أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
بشرعلم الإنسان

كيف تكشف البروتينات القديمة شجرة العائلة البشرية

لا يمكننا استخلاص الحمض النووي من بعض الأحافير البشرية القديمة الأكثر إثارة للحيرة. ولكن فرصة نجاة البروتينات القديمة قد تكون أحيانًا أكبر، وقد بدأت مؤخرًا هذه البروتينات تكشف عن أسرارها

بقلم:      كولين باراس

ترجمة:   د. عبد الرحمن سوالمة

كان ذلك اكتشافًا مدهشًا: حجيرة مدفونة عميقًا تحت سطح الأرض، ممتلئة ببقايا بشرية قديمة. فقد وصف الباحثون الذين كشفوا عن الأحافير في كهف رايزينغ ستار Rising Start Cave جنوب إفريقيا  عام 2013 هذه التجربة بأنها “آخذة للأنفاس” و”مشحونة بالعواطف”. وبعد ذلك ألقوا نظرة متمعنة على العظام، وتبدل الابتهاج بالحيرة؛ فهذا النوع الجديد من الإنسان القديم، والذي يدعوه الباحثون هومو ناليدي Homo Naledi، كان يمتلك تركيبة غريبة من الصفات البدائية والحديثة، بحيث يستحيل معرفة كيفية ارتباطه بغيره من البشر القدماء وصولًا إلينا.

قبل نحو عشرين سنة، بدا وكأن معالم شجرة التطور البشري كانت تزداد وضوحًا، إلا أن علماء الحفريات القديمة Palaeontologists بدؤوا بالعثور على بشر قدماء، من أمثال هومو ناليدي، وكانت هذه أنواعًا شديدة الغرابة، وكأنها خرجت من صفحات روايات تولكين Tolkien الخيالية. ولم يكن بالإمكان توقع أن الحمض النووي القديم Ancient DNA سيساعد على تمييز مكانها على شجرة العائلة البشرية؛ وذلك بسبب أن أغلب أبناء العمومة هؤلاء، والذين يعتبرون غير ملائمين لشجرة العائلة، قد وجدوا في أماكن حارة لدرجة لا تنجو فيها المادة الجينية. وقتها، بدا وكأن تتبع الأدلة صار مستحيلًا.

ولكن، في السنوات الماضية تعلمنا قراءة الإشارات من جزيئات عضوية أخرى تميل إلى أن تنجو لفترة أطول من الحمض النووي DNA وتبقى حتى في البيئات الحارة. وقد حلل الباحثون لتوِّهم عينات من بروتينات استخرجت من عظام وأسنان قديمة، لتكشف عن علاقات بين الثدييات القديمة. والآن، يعتقد البعض أن بإمكانهم الكشف عن كيفية تطور وتفاعل أنواع قديمة من البشر من أمثال هومو ناليدي. ويقول ماثيو كولينز Matthew Collins من جامعة كوبنهاغن University of Copenhagen في الدنمارك: “أنا واثق بأنه سيصير من الممكن وضع بعض الهومينين (أشباه البشر) Hominins هؤلاء على شجرة العائلة”.

 بشر هجينون

لا نبالغ حينما نقول إن الحمض النووي  القديم حول فهمنا للتطور البشري؛ فقد أكد أن أسلافنا تزاوجوا بالنياندرتال Neanderthals بين نحو 100 ألف وحتى 50 ألف سنة مضت. كما كشفت عن وجود مجموعة منفصلة من بشر العصر الحجري Stone Age الذين لم يعرفوا من قبل، وهم الدينيسوفان Denisovans من شرق آسيا، وأظهرت أن أسلافنا تزاوجوا بهم أيضًا، منذ نحو 50 ألف إلى 15 ألف سنة. ومؤخرًا، بدأت دراسات الحمض النووي DNA القديم بالعثور على أدلة أن الدينيسوفان تزاوجوا في وقت من الأوقات بسلالات من البشر أبعد في القدم، ربما كان ذلك النوع هو الهومو إريكتوس (الإنسان المنتصب)  Homo erectus الذي ظهر قبل نحو مليوني سنة واختفى بحلول 100 ألف سنة مضت.

وبكلمات أخرى، كشف الحمض النووي DNA القديم أن عالم العصر الحجري كان مسكونًا بالعديد من المجموعات البشرية المختلفة التي، على الرغم من اختلافاتها الجينية، كانت أكثر من راغبة في التفاعل والتزاوج عندما تتلاقى.

ولكن الجينات القديمة لا تستطيع أن تخبرنا بكل شيء. فجميع الاكتشافات أتت من تحليل الحمض النووي DNA من أشخاص أحياء، ومن عينات من بضعة بشر قدماء عاشوا في أجزاء أبرد من أوراسيا Eurasia خلال 50 ألف سنة الماضية. ويمكننا أن نعلم أكثر بكثير بتحليلنا مواد جينية أقدم منها، ولكن الحمض النووي DNA  يميل إلى أن يتحلل بمرور وقت طويل مثل هذه الفترات الزمنية. وهذا يعني أننا نفتقد معلومات جينية جوهرية من الفترة التي شهدت غالبية التطور البشري، والذي بدأ، على نحو مثير للخلاف، حول الوقت الذي تطور فيه  الهومو إريكتوس وبدأ بالانتشار عبر إفريقيا وأوراسيا. كما أن الحمض النووي DNA لا يبوح بأي معلومة حول أسلافنا الأقدم من الهومينين، من الذين عاشوا في إفريقيا ما بين سبعة ملايين ومليوني سنة مضت.

وهنا يأتي دور البروتينات. وهي عبارة عن جزيئات كبيرة ومعقدة، مبنية من مكونات أصغر، الأحماض الأمينية Amino acids، والتي توجد في سلاسل مرتبة بحسب التعليمات المُرمَّزة في جيناتنا، ومن ثمَّ فهي تحتوي على نوع المعلومات نفسها الموجود في الحمض النووي DNA. وقد علمنا منذ 65 سنة أن البروتينات، أو على الأقل أجزاء منها، قد تنجو في السجل الأحفوري. ولكن المشكلة أن دراستها دائمًا ما كنت معقدة وصعبة.

غير أن الأمور في بدايات القرن الحادي والعشرين اختلفت بسبب تطوير تقنيات جديدة. فقد اشتملت على إضافة الأيونات المشحونة كهربائيًا للأجزاء البروتينية القديمة والهشة، وهو ما يعني أن الجزيئات يمكنها المرور في آلة تدعى مطياف الكتلة Mass spectrometer للتعرف السريع على تسلسل أحماضها الأمينية. وهذا حققت أبحاث البروتينات القديمة قفزة كبيرة إلى الأمام. ويقول كولينز: “يمكن لأي شخص إجراء ذلك التحليل”.

ولذلك فوائد جمة؛ فتحليل الأجزاء البروتينية بهذه الطريقة يمكنه أن يوفر تبصرات في السلوك البشري القديم، من مثل أي أنواع الطعام كانوا يأكلون، بل بعض الأدلة  حول حياتهم. أما إذا استخرجت قطعًا أكبر من البروتين القديم؛ فإنك قد تصير قادرًا على معرفة مكان انتماء أبناء عمومتنا الغرباء في شجرة عائلة الهومينين.

يبني علماءُ البيولوجيا الأشجارَ التطورية عن طريق فحص التشابهات والاختلافات بين الأنواع، سواء في مظهرهم الجسدي أم في تكوينهم الجزيئي. وعمومًا، كلما زادت التشابهات التي يتشاركها نوعان، زاد احتمال قرابتهما. والبروتينات مناسبة لمثل هذا النوع من التحليل التطوري لأن الحيوانات تنتج في العادة نسخًا متكافئة من البروتينات نفسها، كالكولاجين والكرياتينين والهيموغلوبين وغيرها، وكذلك بسبب أن سلسلة الأحماض الأمينية في هذه البروتينات يمكنها أن تختلف قليلًا بين الأنواع. وذلك يعني أنك إذا استخرجت قطعًا كبيرة من بروتينات معينة من أفراد منقرضين من الهومينين وقرأت تسلسل أحماضها الأمينية، يمكنك أن تستخدم ذلك لمعرفة نوع القرابة بينها وبين البشر الأحياء.

“نفتقر إلى معلومات جينية من أغلب التاريخ التطوري البشري”

هناك بعض الملاحظات. فمع أن الجسم البشري يشتمل على عشرات الآلاف من البروتينات المميزة، فهناك عدد قليل جدًا من هذه البروتينات في الأنسجة التي تتحول إلى أحافير. فالأسنان مثال جيد، فمينا الأسنان تحفظ البروتينات القديمة حفظًا جيدًا جدًا، ولكن حتى في الإنسان الحي فإنه يحتوي فقط على 10 بروتنيات أو نحو ذلك، بحسب ما يقول فريدو ويلكر Frido Welker من جامعة كوبنهاغن أيضًا. يتكون كل بروتين من نحو 50 إلى 200- حمض أميني، ومن ثم حتى وإن استُعيدت كل البروتينات في المينا، والتي يطلق عليها بروتيوم المينا Enamel proteome، من سن أحفوري، فإنه قد تكون هناك سلاسل يصل طولها مجتمعة إلى 20 ألف حمض أميني على أقصى تقدير. وللمقارنة، فإن الجينوم البشري القديم المكتمل يشتمل على تسلسلات جينية طولها بلايين الأزواج القاعدية. فالسؤال هنا إذًا: هل تشمل البروتيومات معلومات كافية لبناء شجرة عائلة يمكن الوثوق بصحتها؟

تشير الدراسات الأخيرة إلى أنه يمكن الوثوق بصحتها. فعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، استخدم هذا الأسلوب من أجل بناء الأشجار التطورية للعديد من الثدييات القديمة. فعلى سبيل المثال، نشر تحليل في 2019 عن حيوانات الكسلان Sloths، والذي بدا مختلفًا جدًا عن الأشجار التطورية الاعتيادية لهذه المجموعة من الحيوانات، حتى إن بعض العاملين في هذا المجال نظروا إليه على أنه مثير للشك. ولكن في دراسة ثانية، أجرى علماء الجينات تحليلا مستقلا لصلات القرابة لحيوانات الكسلان باستخدام التحليل الأكثر اعتمادا، تحليل الحمض النووي DNA؛ مما أدى إلى  النتائج نفسها التي توصلت لها دراسة البروتينات.

وبهذا، انتقل تطبيق علم البروتيومات القديمة  Palaeoproteomics، وهو الاسم الذي يطلق على هذا العلم، إلى عالم الرئيسيات. وفي سنة 2019، قاد ويلكر وإنريكو كابيليني Enrico Cappellini، وهو أيضًا من جامعة كوبنهاغن، تحليلا  لبروتينوم المينا القديم المأخوذ من أكبر القردة المنقرضة جيغانتوبيثيكوس Gigantopithecus. وتشير المعلومات التي احتوى عليها البروتيوم إلى أن هذا الحيوان الرئيسي القديم، والذي عاش في الجنوب الشرقي لآسيا حتى نحو 300 ألف سنة مضت، لديه قرابة بقردة الأورانغوتان (إنسان الغاب) الحية الآن، وهي فكرة تطابقت مع التوقعات.

أما عن الأمر الذي جعل النتائج مثيرة للاهتمام؛  فهو أن سن الجيغانتوبيثيكوس الذي أخذه الباحثون عمره 1.9 مليون سنة وكان مصدره كهف  مجاور لخط الاستواء في الصين الجنوبية. فهذا المكان يمثل بالتحديد نوع الأماكن التي عاش فيها الهومو إريكتوس وأجناس غامضة من مثل هومو ناليدي خلال الـ1.9 مليون سنة الماضية. وما يعنيه ذلك هو أن الأحافير التي تركوها خلفهم قد تشتمل على كمية كافية من البروتين لمعرفة المكان المناسب لهم في شجرة تطور الهومينين. وتقول جيسيكا هيندي Jessica Hendy، من جامعة يورك University of York في المملكة المتحدة: “لا شك في أن دراسة الجيغانتوبيثيكوس دفعت حدود ما نعلمه حول حفظ البروتينات”.

بمجرد نشر ورقة دراسة الجيغانتوبيثيكوس، كان الباحثون قد انتقلوا من القردة العليا إلى الهومينين. وبعدها بعدة أشهر، كان ويلكر وفريقه قد نشروا دراسةً تصف بروتيوم العاج dentine proteome من فك أحد الهومينين الذي عاش قبل 160 ألف سنة. واستنتجوا أن هذه الأحفورة قد تكون منتمية إلى الدينيسوفان. وكانت تلك نتيجة لها تضميناتها العميقة؛ وذلك ﻷن عظم الفك وُجِد على ارتفاع 3280 مترًا فوق سطح البحر على سطح هضبة التبت. واقترحوا أن الدينيسوفان ربما كانوا قد تكيفوا على العيش على مثل هذه الارتفاعات.

وفي وقت مبكر من هذه السنة أحرز ويلكر وكابيليني نجاحًا آخر؛ فقد أعاد فريقهم بناء بروتيوم مينا من سن من المحتمل أنه يعود لـ950 ألف سنة، والذي ينتمي إلى كائن آخر لا نفهم عنه الكثير، وهو هومو أنتيسسور Homo antecessor، والذي عاش فيما مضى بإسبانيا. ورسخت المعلومات الموجودة في البروتيوم فكرة أن هومو أنتيسسور كانت تربطه قرابة وثيقة بسلف يتشاركه نوعنا مع النياندرتال والدينيسوفان. وكان ذلك دليلًا مذهلًا على أن البروتينات القديمة يمكنها بالفعل أن تسلط الضوء على الفصول الأكثر ظلامًا من تاريخنا التطوري.

والآن تتجه الأفكار نحو الهومينين الذين يكثر الخلاف حولهم، والذين عاشوا في وقت أقرب إلينا، وبالتحديد “الهوبيت” Hobbit الإندونيسي (هومو فلوريسينسيس Homo floresiensis)، المكتشف في 2003، وهومو ناليدي. وكلاهما عاش عندما تطور جنسنا، الإنسان العاقل Homo sapiens، قبل نحو 300 ألف سنة، ولكن كلا النوعين أظهرا خليطًا غريبًا من الصفات. وكان لهومو فلوريسينسيس دماغ بحجم دماغ الشمبانزي في جمجمة عبارة عن نسخة مصغرة عن جمجمة الهومو إريكتوس، بينما كانت ذراعاه ورسغاه وقدماه تذكِّر بالهومينين الشبيهين بالقردة، ومن ضمنهم الأحفورة المشهورة لوسي Lucy، والتي عاشت في إفريقيا قبل أكثر من مليوني سنة. أما هومو ناليدي ؛ فقد كان يمتلك دماغًا أكبر قليلًا فقط من دماغ الشمبانزي، ويدان تشبهان إلى حد ما يدي لوسي، وقدمين شديدتي الشبه بقدمي الإنسان الذي يعيش الآن.

لا نزال لا نعرف شيئًا عن مكان هومو فلوريسينسيس  H. floresiensis وهومو ناليدي في شجرة تطور الإنسان. بل إننا لا نعرف إن كانوا بشرًا انحدروا في النهاية من نوع كالهومو إيركتوس، أو أنهم ضمن مجموعة الهومينين الشبيهين بالقردة.

“لا نزال لا نعرف شيئًا عن مكان هومو  فلوريسينسيس وهومو ناليدي في شجرة تطور الإنسان”

أدلة جديدة

كلا السيناريوهين محتمل، وعلى البروتينات أن تساعدنا على معرفة أيهما هو الصحيح، بحسب ما يقول ويلكر. وذلك بسبب أن تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين يختلف بمعدل ثابت نسبيًا، وكأنه ساعة. ويقول ويلكر إنها ليست ساعة دقيقة جدًا، ولكن بمقارنة التسلسلات البروتينية القديمة بالتسلسلات المشابهة في البشر الذين يعيشون الآن، يجب أن يكون من الممكن تحديد إن كان هومو ناليدي وهومو فلوريسينسيس تفرعا عن شجرة عائلتنا قبل بضع مئات آلاف السنين، وهو ما يجعل منهم بشرًا، أو قبل أكثر من مليوني سنة، عندما كان الهومينين الشبيهون بلوسي في فترة أوجهم.

يقول كولينز إنه منخرط في نقاشات جارية حول وضع عينة هومو ناليدي تحت المثقب من أجل استخراج البروتينات. ولا توجد تصريحات رسمية حول وقت، أو ما إذا كان، هذا الأمر سيحدث. ولكن لي بيرغر Lee Berger من جامعة ويتووترسراند  University of the Witwatersrand، في جنوب إفريقيا، والذي يقود البحث المتعلق بهومو ناليدي، يقول إنه كان من المفترض أن يأخذ عينات الأحافير إلى أوروبا قبل عدة أشهر، إلا أن جائحة الفيروس التاجي أحبطت هذه الخطط.

ومن ثم، خلال عدد من السنوات القادمة فإن البروتينات قد تساعد بعضًا من أقربائنا المبهمين على إيجاد مكانها في شجرة عائلة البشر. أما مسألة ما إذا كان العلماء الدارسون لأحافير الهومينين سيقبلون الأدلة من تحليل البروتينات؛ فهي مسألة أخرى. ويقول ويليام جونغرز William Jungers من جامعة ستوني بروك Stony Brook University في نيويورك: “أنا واثق بأن البيانات الجديدة سيأخذها معظم العلماء على محمل الجد الشديد”، ولكنه يضيف أنها على الأرجح لن ينظر إليها على أنها ستلغي كل الأدلة المستخلصة من شكل عظام الأحافير نفسها.

ويقول جون هوكس John Hawks من جامعة وسكنسون-ماديسون Wisconsin-Madison إن هذا على الأرجح أمر جيد لأن المعلومات الجزيئية ليست معصومة عن الخطأ؛ على سبيل المثال، يستذكر هوكس أن علماء الجينات عندما نظروا في البداية إلى قطع من الحمض النووي DNA الخاص بالنياندرتال في نهايات تسعينات القرن الماضي، استنتجوا أن نوعنا لم يتزاوج بالنياندرتال، وهو ما نعلم الآن أنه ليس صحيحًا.

ولكن مع أن بعض الحذر أمر ضروري، إلى أنه من المؤكد تقريبًا أن البروتينات القديمة ستكون واحدة من الأشياء الكبرى في دراسات التطور البشري. وبافتراض أن الدراسة المجراة على هومو ناليدي ستستمر بنجاح، فسيكون من الممكن استخراج بروتينات من أحافير أقدم. وقد استخرج ويلكر وزملاؤه لتوِّهم هذه البروتينات من سن لهومو إريكتوس عمره 1.9 مليون سنة. وكانت البروتينات قد اهترأت لدرجة لم تعد صالحة، مع أن ويلكر يقول إن ذلك بسبب أن السِّن نفسه كان محطمًا؛ مما يعني أن بعض بروتيناته التي اشتمل عليها في الأصل قد تكون قد رشحت للخارج.

ويقول كولينز إنه قد يكون من الممكن استخراج بروتينات من الهومينين الشبيهين بالقردة الذين أتو قبل البشر، واستخدام هذه المعلومات لمعرفة كيف كانت صلة القرابة بينها، وبينهما وبيننا. وقد يبدو ذلك أمرًا بعيد الاحتمال، ولكن في عام 2016، كان كولينز جزءًا من دراسة نجحت في استخراج بروتينات من أجزاء من قشره بيضة لنعامة جمعت في لايتولي Laetoli، وهو موقع عمره 3.8 مليون سنة في تنزانيا Tanzania، والمشهور على مستوى العالم بآثار الأقدام المحفوظة التي تركها الهومينين الشبيهين بلوسي.

يقول كولينز: “ لدينا شجرة عائلة مثيرة جدًا فيها كائنات لافتة للنظر، ولكنني متأكد جدًا أن دراسة البروتينات ستكون قادرة على وضع بعضها على الفرع التطوري الصحيح”.

استخراج الأدلة الموجودة في الحيوات القديمة 

في الوقت الذي نتحسن فيه بقراءة المعلومات التي تحتويها البروتينات القديمة، إلا أن أجزاء البروتينات القديمة تخبرنا كيف تصرف أسلافنا القدماء. فعلى سبيل المثال، كان النياندرتال الذين عاشوا في جنوب فرنسا خلال العصر الحجري يصطادون الوعول. ولكن في وقت مبكر من هذه السنة، كشف تحليل لبروتينات قديمة أجرته نعومي مارتيسيوس Naomi Martisius من جامعة كاليفورنيا University of CaliforniaK في دافيس، هي وزملاؤها، عن أن البشر القدماء اختاروا أن يصنعوا أدواتهم العظمية من ضلوع من حيواني الأرخص Aurochs والبيسون Bison، مع أن هذه الحيوانات كانت أقل شيوعًا. كما يمكن لدراسة البروتينات القديمة أن تسلط ضوءًا جديدًا على التطور البشري الحديث؛ ففي وقت مبكر من هذه السنة، فحصت شيفان ويلكين Shevan Wilkin،من معهد ماكس بلانك لعلم التاريخ البشري Max Planck Institute for the Science of Human History في ألمانيا، هي وزملاؤها، بروتينات الطعام المحبوسة في اللويحات السنية القديمة. واستنتجوا أن الأشخاص في السهب اليوراسي بدؤوا باستهلاك منتجات الألبان قبل خمسة آلاف سنة على الأقل. وهذا يعني أن هناك تاريخًا مماثلًا من حيث الفترة فيما يخص استهلاك الألبان في أوروبا وفي السهب اليوراسي. ومع ذلك، فعلى الرغم من أن العديد من الأوروبيين يحملون الآن تكيفًا جينيًا يسهل على البالغين منهم هضم الحليب، إلا أن القليل من أبناء السهب اليوراسي يحملون هذا التكيف. وتقول جيسيكا هيندي Jessica Hendy من جامعة يورك University of York في المملكة المتحدة، وهي قائد مشارك للدراسة: “يبدو أن هاتين المنطقتين اتخذتا مسارين مختلفين عندما يتعلق الأمر بالانتخاب التطوري لاستهلاك الألبان، ومن المثير أن نسأل لماذا”. وهذا سؤال نتطلع الآن للإجابة عنه. كما يمكن للبروتينات القديمة أن تقودنا إلى فهم أفضل للحياة في فترة ما قبل التاريخ. وإحدى أكبر القصص العلمية لعام 2018 كانت اكتشاف أن هناك قطعة عظمية عمرها 90 ألف سنة كانت تنتمي إلى فتاة مراهقة، أطلق عليها اسم “ديني” Denny، والتي كانت لديها أم من النياندرتال وأب من الدينيسوفان. ومع أن تحليل الحمض النووي DNA هو الذي كشف عن أبوة ديني، إلا أن علماء الجينات ربما لم يكونوا ليختاروا دراسة القطعة العظمية لولا حقيقة أن البروتينات القديمة كانت قد أثبتت لتوها أنها تنتمي إلى بشر قدماء.

[/box]

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى