ذكاء اصطناعيفيزياء

لماذا سيعتمد النجاح في الاندماج النووي على الذكاء الاصطناعي

لعقودٍ من الزمن رُوِّجَ لوعدٍ بطاقة اندماجٍ نوويٍ نظيفةٍ وصديقةٍ للبيئة، لكن تطور الذكاء الاصطناعي يعني أن هذا التحدي قد يُكسَبَ أخيراً

بقلم:     أبيغيل بيال

ترجمة: د. محمد الرفاعي

النكتة الكبيرة بخصوص طاقة الاندماج النووي Nuclear fusion energy المستدامة هي أنه كان دائماً على بعد 30 عاماً. وكأي نكتة، فإن فيها  قدرا من الحقيقة. وقد تصدّر حلمُ الحصول على التفاعل الذي يزود الشمس بالطاقةِ الأخبارَ في خمسينات القرن العشرين، أما مع اقتراب الثمانينات؛ فقد كان الرهان الأكبر في العقد الماضي.

ولكن الوقت ينفد. طلبنا على الطاقة يُنهِكُ الكوكب، مستهلكاً موارده ومُخاطِراً بالإضرار بالأرض إلى درجةٍ لا يمكن إصلاحها. وطاقة الرياح Wind energy  والطاقة الشمسية Solar energy وطاقة المد Tidal energy تخفف الأمر قليلاً، لكنها محدودةٌ ولا يمكن التنبؤ بها. واستخدام طاقة الانشطار النووي Nuclear fission energy يترافق مع خطر ذوبان المفاعل Nuclear reactor meltdown والنفايات المشعة Radioactive waste، أما قدرة الطاقة المائية Hydropower؛ فقد تدمر الإيكولوجيا. وفي المقابل، فإن عملية الاندماج النووي  قد توفر طاقةً غير محدودةٍ تقريباً دون إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون أو إنتاج نفايات مشعة. إنه مصدر الطاقة الحلم. والسؤال المتكرر: هل يمكننا تحويله إلى واقع؟

أخيراً ربما ننجح الآن. وهذا ليس فقط بسبب مجموعة الشركات الناشئة التي يزداد إحساسها بظهور فرص مغرية قريبةً في السوق، وتتحدى إلحاح المشروعات العملاقة التقليدية. وليست فقط الطرق والمواد والتقنيات المبتكرة التي تعزز التفاؤل بقدرتنا أخيراً إتقان تعقيدات الاندماج الصعبة. إبل أيضاً بسبب دخول عنصر جديدٍ، قد يغير قواعد اللعبة: الذكاء للاصطناعي Artificial intelligence (اختصارا: الذكاء الاصطناعي AI). إذ يمكنه أن يختصر السنوات الـثلاثين، إذا وضع في الأيدي المناسبة.

الاندماج النووي هو أكثرمصادر الطاقة في الكون انتشارا، وأحد أكثر الطاقات  كفاءةً: بضعة غراماتٍ فقط من الوقود تطلق كمية الطاقة نفسها التي تطلقها بضعة أطنانٍ من الفحم. وأصل هذه الكميات الهائلة من الطاقة شيءٌ متناهٍ في الصغر: نواة Nucleous الذرّة Atom. والذرّة مكونة من بروتوناتٍ Protons مشحونةٍ بشحنةٍ موجبة ونيتروناتٍ Neutrons متعادلةٍ الشحنة تدور حولها إلكتروناتٌ Electrons مشحونةٌ بشحنةٍ سالبة، وتشكل كتلة النواة معظم كتلة الذرّة.

يمكن لنواتي ذرّتين صغيرتين أو أكثر إذا التقتا في الشروط المناسبة أن تندمجا لتشكلا نواةً أكبر، مطلقتين كميةً هائلةً من الطاقة في هذه العملية. وعلى مقياسٍ هائل، هذا ما يحدث في لب نجومٍ كشمسنا، فتتزود بالطاقة التي تحتاج إليها لتشع لبلايين السنين.

وعلى مدى عقود من الزمن أغرت إمكانات الاندماج الهائلةُ العلماءَ ، لكنه لا يزال من الصعب تطبيقها على الأرض. ويتطلب الأمر تشكيل “بلازما” Plasma من نوىً مجردة في درجات حرارةٍ وكثافةٍ هائلتين، وهو أمرٌ يصعب تحقيقه والسيطرة عليه (انظر: لماذا الانصهار صعبٌ جداً).

حالياً، الطريقة الأكثر شعبيةً هي تقنية الاندماج بالحصر المغناطيسي Magnetic confinement fusion device (اختصارا: التقنية MCF). ففي خمسينات القرن العشرين، في أيام الاندماج الأولى، كان شكل التصميم المفضل دوناتٍ Doughnut ملتويةً تُعرف بالستيلاراتور (المفاعلات النجمية ) Stellarator.  وتَخْلُقُ هذه الآلات مجالاتٍ مغناطيسيةٍ معقدةً يمكنها نظرياً المحافظة على البلازما المشحونةِ مستقرةً، لكن شكلها المعقد جعل عملية بنائها صعبة.

وفي سبعينات القرن العشرين تحول الاهتمام إلى تصميم شكلٍ أبسط: حلقاتٍ مجوفةٍ كبيرةٍ تُسمى توكاماك Tokamak تُرْفَعُ حرارة البلازما المحصورة فيها إلى مئات ملايين الدرجات. فالقوى المطلوبة لإبقاء هذه البلازما  تحت السيطرة قد  تُنْتَجَ فقط باستخدام مغناطيسات قويةٍ فائقة الموصلية Superconducting magnets تُبَرَّدُ إلى ما يَقْرُبُ من الصفر المطلق Absolute zero؛ مما يُشَكِلُ أشد تدرج لدرجات الحرارة في الكون .

“تشكِّل مفاعلات الاندماج أكبر تدرج لدرجات الحرارة في الكون المعروف”

 

حققت أدوات التقنية MCF هذه بعضَ النجاحات على مر السنوات. ففي عام 1997 استطاعت تجربة مفاعل الحلقة الأوروبية المشتركة Joint European Torus (اختصاراً: المفاعل JET)، بالقرب من أكسفورد في المملكة المتحدة، أن تحقق رقماً قياسياً فيما يخص كمية الطاقة المنتجة من تفاعل اندماج، منتجةً 16 ميغاوات من طاقة الاندماج باستخدام 24 ميغاوات. وهذا أقرب ما يمكن تحقيقه إلى التعادل، إنتاج طاقةٍ مساويةٍ للطاقة المدخلة، لكن التفاعل لم يدمْ إلا لبضعة أجزاءٍ من المئة من الثانية.

حينها بدا تحقيق الهدف قريبا، إلا أن حالات عدم ثباتٍ غريبةً ظهرت في بلازما المفاعل JET فبرَّدَت لب المفاعل وعرقلت الخطط. وحاليا، وبعد سنواتٍ من التطوير، وإجراء تغيراتٍ في التصميم والمواد، عاد المفاعل من جديد. وفي نوفمبر 2020 يُحَضِرُ المفاعل JET لإطلاق تفاعل الاندماج الأول منذ 20 سنة، طامحاً إلى كسر الرقم السابق والمحافظة على استمرار التفاعل لفترةٍ أطول.

وفي غضون ذلك، بدأت مفاعلات أخرى  الدخول في المجال. ففي عام 2018 حافظ توكاماك فائق الموصلية المتطور التجريبي في الصين Experimental Advanced Superconducting Tokamak (اختصاراً: المفاعل EAST) على البلازما عند درجة حرارة 15 مليون سيليزية لمدة 100 ثانية، وهي أطول عملية حصرٍ Confinement حتى وقتنا هذا.

ومن المخطط أن يبدأ المفاعل EAST العمل مجدداً في عام  2020، لكنه مقارنة بسائر المفاعلات ليس إلا منافساً صغيراً. فالخيار المفضل والمدعوم على نطاقٍ كبير في السباق هو المفاعل الحراري النووي التجريبي العالمي International Thermonuclear Experimental Reactor (اختصاراً: المفاعل ITER). ففي عام 1985 أُنشِئ كتعاونٍ بين 31 دولة بما فيها الصين و الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، وكان من المتوقع أن يبدأ المفاعل ITER التجارب في عام 2016، لكن تحدياتٍ فيما يخص التصميم تعني أنه قد يظل قيد الإنشاء في فرنسا حتى عام 2025. ويقول هوارد ويلسون Howard Wilson، من جامعة يورك University of York في المملكة المتحدة: “إن المفاعل ITER هو منشأةٌ أولى من نوعها، سيستغرق الأمر عشر سنواتٍ حتى نتعلم الكيفية التي يمكننا بها تشغيله إلى أقصى أداء”.

أما فريق المفاعل ITER ؛ فيطمح إلى بدء عمليات الاندماج في عام 2035، ويريد تحقيق أهداف كبيرة: تجاوز نقطة التعادل وإنتاج طاقةٍ مقدارها عشرة أضعافٍ مما يستهلكه. وعلى الرغم من التأخيرات، إلا أن هناك ثقةٌ بأن المفاعل ITER سيحقق هذا. ويقول سيمون بينشيز Simon Pinches، رئيس قسم فيزياء البلازما في منشأة المفاعل ITER: “السؤال الآن هو هل لدينا التكنولوجيا الضرورية لإنشاء مصنع طاقةٍ فعالٍ على نطاقٍ اقتصادي؟”

وحتى لو حقق المفاعل ITER  أهدافه، فإن رحلته لن تنتهي قريبا . فالمفاعل ليس مصمماً لتحويل الطاقة التي ينتجها إلى كهرباء. إذ تقوم فكرته على أنه سيمهد الطريق لمفاعلات أخرى لانتاج الطاقة . أحدها مفاعل الهندسة الاندماجية التجريبي الصيني China Fusion Engineering Test Reactor (اختصاراً: المفاعل CFETR)، وهو توكاماك تالٍ للمفاعل EAST وأكبر منه بثلاث مرات، ويُتَوَقع أن يُبنى في عشرينات القرن الحادي والعشرين.

ومع زيادة خطر التغير المناخي، صارت الحاجة إلى إيجاد بدائل للوقود الأحفوري أكثر إلحاحا. وتصادف هذا مع تدفق الابتكارات في صناعة الاندماج، الهدف منها تحويل صناعة مفاعلاتٍ رخيصةٍ ومستدامةٍ إلى صناعة حقيقة خلال سنوات بدلا من عقود. وأهمها كان اكتشاف الموصلات الفائقة التي تعمل في درجات حرارةٍ أعلى، وبذلك يمكنها توليد مجالاتٍ مغناطيسيةٍ قويةٍ دون الحاجة إلى تبريدٍ شديد. وقد سمحت هذه الموصلات الفائقة للمغناطيسات بأن تكون أصغر حجما، وللتوكماك بأن يكون أصغر حجما.

“هناك تدفقٌ في الابتكارات الهدفُ منه تحويل مفاعلات الاندماج إلى مفاعلات رخيصة ومستدامة خلال سنوات”

 

والاكتشافات الحديثة في التكنولوجيا، ابتداءً من تقنيات بناءٍ متطورة إلى الأنظمة الروبوتية التي قد تفحص أجزاء المفاعل وتجري الصيانة الضرورية، جعلت الدخول إلى صناعة الاندماج غير مكلفة. ويقول بينشيز: “انتقل الأمر من كونه نشاطاً أكاديمياً بحتا لا يمكن إلا للمختبرات البحثية التي المدعومة من قبل الحكومة أن تموله، إلى أمر يمكن للأشخاص المستقلين أن يكونوا مستعدين للاستثمار فيه”.

وقد أطلق هذا شرارةَ التنافس بين الشركات الخاصة لتكون أول من يحقق اندماجاً مستداماً. وأحد المنافسين الواعدين الطامحين إلى استغلال فكرة التوكماك مثل المفاعل JET، والمفاعل ITER، والمفاعل EAST هو أنظمة تفاعلات اندماج الكومنويلث Commonwealth Fusion Systems. وهو ناشئٌ من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology، ويموله جزئياً بليونيرات مثل بيل غيتس Bill Gates، وجيف بيزوس Jeff Bezos، وجاك ما Jack Ma وريتشارد برانسون Richard Branson ويهدفُ إلى صناعة مفاعلٍ في العقد القادم. والمنافس الآخر، مثل طاقة التوكماك التابعة لويندرج Windridge’s Tokmak Energy، يهدف أيضاً إلى تزويد الشبكة بالطاقة بحلول عام 2030.

البعض قلقٌ من الوعود التي تقدمها الشركات الخاصة،  إذ يقول توني دوني Tony Donné، مدير البرنامج لدى اتحاد يوروفيوشن EUROfusion، والذي يدير المفاعل JET: “حتى بوجود هذه الشركات التي كانت تعمل منذ فترة طويلة، إلا أنها تعِدُ بإنشاءِ مفاعلٍ بعد عشرة أعوامٍ من الآن”. وإلى حدٍ ما، تقدم مثل هذه الجداول الزمنية لإسعاد المستثمرين. ويقول دوني: “أنا أشك، إلى حدٍ ما، في أنهم سيصنعون مفاعل اندماجٍ أسرع منا”. ويقول بينشيز: “إذا اعتقد الاتحاد أن هناك طريقةً أسهل لإنجاز الأمر، فسيفعلون ذلك”.

سواءً أكان المشروع عاماً أم خاصاً، كل من يصمم التوكماك يواجه المشكلات نفسها. أهمها هو كيفية التعامل مع عدم ثبات Instabilities البلازما. فعندما تُحصَرُ البلازما الساخنة في مجال التوكماك المغناطيسي، فإنها تتصرف بغرابة. أحياناً تَظهر تموجاتٌ Ripples صغيرةٌ كالتي تكون على سطح بحيرة، وفي أحيان أخرى تَقْذِفُ موجات مدٍ هائلةٌ بالبلازما على جدران المفاعل. وهذا كافٍ لبعض الأشخاص كي يبحثوا عن بدائل للتقنية MCF، والتي تعتمد على المحافظة على البلازما مستقرةً لوقتٍ طويل (انظر: يفعلونها بالليزر).

وفي مطلع ثمانينات القرن العشرين غاص بعض الباحثين الساعين إلى بدائل في الماضي، مزيلين الغبار عن الستيلاراتور المهجورة. ويقول أميتافا بهاتاشارجي Amitava Bhattacharjee، من جامعة برنستون Princeton University، إن تصاميمها الأكثرَ تعقيداً تولِدُ أنماط مجالاتٍ مغناطيسيةٍ قادرةً على المحافظة على البلازما مستقرة. وإضافة إلى ذلك، تعني الزيادة في القوة الحاسوبية أنه صار من الممكن إعداد نمذجة تصف سلوك البلازما ضمن تشكيلاتها الأكثر تعقيداً، ومن ثمّ إمكانية صناعة تصاميمَ أكثر فاعليةً. ويقول بهاتاشارجي: “هذا يُحْدِثُ نهضة في أبحاث الستيلاراتور”. وفي الوقت نفسه، تعني المواد وطرق البناء الحديثة أن بناء الستيلاراتور أسهل من ذي قبل.

“قاد الازدياد في القوة الحاسوبية إلى نهضة في أبحاث الاندماج”

 

وعلى الرغم من أن أجهزة الستيلاريتور متأخرةٌ بعقود عن التوكماك، إلا أنها بدأت بالوصول إلى مستواها. ففي عام 2015 بدأ الستيلاريتور ڤيلدستاين 7-إكس Wendelstein 7-X؛ أكبر ستيلاريتور في العالم، العملَ من معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما Max Planck Institute for Plasma Physics في غريفسوالد  بألمانيا، ويستعد للمحافظة على البلازما لمدة 30 دقيقة، ويُتَوقَعُ أن يتحقق هذا الإنجاز في عام 2021، وبعدها، سيكون الهدف البدء بتفاعل الاندماج.

ولا تزال محاولة معرفة الطريقة الأفضل لبناء مفاعل الاندماج عملاً شديد التعقيد ومستهلكاً للوقت.  ويقول بهاتاشارجي: “التوصل إلى التصميم الأمثل للستيلاريتور يتطلب التعامل مع 50 متغيرا حتى الوصول إلى التصميم الأفضل”. ويمكن لعدم ثبات البلازما أن يؤثر في أي تصميمٍ للمفاعل، وفهمُ السلوك المعقد الذي يحدث يحتاج إلى الكثير من البيانات والوقت. ويقول بينشيز: “قد يتطلبُ إجراءُ محاكاةٍ تنبئيةٍ مدمجةٍ بالكامل للمفاعل ITER تمد عبر العديدَ من الأسابيع”.

لهذا السبب صار فيزيائيو البلازما في السنوات الماضية يلجؤون إلى شريكٍ ليساعد على الوصول إلى تصميم مفاعلٍ مستدام: العقول الإلكترونية.  ويقول بهاتاشارجي: “يمكن للذكاء الاصطناعي AI أن يعطينا سرعةً أكبر بكثير واستكشافاً أعمق لمجال الإمكانيات”.

منذ عام 2014 عقدت شراكةٌ بين شركة تي آي إي للتكنولوجيا TAE Technologies (اختصارا: الشركة TAE)، وهي شركةُ أبحاث اندماجٍ في كاليفورنيا، وبين منظومة الذكاء الاصطناعي AI الخاصة بديب مايند DeepMind التابعة لغوغل Google ، بينما تعمل الشركة الكندية جنرال فيوشن General Fusion مع مايكروسوفت Microsoft. ويقول ديفيد إيوينغ David Ewing الذي يعمل في الشركة TAE: إن التطويرات تظهر الآن، بصورةٍ خاصةٍ فيما يتعلق بعمل نمذجة لردة فعل البلازما على تشكيلات حرارةٍ وكثافةٍ ومجالاتٍ مغناطيسيةٍ مختلفة. ويقول إيوينغ: “قبل تطويرنا لنظام تعلم الآلة، كان من الممكن أن يستغرق تحسين أداء تجربةٍ أكثر من شهر…يمكن تنفيذ هذا في غضون ساعاتٍ الآن”.

“الحسابات التي كان من الممكن أن تستغرق شهراً يمكن تنفيذها في ساعاتٍ”

 

مفتاح التسارع هذا هو قدرة الذكاء الاصطناعي على التعرف على الأنماط والتنبؤ بالسلوك المستقبلي. ولا يمكن أن تضع مقياس حرارةٍ  داخل التوكماك لتفهم الكيفية التي يعمل بها، لذا يجب أن تُستَنتَج قيمة الحرارة من خواص أخرى مثل كمية الضوء المنبعث. وقد تكون هذه مهمةً صعبةً على الباحث الإنسان، لكن الذكاء الاصطناعي AI المدرَب على التعامل مع مجموعات البيانات الهائلة يمكن أن يُقَلِلَ الوقت المستغرق بشكلٍ هائل، وأن يزيد الفعالية كذلك. ففي عام 2019 دمج فريقٌ من جامعة برينستون Princeton University بين أسرع حاسوبٍ فائق Supercomputer في الولايات المتحدة وشبكةٍ عصبيةٍ Neural network فتوقعوا اضطرابات البلازما بدقةٍ غير مسبوقةٍ وصلت إلى 95%.

قد يفيد الذكاء الاصطناعي AI المفاعل ITER كذلك. ويقول بينشيز إنه بالنسبة إلى بعض المهام كنمذجة التموجات الصغيرة في البلازما، استطاع الذكاء الاصطناعي أن يسرع العملية بمقدار عشرة ملايين مرة. والأهم الآن هو تحسين سرعة عملية المحاكاة كلها، مما سيسمح للباحثين بالتنبؤ بالمشكلات وتجنبها دون الحاجة إلى إجراء التجارب.

إبداعاتٌ كهذه، والسرعة التي تجري بها الآن، تشيع تفاؤلاً جديداً بأن عصر الاندماج صار أقرب.  ويقول إيوينغ: “في العقد الماضي شاهدنا تقدماً هائلاً في العلم…وهذا، مضافاً إليه ظهور تكنولوجيات دعمٍ حاسمةٍ كالذكاء الاصطناعي AI، صنع صندوق الأدوات المناسبة التي ستمكن لنا الوصول إلى أعتاب تقدّم  جديد”. ولم تنتهِ صلاحية النكتة القديمة عن الاندماج، لكن هذه المرة قد يكون آخر من يضحك أخيرا هم داعموها.

 

لماذا الاندماج صعبٌ جداً

في الظروف العادية لا تندمج النوى بسهولة: إذ تدفع البروتونات المشحونة بشحنة موجبة الموجودة في النواتين بعضها البعض كهروستاتيكياً Electrostatically. إنها تحتاج إلى طاقةً كافيةً للتغلب على هذا العائق وإفساح المجال لقوةٍ أخرى.

والقوة الأخرى تُعرف بالقوة النووية القوية Strong nuclear force، على الرغم من أن تأثيرها في الحقيقةً ضعيف في المسافات الطويلة. وعندما تكون المسافة بين بروتونين أقل من واحدٍ من تريليون جزءٍ من المليمتر، تُثْبِتُ هذه القوة أنها تستحق اسمها، مُشَكِلَةً جذباً يتغلب على التنافر الكهروستاتيكي، مما يسمح للبروتونات بالاندماج.

إطلاق هذه العملية – والأهم من ذلك، جعلها تستمر بالحدوث في تفاعلٍ اندماجيٍ تسلسلي- يتطلب حرارةً وكثافةً هائلتين. ففي نواة الشمس، على سبيل المثال، الحرارة 15 مليون سﹾ والكثافة عاليةٌ لدرجةٍ أن نصف لترٍ من الماء يتسع في ملعقة. وفي هذه الظروف تمتلك الإلكترونات طاقةً كافيةً لتنفصل عن ذرّاتها، تاركةً وراءها سرباً من النوى الموجبة والإلكترونات المشحونة يُسمى البلازما.

تحدث كل أنواع التفاعلات في البلازما النجمية، إلا أن التي تنتج أكبر طاقة تستخدم نواتي نظير Isotopes هيدروجين – ديوتيريوم Deuterium، الذي يحتوي على بروتون واحد ونيترون واحد، والتريتيوم Tritium الذي يحتوي على  بروتون واحد ونيترونين- فتدمجهما لتشكل نواة الهيليوم ونيتروناً عالي الطاقة. عندما ينفذ الهيدروجين يأتي دور الهيليوم والعناصر الثقيلة الأخرى كي تندمج. وعندما تُستَهلك هذه أيضاً، يتوقف الاندماج النووي وينطفئ النجم.

يستغرق الأمر مليون سنةٍ كي يبدأ التفاعل الأولي. إذا أردنا استنساخه على الأرض، فيجب أن نسرّع العملية. وهذا يعني إنتاج بلازما أحرّ بعشر مراتٍ مما هي عليه في مركز الشمس، وهو أحد أهم الأسباب التي تجعل الاندماج صعباً جداً (انظر: المقال الرئيس).

يفعلونها بالليزر

تشكل المفاعلات التي تستخدم التقنية MCF مصب معظم الاستثمارات في الاندماج النووي (انظر: المقال الرئيس)، لكنها ليست الطريقة الوحيدة لإجراء تفاعل الاندماج. وعوضاً عن استخدام المجالات المغناطيسية للمحافظة على بلازما الاندماج منخفضة الكثافة نسبياً مستقرةً، فبإمكانك أن تستخدم الليزر لتضغط كميةً صغيرةً من الوقود في انفجارٍ قصيرٍ وقوي.

تقول ميلاني وينديرج Melanie Windridge، من شركة توكماك،  نعتقد أننا نحتاج إلى طريقةً ما لضغط الوقود، كالظروف الموجودة في مركز الشمس”. ولإجراء ذلك، يُسلَّط ليزرٌ قويٌّ على كرةٍ مضغوطةٍ من النوى القابلة للاندماج بقطر بضع ميليمترات وذلك في تقنيةٍ تُعرفُ بالاندماج بحصر القصور الذاتي Inertial confinement fusion (اختصاراً: التقنية ICF).

يحرق الليزر سطح الكرة مسبباً انفجاراً يُرسِل موجات صدمٍ إلى المركز. وهذا يضغط الوقود إلى كثافاتٍ شديدةٍ، فتصل حرارته إلى 100 مليون سﹾ خلال أجزاءٍ من التريليون جزءٍ من الثانية، فيبدأ تفاعل الاندماج.

والرائد العالمي في هذا البحث هو منشأة الإشعال الوطنيةNational Ignition Facility في كاليفورنيا. وتقول كايت لانكاستير Kate Lancaster، وهي عالمة فيزياء بلازما من جامعة يورك University of York في المملكة المتحدة: “هذا هو المُرَشَحُ الوحيد الموجود الآن… إنه الليزر الوحيد الموجود القادر على الوصول إلى الإشعال، مما ينتج طاقةً أكثر مما يستهلك”. لكن حتى الآن، تعني التعقيدات في الفيزياء أن هذه الإمكانات ما زالت نظرية.

لعقودٍ لم يكن هناك سوى التقنية MCF والتقنية ICF. وتقول وينديرج: “تاريخياً، تمتع هذان الاثنان بالكثير من التمويل… الآن، المشكلة أن هذين المسارين قد توسعا جداً، وهذا يعني أنهما صارا مكلفين جداً”.

وقد بدأت شركاتٌ ناشئةٌ أصغر في مجال الاندماج بالاهتمام في طريقة التقنية ICF ، أحدها فيرست لايت فيوشن First Light Fusion في أكسفورد  بالمملكة المتحدة، والتي تهدف إلى الوصول إلى نقطة التعادل باستخدام آلتها الرابعة في عام 2024.

لكن، هل يكمن الجواب في دمج الطريقتين؟ الشركة الكندية جنرال فيوشن، التي يمولها بليونيرات كجيف بيزوس، المدير التنفيذي لشركة أمازون Amazon، تتبنى تقنيةً تُسمى اندماج الهدف الممغنط Magnetised target fusion (اختصاراً: التقنية MTF). ويقول كريستوفر موري Christofer Mowry، المدير التنفيذي للشركة: “في التقنية  MTF تُحْصَرُ البلازما باستخدام مجالٍ مغناطيسي كالتقنية MCF وتُضغَطُ باستخدام نبضاتٍ كالتي في التقنية ICF”. وهذا يعني أنه ليس من الضروري تكثيف الوقود إلى الدرجة نفسها المستخدمة في التقنية ICF. وعوضاً عن الليزر، يُستخْدَمُ مكبس غازٍ عالي الضغط لضغط الوقود، مما يقلل تكلفة المفاعل.

ويقول موري: “بدأنا عملية تصميم وبناء آلة اندماج على نطاقٍ قريبٍ من نطاق محطات الطاقة، والتي يُتَوَقَعُ أن تُنجز خلال الأعوام الخمسة القادمة”. فعلى الرغم من ذلك، تتوقع الشركة أن الأمر يتطلب بعض الوقت قبل أن تنتج طاقة أكبر من الطاقة المستهلكة.

 

المصطلح الإنجليزي الترجمة العربية
Nucleus النواة
Atom الذرّة
Proton بروتون
Neutron نيوترون
Electron إلكترون
Magnetic confinement device جهاز الاندماج بالحصر المغناطيسي
Stellarator بالستيلاراتور
Superconducting فائقة الموصلية
Absolute zero الصفر المطلق
Supercomputer حاسوب فائق
Electrostatic كهروستاتيكي
Strong nuclear force القوة النووية القوية
Isotope نظير
Deuterium ديوتيريوم
Tritium تريتيوم
Inertial confinement fusion الاندماج بحصر القصور الذاتي

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى