أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الدماغالعقل / الذاكرةعلم الاجتماععلم النفس

لماذا التوحد والاختراعات مرتبطان ارتباطاً وثيقاً

يقول الباحث سايمون بارون كوهين إن الثورة المعرفية في عصر ما قبل التاريخ التي شهدتْ ازدياداً هائلاً في الاختراعات كانتْ مدفوعةً بشبكةٍ دماغيةٍ جديدةٍ تبحث عن الأنماط ـ وهي مرتبطةٌ بقوةٍ بالتوحد حالياً.

بقلم: سيمون بارون-كوهين

ترجمة: محمد الرفاعي

عندما كنتُ أنزلُ السلّم إلى كهف هول فيز Hohle Fels، شعرتُ وكأنني أنتقل عبر طبقاتٍ من الزمن. في الأسفل، أشار نيكولاس كونارد Nicholas Conard، عالمُ الآثار ومدير المتحف القريب في بلوبيورين Blaubeuren في ألمانيا، إلى طبقةٍ من الصخور. قال: “تعود هذه إلى 20,000 عام”. وبعد ذلك أشار إلى مكانٍ أخفض بمترٍ واحد. “هنا، تعود هذه إلى 40,000 عامٍ”.

   شعرتُ بالرهبة، وفجأةً أدركتُ أنني كنتُ أقف حيث عاش وتنفس أسلافُنا البشر الأوائل منذ فترةٍ طويلةٍ. لكنّ ما اخترعوه هو ما ألهمني في رحلتي. فَكَهْفُ هول فيس هو المكان الذي اكْتَشَفَ فيه كونارد وزملاؤه في عام 2008 أقدمَ آلةٍ موسيقيةٍ معروفةٍ، وهي عبارةٌ عن فلوتٍ منحوتٍ من عظم نسرٍ، ويُعتقد أنه يبلغُ من العمر نحو 40,000 عام.

   إنه نتاجُ ما أحاجج في أنه ثورتان متوازيتان في الإدراك البشري. ففي مسيرتي المهنية في دراسة الدماغ البشري بعدسة فهم التوحد Autism، كرّستُ الكثير من الوقت لفهم التعاطف Empathy ودوره في تطورنا، وكيف أنه لا يزال يدعم التفاعل البشري حالياً. ولكن في الوقت نفسه تقريباً الذي نشأت فيه التغييرات الدماغية التي مكنتنا من استخدام التعاطف، ظهرتْ مجموعةٌ أخرى من التغييرات المهمة بالقدر نفسه: وهي تطورُ شبكةٍ دماغيةٍ باحثةٍ عن الأنماط أشيرُ إليها بآلية التنظيم Systemizing mechanism، والتي تشكل الأساس للاختراعات البشرية ـ بما في ذلك تلك الآلة الموسيقية.

   كانتْ آثارُ هذه الثورة المزدوجة في البشرية عميقةً. فإضافةً إلى ذلك، يشيرُ بحثي الأخير إلى أن الشبكة الباحثة عن الأنماط أعلى فعاليةً في الأشخاص المصابين بالتوحد، وقد تساعدُ على تفسير سبب تداخلُ سمات التوحد غالباً مع القدرةِ الاستثنائية على الاختراع.

   وإذا نظرنا إلى التطور البشري على المدى الطويل، فإن استخدام الأدواتِ البسيطة يعود إلى أكثر من مليوني عام. فهناك أدلةٌ على بعض التطورات في التكنولوجيا المبكرة ـ كظهور فؤوسٍ يدويةٍ أكثر تطوراً قبل نحو 1.7 مليون عامٍ على سبيل المثال. ولكن بالنسبة إلى الهومينين (أشباه البشر) Hominin الأوائل، فقد كانت الأدوات الحجرية على مدى مليوني عام ذات وظائف أساسيةٍ قليلةٍ على الأغلب: التحطيمُ، والقطعُ، والجلخ. ولم يكن هناك تغييرٌ يذكر، ولم يكن هناك أي علامةٍ على الاختراع “التوليدي” Generative. فقد أجرى أسلافنا إلى حدٍ كبيرٍ تغييراً واحداً ثم ظلّوا يستخدمونه لملايين الأعوام، ولم يُظْهِروا كيف يمكنهم الاختراع باستمرارٍ، إذ يُبنى كل تغييرٍ على التغيير الذي قبله، ولم يقدموا مجموعةً من الاختراعات.

مع ظهور نوعنا البشري، هومو سابينس (الإنسان العاقل) Homo sapiens، لأول مرةٍ قبل نحو 300,000 عام، بدأنا نرى علاماتٍ على المزيد من الاختراعات كأدواتٍ وأنواعٍ محددةٍ من النصال. وبدأنا نرى تزايدا هائلاً في الاختراعات في السجل الأثري قبل نحو 100,000 عام، إذ توجد أدلةٌ على أولى النقوش وأولى الأمثلة على المجوهرات. وقبل نحو 70,000 عام نرى العلامات الأولى على أن البشر المعاصرين كانوا يستخدمون “أسلحةً خفيّةً” مثل الرمح والقوس والسهم.

   ظهرتْ إبرُ الخياطة قبل 60,000 عام. وقبل 44,000 عام، نرى أقدم دليلٍ معروفٍ على العَدّ، وهو نقوشٌ على عظمٍ يبدو كأنه آلة عد. وفي هذا المجال البحثي سريع النمو تُكْتَشَفُ قطعٌ أثريةٌ جديدةٌ باستمرار. ولكن أكثر ما أثار إعجابي هو أقدمُ آلةٍ موسيقيةٍ: الفلوت العظمي الذي استُخْرِجَ من كهف هول فيلس.

قدرتنا على التعاطف تفسر ما اخترعناه، ولكن ليس كيف اخترعناه”

 

التعاطف والتنظيم

بعد زيارتي الكهفَ، شغّل كونارد تسجيلاً لنسخةٍ طبق الأصل من الفلوت. وكان مؤثراً بعمق. فقد كنت أسمع النغمات نفسها التي سمعها أسلافنا قبل 40,000 عام. يحتوي الفلوت العظمي على خمسة ثقوب، مما يشير إلى أنه كان يُسْتَخْدَمُ لعزف الألحان باستخدام المقياس الخماسي الذي لا يزال سائداً في العديد من التقاليد الموسيقية اليوم. ولم يكن أسلافنا يخترعون أدواتٍ معقدةً فحسب، بل أنظمةً معقدةً ـ الموسيقى نفسها.

   هذه الزيادةُ الهائلة في القطع الأثرية في السجل الأثري هي علامةٌ على أن الإنسان الحديث قد طّور القدرةَ على الاختراع التوليدي. وقبل ما بين 40,000 و10,000 عامٍ مضى، شهدنا ظهور النحت ورسومات الكهوف والزراعة ورصد سماء الليل. وقبل 5,000 عام كانت هناك علاماتٌ على الكتابة والرياضيات والدين والعجلة. ما زلنا نخترع بلا توقف ـ وأحدث اختراعاتنا هي اللقاحات ضد كوفيد -19

إذن، ما الذي تغير؟ في كتابي الجديد: الباحثون عن الأنماط The Pattern Seekers، أحاجج في أن الدارتين الموجودتين في الدماغ اللتين قادتا هذه الثورة الإدراكية بدأتا بالتطور، وللمفاجأة، في الوقت نفسه تقريباً، بين 100,000 و70,000 عام.

   إحدى هاتين الدارتين، دارة التعاطف، مَكَّنَتْ من مجموعةٍ من السلوكيات الجديدة، بما في ذلك القدرة على خداع الآخرين، والتعليم، والتفكير الذاتي، و “الشطرنج” الاجتماعي، والتواصل المرن الذي يعتمد على المرجعية المشتركة، متضمناً سرد القصص. ويفسر هذا سبب تمكن الإنسان الحديث من صنع أسلحةٍ خفيّةٍ ومجوهراتٍ: كنا نتتبع ما قد يفكر فيه الآخرون، ويعرفونه، وينوون القيام به، ويشعرون به، ويريدونه، ويؤمنون به.

   كنتُ أدرس مع زملائي دارة التعاطف منذ 35 عاماً، ونعلمُ الآن أنها تَسْتَخْدِمُ شبكةً معقدةً من عشر مناطق دماغيةٍ على الأقل. ويتألف التعاطف من مكونين على الأقل: التعاطف المعرفي Cognitive empathy، والمعروف أيضاً بنظرية العقل، وهو القدرة على تصور أفكار الآخرين؛ والتعاطف الوجداني Affective empathy، وهو الدافعُ للاستجابة للحالة العقلية لشخصٍ آخر بمشاعر مناسبة. فعلى الرغم من أننا نرى بعض الأدلة على التعاطف في بعض الحيوانات غير البشرية، لا يوجد دليلٌ مقنعٌ على أن الحيوانات الأخرى يمكنها على سبيل المثال أن تُظْهِرَ معتقداتٍ كاذبةٍ أمام حيوانٍ آخر، أو أن تنخرط في سلوك الخداع المرن والتعليم ـ على عكس طفلٍ يبلغُ من العمر أربعة أعوام.

   الاكتشاف الآخر الذي توصلنا إليه هو أن الجينات تؤثر في هذه القدرة. وتُسْقَطُ هذه الاختلافات في التعاطف على منحنى علي شكل ناقوس، إذ يكون معظم الناس في منتصف التوزيع، ونسبةٌ ضئيلةٌ عند أي من الحدين الأقصيين. ففي الدراسات الحديثة على ما يصل إلى 80,000 شخص، بحثتْ مجموعتنا الدولية في الارتباطات بين الاختلافات الجينية الشائعة وسماتٍ محددةٍ، ووجدتْ أن بعض الجينات مرتبطةٌ بمكان وجود كلٍ منا على المنحنى.

   على الرغم من أن التربية وتجاربنا المبكرة تؤثر بلا شكٍ في مقدار التعاطف الذي يتمتع به الفرد، فإن اكتشافنا أن التعاطف يعتمد ولو جزئياً على الجينات هو دليلٌ على أنه كان نتيجةَ الانتخاب (الانتقاء) الطبيعي Natural selection. ومن السهل معرفة لماذا هو ذو فائدةٍ تكيفيةٍ كبيرةٍ. فقد أمكنه أن يساعد الأشخاص على بناء مصايد قد توقِعُ الفريسة، على سبيل المثال، أو على فهم عقل الأطفال غير القادرين على التكلم لتلبية احتياجاتهم العاطفية والجسدية حتى يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة إلى سن الإنجاب، لنقل الجينات.

“قد تكون هناك اختلافاتٌ جينيةٌ في القدرة على البحث عن الأنماط، كما هي الحال في التعاطف تماماً”

 

   وعلى الرغم من ذلك، فإن دارة التعاطف ليست كافيةً. ويمكن أن تُفَسِرَ سببَ رؤيتنا للمجوهرات، والآلات الموسيقية، والنحت، ورسومات الكهوف في السجل الأثري ـ فقد كنا نفكر في جمهورٍ وما قد يكون مهتماً به. ولكن ذلك لا يكفي لشرح كيف صار البشر المعاصرون قادرين على إنجاز هذا النوع من الاختراعات في المقام الأول. لنفسّر تفسيراً كاملاً الثورة المعرفية في قدرتنا على الاختراع، يجب أن يكون البشر قد طوروا دارةً دماغيةً جديدةً ثانيةً.

   وهنا يأتي دور آلية التنظيم. سمحتْ لنا هذه بالبحثِ عن أنماط في العالم بطريقةٍ جديدةٍ، مما مكّن أسلافنا من الهومينين من رؤية أنماط بسيطةٍ باستخدام التعلم الترابطي: A يرتبط بـ B، أو أن استخدام المطرقة لكسر الجوز مرتبطٌ بالحصول على المكافأة اللذيذة على سبيل المثال. ومَكَنَهُم هذا من صنع أدواتٍ بسيطةٍ. ولكن البشر المعاصرين كانوا يبحثون عن أنماط أكثر تعقيداً من نوع إذا حدث كذا- و-فسيحدث كذا If-and-then. وسمح لهم ذلك باختراع أدوات متطورةٍ، ولا يزال بإمكاننا القيامِ بذلك حتى يومنا هذا.

   لقد استعرتُ فكرة “إذا حدث كذا-و-فسيحدث كذا” من عالِم المنطق جورج بول George Boole في القرن التاسع عشر، والذي يُنسب اختراعُ الحاسوب الحديث إلى تحليلهِ لطريقة تفكيرنا المنطقي. فمن الناحية الهندسية، فإن أنماط إذا حدث كذا-و-فسيحدث كذا مكافئةٌ لأنماط المدخلات-العمليات-المخرجات: إذا أخذتُ مُدخلاً وأجريت (أو لاحظت) عمليةً على المُدخَلِ، فسأرى تغييراً في المُخرَج. وقد تكون العمليةُ عبارةً عن مجموعةٍ واسعةٍ من الإجراءات، ولكن أكثرها إثارةً للاهتمام هي العمليات السببية، تلك التي تغير المدخلات إلى مخرجاتٍ جديدةٍ لسببٍ ما. كلمة “و” في خوارزمية إذا حدث كذا-و-فسيحدث كذا هي الكلمة السحرية.

   لم تُمَكِنَّا آليةُ التنظيم من إيجاد أنماط إذا حدث كذا-و-فسيحدث كذا فقط، بل من التأكد من صحتها بالتكرار. وهكذا ظهر الاختراع التوليدي. إذ صار البشر تجريبيين.

   كانت تلك بدايات الموسيقى: إذا نَفَخْتُ هذه العظم المجوف، وسَدَدْتُ ثقباً ما، فسأصدر صوت أ. ويؤدي تغيير المتغير “و” إلى الاختراع: إذا نفختُ هذه العظم المجوف، وكشفتُ عن ثقبٍ ما، فسأصدرُ الصوت ب. وتنبعثُ سلسلةُ نوتاتٍ موسيقيةٍ جميلةٍ، مقاطعُ مكررةٌ، وأنماطٌ إيقاعيةُ من محركٍ في الدماغ يتيح الاختراع. ويمكنك أنْ ترى أنّ هذا المنطق الرائع يقومُ عليه اختراعُ أي أداةٍ معقدةٍ.

الباحثون عن الأنماط

استندَ اختراعُ الأسلحةِ الخفيّة كالقوس والسهم التي يمكن أن تَقْتُلَ من مسافةٍ بعيدةٍ إلى المنطق التالي: إذا شَدَدْتُ سهماً على ألياف قابلةٍ للتمدد، وحَرَرْتُ التوترَ الموجود في الألياف، فسيطير السهم. واختراع الزراعة: إذا أخذت بذرة طماطم، وزرعتها في تربةٍ رطبةٍ، فسأحصل على نبتة طماطم. الطب: إذا كنت أعاني صداعاً، وأكلتُ لحاء شجرة الصفصاف، فسيزول صداعي. وهلم جراً.

   دفعني الدور الحاسم للبحث عن الأنماط في قصة التقدم البشري إلى التساؤل: وبالنسبة إلى دارة التعاطف، نعلم أن هناك اختلافاتٍ فرديةً في مدى سيادة Dominant هذه القدرة في المجموعة، وأنها تتوافق مع الاختلافات الجينية. فهل هذا صحيحٌ بالنسبة إلى القدرة التنظيمية أيضاً، أي أنه هو الآخر انتخب أيضاً انتخابا فاعلاً في تطورنا؟

   قد يكون الأمر كذلك. وعندما نظرت أنا وزملائي إلى أكثر من 630,000 شخصٍ كجزءٍ من دراستنا لأنواع الدماغ Brain Types، وجدنا أن الفروق الفردية في القدرة التنظيمية تتوزع على منحنىً ناقوسي الشكل. لتحديد ما إذا كانت هذه الاختلافات تتوافق مع الاختلافات الجينية، في عام  2019 حلّلنا بيانات 50,000 شخص. كما هي الحال مع التعاطف وجدنا أن الاختلافات الجينية الشائعة مرتبطةٌ بمكان وجود كلٍ منا على منحنى التنظيم: سواءً كنا قليلي الاهتمام بأنماط من نوع إذا حدث كذا-و-فسيحدث كذا، أو متوسطي التنظيم، أو تنظيميين دون توقف ـ ما يسمى مفرطي التنظيم Hyper-systemisers.

   حقيقة أن مدى ميلنا إلى التنظيم يعتمد على الجينات ولو جزئياً، يعني مرةً أخرى أن هذه القدرة كانت نتاج الانتخاب الطبيعي. فليس من الصعب أن نتخيل قد تكون لمفرطي التنظيم مزايا تكيفيةٍ Adaptive advantages تمكنهم من البقاء على قيد الحياة ونقل جيناتهم. فربما كانوا هم الأشخاصَ الذين يقصدُهم الناسُ حين يكون أطفالهم مرضى، على سبيل المثال، أو لإصلاح أداةٍ؛ أو أولئك الذين يمكنهم اختراع طرقٍ جديدةٍ وأفضل للقيام بالأشياء، وبذلك يدخرون موارد كبيرة.

   كشفتْ البياناتُ عن جانبٍ آخر مثيرٍ للاهتمام: وجدنا أيضاً أن معظم الناس يميلون إما نحو التنظيم أو التعاطف، وليس نحو تحقيق توازنٍ متساوٍ بين الاثنين. وهذا يشير إلى سيادة نمط أو آخر قد يكون ذا فائدةٍ تكيفيةٍ في الكوات الإيكولوجية Ecological niches المختلفةٍ (انظرْ: “ما هو نوع دماغك؟”).

   وتساهم جميع هذه القطع في فكرة جديدة حول كيفية تطور عقولنا المُخْتَرِعَة. كما قد تخبرنا أيضاً شيئاً عن التوحد، والذي قضيتُ معظمَ حياتي المهنية في دراسته.

   من بين الأشخاصِ الذين أسميهم مفرطي التنظيم ، أودُ أن أذكرَ بعضاً من أشهر المخترعين في التاريخ مثل توماس إديسون Thomas Edison، وإسحاق نيوتن Isaac Newton، ونيكولاس تيسلا Nicholas Tesla.

   وفقاً لسيرتهما الذاتية، انغمس إديسون في تجاربه لدرجة أن زوجته وضعتْ فراشاً في مكتبه لينام عليه، بينما واصل نيوتن إلقاء محاضراته في كلية ترينيتي Trinity College بجامعة كيمبريدج University of Cambridge، حتى ولو لم يحضر أي طالب، لأن المحاضرات كانتْ في عقد عمله. وهكذا تمكن كل منهما من استخدام موهبته في التنظيم في مكانٍ قدر هذه الموهبة. للأسف، هذا هو الاستثناء في كثيرٍ من الأحيان ـ وهي نقطةٌ سأعود إليها لاحقا.

موهبةٌ توحديةٌ

تشيرُ هذه الأمثلة في أحسن الأحوال إلى أن هذه الشخصيات التاريخية ربما كانت ذات سماتٍ توحديةٍ مرتفعةٍ. ولكنني أردتُ أن أفهم هذا الرابط فهماً أفضل. وعندما نظرنا عن كثبٍ إلى دراستنا لأنواع الدماغ، وجدنا أن المشاركين البالغ عددهم 36,000 الذين شُخِصوا بالتوحد ميالون إلى أن يكونوا تنظيميين أو من مفرطي التنظيم، سواء من الرجال أم النساء.

   وجدنا أيضاً أنه بالنسبة إلى الـ 600,000 شخصٍ الآخرين في الدراسة ممن لم يُشَخصوا بالتوحد، كان لدى أولئك الذين يعملون في مجالات العلوم Science أو التكنولوجيا Technology أو الهندسة Engineering أو الرياضيات Mathematics (اختصاراً: المجالات STEM) عددٌ أعلى من سمات التوحد من العاملين في مجالات غير هذه المجالات. وفي الدراسات التي أُجْرِيتْ على علماء الرياضيات في جامعة كيمبريدج، وجدنا ارتفاعاً في معدل من شُخِصوا بالتوحد مقارنةً بالاختصاصيين في العلوم الإنسانية أو في مجموع السكان عموما.

   في المتوسط، يتفوق الأشخاصُ المصابون بالتوحد على الأشخاص غير المصابين بالتوحد في اختبارات التعرف على الأنماط والتفكير الميكانيكي Mechanical reasoning. ويبدو أن هذا الارتباط بين سمات التوحد، وتشخيص التوحد، والتنظيم ذو سببٍ جيني. ويعمل عددٌ أكبر من آباء الأطفال المصابين بالتوحد في المجالات STEM، ويُظْهِرُون مهاراتٍ أعلى في التعرف على الأنماط.

كل هذه الارتباطات مقنعةٌ، ولكن لتحديد الصلة بدقةٍ بين التوحد والتنظيم، أجرينا دراسةً أخرى واسعة النطاق عن الارتباط الجيني. فقد كانت هناك بالتأكيد صلات Links بين الاختلافات الجينية الشائعة المرتبطة بالتوحد وتلك المرتبطة بالتنظيم. بمعدل 26%. وهذا يعني أن بعض جينات التوحد لا تُرَمِّزُ للتوحد فقط، ولكن للموهبة في التنظيم أيضاً.

“دفع فرط التنظيم تقدم الاختراعَات البشرية لمدة 70,000 عام”

 

   وهذا إدراك مهم. إنه يشير إلى أن التوحد ليس مصادفةً جينيةٍ، ولكنه متشابكٌ مع قدرتنا على الاختراع وقد انتُقي بشكلٍ فاعلٍ عبر تطورنا. ففي كثيرٍ من الأحيان، هُمِّشَ الأشخاص المصابون بالتوحد، ووصِموا، واسْتُبْعِدوا. وكان هذا هو محور خطابي عام 2017 في الأمم المتحدة United Nations، حول موضوع التوحد وحقوق الإنسان. وأظهرتْ دراساتٌ مقلقةٌ من مختبرنا أن ثلثي البالغين المصابين بالتوحد شعروا برغبةٍ في الانتحار، وثلثهم حاولوا الانتحار، وأن الصحة العقلية للغالبية متردية، فقد يعانون مثلا مستوياتٍ عاليةٍ من القلق Anxiety والاكتئاب Depression.

   لنكن واضحين: الصعوباتُ المرتبطةُ بالصحة العقلية ليست جزءاً أصيلاً من التوحد. إنها علامةٌ على نقص الدعم وتسهيل الاندماج في المجتمع. ومستوياتُ بطالة البالغين المصابين بالتوحد مرتفعةٌ ارتفاعاً غير مقبولٍ، ومن المؤكد أن البطالة يمكن أن تقوضَ إحساسنا بالاندماج، والاستقلالية، وبقيمتنا للمجتمع.

   آمل بأن يُساعدَ اكتشافُ العلاقةِ بين التوحد والاختراع الحركةَ المتنامية لاحترام تنوعِ أدمغتنا البشرية والاحتفاءِ به. فَالأشخاص مفرطو التنظيم جزءٌ من التنوع العصبي Neurodiversity الذي نجده في أي مجموعةٍ سكانية، وقد دفعَ نوعُ الدماغ هذا والجيناتُ المرتبطةُ به التقدمَ البشري من خلال تطوير الاختراعِ لأكثر من 70,000عام.

   علينا واجب مدني لدعم الأشخاص المصابين بالتوحد لضمان حصولهم على وظائف، من أجل رفاهيتهم، ولزيادة فرص الإبداع البشري في المستقبل.

سيمون بارون كوهين هو مدير مركز أبحاث التوحد Autism Research Centre في جامعة كيمبريدج. وقد صدر  كتابه الباحثون عن الأنماط: نظريةٌ جديدةٌ عن الاختراعات البشرية The Pattern Seekers: The new Theory of human Invention

ما هو نوع دماغك؟

لدراسة التوازن بين التعاطف والتنظيم في الأفراد، طلبتُ أنا وزملائي إلى المشاركين الإجابة عن نسخةٍ قصيرةٍ من استبانتين: نسبة التنظيم Systemizing Quotient (اختصاراً: النسبة SQ) ونسبة التعاطف Empathy Quotient (اختصاراً: النسبة EQ). ففي كلتيهما طُلِبَ إلى الأشخاص اختيارُ ما إذا كانوا يوافقون بقوةٍ، أو يوافقون قليلاً، أو لا يوافقون إلى حدٍ ما، أو لا يوافقون أبداً على قائمةٍ من 10 عبارات. وأسئلة النسبة SQ، اشتملتْ على “أنا مهتمٌ بمعرفة المسار الذي يسلكه النهر من منبعه إلى البحر” و “عندما أستمع إلى مقطوعةٍ موسيقيةٍ، أنتبهُ دائماً للطريقة التي شُكِلَتْ بها”. أما أسئلة النسبة EQ، فاشتملتْ على “لا يمكنني دائماً معرفةُ سبب شعور شخصٍ ما بالإهانة بسبب تعليقٍ” و “يمكنني أن أحس بديهياً وبسرعةٍ كيف يشعرُ شخصٌ ما”.

   جمعنا النقاطَ لنرى موقع الشخصِ بالنسبة إلى هذين المجالين. وأظهر هذا البحثُ أن طيفَ التنوع العصبي البشري يمكن تقسيمه إلى خمسةِ أنواع دماغية فقط، وأن هناك عادةً مقايضةً بين التعاطف والتنظيم: أي أنه كلما حصلتْ على درجةٍ أعلى في أحدهما، قلّتْ درجاتُك في الآخر.

النوع E: الأشخاص الذين يكون تعاطفهم أعلى من قدرتهم التنظيمية. فهذه المجموعة تشكل نحو 30% من السكان.

النوع S: الأشخاص الذين تكون قدرتهم التنظيمية أعلى من تعاطفهم. مرةً أخرى، تشكل هذا المجموعة نحو 30% من السكان.

النوع B: أولئك الذين يتساوى دافعهم إلى التعاطف مع قدرتهم التنظيمية. يشكلون أيضاً نحو 30% من السكان.

النوع E المفرط: الأشخاص الذين تكون دارة تعاطفهم ذات فعاليةٍ عاليةٍ جداً، والذين يتعاطفون من دون توقف، لكن آلياتهم التنظيمية تعمل على مستوياتٍ متوسطة أو أقل من ذلك. هؤلاء يشكلون نحو 3% من السكان.

النوع S المفرط: الأشخاص الذين تكون آلياتهم التنظيمية ذات فعاليةٍ عاليةٍ جداً، والذين ينظمون من دون توقف، لكن دارة تعاطفهم تعمل على مستوياتٍ متوسطة أو أقل من ذلك. يشكلون أيضاً نحو 3% من السكان.

لقد أنشأنا مؤخراً أداةً على الإنترنت لنمكن الأشخاص من المشاركة في هذه الاستباناتِ من المنزل، حتى يتمكنوا من المساهمة في بحثنا. وسنكون قادرين على استخدام هذه البيانات لاستكشاف مجموعةٍ من الأسئلة المهمة: هل تختلف أنواع الدماغ الخمسة باختلاف الثقافة، والعمر، والجنس، وعلم الأعصاب، والمهنة، والبيولوجيا، والتجارب؟ وما هي المزايا التي يمنحها كل نوعٍ من أنواع الدماغ؟ للانضمام إلى بحثنا، يرجى زيارة yourbraintype.com

 

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى