أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
جيولوجيا

مرصد جديد لجلب التربة من الأعماق

مُنشأة إيكوترون تنقل عينات النوى التي يبلغ طولها ثلاثة أمتار إلى المختبر لإجراء تجارب على تغير المناخ العالمي

تحت متر أو مترين فقط من التربة السطحية التي تغذي المحاصيل، يقع جزء غير معروف من النظام الإيكولوجي الذي قد يكون حاسمًا لمستقبل مناخ الكوكب. ولكنه تصعب دراسة هذه التربة العميقة . ومن المفيد أن تعرف حفَّارا ماهرا باستخدام عربة المجرفة، ولكن حتى بعد ذلك يكون استخراج العينات دون الإخلال بهيكلها أو سكانها أمرًا صعبًا. يقول دانيال ريختر Daniel Richter، اختصاصي علم التربة من جامعة ديوك Duke University: “كلما تعمقت، زادت صعوبة الأمر”.

ففي شهر سبتمبر 2021، أعلنت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية U.S. National Science Foundation عن تمويل منشأة بحثية جديدة بقيمة 19 مليون دولار، تسمى إيكوترون التربة العميقة Deep Soil Ecotron، تهدف إلى جعل دراسة هذه التخوم أسهل. ويتطلب التصميم الأولي للمختبر، الذي سيبنى على مدى السنوات الخمس القادمة في جامعة أيداهو University of Idaho، إعداد 24 عمودًا – من التربة – غنيا بالأدوات تعلوها غرف محكمة الإغلاق للنباتات. وستسمح هذه النظم الإيكولوجية في المختبر، أو الوحدات الإيكولوجية Ecounits، للباحثين بالتحكم في الظروف البيئية حتى ثلاثة أمتار. وبالتأكيد ستكون هناك مفاجآت. ويقول زاكاري كايلر Zachary Kayler، الباحث الرئيسي المشارك واختصاصي علم الكيمياء الحيوية للتربة من جامعة أيداهو: ” نوعًا ما، يشبه عندما أطلق الناس أول غواصة في أعماق البحار… الاحتمالات لا حصر لها”.

وفي النهاية، يأمل الباحثون باستخدام منشأة إيكوترون لدراسة مجموعة واسعة من الأسئلة، بما في ذلك الكيفية التي يمكن للتربة العميقة بها أن تطلق الكربون وتسرع التغير المناخي Climate change، والكيفية التي تتفاعل بها ميكروبات التربة والنباتات، والكيفية التي تؤثر بها الأمطار الغزيرة في الصيف والشتاء الشديد على الإنبات ونمو التربة. وقد يكون المركز أيضًا بمثابة اختبار لأجهزة الاستشعار الجديدة التي تكشف عما يحدث في أعماق التربة بالعالم الفعلي. هذا، ويأمل المخططون بجذب الباحثين من جميع أنحاء الولايات المتحدة، واستضافة تجارب متعددة في وقت واحد. وتقول شارون بيلينغز Sharon Billings، اختصاصية النظم الإيكولوجية من جامعة كانساس University of Kansas في لورانس: “تتمتع هذه المنشأة بإمكانيات مثيرة جداً”.

توجد نحو عَشْرِ منشآت تابعة لمنشأة إيكوترون، جميعها تقريبًا في أوروبا. ولكنها تسمح للباحثين بتعيين حالة أو حالتين من ظروف التربة، وعادة ما تكون حالة هطول الأمطار. في المقابل، سيسمح مختبر الولايات المتحدة الجديد للباحثين بمعالجة مجموعة من العوامل معا وعبر جميع أجزاء الأعمدة بأكملها، بما في ذلك تركيزات درجة الحرارة والرطوبة وثاني أكسيد الكربون (التي تؤثر في تجوية الصخور وتكوين التربة). وسيكونون قادرين على محاكاة تدفق المياه الجوفية وربما حتى دورات ذوبان الجليد التي يمكن أن تسرع من توليد التربة.

كما تفتح منشأةُ إيكوترون البابَ أمام دراسة الحياة العميقة، بما في ذلك اللافقاريات Invertebrates، كما يقول نيكو أيزنهاور Nico Eisenhauer، اختصاصي الإيكولوجيا من المركز الألماني لأبحاث التنوع البيولوجي التكاملي German Centre for Integrative Biodiversity Research وهو مستشار منشأة إيكوترون الأمريكية. إذ يُعرف القليل عن نشاط هذه الكائنات، كما يقول، ولكن يمكن مراقبة سلوكها الخفي في الوحدات الإيكولوجية الجديدة. ويمكن لأجهزة الاستشعار الصوتية Acoustic centres، على سبيل المثال، تتبع نشاط دودة الأرض، في حين أن الأنابيب المدفونة ذات المداخل الصغيرة تجمع وتحسب اللافقاريات الصغيرة التي تتعثر فيها.

ويشير الباحثون الذين يدرسون كربون التربة إلى أن التربة السطحية – عادةً أول 30 سنتيمترًا – قد درست جيدًا لأنها ضرورية للزراعة. وفي السابق، افترض العلماء أن هذه الطبقة الضحلة والغنية بالجذور والميكروبات تحتوي على معظم كربون التربة. ولكن بعض الدراسات التي أجريت على التربة التحتية العميقة والأوسع نطاقاً تشير إلى أنها قد تحتوي على الأقل على القدر نفسه من الكربون، وبعضه تنقله الجذور. “إنه النصف المنسي من الكربون العضوي في التربة”، كما يقول مايكل شميدت Michael Schmidt، اختصاصي الكيمياء الحيوية للتربة من جامعة زيورخ University of Zurich.

إن دراسة الكيفية التي يستجيب بها هذا الكربون للتغير المناخي في المستقبل هي هدف رئيسي لمنشأة إيكوترون، والتي يمكنها محاكاة الظروف المتغيرة “بدرجة من التحكم لم أرها من قبل”، كما تقول إيما آرونسون Emma Aronson، اختصاصية علم التربة في جامعة كاليفورنيا University of California في ريفرسايد. من المتوقع أن ترتفع درجة حرارة التربة العميقة مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، وتشير التجارب الميدانية إلى أن ذلك قد يتسبب في إطلاق التربة للكربون في الغلاف الجوي أسرع بنسبة 30% إلى 50% مما هو عليه اليوم؛ مما يؤدي إلى تسريع ظاهرة الاحترار العالمي Global warming. وسيكون لتحولات هطول الأمطار الناجمة عن التغير المناخي تأثير أيضًا. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي ترطيب التربة الصحراوية، خاصة تلك الملوثة بالنيتروجين القابل للتفاعل Reactive nitrogen، إلى انبعاثات أكبر بكثير من أكسيد النيتروز، وهو أحد غازات الدفيئة Greenhouse gas القوية.

إن موقع أيداهو “مكان رائع حقًا” لمختبر منشأة إيكوترون لأنه يضم مجموعة متنوعة من أنواع التربة، كما يقول مايكل ستريكلاند Michael Strickland، الاختصاصي بإيكولوجيا الميكروبات من جامعة أيداهو وهو الباحث الرئيسي في المشروع. لا يزال هو وزملاؤه يفكرون في أنواع التربة التي يجب وضعها في الأعمدة وعدد  الأعمدة. “رصد ديناميكيات أنواع مختلفة من التربة سيكون أمرًا أساسيًا”، كما تقول أسمريت أسفاو بيرهي Asmeret Asefaw Berhe، اختصاصية الكيمياء الحيوية للتربة التي تنتظر تأكيد مجلس الشيوخ Senate لقيادة مكتب العلوم Office of Science التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.

وأحد التحديات يتمثل باستخراج التربة المختارة ونقلها. ويقول ريختر إن الفريق الميداني يجب ألا يخلخل الأرض، لأن تركيبتها تؤثر في حركة الغازات والماء والجسيمات. كما يأمل ستريكلاند بأن تتمكن المعدات الجديدة، من الشركة التي تبني المنشأة، من استخراج عينات النوى الطويلة استخراجاً سليماً. ولكن بغض النظر عن مدى رقة اللمسة، يتوقع الباحثون أن تكون العينات قد قطعت الجذور والأسطح التي ستتعرض للأكسجين لأول مرة منذ قرون أو آلاف السنين. وقد يستغرق الأمر سنوات حتى تعود التربة المستخرجة إلى التوازن Equilibrium، كما يقول بيت سميث Pete Smith، اختصاصي علم التربة من جامعة أبردين University of Aberdeen.

على الرغم من العوامل المجهولة، فإن الإثارة تشتد بالفعل بين اختصاصيي التربة. “المتعة ستبدأ حقًا… بمجرد أن تُبنى المنشأة”، كما قال رودريغو فارغاس  Rodrigo Vargas، اختصاصي إيكولوجيا النظام الإيكولوجي والباحث الرئيسي المشارك من جامعة ديلاوير University of Delaware في نيوارك.

بقلم:    إيريك ستوكستاد

ترجمة: مي بورسلي

©2021, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى