فيزياء

مفاعل الاندماج بالليزر يقترب من مرحلة “حرق البلازما”

بعد عقد من الزمن اقتربت منشأة الإشعال الوطنية من تحقيق تفاعل مستدام ذاتي التسخين، على الرغم من أن صافي اكتساب الطاقة لا يزال بعيد المنال

بقلم:    دانييل كليري

ترجمة: مي بورسلي

في أكتوبر 2010، في مبنى بحجم ثلاثة ملاعب كرة قدم أمريكية، شغّل الباحثون في مختبر لورانس ليفرمور الوطني Lawrence Livermore National Laboratory   192 شعاع ليزر، وركزوا طاقتها في نبضة تعادل ضربة شاحنة مسرعة، وأطلقوها على حبة من وقود نووي بحجم حبوب الفلفل. وبذلك بدأت حملة أطلقتها منشأة الإشعال الوطنية National Ignition Facility (اختصارا: المنشأة NIF) لتحقيق الهدف المشار إليه في اسمها: إشعال تفاعل الاندماج Fusion   الذي ينتج طاقة أكثر مما يمنحه الليزر.

وبعد عقد وما يقرب من 3000 إطلاق، لا تزال المنشأة NIF تولد فورانًا أكثر من الانفجار، يعوقه السلوك المعقد وغير المفهوم جيدًا لأهداف الليزر عندما تتبخر وتنفجر. ولكن مع تصاميم مستهدفة جديدة وأشكال نبضات الليزر، إلى جانب أدوات أفضل لمراقبة الانفجارات المصغرة، يعتقد باحثو المنشأة NIF أنهم قريبون من مرحلة وسطية مهمة تُعرف بـــ “حرق البلازما”  Burning Plasma: حرق اندماج مستدام بفعل حرارة التفاعل نفسه بدلا من مدخلات متواصلة من طاقة الليزر.

التسخين الذاتي هو مفتاح حرق كل الوقود والحصول على الطاقة سريعا. وبمجرد وصول المنشأة NIF إلى العتبة Threshold، تشير عمليات المحاكاة Simulations إلى أنه ستتمكن من تحقيق الاشتعال بسهولة أكبر، كما يقول مارك هيرمان Mark Herrmann، والذي يشرف على برنامج الاندماج في ليفرمور. “نحن نبذل قصارى جهدنا…يمكنك أن تشعر بتسارع فهمنا”. حتى الباحثين من خارج التجربة معجبون أيضًا بالنتائج. ويقول ستيفن روز Steven Rose، المدير المشارك من مركز دراسات الاندماج بالقصور الذاتي Centre for Inertial Fusion Studies في جامعة إمبريال كوليدج بلندن Imperial College London: “تشعر نوعًا ما بأن هناك تقدمًا مطردًا وتخمينًا أقل، إنهم يبتعدون عن التصاميم التقليدية ويحاولون تجربة أشياء جديدة”.

ومع ذلك، ربما لا يُتاح للمنشأة NIF رفاهية الوقت. فنسبة إطلاق نبضات الليزر في المنشأة NIF المخصصة لجهود الإشعال قد خفّضت من 60% تقريبًا في عام 2012 إلى أقل من 30% اليوم وذلك للاحتفاظ بالمزيد من تجارب الإشراف على المخزونات Stockpile stewardship — وهي تجارب تحاكي التفجيرات النووية للمساعدة على التحقق من موثوقية الرؤوس الحربية. فقد سعت طلبات الميزانية الرئاسية Presidential budget في السنوات الأخيرة مرارًا وتكرارًا إلى تقليص الأبحاث في اندماج الحبس القصوري Inertial confinement fusion في المنشأة NIF وأماكن أخرى، إلا أن الكونغرس حافظ على مستوى التمويل. والإدارة الوطنية للأمن النووي National Nuclear Security Administration (اختصارا: الإدارة NNSA)، التي تمول المنشأة NIH، تراجع التقدم المحرز في الجهاز لأول مرة منذ خمس سنوات. وأمام الضغوط لتحديث الترسانة النووية، فقد تقرر الوكالة أن المزيد من التحول نحو تجارب الإشراف على المخزونات. ويتساءل مايك دن Mike Dunne، والذي أدار جهود ليفرمور لطاقة الاندماج من 2010 إلى 2014: “هل سيتم إيقاف برنامج الإشعال؟ فلم يصدر القرار بعد”.

لطالما كان الاندماج مصدرًا محتملا لطاقة خالٍ من الكربون، تغذيها نظائر الهيدروجين المتاحة بسهولة ولا تنتج نفايات مشعة لا تضمحل. ولكنه يظل حُلما بعيد المنال، حتى بالنسبة إلى الأفران المغناطيسية بطيئة الاحتراق على شكل كعكة دائرية مثل مشروع ITER في فرنسا، والذي يهدف إلى تحقيق زيادة في إنتاج الطاقة فيما بعد عام 2035.

قد تكون المنشأة NIF وغيرها من أجهزة الاندماج بالقصور الذاتي أقل شبهاً بالفرن وأكثر شبهاً بمحرك احتراق داخلي، وتنتج الطاقة من الانفجارات السريعة لكرات الوقود الضئيلة. ففي حين أن بعض أشعة الليزر الاندماجية توجه حزمها مباشرة إلى الحبيبات، فإن طلقات المنشأة NIF غير مباشرة: تسخن الحزم علبة ذهبية بحجم ممحاة قلم رصاص تسمى الفجوة المُفرَّغة Hohlraum، والتي تنبعث منها نبضة من الأشعة السينية تهدف إلى إشعال الاندماج بتسخين كبسولة الوقود في مركزها إلى عشرات الملايين من الدرجات وضغطها إلى بلايين من وحدات قياس الضغط الجوي.

لكن الطلقات في السنوات الثلاث الأولى من محاولات الإشعال أسفرت فقط عن نحو 1 كيلو جول من الطاقة لكل منها، أقل من 21 كيلو جول التي ضختها نبضة الأشعة السينية في الكبسولة وأقل بكثير من النبضة الأصلية بمقدار 1.8 ميغا جول. ويقول سيغفريد غلينزر Siegfried Glenzer، والذي يعمل حاليًا في مختبر المسرع الوطني SLAC National Accelerator Laboratory وقائد المرحلة الأولى، إن الفريق كان “مفرط الطموح” في الوصول إلى الإشعال. ويضيف قائلًا: “كنا نعتمد اعتمادًا مفرطاً على عمليات المحاكاة”.

بعد حملة الإشعال غير الناجحة عزز باحثو المنشأة NIF أدوات التشخيص. فقد أضافوا المزيد من أجهزة الكشف عن النيوترونات Neutrons لمنحهم عرضًا ثلاثي الأبعاد لموقع حدوث تفاعلات الاندماج. كما كيفوا أيضًا أربعة من حزم الليزر لإنتاج نبضات عالية الطاقة وفائقة القصر بعد لحظات من الانفجار الداخلي وذلك لتبخير الأسلاك الرقيقة القريبة من الهدف. وتعمل الأسلاك كمصباح للأشعة السينية، قادر على فحص الوقود أثناء انضغاطه. ويقول ريموند جينلوز Raymond Jeanloz، عالم الكواكب من جامعة كاليفورنيا University of California في بيركلي الذي يستخدم عمل المنشأة NIF لتكرار الضغوط في قلب الكواكب العملاقة مثل كوكب المشتري: “إنه مثل التصوير المقطعي CAT Scan”. (نحو 10% من إطلاقات المنشأة NIF مخصصة لأبحاث العلوم الأساسية).

وبفضل قابلية الكشف الأكثر وضوحًا، فقد تتبع الباحثون تسربات الطاقة من حبيبات الوقود المنفجرة. وجاء أحدها عند النقطة التي حقن فيها أنبوب صغير الوقود في الكبسولة قبل الإطلاق. ولسد التسرب، فقد جعل الفريق الأنبوب أرق. وتتبعوا التسريبات الأخرى إلى الغلاف البلاستيكي للكبسولة، لذلك أعاد الباحثون تصنيع الأجزاء لإزالة العيوب التي لا تزيد على جزء من المليون من المتر. ويقول مينغشينغ وي Mingsheng Wei ، من مختبر جامعة روتشستر لطاقة الليزر University of Rochester’s Laboratory for Laser Energetics، إن التشخيصات المحسَّنة “تساعد العلماء حقًا على فهم التحسينات المطلوبة”.

كما عدل الفريق أيضًا شكل نبضات الليزر البالغة 20 نانوثانية. وقد زادت قوة الإطلاقات المبكرة ببطء، لتجنب تسخين الوقود بسرعة كبيرة مما يزيد من صعوبة ضغطه. وبعد ذلك زادت قوة النبضات اللاحقة أكثر لدرجة لا تتيح للكبسولة البلاستيكية وقتا للاختلاط بالوقود أثناء الانضغاط، وهو تكتيك عزز مقدار الطاقة الناتجة إلى حد ما.

في المرحلة الحالية التي بدأت في عام 2017 يعمل الباحثون على زيادة درجات الحرارة من خلال توسيع الفجوة المفرغة Hohlraum والكبسولة بنسبة تصل إلى 20%، مما يزيد من طاقة الأشعة السينية التي يمكن للكبسولة امتصاصها. ولزيادة الضغط، فإنهم يطيلون مدة النبضة والتحول من كبسولات بلاستيكية إلى كبسولات ألماسية أكثر كثافة لضغط الوقود بمقدار أكثر كفاءة.

والمنشأة NIF قد حققت مرارًا ناتجًا يقترب من 60 كيلو جول. ولكن هيرمان يقول إن الإطلاق الأخير، الذي ناقشوه في اجتماع قسم فيزياء البلازما التابع للجمعية الفيزيائية الأمريكية American Physical Society’s Division of Plasma Physics في نوفمبر 2020، قد تجاوز ذلك. وقد خططوا لتكرار الإطلاقات لقياس مدى قربها من البلازما المحترقة، والتي من المتوقع أن تحدث عند  100 كيلو جول. يقول: “إنه أمر مثير جدا”.

حتى في أقصى ضغط، فإن  باحثي المنشأة NIF يعتقدون أن مركز الوقود وحده هو حار بدرجة كافية للاندماج. ولكن في اكتشاف مشجع، وجدوا دليلاً على أن النقطة الساخنة تحصل على دفعة تسخين من نوى الهليوم المتحركة أو جسيمات ألفا الناتجة من تفاعلات الاندماج. وإذا كان بإمكان المنشأة NIF ضخ المزيد من الطاقة قليلاً، فيجب أن تتمكن من إشعال موجة تتسابق من النقطة الساخنة، وتحرق الوقود أثناء مسارها.

ويقول هيرمان إن الفريق لا تزال لديه بعض الحيل الأخرى التي يجب تجربتها – كل منها يمكن أن يدفع درجات الحرارة والضغط إلى مستويات عالية بما يكفي لإشعال البلازما والحفاظ عليها مشتعلة. إنهم يختبرون أشكالًا مختلفة من الفجوة المفرغة Hohlraum لتركيز الطاقة تركيزا أفضل على الكبسولة. إنهم يجربون كبسولات ذات جدران مزدوجة يمكنها حبس ونقل طاقة الأشعة السينية بكفاءة أكبر. ومن خلال نقع الوقود في رغوة داخل الكبسولة، بدلاً من تجميدها كجليد على جدران الكبسولة، فإنهم يأملون بتكوين بقعة ساخنة مركزية أفضل.

هل سيكون ذلك كافيا للوصول إلى الاشتعال؟ إذا لم تكن هذه الخطوات كافية، فسيكون تعزيز طاقة الليزر هو الخيار التالي. اختبر باحثو المنشأة NIF تحسينات على أربعة خطوط إشعاعية وتمكنوا من الحصول على دفعة طاقة، إذا طبقت التحسينات على جميع الحزم؛ فستجعل المنشأة الكاملة قريبة من تحقيق 3 ميجا جول.

 ستستغرق هذه التحسينات، بالطبع، وقتًا ومالا ربما لا ينتهي الأمر بحصول المنشأة NIF عليها. وينتظر علماء الاندماج في المنشأة NIF وأماكن أخرى بقلق استنتاجات مراجعة الإدارة NNSA. ويتساءل هيرمان: “إلى أي مدى يمكننا أن نصل؟…أنا متفائل. سندفع المنشأة NIF إلى أقصى حد ممكن”.

 

©2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى