أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فيزياء

إنجاز في مجال الموصلات الفائقة قد يقود إلى ثورة طاقة

أخيرًا صنعنا موصلا فائقا يعمل عند درجة حرارة الغرفة، ولذلك فإنّ المواد التي تنقل الكهرباء دون أي ضياع صارت في متناول اليد.

بقلم: ميشيل بروكس

ترجمة: همام بيطار

أطلقوا عليها “وودستوك الفيزيائيين الكبير”. فقد كان من المفترض أن تستمر الجلسة المسائية للجمعية الفيزياء الأمريكية American Physical Society والتي عُقدت في فندق هيلتون في نيويورك في 18 مارس 1987 لبضع ساعات فقط. ففي هذا الحدث اجتمع نحو 1800 فيزيائي داخل مساحة صُممت لتسع 1100 فرد على الأكثر، كما تابع الجلسة آلاف آخرين عبر التلفاز. انتهت الجلسة عند الساعة 3.15 صباحا، مع استمرار العديد من المجتمعين لساعات الصباح الباكر. وقد تصدرت أخبار هذا الاجتماع الصفحات الأولى في معظم أنحاء العالم، وكُرِّم المشاركون حينها في شوارع نيويورك.

وكان السبب وراء تلك النشوة غير المتوقعة عددٌ هائل من الانجازات العلمية في مجال الموصلية الفائقة Superconductivity. فالمواد فائقة الموصلية Superconductors هي مواد يُمكنها نقل الإلكترونات، ومن ثم الطاقة الكهربائية دون أي مقاومة -على النقيض من المواد الموصلة التي تغذي مجتمعنا الكهربائي، أو أشباه الموصلات Semiconductors في حواسيبنا. إن صنع موصل فائق الموصلية سيقود إلى ثورة في مجال تخزين ونقل الطاقة، وهو ما نحن بحاجة إليه في عصرنا الراهن الذي يشهد تسارعا في التغير المناخي.

بعد مضي ما يزيد على 33 عاما لا تزال تلك الثورة معلقة، لكنه شاع في الآونة الأخير جوٌّ من التفاؤل. فالآن يزداد التقارب بين النظرية والتجربة لتطوير طرق جديدة إلى مجال الموصلات الفائقة. ليس ذلك فقط، إذ يبدو أننا صنعنا بالفعل موصلاً فائقا يعمل عند درجة حرارة قريبة من درجة حرارة الغرفة، وهو الهدف النهائي لعالم الفيزياء هذا، فنحن لا نزال نتخبط في الظلام في هذا المجال من البحث، إلا أننا وفجأة نرى بصيصا من النور الآن.

بدأ ذلك منذ وقت طويل، حتى قبل ذلك الفجر الزائف لعام 1987، إذ اكتشف عالم الفيزياء الهولندي هايك كامرلينج أونز Heike Kamerlingh Onnes في عام 1911 أن الزئبق يفقد مقاومته الكهربائية عند درجات حرارة فائقة البرودة وتبلغ 4.2 كلفن، أو 4.2 درجة فوق الصفر المطلق (-273.15 ْس)، وهي أدنى درجة حرارة محتملة. وفي العام التالي اكتُشف أيضا أن كلاًّ من القصدير والرصاص لديهما الخاصية نفسها عند درجات حرارة تصل إلى 3.8 كلفن، و7.2 كلفن على التوالي، وتبع ذلك عدد آخر من المعادن، وغالبا ما كانت موجودة في سبائك Alloys مثل سبائك النيوبيوم-القصدير Niobium-Tin.

التطلع قدما

يُعرف ذلك النوع من الموصلية بالموصلية الفائقة عند درجات الحرارة المنخفضة، أو الموصلية الفائقة “التقليدية” Conventional Superconductivity. وكما أظهرت الأبحاث التي حازت على جوائز نوبل في خمسينات القرن العشرين، فإن ذلك النوع من الموصلية الفائقة يتحقق لأن الإلكترونات الموصلة تتحد فيما يُعرف بثنائيات كوبر Cooper Pairs، والتي تستخدم بدورها الخصائص الكمية لتفادي الحواجز العادية التي تعيق حركتها داخل المواد الصلبة. وتنتج تلك الثنائيات من تأثير الفونونات Phonons وهي اهتزازات تحصل في شبكة الذرات التي تؤلف المادة الصلبة. وتضطرب تلك الاهتزازات عند درجات الحرارة المرتفعة. وحتى وقت قريب عملت الموصلات الفائقة عند درجات حرارة تبلغ 40 كلفن تقريبًا، مما يعني ضرورة تبريدها باستخدام هيليوم سائل ومكلف جدا.

ما أثار حماسة العالم في عام 1987 هو اكتشاف المواد التي تكون فائقة الموصلية عند درجات حرارة أعلى من 100 كلفن، إذ مثّل ذلك قفزة هائلة لأنها تحتاج إلى وسائل تبريد رخيصة نسبيا وهي في متناول اليد كالنتروجين السائل الذي يعمل عند درجات حرارة تصل إلى 77 كلفن. وسريعا صنعت الفرق العلمية موصلا فائقا مكون من أكسيد النحاس، أو “الكوبرات” Cuprate وذلك بعد تجريب وصفات مختلفة بنسب متنوعة. وبحلول عام 1993 دفعوا درجة الحرارة إلى أقصى مستوى حينها وهو 133 كلفن (أي ما يُعادل -140 ْس)، أي أقل بقليل من منتصف المسافة بين درجة حرارة الغرفة (التي تبلغ 293 كلفن تقريبا، أو 20 ْس) والصفر المطلق.

ومع ذلك كان الأمر محبطا. فعلى النقيض من الموصلات الفائقة التقليدية، فنحن لا نعرف ماذا يجب أن يحدث داخل الموصلات الفائقة العاملة عند درجة حرارة أعلى كي تفقد مقاومتها الكهربائية.  ونعتقد أنها تشكل أزواج كوبر مباشرة ودون أي حاجة إلى فونونات، لكن ذلك مجرد تخمين لا أكثر. ودون التأكد منه، فإن الطريقة الوحيدة لتحسين وصفات تلك المواد تتمثل في التجريب وتعليق الأمل على مصادفة ما.

هناك أيضا مشكلات عملية تتعلق بموصلات الكوبرات الفائقة، فهي معادن قابلة للطرق Ductile metals يمكننا تحويلها إلى أسلاك رقيقة، وإنما سيراميك قابل للكسر. وإضافة إلى ذلك، فإن تصنيعها مكلف، وتتلوث بعناصر أخرى بسهولة، كما أن موصليتها الفائقة تحصل ضمن بلورة Crystal واحدة من تركيبها. وكل ذلك يعني أنه لن لا تصلح لصنع كابلات نقل الطاقة الكهربائية (انظر: كيف ستغير الموصلات الفائقة العالم؟).

تقول سوزي سبيلر Susie Speller، والتي تعمل في مجال تطبيقات الموصلات الفائقة من جامعة أكسفورد University of Oxford: “يعني ذلك أنه يتعين عليك تصميم بلورة بطول كيلومتر كامل”.

تتغلب أسلاك الكوبرات، المصنوعة من أكسيد النحاس والكالسيوم والستونشيوم والمعروفة بالكوبرات BSCCO (التي تُلفظ بيسكو “bisco”)، على بعض تلك المشكلات. ولكن تلك المواد باهظة الثمن جدا إلى درجة تحدُّ من استخدامها في معظم التطبيقات كما يقول سبيلر. فإضافة إلى عملها عند درجات حرارة منخفضة جدا، تحتاج الموصلات الفائقة ضغطا مرتفعا، أو مجالات مغناطيسية منخفضة الكثافة لكي تعمل.

لقد أثبتت الموصلات الفائقة ذات الأساس الحديدي، والمكتشفة عام 2008، أنه لا يُمكن تحويلها بسهولة إلى أسلاك، وتعلق سبيلر على الأمر قائلة: “لم ينظر علم المواد تطبيقات إلى هذه المواد نظرًا لصعوبة العمل معها”.

تقود كثافة التيار المرتفعة في الموصلات الفائقة إلى مجالات مغناطيسية قوية، ولذلك لها تطبيقات خاصة جدا. ويتضمن ذلك المغناطيسات التي توجه الجسيمات في مصادم الهادرونات الكبيرLarge Hadron Collider في مختبر سيرن CERN لفيزياء الجسيمات في جنيف-سويسرا، وكذلك داخل أجهزة ماسحات التصوير بالرنين المغناطيسي MRI، والتي تعتمد على المجالات المغناطيسية للنظر إلى الأنسجة والبنى الموجودة داخل الجسم. ولكن عادة ما تستخدم تلك المغناطيسات الفائقة خليط النيوبيوم-القصدير المبرد بالهيليوم السائل عند درجة حرارة 4 كلفن، أو أقل من ذلك. وعدم وجود تطبيقات أوسع من ذلك هو أمر مخيب للآمال.

غير أنه يشيع التفاؤل الآن بفضل إنجازين. ويتعلق الإنجاز الأول بالغرافين Graphene وهي مادة كثيرة الانتشار ومكونة من صفائح بسمك ذرة كربون واحدة. ففي عام 2018 بيّن فريق من الباحثين يقودهم بابلو جاريلو-هيريرو Pablo Jarillo-Herrero من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology، أن وضع صفيحتين من الغرافين معا، ومن ثمّ حنيهما يجعلها موصلا فائقا. حصل ذلك عند درجة حرارة 1.7 كلفن، لكن الموصلية الفائقة التي نتجت من ذلك بدت مشابهة لموصلية الكوبرات.

وفي عام 2020 كشف آرتم ميشينكو  Artem Mishchenko من جامعة مانشستر  University of Manchester في المملكة المتحدة عن مادة أخرى كربونية الأساس وتحاكي الموصلية الفائقة للكوبرات، وهي الغرافيت متوازي المستطيلات Rhombohedral Graphite، ويقول ميشينكو: “من المرجح أن يكون مُهمًّا كنظام نموذجي لفهم الموصلات الفائقة التي تعمل عند درجات حرارة مرتفعة”.

في نهاية 2020 نُشرت تلك النتيجة وكانت السبب في  أكبر قدر من الإثارة. ففي عام 1968 أظهر نيل أشكروفت Neil Ashcroft، من جامعة كورنيل Cornell University في نيويورك أنه إذا أمكن تحويل الهيدروجين إلى معدن، فإنه سيحتوي على أزواج كوبر فائقة الموصلية. فقد واصل أشكروفت دراساته النظرية على مدار عقود، وبرهن في عام 2004 على أن ذلك ينطبق أيضا على المركبات التي تحتوي على الهيدروجين، المعروفة بالهيدرات Hydrides في ظل شروط تتضمن ضغوط مرتفعة جدا، وربما عند درجات حرارة الغرفة.

وتلك الدراسات قدمت دليلا لا أكثر، ولكي نصنع مادة فائقة الموصلية، “تعلمنا أنه يجب أن يكون لدينا عدد من العناصر المختلفة التي توضع في أماكنها المناسبة داخل البلورة، وبنسب دقيقة جدا” وفقا لسبيلر، مما يعني البحث عبر الجدول الدوري كله. وتقول سبيلر: “يشبه الأمر البحث عن إبرة في كومة قش، إلا إذا كانت لديك استراتيجية تشير إلى مكان البحث”.

هنا تدخل القدرات الحاسوبية إلى المشهد. ففي عام 2006 أظهر كريس بيكارد Chris Pickard، وهو عالم مواد من جامعة كيمبريدج University of Cambridge، أنه من الممكن تسريع البحث عبر إقحام الأطر النظرية لطيف من المواد، بما في ذلك الهيدرات، داخل برنامج سهل الاستخدام ومجاني يعرف بآيرس AIRSS. وسيُمكِّن ذلك الباحثين النظرين من استكشاف البنية الداخلية للمادة الصلبة، وتحليل سلوك الكتروناتها، ونوع الاقتران الإلكتروني-الفونوني Electron-phonon Coupling الذي سيحصل عند درجات حرارة محددة. ولن يعطينا ذلك أفضل المواد فائقة الموصلية، لكنه سيخبرنا بما إذا كانت المادة التي ننظر إليها جيدة أم لا. وتقول إيفا زيورك Eva Zurek، وهي عالمة نظرية من جامعة ولاية نيويورك في بوفالو State University of New York: “الحوسبة أسرع وأقل تكلفة مقارنة بالتجارب”.

غيّر ذلك النهج قواعد اللعبة وفقاً للعالِم التجريبي ميخائيل إيرميتس Mikhail Eremets من معهد ماكس بلانك للكيمياء Max Planck Institute for Chemistry في ماينز، إذ يقول: “إنّ استخدام الحدس وحده لن يعمل. فمن الصعب جداً التنبؤ بالمواد التي ستكون مناسبة”. وفي عام 2015 استخدم إيرميتس بعض الأدلة الناتجة من البرنامج للحصول على موصلية فائقة باستخدام كبريتيد الهيدروجين Hydrogen Sulphide عند درجة حرارة بلغت 203.5 كلفن، وذلك بضغط المادة وصولاً إلى 155 غيغا-باسكال (GPa)، أي أكثر من الضغط الجوي فوق سطح الأرض بنحو 1.5 مليون ضعف.

وبعد إحراز هذا التقدم، وفي شهر أكتوبر الماضي، تمكن رانغا دييز Ranga Dias من جامعة روشستر University of Rochester في نيويورك وزملاؤه من تطوير مادة فائقة الموصلية عند درجة حرارة 287 كلفن، أي ما يعادل 14س. وهذه هي درجة حرارة الغرفة تقريباً إذا افترضنا أننا في فصل الشتاء، وأن أجهزة التدفئة لا تعمل. وهذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من تحقيق الموصلية الفائقة عند درجات حرارة كتلك.

صنع دييز وزملاؤه تلك المادة بسحقها بين قطعتين من الألماس، وتحت ضغط 267 غيغا باسكال، وهو ضغط يعادل الضغط القرب من مركز الأرض تقريبا، فذلك غير عملي أبدا. ولكنه وفقا لدييز، فإنه من المحتمل أن تصير المادة فائقة الموصلية باستخدام آلية كوبر التقليدية أيضا.

إثبات المبدأ

إذا كان ذلك المبدأ صحيحا، فيجب إثباته، فهو الدليل الذي طال انتظاره عندما يتعلق الأمر بالموصلية الفائقة التقليدية عند درجات حرارة الغرفة، وذلك يعني أنه سيكون بوسعنا استخدام نماذج مطورة جيدا للبحث عن المواد التي تمتلك الخصائص الضرورية لصناعة مادة فائقة الموصلية وتعمل عند درجة حرارة الغرفة. ويقول بيكارد: “تجتمع النظرية والحسابات والتجربة معا في المكان المناسب والوقت المناسب لحصول ذلك التقدم العلمي”، ويتابع: ” تبرهن تلك النتائج على أنه لدينا الوسائل الحوسبية والنظرية لإنجاز ذلك البحث”.

حاليا ينصب تركيز العلماء النظريين على توجيه تركيز العلماء التجريبيين نحو مواد مشابهة ببنية قد تسمح بأن تكون موصلة فائقة عند درجات ضغط منخفضة نسبيا ودرجات حرارة مرتفعة ارتفاعا كافيا، وفي الوقت نفسه لديها الخصائص الفيزيائية المرغوب فيها، كقابلية الطرق Ductility أو القابلية التطويع Malleability.

تستطيع مجموعات بحثية قليلة تحقيق مثل تلك الضغوط التي تمكن دييز من الوصول إليها، لكن الوصول إلى درجة ضغط أقل من 100 غيغا-باسكال لن يحتاج إلى الأجهزة الخاصة التي استخدمها. فإذا كان بوسع العلماء النظريين الإشارة إلى البُنى التي قد تكون فائقة الموصلية عند 100 غيغا-باسكال، أو أقل، عندها “ستكون متاحة لمجتمع تجريبي أوسع بكثير وبإمكانه اختبارها، وأمثلتها Optimize، وتحسينها”، وفقا لبيكارد الذي نشر ورقة علمية تتنبأ بدرجة حرارة انتقالية نحو الموصلية الفائقة، هي صفر ْس، بالنسبة إلى مجموعة من المواد التي تحتاج إلى درجات ضغط  تصل إلى 100 غيغا-باسكال.

هناك عقبة أخرى أمام إعادة نتائج تجارب دييز وفريقه، فلا أحد يعرف تماما ما الذي فعله الفريق. فقد حاكى دييز تقنيات إيرميتس -فهو يقول إذا استحق هذا العمل جائزة نوبل، فيجب أن تكون من نصيب إيرميتس- لكنه دمجها في خليط “سحري” من الكربون والهيدروجين والكبريت. فلا أحد يستطيع أن يخبرنا بالضبط كيف ترتبط تلك الذرات ببعضها البعض عند تلك الدرجات المرتفعة جداً، كما أن تلك المادة لا تستجيب لتقنيات تصوير حيود الأشعة السينية X-ray Diffraction Imaging Technique المستخدمة لرؤية ما يحصل عند المستويات الذرية، فالهيدروجين عنصر خفيف جدا وحيوده صغير جدا. ويعلق دييز قائلاً: “نحاول تطوير تقنيات جديدة. أما الآن، فنحن عميٌ نوعا ما”.

وإذا استطعنا فهم البنية والآليات التي تقود إلى تشكل تفاعل أزواج كوبر عند الضغوط المرتفعة، فقد نتمكن حينها من البدء بفعل ذلك عند ضغوط منخفضة. كما أننا نأمل بأن تكون المادة “شبه مستقرة” Metastable، ولن تنهار عند تحرير الضغط. فالألماس هو مثال عن تلك المواد شبه المستقرة، والذي يتشكل عند تعريض ذرات الكربون لضغوط مرتفعة، ولكن حالما يتشكل يُمكنك إزالة الضغط دون أن يعود إلى حالته السابقة.

أفكار رائعة

ليس من السهل التحقق من استقرار المادة، فالتجارب التي تتضمن ضغط المادة للحصول على مواد فائقة الموصلية تتم برفع الضغط لدرجات عالية جدا حتى يتحطم الألماس ويختلط بالعينة، ومن ثمّ لن يكون بوسعك عكس العملية. و ديفيد جونستون David Johnston من جامعة ولاية آيوا Iowa State University، والذي يعمل في مجال أبحاث الموصلية الفائقة، غير مقتنع بأن تفاعل أزواج كوبر سيظل قائما عند العودة إلى الضغوط المنخفضة، إذ يعلق قائلا: “لا أرى أي أمل عندما يتعلق الأمر بحصول الموصلية الفائقة عند درجات حرارة الغرفة والضغط الجوي المحيط باستخدام ذلك التفاعل”. بينما تعتقد زيورك أننا بحاجة إلى المزيد من التحسينات التي تقودها النظرية، وذلك يبدأ بالرياضيات، فنحن لسنا بحاجة إلى مركب لديه الخصائص المناسبة مصادفة فقط. لذا، فقد يقودنا ذلك في اتجاه مختلف تماما. فإذا كان بوسعنا فهم السبب الكامن وراء السماح بالموصلية الفائقة عند درجة حرارة الغرفة في تجربة دييز، قد يمكننا حينها تطبيق الرؤية التي سنحصل عليها في مجال الموصلات الفائقة التقليدية كموصل النيوبيوم-التيتانيوم NiobiumTitanium، وثنائي بوريد المغنيزيوم Magnesium Diboride.

هذه مواد مفيدة وقابلة للاستخدام، وربما لا نكون بحاجة إلى رفع درجات حرارتها الانتقالية فوق درجة حرارة النتروجين السائل، وهذه النقطة غالبا ما يهملها الباحثون وفقا لبيكارد، الذي يتابع قائلا: “من الصعب أحيانا إثارة اهتمام الناس حول تلك النقطة -إنهم يريدون الوصول إلى درجة حرارة الغرفة”.  ولبدء ثورة في مجال الموصلية الفائقة، فنحن بحاجة إلى مادة “جيدة بما فيه الكفاية”، أي أنها رخيصة نسبيا، ويُمكن طرقها وسحبها بسهولة لتشكل أسلاك، وتعمل عند درجات حرارة النتروجين السائل.

سيكون ذلك كافيا، على سبيل المثال، لصناعة ماسحات MRI أرخص، وتوسيع نطاق توافرها لاستخدامها في التشخيص الطبي ودراسة الدماغ البشري. وينطبق الأمر نفسه على استخدام الموصلات الفائقة في نقل الكهرباء. وتقول سبيلر: ” الحاجة إلى التبريد باستخدام النتروجين السائل لا يعيق استخدامها في خطوط نقل الطاقة”. فالتيار الذي يسري داخل موصل فائق يكون كثيفا لدرجة أن أسلاك نقل الطاقة عالية الجهد High-voltage transmission cables قد تكون أرق بكثير مما هي عليه حاليا، ووفقاً لسبيلر أيضا  فإنه من “السهل جدا” صناعة أغلفة مفرّغة للحيلولة دون غليان النتروجين السائل سريعا.

ما تغير في العامين الماضيين هو وجود نظرية وحسابات وتجارب تغذي بعضها البعض بهدف الوصول إلى مادة تحقق المواصفات. ووفقا لبيكار، فذلك قد يكون جيدا، “فكلما كان عدد الأفراد الذين لديهم أفكار مختلفة أكبر، زادت فرصة أنّ فردا ما في مكان ما سيعثر على الإبرة في كومة القش أكبر”. وفي هذه المرة لن تكون هناك نشوة كتلك التي حصلت في التجمع الكبير عام 1987، فمع الوسائل المتاحة حاليا والتي تمكننا من إنجاز الأعمال الصعبة، فقد تغدو ثورة الموصلية الفائقة في متناول اليد حقا.

كيف ستغير الموصلات الفائقة العالم؟

ستغير القدرة على إيصال الكهرباء دون مقاومة وعند درجة حرارة الغرفة حياتنا اليومية. فنحو 10% من القدرة الكهربائية تُفقد عند النقل لمسافات طويلة داخل كابلات الجهد المرتفع، مما يجعل من الموصلات الفائقة فوزا كبيرا جدا. وسنكون قادرين أيضا على تخزين الطاقة في دارات فائقة الموصلية Superconducting circuits ، مما سيسمح لنا بالحفاظ على الطاقة الرخيصة القادمة من المصادر المتجددة Renewable sources إلى حين الحاجة إليها.

ومن خلال زيادة فاعلية أنظمة الطاقة، فإن الموصلات الفائقة ستساهم في تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة Greenhouse Gas، مما يساعد على إبطاء التغير المناخي. أما في تطبيقات أخرى كالمحركات والمولدات، فإنها ستقدم تطورا مُهمًّا في نسبة الطاقة إلى الوزن لتعزز بذلك، على سبيل المثال، فعالية المركبات الكهربائية. كما أن المجالات المغناطيسية اللازمة لحصر البلازما الساخنة في مفاعلات الاندماج النووي المستقبلية ستكون مستدامة فقط عند استخدام التيارات الكهربائية ذات الكثافة المرتفعة والناجمة عن الموصلات الفائقة.

ماذا عن القطارات المحمولة مغناطيسيا؟ طالما جرى التبجح بهذا الأمر كتطبيق مباشر للمجالات المغناطيسية القوية جدا والتي تولدها الموصلات الفائقة. ففي الحقيقة، فإنه يُمكنك جعل القطار يطفو فوق مساره، ويمضي في طريقه دون قوى احتكاك باستخدام المغناطيسات القياسية. ولكن تكاليف البنى التحتية لمثل هذا النوع من سكك القطارات كافية لتعطيل معظم الحكومات، هذا إن لم نُضف تكاليف الموصلات الفائقة باهظة الثمن.

© 2021, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى