهاية، قد نقترح نماذج أخرى”.

إحدى نتائج هذا الدافع قد يكون عبارة عن اختبار لهذا المفهوم، يَطْرَحُهُ تطبيقٌ النظرية IIT على الدارات الشبيهة بالشبكة، مفاده أن المادة غير الحية قد تكون واعية. ادعاءٌ كهذا يُرْفَضُ فوراً، لأنه يبدو مساوياً لمفهوم “الروحية الشاملة” Panpsychism، وهي رؤيةٌ فلسفية تقترح أن الوعي خاصيةٌ أساسيةٌ لكل أشكال المادة. لكن، ماذا لو كان في ذلك شيءٌ من الصواب؟

“قد تمتلك الجسيمات أو الكيانات الأساسية الأخرى أشكالاً بسيطةً من الوعي تندمج معاً لتشكل وعينا”

 

لنكون واضحين، لا أحد يقول إن للجسيمات الأساسية مشاعر. ولكن داعمي الروحية الشاملة يقولون إنها قد تمتلك ما يشبه الوعي، إلا أنّه مُجَزَّأ، ويمكن أن يندمج ليولد مستويات الوعي المختلفة التي تظهرها الطيور أو الشبمانزي أو نحن. تقول هيدا هاسيل مورش Hedda Hassel Mørch من جامعة إنلاند نورواي للعلوم التطبيقية Inland Norway University of Applied Sciences في إلڤيرم: “قد تكون لدى الجسميات أو الكيانات الفيزيائية الأساسية الأخرى أشكالاً بسيطةً وأساسيةً من الوعي ، لكن وعي الإنسان والحيوان المعقد قد يكون مؤلفصا أو نابعًا منها”.

قد تكون فكرةُ أن للإلكترونات شكلاً من الوعي صعبةَ التصديق، لكن مناصري الروحية الشاملة يقولون إنها  توفر المقاربة المقبولة الوحيدة لحل المشكلة الصعبة. ويظنون أن علينا ألا نحاول تفسير الوعي بالاعتماد على عناصر غير واعية، بل أن نسأل أنفسنا كيف يمكن لأشكال الوعي الأولية أن تجتمع سويةً لتعطي تجربة الوعي المعقدة التي نخوضها.

بوضع هذا في الاعتبار، تعتقد مورش أن النظرية IIT هي على الأقل مكانٌ جيدٌ لنبدأ منه. وترى أن مقاربتها العامة، المبنيّة على تحليل منظور الشخص الخاص به في سياق ما ندركه عندما تتفعل مناطق معينةٌ في الدماغ، واستعمال ذلك لتطوير قيودٍ على ما يمكن للنظام الفيزيائي المرتبط بها أن يكون، قد تكون “غالباً صحيحة”. وعلى الرغم من أن النظرية IIT بصيغتها الحالية لا تقول بوضوحٍ إن كل شيءٍ واعٍ– لأن الوعي ينشأ في شبكةٍ لا من مكوناتٍ فردية- لكن من الممكن أن تشير نسخةٌ معدلةٌ إلى ذلك. ويقول كلاينر: “أعتقد أن الأفكار الأساسية المُشَكِّلَةَ النظرية IIT متوافقةٌ بالكامل مع الروحية الشاملة”

ربما يتلاءم هذا مع دلالاتٍ من مجالٍ آخر تقول إن العلاقة بين وعينا والكون ربما لا تكون بسيطةً كما نتصور، خذ مثلاً مشكلة القياسات الكمية. وتقول نظرية الكم Quantum theory؛ وهي طريقتنا في وصف التفاعلات الأساسية بين أشكال المادة، أنه قبل أن تقيس شيئاً كمياً فإن له العديد من القيم، مُتَضَمَنَةً في كيانٍ رياضياتي يُسمى الدالة الموجية Wave function. فما الذي يسبب انهيار كل هذه الاحتمالات إلى شيءٍ محددٍ و”حقيقي”؟ تقول إحدى وجهات النظر إن وعينا يفعل ذلك، وهو ما قد يعني أننا نعيش فيما أسماه الفيزيائي جون ويلير John Wheeler “كوناً تشاركياً” Participatory universe.

“ربما اسْتُبْعِدُ وعي الكون نتيجة تطور وعينا”

 

هناك العديد من المشكلات المحيطة بهذه الفكرة، ليس أقلَها السؤالُ عما سبب الانهيار قبل تطور العقول الواعية. يجب على نموذج الوعي الرياضياتي القابل للتطبيق؛ الذي يسمح للوعي بأن يكون من خصائص المادة، أن يوفر حلاً لهذه المشكلة على أقل تقديرٍ.

وهناك أيضاً اقتراح عالم الرياضيات روجر بنروز Roger Penrose من جامعة أكسفورد القائل إن وعينا هو حقيقةً “سببُ وجود الكون”. ويعتمدُ في ذلك على حدسٍ يخص عيوباً في نظرية الكم. لكن، إذا كان هناك أي أساسٍ لهذه الفكرة، فإن إطار النظرية IIT – وافتراض الاستبعاد على وجه الخصوص- يقترح أن تدفق المعلومات بين المستويات المختلفة لمحتويات الكون قد يخلق أنواعاً من الوعي تتقدم وتتراجع اعتماداً على ما يوجد في أي وقتٍ محددٍ من الزمن. فربما أدى تطور وعينا، إن استخدمنا مصطلحات النظرية IIT ، إلى “استبعاد” Excluded وعي الكون.

وربما لا. فهناك أسبابٌ منطقيةٌ تدفعنا إلى الاستمرار بالتشكيك في قدرة الرياضيات على فهم الوعي، هذا عدا عن تبعات فهمنا للفيزياء. ويبدو أننا نتعامل مع شيءٍ معقدٍ لدرجةٍ تجعل الحسابات غير ممكنةٍ حسب رأي فيل مغواير Phil Maguire، عالم حاسوب من جامعة ماينوث Maynooth University في إيرلندا؛ ويقول: “تحليل عملية الوعي أمرٌ معقدٌ جداً لدرجةٍ تجعله غير ممكنٍ”.

هذا، ويُعَبِّرُ آخرون عن شكوكٍ مشابهةٍ تتعلق بقدرة الرياضيات على تحقيق المهمة، حتى ولو من حيث المبدأ فقط. وتقول سوزان شنايدر Susan Schneider، وهي فيلسوفةٌ وعالمة معرفية cognitive scientist  من جامعة كونيتيكت University of Connecticut: “أعتقد أن الرياضيات قد  تساعدنا على فهم الأساس العصبي للوعي في الدماغ، وربما وعي الآلة، لكنها ستفشل في شيءٍ دون شك: النوعية الداخلية المحسوسة للتجربة”.

والفيلسوفٌ لفيليب غوف Philip Goff  من جامعة دورهام Durham University  في المملكة المتحدة  لديه رؤيةٌ مشابهة. إذ يشير إلى أن الوعي يتعامل مع الظواهر الطبيعية في سياق خواصها التي يمكن إدراكها –رائحة القهوة أو طعم النعناع على سبيل المثال- ولا يمكن التعبير عنها ضمن إطارٍ موضوعيٍ كميٍّ صرف. ويقول غوف: “عند التعامل مع الوعي، نحتاج إلى ما هو أكثر من الأدوات العلمية القياسية الخاصة بالمشاهدة العامة والرياضيات”.

ولكن كلاينر لم يستسلم. وهو حاليا يطور نموذج رياضيّاتي بإمكانها أن تشمل التجارب الخاصة التي لا يمكن وصفها. ويخضع هذا النموذج الآن لمراجعة الأقران. وحتى إن لم يعمل، فلا بد أن ينجح شيءٌ ما حسب قوله. يقول: “أنا متأكدٌ بالكامل من أن دمج التجربة والفلسفة والرياضيات قد  يساعدنا على الانطلاق قدمًا لكشف غموض الوعي”.

نماذج التجربة Models of experience

هناك العديد من النماذج التي تحاول أن تفسر الكيفية التي ينشأ بها الوعي، وهنا أربعةٌ منها.

معلومات مدمجة Integrated information

يرى هذا النموذج أن الوعي ينشأ من طريقة انتقال المعلومات بين مناطق الدماغ المختلفة، أو الأجزاء المختلفة المكونة لأي نظام. ويَدَّعي أنه يُمَكِّنُك من قياس الوعي عن طريق تحديد جودة دمج النظامِ للمعلومات.

ورشة الخلايا العصبية الشاملة Global neuronal workspace

تنص على أن الوعي ينشأ عندما يرسل أحد أجزاء الدماغ إشارةً إلى جزءٍ آخر. فإذا قررتْ القشرة أمام الجبهية Prefrontal cortex أن المعلومات القادمة مهمة بما يكفي، فإنها ترسل رسائل إلى شبكةٍ أوسع تُعرف بـ “الورشة الشاملة” – وهي المنصة التي تظهر فيها التجربة.

مخطط الانتباه Attention schema

يرفض هذا النموذج افتراض أن الوعي يشبه “شبحاً في الآلة” ويقترح تفسيراً ميكانيكاً بديلاً: الوعيُ ناجمٌ عن طريقة قولبة الدماغ لنفسه بغية الانتباه، سواءً للعالم الخارجي أم لحالته الداخلية.

المعالجة التنبؤية Predictive processing

يعامِل الدماغ على أنه آلة تنبؤ تتوقع المدخلات الحسية ليعمل بأفضل صورة ممكنة. وتقول هذه الفكرة إن ما نَعيه، بما في ذلك الإحساس بأنفسنا، غالبا ما يعتمد على ما نتوقع وليس على ما هو كائن.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى