أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فلك وعلم الكونيات

تليسكوب أفق الحدث يرصد نفاثات ثقب أسود ثانٍ

لقطة بحجم الأرض من أداة لمجرة قنطورس "أ" تشير إلى أن جميع الثقوب السوداء تعمل بالطريقة نفسها

بقلم:   دانييل كليري

ترجمة: مي بورسلي

قبل عامين التقط فريق علم الفلك أول لقطة مقربة لثقب أسود عملاق، كامنًا في مركز مجرة ميسييه 87 (M87)، وحالياً كبّر صورة لعملاق أصغر إلى حد ما في المجرة النشطة القريبة قنطورس أ Centaurus A. وقد تساعد أحدث صورة التقطها التليسكوب أفق الحدث Event Horizon Telescope  (اختصارا: التليسكوب EHT) على تقديم إجابات عن الأسئلة المتعلقة بالكيفية التي تُحول بها مثل هذه المراكز المجرية كمياتٍ هائلةً من المادة إلى حزم قوية ونفثها لآلاف السنين الضوئية في الفضاء. وتدعم صورتا المجرتين معًا أيضًا اعتقاد الباحثين النظريين بأن جميع الثقوب السوداء تعمل بالطريقة نفسها، على الرغم من الاختلافات الهائلة في كتلتها.

ويقول فيليب بيست Philip Best، الاختصاصي بعلم الفلك من جامعة إدنبرة University of Edinburgh عن الصورة التي نتجت بعد معالجة ما رصده التليسكوب EHT: “هذا رائع حقًا… الدقة الزاوية Angular resolution مذهلة مقارنة بالصور السابقة لهذه النفاثات”.

والتليسكوب EHT يدمج العشرات من أطباق رصد الموجات الراديوية Radio dishes المنتشرة على نطاق واسع، من هاواي إلى فرنسا ومن غرينلاند إلى القطب الجنوبي، في تليسكوب افتراضي ضخم. ومن خلال توجيه عدد كبير من الأطباق إلى جرم سماوي في الوقت نفسه وتوثيق توقيت الرصد بدقة في كل منها اعتماداً على ساعة ذرية، يمكن للباحثين فيما بعد إعادة تجميع البيانات باستخدام مجموعات حوسبة ضخمة – وهي عملية تستغرق سنوات – لإنتاج صورة بدقة حادة مثل دقة صورة يلتقطها طبق راديوي بحجم الأرض. ويتمثل أحد التحديات بالحصول على وقت للرصد في 11 مرصدًا مختلفًا في وقت واحد، لذا فإن التليسكوب EHT يعمل فقط لبضعة أسابيع كل عام؛ وغالبًا ما يؤدي سوء الأحوال الجوية والأعطال الفنية إلى تضييق تلك النافذة الزمنية.

وفي عام 2017 سبر التليسكوب الافتراضي المجرة قنطورس أ  خلال حملة المراقبة نفسها التي أنتجت الصورة الشهيرة الآن للثقب الأسود الهائل في المجرة M87 – أفضل تقدم علمي لعام 2019  نشرته مجلة ساينس Science. فالمجرة قنطورس أ، على بعد نحو 13 مليون سنة ضوئية، هي واحدة من أقرب المجرات إلى الأرض التي تكون ساطعة عند أطوال موجات الراديو. كما أن لديها نفاثات واضحة تقذف المادة فوق وتحت القرص المجري Galactic disk، وهي السمة المميزة لثقب أسود عملاق مركزي نشط. ويقول مايكل يانسن Michael Janssen، وهو قائد الفريق من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي Max Planck Institute for Radio Astronomy: “أردنا أن نرى الكيفية التي تبدو عليها النفاثات تحت هذه الدقة” التي يمكن أن يوفرها التليسكوب EHT. “لم نكن نعرف ماذا نتوقع”.

كانت النتيجة التي نشرها هو وزملاؤه  في مجلة نيتشر أسترونومي Nature Astronomy عبارة عن صورة تفصيلية لكيفية خروج النفاثات من المنطقة المحيطة بالثقب الأسود الهائل في المجرة قنطورس أ ؛ مما يُظهر تشابهًا ملحوظًا مع صور التليسكوب EHT لنفاثات المجرة M87 على نطاق أصغر بكثير. وقد كشفت صور نفاثات المجرة قنطورس أ التي التقطتها تليسكوبات أخرى بأطوال موجية مختلفة عن تفاصيل قليلة، لكن الصورة من التليسكوب EHT تُظهر النفاثات ذات المراكز المعتمة المحاطة بخطوط ساطعة؛ أفضل ما يشير إلى أن النفاثات قد تبدو ساطعة حول حوافها لأن المناطق الخارجية تحتك بالغاز والغبار المحيطين، مما يتسبب في توهجها.

وعلماء الفيزياء الفلكية لم يفهموا تمامًا الكيفية التي تبثّ بها النوى المجرية هذه النوافير القوية المذهلة. إذ تنص إحدى النظريات على أن قرص التراكم Accretion disk؛ دوامة من المادة التي تنفذ في الثقب الأسود، تولد مجالًا مغناطيسيًا يولد بدوره نفاثة من بعض هذه المادة. ويجادل آخرون في أنه على هذا المجال المغناطيسي أن يستغل هذه الطاقة الدورانية الناتجة من الثقب الأسود نفسه ليتمكن من توليد مثل هذه القوة الهائلة.

والملاحظة الجديدة حول المجرة قنطورس أ لا تجيب عن هذا التساؤل، لكنها تحمل في طياتها أدلة. ويقول يانسن إن الصورة تبين أن حواف النفاثات المتوازية توازياً ملحوظاً تضيق لتُكوّن أقماعًا قريبة من الثقب الأسود. تظل قواعد الأقماع عريضة، مما قد يشير إلى أنها تنتج من قرص التراكم. ويقول: “ولم نرصد هذا بعد”.

ويقول جيم بيل Jim Beall، الاختصاصي بعلم الفيزياء الفلكية النظرية من كلية سانت جون St. John’s College، إنه ربما لا توجد إجابة واحدة: إن دوران الثقب الأسود يولد قوة سحب على مدار أكثر استقرارًا للمادة المتساقطة، مما يؤثر في الكيفية التي يتشكل بها قرص التراكم وبتزويده بالطاقة. ويقول: “إنها علاقة تكافلية… يقربنا التليسكوب EHT من قرص التراكم. النتائج حقا جميلة جدا”.

وصورة المجرة قنطورس أ تسد أيضًا فجوة الحجم في رصد الثقوب السوداء. فقد درس المراقبون طريقة عمل النفاثات المنبعثة من أكبر الثقوب السوداء – بما في ذلك من المجرة M87 – التي تعادل كتلتها بلايين أضعاف كتلة شمسنا. فقد رأوا أيضًا نفاثات من ثقوب سوداء أصغر بكثير، كتلتها بضع عشرات من الشموس. فالمنظر الجديد للثقب الأسود في المجرة قنطورس أ، والذي تبلغ كتلته 55 مليون ضعف كتلة الشمس، يبدو تمامًا مثل أقاربه الأكبر والأصغر. وهذا يؤكد فكرة أن الثقوب السوداء هي في الأساس أجرامٌ بسيطة، يمكن تحديدها فقط من خلال كتلتها وشحنتها ودورانها، لذا فإن الثقوب التي لديها كتلة تعادل كتلة نجم كبير يجب ألا يختلف تصرفها عن تلك التي لها كتلة بمقدار كتلة مجرة.

©2021, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى