أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئية

لماذا يتحول التلوث الكيميائي إلى ثالث أكبر أزمة للكوكب

تسربت آلاف المواد الاصطناعية إلى النظم الإيكولوجية في كل مكان، ونحن بدأنا للتو ندرك العواقب المدمرة

إنه القرن التاسع والعشرون والأرض مكب نفايات. ومنذ قرون هرب البشر بعدما جعلوها غير صالحة للسكن من خلال الاستهلاك الشَّرِه. وكلُّ ما تبقى هو المخلفات: جبال من النفايات على مد النظر.

هذا خيال – إنه إطار فيلم وول-إي WALL-E الصادر عام 2008 عن ديزني بيكسار Disney Pixar. لكن، قد يقترب الأمر من الواقع إذا لم نحسن  أداءنا. وتقول ماري رايان Mary Rayan، من إمبريال كوليدج لندن Imperial College London: “يمكننا العثور على معادن سامة في قمم جبال الهيمالايا، وألياف بلاستيكية في أعمق مناطق المحيط. وتلوث الهواء يقتل أناساً أكثر من الجائحة الحالية. إن حجم هذه المشكلة هائل”.

عند إنتاج وول-إي، كاد التلوث والنفايات يكونان على قائمة أولويات الأجندة البيئية. وفي مؤتمر قمة الأرض لعام 2002 في جنوب إفريقيا (2002 Earth Summi in South Africa)، اتفق زعماء العالم على التقليل إلى أدنى حد من الآثار البيئية والصحية للتلوث الكيميائي، الذي ربما يكون الفئة الأكثر مكراً وإشكالية. وحددوا موعدا نهائياً عام 2020 (تنبيه مفسد للتفاؤل: لقد فاتنا القطار).

وفي الآونة الأخيرة، سيطر التغير المناخي Climate change وفقدان التنوع البيولوجي Biodiversity على المخاوف البيئية، لكن في وقت سابق من 2021 أعادت الأمم المتحدة بهدوء التلوث مرة أخرى إلى قائمة الأولويات. وأصدرت تقريراً رئيسياً بعنوان التصالح مع الطبيعة Making Peace with Nature أعلنت فيه أنها حالة طوارئ كوكبية كبرى ثالثة. تقول رايان: “هل أعتقد أن هذا يتناسب مع المخاطر؟ نعم، أعتقد ذلك”.

ويقول غاي وودوارد Guy Woodward، من إمبريال كوليدج لندن أيضاً: “الأولوية مبررة. لكن السؤال الرئيسي هو ما هي الملوثات التي ينبغي أن نقلق منها. فالعديد منها غير ضار. والبعض ليس كذلك. ويتفاعل البعض بطرق خطيرة. وهذا ما نحتاج إلى التعامل معه”.

إن التلوث، أي النفايات الناتجة من أنشطتنا الاقتصادية، قديم قدم الحضارة نفسها. وتحتوي النوى الجليدية في غرينلاند على آثار الرصاص والنحاس من صهر الخام في أوروبا خلال العصر البرونزي. وأول المواد الكيميائية الاصطناعية التي لا وجود لها في الطبيعة – صُنِعت في منتصف القرن التاسع عشر.

لكن، كما هي الحال مع معظم الأنشطة البشرية التي تلوث الكوكب، فإن المعدل الذي صنعنا به ملوثات جديدة وألقينا منتجاتنا من النفايات في البيئة بدأ بالارتفاع أضعافاً مضاعفة بعد الحرب العالمية الثانية في اتجاه استمر 70 سنة وأُطلِق عليه اسم “التسارع الكبير” Great Acceleration.

ضخ السم

منتجات النفايات كثيرة ومختلفة (انظر: يا لها من كمية من القمامة)، لكن المواد الكيميائية الاصطناعية ومنتجاتها على وجه الخصوص صارت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا لم يسبق له مثيل. ففي عام 1950، كان الإنتاج العالمي من البلاستيك، مثلاً، 1.5 مليون طن فقط. وعام 2017 كان 350 مليون طن. وفي عام 2050 ، فمن المتوقع أن يصل إلى بليوني طن. وجاء في تقرير الأمم المتحدة أن إنتاج الصناعة الكيميائية في الاقتصادات النامية زاد بأكثر من ستة أضعاف بين عامي 2000 و2010. ووفقاً للمجلس الدولي للرابطات الكيميائية International Council of Chemical Associations  (اختصارا: المجلس ICCA)، وهو هيئة تجارية، فإن 95% من السلع تعتمد على شكل من أشكال العملية الكيميائية الاصطناعية في تصنيعها.

وفي كل مرحلة من مراحل دورة حياتها، يمكن للمواد الكيميائية الاصطناعية، وهذا ما تفعله، الهروب إلى البرية، وربما تسمم البيئة والحياة البرية وتسممنا نحن. ويقول جانيون وانغ Zhanyun Wang، من المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا Swiss Federal Institute of Technology في زيوريخ: “إنها في كل مكان. المظاهر الأكثر وضوحاً هي النفايات البلاستيكية، لكن هذا غيض من فيض ضخم. نحن نطلق كثيراً من المواد الكيميائية. لكننا لم نتحقق منها أولاً”.

ويكون في الأغلب من الصعب تثبيت الآثار السامة على أي مادة أو مجموعة واحدة من المواد، لكن العديد من المواد الكيميائية المستخدمة على نطاق واسع معروفة أو يُشتبَه في أنها سامة للبشر والحياة البرية. وهي تشمل مواد مثل ثنائيات الفينيل المتعدد الكلور Polychlorinated biphenyls  (اختصارًا: المواد (PCB، وهي فئة من المبردات الاصطناعية ومواد التشحيم التي قد تكون معطلة قوية لنظام الغدد الصماء إذا جرى تناولها، وبعض الفاعلات بالسطح الفلورية Per- and polyfluoroalkyl substances  (اختصارا: المواد (PFAS، المستخدمة استخداماً رئيسياً في صنع الطلاء الطارد للبقع.

ومن الأمثلة الصارخة والموثقة توثيقاً جيداً على ذلك، على وجه الخصوص، مجموعة الحيتان القاتلة Killer whales قبالة الساحل الغربي للمملكة المتحدة التي فشلت في التكاثر لما يقرب من 30 سنة ويبدو أنها محكوم عليها بالانقراض. وعُثِر على أنثى بالغة جرفتها المياه نافقة على شاطئ جزيرة تيري الاسكتلندية عام 2016 ولديها رحم غير متطور ومستويات من ثنائي الفينيل المتعدد الكلور تبلغ 100 ضعف عتبة السمية للثدييات البحرية. فهذه الأرقام “الفلكية”، كما قال  بول جيبسون Paul Jepson، من جمعية علم الحيوان Zoological Society في معهد لندن لعلم الحيوان London Institute of Zoology.

وليس الأمر أننا وقفنا موقفاً كسولاً إزاء هذا الحدث الجم. وبموجب أحكام اتفاقية إستكهولم Stockholm Convention [ QR code to the Kuwait report funded by KFAS, Research directorate is found below]عن الملوثات العضوية الثابتة، التي دخلت حيز النفاذ عام 2004، فقد التزمت معظم البلدان في أنحاء العالم كله بحظر استخدام أكثر المواد الكيميائية سمية أو تقييده بشدة. وكانت القائمة الأصلية تضم ” دستة قذرة ” من أسوأ المواد: ثمانية مبيدات آفات (بما في ذلك الألدرين Aldrin والديلدرين Dieldrin وثنائي كلورو فينيل ثلاثي كلورو الإيثان Dichlorodiphenyltrichloroethane (اختصارا: المبيد DDT) وميريكس Mirex)، وكيماويات اصطناعية (المواد PCBوالهيكساكلور بنزين Hexachlorobenzene) وفئتين من المنتجات الثانوية الصناعية (الديوكسينات Dioxins والفيورانات Furans).

وزاد طول تلك القائمة الآن بأكثر من الضعف، وتُعتبَر اتفاقية إستكهولم مثالاً ناجحاً نسبياً لاتفاقية بيئية متعددة الأطراف، على الرغم من الانتقاد الحالي بأن إجراءات التقييم صارت قديمة.

ولكن المواد الكيميائية التي تقيدها ليست سوى قطرة في المحيط. فنحن لا نعرف حتى عدد المواد الكيميائية الاصطناعية التي هي، أو كانت، في السوق، على الرغم من أن هذا العدد هو عشرات الآلاف على الأقل. فالمواد الكيميائية التي جرى التخلص منها تدريجياً منذ فترة طويلة قد تستمر في البيئة لسنوات؛ مما يزيد من تعقيد الأمور. ويقول وانغ: “إن المواد الكيميائية الثابتة Persistent، مثل المواد  PFAS ومثل التلوث البلاستيكي، ستستغرق مئات أو آلاف السنين”.

ويشير وودوارد إلى أن المواد الكيميائية بمجرد أن تكون في البيئة، يمكنها أن تتفاعل مع مركبات أخرى وتتحول وتنقلها الكائنات الحية، فتشكل خلائط وتتفكك إلى مواد قد تكون لها تأثيرات مختلفة. ومع أخذ هذه العوامل بعين الاعتبار، تكون هناك كمية ضخمة من المواد الكيميائية المثيرة للقلق، وفق ليون بارون Leon Barron، من إمبريال كوليدج لندن أيضاً. ونحن لا نعرف شيئاً عن معظم هذه المواد.

ويقابل هذا النقص في المعرفة، أو حتى يتجاوزه، جهلنا بالمخاطر التي قد تشكلها معظم هذه المواد الكيميائية على صحة الإنسان والبيئة. يقول بارون: “بالنسبة إلى بعض المواد الكيميائية الأحدث مثل المستحضرات الصيدلانية والمبيدات الحشرية، لا نعرف سوى القليل جداً عن آثارها الصحية، وبالتأكيد بالنسبة إلى البشر. القليل جداً”. وفي الاقتصادات المتقدمة مثل الاتحاد الأوروبي، يتعين على المُصنّعين الذين يرغبون في إدخال مادة كيميائية جديدة أن يقنعوا المنظمين الآن بأنها ليست خطرة. ودخلت قواعد الاتحاد الأوروبي، المعروفة بتسجيل المواد الكيميائية وتقييمها والتفويض بها وتقييدها Registration, Evaluation, Authorisation and Restriction of Chemicals (اختصارا: التسجيل (REACH)، حيز التنفيذ عام 2007 وتعمل على أساس المبدأ التحوطي وهو افتراض بأن المواد الكيميائية مذنبة حتى تثبت براءتها. ولكن القواعد لا تنطبق على المواد الكيميائية التي أُطلِقت في البيئة قبل عام 2007.

وفي أجزاء أخرى من العالم، فإن الأمور أكثر تراخياً إلى حد كبير. ومما يزيد الطين بلة أن المصنعين يحافظون في كثير من الحالات على سرية المعلومات، مستشهدين بحقوق الملكية الفكرية، أو أن الوثائق غامضة. وعند احتساب الخلائط ومنتجات التفكك، ويقول وودوارد، “لا نعرف شيئاً تقريباً عن الأغلبية العظمى من المواد الكيميائية”.

وتحتفظ منظمات مختلفة حول العالم بقوائمها الخاصة بالمواد الأكثر ضرراً. ويقول بارون إن أحد أكثر القوائم فائدة يأتي من التوجيه الأوروبي لأطر المياه European Water Framework Directive ويسرد المواد الضارة الراسخة والمخاوف الناشئة. وهذه القائمة هي مبادئ توجيهية مفيدة للأبحاث، ولها بعض قصص النجاح في تاريخها، وفق بارون. فقد أشارت إلى خطر المبيدات الحشرية النيونيكوتينويدية Neonicotinoid على النحل والحشرات الأخرى وأطلقت عملية باتجاه حظر شبه كامل في الاتحاد الأوروبي اتُّفِق عليه عام 2018. ولكن حتى مع هذه المعروفات والمجهولات المعروفة، فمن شبه المؤكد أن هناك مجهولات غير معروفة أيضاً، وفق وانغ.

لا يرقى النظام الحالي لتقييم السمية الكيميائية بالتأكيد إلى حجم المهمة. فهو يتناول عادة مادة كيميائية واحدة ويحقق بتأثيراتها في اثنين أو ثلاثة من الكائنات الحية. ولا توجد طريقة يمكننا أن نفعل بها ذلك لكل مادة كيميائية اصطناعية معروفة، ناهيك عن منتجات التفكك والخلائط الخاصة بالمواد الكيميائية أيضا. ويقول وودوارد: “ستموت الشمس قبل أن نصل إلى هناك”. ويشير إلى مشكلة أخرى وهي أن اختبارات السموم المعملية ليست مفيدة جداً حول كيفية تصرف المادة الكيميائية في بيئة معقدة في العالم الحقيقي.

وليست العديد من المواد الكيميائية ضرورية حتى. وتقول رايان إن بسبب نزاعات الملكية الفكرية، تخترع الشركات في الأغلب مواد كيميائية جديدة تؤدي العمل نفسه الذي  تؤديه مادة موجودة بالفعل. وهناك مواد أخرى لأغراض غير أساسية. فوسائل التغليف البلاستيكية للأغذية تُصبَغ في الأغلب بالأسود لأسباب جمالية، لكن الصبغة تجعل البلاستيك غير قابل لإعادة التدوير، وفق وانغ. وتحتوي منتجات العناية الشخصية في الأغلب وسائط تكثيف مثل البلاستيكيات المجهرية Microplastics الرخيصة جداً، لكن المحتمل أن تكون ضارة.

وحتى عندما نكتشف أن المادة الكيميائية ضارة، لا يكون تنظيفها في كثير من الأحيان خياراً. ويقول وانغ: “للأسف، مع تقنياتنا الحالية، من المستحيل ذلك. وهو أيضاً مستحيل مالياً. وحتى تنظيف المواد PFAS في مياه الشرب بالولايات المتحدة مهمة تكلف تريليون دولار.

وإذا كان هذا لا يبدو سيئاً بما فيه الكفاية، فهناك خوف من أننا إذا واصلنا ضخ المواد الكيميائية في البيئة مع فكرة ضئيلة عما هي عليه أو ما تفعله، فقد نصل إلى نقطة اللاعودة. ففكرة نقاط التحول في التلوث الكيميائي موجودة منذ أكثر من عقد في مفهوم يسمى “حدود الكوكب” Planetary boundary.. وهي فكرة صاغها عام 2009 يوهان روكستروم Johan Rockström من جامعة ستوكهولم Stockholm University في السويد، ويمكن اعتبارها حدوداً لقابلية الأرض للسكنى التي نتجاوزها على مسؤوليتنا. ويتمثل أحد الحدود بالتلوث الكيميائي الذي يُوصَف بأنه “أولوية للعمل التحوطي ولمزيد من الأبحاث”.

وحتى الآن، لم يكن من الممكن حتى تحديد أين تقع الحدود. وتقول رايان: “إنها مشكلة شريرة. فالتلوث الكيميائي في مجمله هو نظام معقد جداً على صعيد محاولة للتوصل إلى حدود معقولة له. أعتقد أن الأمر يمكن أن ينتهي بكم مع قائمة من المواد الكيميائية وما تعتقدون أنها حدودها، لكن حتى فهم مواقع هذه الحدود أمر صعب”.

ويوافق وانغ على ذلك. يقول: “من الصعب حقاً تقييم أين توجد الحدود وهي مهمة شاقة. ولكن إذا كان لدينا مزيد من الإصرار على حصر المواد الكيميائية التي تُنتَج وتُستخدَم وما هي، فقد نتمكن من الإحاطة بما يجري وفهمه”.

ما نحتاج إليه، يقول غريغوري بوند Gregory Bond، من مانيتو فيو للاستشارات Manitou View Consulting وهي مؤسسة استشارية بيئية، هو جرد عالمي يحتوي على معلومات حول كيفية استخدام المواد الكيميائية ومكانه وكمياته، إضافة إلى أي مخاطر معروفة. ويذهب وانغ إلى أبعد من ذلك، مقترحاً إنشاء هيئة دولية على غرار الفريق الحكومي الدولي المعني بالتغير المناخي Intergovernmental Panel on Climate Change  ÷اختصارا: الفريق IPCC) لحشد الأدلة كلها وتجميعها فيما يتعلق بالتلوث الكيميائي وإحالتها إلى واضعي السياسات. وللتنوع البيولوجي هيئة من هذا القبيل أيضا، هي المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات حول التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services. ويقول وانغ إن إنشاء هيئة للتلوث سيكون متماشياً مع وضعها كثالث أزمة عالمية. وطرح هو وآخرون هذه الحجة في مقال رأي صدر أخيراً في مجلة ساينس Science؛ واجتذبت حملة الدعم المصاحبة أكثر من 17,00 توقيع من 80 بلداً.

ويبدو أن هذه الحملة وغيرها من الحملات قد جنت ثماراً. فالأمم المتحدة تستعد لعقد الجمعية البيئية Environment Assembly التي تجتمع كل سنتين وذلك في فبراير 2022، وهي ستضع أجندتها للسنوات القليلة المقبلة. وفي اجتماع تحضيري عُقِد في فبراير 2021، اتفق القادة على أن الأولوية يجب أن تكون في التحول في معالجة حالات الطوارئ الكوكبية الثلاث في وقت واحد. وتقول إنغر أندرسن Inger Andersen، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UN Environment Programme (اختصارا: البرنامج (UNEP: “الأزمات الثلاث هي التغير المناخي، وفقدان الطبيعة والتنوع البيولوجي، والنفايات والتلوث، وهو الأثر السام لتنمية اقتصادنا التي تسمم الكوكب وتلحق به ضررا أساسيا. وما لم نعالج هذه المسألة بصدق وتصميم حقيقيين، فأمامنا مستقبل لا يمكننا حتى التفكير فيه”.

ويقول إيفار باستي Ivar Baste، نائب المدير العام لوزارة البيئة النرويجية والمؤلف الرئيسي لتقرير البرنامج UNEP صنع السلام مع الطبيعة: “هذه أزمات مترابطة في الواقع، تعزز بعضها البعض. والروابط بين التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي راسخة، ومن الواضح كيف يسبب التلوث الكيميائي كليهما”.

ويعمل الأمر بالاتجاه الآخر. يقول وودوارد إن النظم الإيكولوجية السليمة قادرة على الصمود تماماً في وجه التعديات مثل التلوث الكيميائي؛ لكن تدهور النظم الإيكولوجية يضعف ذلك الحاجز. وبالمثل، يمكن أن تضاعف درجات الحرارة المرتفعة تأثير التلوث. وتقول رايان: “عادة ما تكون الطرق التي تتفاعل بها المواد الكيميائية وتتحلل في البيئة وظيفة من وظائف درجة الحرارة. إذا كانت تقلبات درجات الحرارة لديكم الآن مختلفة بسبب التغير المناخي، فمن ثمَّ ستتأثر  تلك المسارات”.

كوكب خال من التلوث

لكن، مرة أخرى، نحن ببساطة لا نعرف ما يكفي. يقول وودوارد: “لا يوجد شيء يحدث حقاً في هذا المجال، إنه ثقب أسود ضخم. نحن لسنا بحاجة فقط إلى معرفة كيفية عمل المواد الكيميائية في العالم، بل نحتاج إلى معرفة كيف ستعمل في عالم يتسم بارتفاع درجة الحرارة”.

والهدف الفوري للأمم المتحدة حول التلوث الكيميائي هو إحراز تقدم كبير نحو كوكب خال من التلوث بحلول عام 2030. قد يبدو الهدف النهائي مستحيلاً، لكن هذا لم يمنع رايان وزملاءها من إنشاء مشروع يسمى الانتقال إلى التلوث الصفري Transition to Zero Pollution.

والتلوث الصفري يعني الصفر المطلق، كما تقول. وللوصول إلى هناك، نحن بحاجة إلى إنشاء اقتصاد كيميائي دائري يكون فيه كل ما نستخدمه إما غير مؤذٍ، أو قابل لإعادة التدوير، أو يمكن التحكم فيه. ولا تساورها أي وهم حول المدة التي سيستغرقها ذلك ومدى صعوبة ذلك. “نحن بحاجة إلى تحول جذري في أنظمتنا الاقتصادية وأنظمتنا الصناعية ونماذج أعمالنا”.

يقول وانغ لا يمكننا التأجيل أكثر من ذلك ويأمل بأن تتمكن الحكومات في أنحاء العالم كلها من إظهار مزيد من الالتزام لأن الوضع يشكل تهديداً عالمياً أساسياً حقاً. لقد جرى تحذيرنا.

ويقول وانغ إن الصناعة ستقاوم بقوة، لكن رايان ليست متأكدة من ذلك. فبعض الشركات الكيميائية التي تعمل معها تريد في الواقع قواعد أكثر صرامة “لأن من دون تغيير في السياسات، لا يمكنها التحرك، فأسعارها سترتفع بما يخرجها على الفور خارج السوق”. كذلك تخضع هذه الصناعة إلى تدقيق عام شديد. “أود أن أقول – لكنني لن أقول هذا بثقة بنسبة 100% – إن الشركات، نظراً لما حدث مع أزمة المناخ، ستتصرف بطريقة أفضل هذه المرة. هناك دافع للصناعة لإظهار مؤهلاتها البيئية”.

وسألت مجلة نيو ساينتست New Scientist المجلس ICCA إذا كان أعضاؤه يوافقون على أن حالة التلوث والنفايات بخطورة التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي، وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يفعلونه حيال ذلك. وجاء في الرد” “هناك العديد من التحديات التي يواجهها العالم، بما في ذلك وضع التلوث والنفايات. ويلتزم المجلس بتقديم منتجات وتقنيات كيميائية آمنة ومبتكرة وفعالة وقابلة للاستمرار اقتصادياً، وهي أدوات أساسية لإطلاق حلول الاستدامة”.

وتوفر التكنولوجيا بعض الطرق الجديدة لمكافحة هذه المشكلة. فالتقنيات التحليلية الأساسية آخذة بالتحسن: يقول بارون إنه يمكنه الآن فحص خليط من آلاف المواد الكيميائية من خلال أداة وسيحدد كل واحد منها. وفي الوقت نفسه، تسمح نمذجة الحاسوب وأنظمة تعلم الآلة العاملة بالذكاء الاصطناعيAI machine -learning systems  لعلماء السموم بإجراء الفرز واختيار إجراء تقييمات كاملة فقط على المواد الكيميائية التي يُبلَغ عنها على أنها قد تكون ضارة، ما يبسط مهمة تقييم المخاطر. ويقول بارون: “بدأنا باستخدام ما نعرفه بالفعل للتوقع”. ويقول وودوارد إن تعلم الآلة Machine learning يمكن أن يساعد أيضاً على توقع كيفية تصرف خلائط المواد الكيميائية بمجرد إطلاقها في البرية. ويقول بارون إن الجهات المنظمة لا تعترف حتى الآن بالتعلم الآلي في تقييمات المخاطر في العالم الحقيقي، لكن قد تكون هذه مجرد مسألة وقت مع نضوج التكنولوجيا. وحتى من دون ذلك، ستسمح التوقعات لنا الأفضل لملامح مخاطر المواد الكيميائية التي توفرها خوارزميات التعلم بتصميم خوارزميات أكثر أماناً في المستقبل.

وبالنسبة إلى المواد الكيميائية الموجودة بالفعل في البيئة، تحفز التكنولوجيا الجديدة أيضاً معالجة أفضل للنفايات. وفي بعض الأجزاء الأكثر ثراء من العالم، أحدثت معالجة مياه الصرف الصحي، حيث ينتهي المطاف بكثير من الملوثات، ثورة في تكنولوجيات الإصلاح البيولوجي التي يمكن أن تنقي المياه الملوثة وتتخلص بأمان من النفايات. يقول بارون: “إن الكيفية التي تعالج بها مياه الصرف الصحي الآن هي عملية مذهلة. إنها بيولوجية في الأغلب”.

وفي نهاية المطاف، هناك مفهوم “الاستخدام الأساسي”Essential use – وهو مرحلة في منتصف الطريق إلى الصفر – حيث يوافق العالم بطريقة أو بأخرى على تضييق محفظته من المواد الكيميائية الاصطناعية إلى تلك التي لا نستطيع الاستغناء عنها، ومن الناحية المثالية المواد الأقل ضرراً. ويجب أن نضع في اعتبارنا أن كل المواد الكيميائية ليست سيئة على قدم المساواة، وفق وودوارد. “نحن بحاجة الى كثير منها. ويبدو أن معظمها غير ضار نسبياً. ومن الواضح أن بعضها خطير جداً، وسام جداً، وعلينا أن نفهمها وأن نحدد المخاوف الحقيقية. ما علينا فعله هو الموازنة بين المخاطر والعوائد”.

سيئة معروفة: الأسبستوس

الأسبستوس Asbestos هو مجموعة من المعادن السيليكية المستخدمة أساساً كعازل من الحريق والحرارة في المباني. وجرى التعرف على الضرر الذي يسببه لرئتينا إذا استُنشِق في تسعينات القرن التاسع عشر، لكن لم يُفرَض الحظر الأول حتى ستينات القرن العشرين. ولا تزال معظم البلدان تسمح باستخدامه، بما في ذلك الولايات المتحدة.

سيئة معروفة: المعادن الثقيلة

لا يوجد تعريف مقبول قبولاً شاملاً للمعادن الثقيلة، لكن معظم القوائم تشمل الرصاص والزئبق والكروم والزرنيخ والكادميوم. وقد تكون كلها سامة في أشكال معينة، وتُستخدَم على نطاق واسع في الصناعة، وتتحرر من احتراق الوقود الأحفوري. وبُذِلت جهود مختلفة للحد من التعرض، مثل إزالة الرصاص رباعي الإيثيل Tetraethyl lead من البنزين، لكن حتى بعض المصادر التي تبدو بأنها مشكلات حُلَّت منذ فترة طويلة لا تزال مستخدمة.

مثلاً، أشار تقرير صدر أخيراً عن البرنامج UNEP إلى أن “الرصاص في الطلاء” هو مصدر مستمر للقلق. كذلك سلط التقرير نفسه الضوء على مخاطر الكادميوم ومركباته، الشديدة السمية والمسرطنة عند مستويات منخفضة جداً. وللكادميوم عدد لا يُحصَى من الاستخدامات الصناعية بما في ذلك في البطاريات والسبائك والأصباغ والخلايا الشمسية وكإضافة في كلوريد البولي فينيل Polyvinyl chloride (اختصارا: المادة PVC). وقد يكون ملوثاً في الطعام؛ لأنه موجود في الصخور الغنية بالفوسفات المستخدمة في صنع الأسمدة. وتحاول بعض البلدان والمناطق تقييد استخدامه. ومع ذلك، لم ينخفض التعرض العالمي للكادميوم على مدى العقد الماضي.

سيئة معروفة: المبيدات الحشرية شديدة الخطورة

في عام 1962، لفتت راشيل كارسون Rachel Carson انتباه العالم إلى سمية المبيدات الحشرية في كتابها الربيع الصامت Silent Spring. وفي ذلك الوقت، قدرت منظمة الصحة العالمية World Health Organization (اختصارا: المنظمة WHO) أن نحو مليون طن من مبيدات الآفات تُستخدَم سنوياً؛ وهذا الرقم الآن أعلى بست مرات.

وكثيراً ما تبين أن المركبات المصممة لقتل الكائنات غير المرغوب فيها أو تعطيلها أكثر سمية على نطاق أوسع. وتحتفظ شبكة العمل في مجال مبيدات الآفات Pesticide Action Network العالمية بقائمة تضم أكثر من 300 “مبيد حشري شديد الخطورة”. وفي وقت سابق من 2021 دعت إلى التخلص التدريجي العاجل من هذه المواد الكيميائية بحلول عام 2030.

سيئة معروفة: الكلوروفلوروكربونات

إن العمل ضد مركبات الكلوروفلوروكربونات Chlorofluorocarbons (اختصارا: المواد CFC) وغيرها من المواد الكيميائية التي تأكل الأوزون، والتي تُستخدَم أساساً كمبردات ووقود دفع للهباء الجوي، هو قصة نجاح نادرة تبين ما يمكن أن يفعله العمل الدولي حيال المواد الكيميائية. وهناك معاهدة بيئية متعددة الجنسيات، هي بروتوكول مونتريال Montreal Protocol، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1989، تغلق ببطء الثقوب التي تضربها هذه المواد الكيميائية في طبقة الأوزون في الغلاف الجوي. ومن المتوقع أن تعود طبقة الأوزون إلى مجد ما قبل الكلوروفلوروكربونات بحلول عام 2070 تقريباً.

سيئة معروفة: معطلات الغدد الصماء

تُعرَف المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء Endocrine-disrupting chemicals  (اختصارا: المواد EDC) بأنها المواد الكيميائية التي تتداخل مع الإشارات الهرمونية وهي فئة واسعة. وهي تشمل ثنائي الفينيل المتعدد الكلور، وأثيرات ثنائي الفينيل المتعددة البروم Polybrominated diphenyl ethers  (اختصارا” المواد PBDE) المستخدمة كمثبطات لللهب، والبيسفينول أي Bisphenol A والفثالات Phthalates، وكلاهما يُستخدَم أساسا لتنعيم البلاستيك، وحمض البيرفلوروكتانويك Perfluorooctanoic acid (اختصارا: الحمض PFOA) وينتمي حمض البيرفلوروكتانويك إلى فئة تسمى بالمواد PFAS المستخدمة كمواد مؤثرة سطحية ومثبطات البقع منذ الأربعينات. وكانت تُعتبَر في الأصل خاملة وآمنة، لكن من المعروف الآن أن بعضها يتراكم في الأنسجة البشرية إلى مستويات سامة.

وتنتمي أيضاً بعض معطلات الغدد الصماء، بما في ذلك مركبات ثنائي الفينيل المتعدد الكلور وحمض البيرفلوروكتانويك، إلى قائمة “الملوثات العضوية الثابتة” المعروفة بأنها مسببة للسرطان وسامة للجهاز التناسلي والعصبي والمناعي.

سيئة معروفة: المستحضرات الصيدلانية الثابتة بيئيا

العديد من الأدوية التي تُعطَى إلى البشر والحيوانات الأليفة والماشية هي حسب التصميم نشطة بيولوجياً جدا ومقاومة للتفكك، ويمكن أن تؤثر سلباً في الحياة البرية بمجرد إطلاقها في البيئة. مثلاً، يُعتبَر عقار ديكلوفيناك Diclofenac البيطري المضاد للالتهابات ساماً للنسور التي تقتات بالماشية النافقة وكاد يقضي عليها في شبه القارة الهندية. و”الملوثات الصيدلانية الثابتة بيئياً” الأكثر شيوعاً هي بعض مسكنات الألم والمضادات الحيوية والأدوية التي تخفض الدهون وأدوية الصرع والأستروجين من وسائل منع الحمل الفموية. وحتى الآن، لا يوجد إطار عالمي لتقييم مخاطرها أو تقييد استخدامها.

سيئة معروفة: الباقي…

يشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP إلى عدد من المواد أو مجموعات المواد التي تظهر عنها أدلة على وجود خطر، وإن لم يكن ذلك كثيراً على صعيد التفاصيل أو الإجراءات. وتشمل هذه المبيدات الحشرية النيونيكوتينويد، والغليفوسات Glyphosate المبيد الأعشاب، والبلاستيكيات المجهرية، ومركبات القصدير العضوية المستخدمة كإضافات في البلاستيك والمبيدات الحشرية، والتريكلوسان Triclosan العامل مضاد للبكتيريا المستخدم في العديد من المنتجات الاستهلاكية.

يا لها من كمية من القمامة

صار البشر منتجين مذهلين للأشياء غير المرغوب فيها، بما في ذلك المواد الكيميائية الاصطناعية والدخان والصرف الصحي وغازات الدفيئة Greenhouse gases والغبار وآلات الخردة والنفايات الغذائية والنفايات الإلكترونية والمعادن والبلاستيك والزجاج والدهانات والإطارات البالية ومواد البناء والنفايات الزراعية والقمامة المنزلية والملابس القديمة والتعبئة والتغليف، على سبيل المثال لا الحصر.

والملوثات المحمولة جواً، بما في ذلك ثاني أوكسيد الكربون وأوكسيدات النتروجين والأوزون والتلوث بالجسيمات، تأتي من المواد التي نحرقها لتشغيل توليد الكهرباء والعمليات الصناعية، والمباني الحرارية، وطهي الطعام والمركبات العاملة بالوقود – فضلاً عن إطلاقها بواسطة الإطارات التي تحتك بالطرق. وكثير من بقية أثر التلوث لدينا هو فقط ما يتبقى عندما نستخدم كل ما نريد استخدامه.

تقول إنغر أندرسون، المديرة التنفيذية للبرنامج UNEP: “نحن نأخذ الأشياء من البيئة، ثم نضعها في الاقتصاد والمجتمع – وهو أمر جيد لأنه يمكننا من الحصول على الحياة التي لدينا – لكن عندما ننتهي منها، نتخلص منها كنفايات في البيئة”.

ومن المستحيل تقريبا تحديد مصادر النفايات هذه تحديدا موثوق به. ووفقا لبرنامج “الانتقال إلى التلوث الصفري” الذي أطلقته إمبريال كوليدج لندن، يستهلك الاقتصاد العالمي الآن 100 بليون طن من المواد الخام سنوياً – وهي أساساً معادن مستخرجة حديثاً، وفلزات، ووقود أحفوري، وكتلة حيوية.

ويذهب نحو النصف إلى صنع منتجات طويلة المدى  مثل البنية التحتية والسيارات والآلات. أما الباقي؛ فيولد منتجات أقصر عمراً مثل الأغذية والملابس والبلاستيك، التي عادة ما يكون عمرها سنة أو أقل ثم يجري التخلص منها.

ولا يُعَاد تدوير سوى نحو 10% من هذه النفايات. ويذهب الباقي إلى المكبات أو يُلقَى به في البيئة. وقد تحتوي قطعة واحدة من النفايات على أنواع مختلفة من الملوثات البيئية. فالمنتجات الكهربائية المهملة، مثلاً، كثيرًا ما تحتوي على معادن ثقيلة ومثبطات لهب وملوثات كيميائية اصطناعية أخرى. وإذا تسربت إلى التربة أو المجاري المائية، يمكن أن تكون لها آثار لا حصر لها على صحتنا والنظم الإيكولوجية المحيطة بها.

كم عدد المواد الكيميائية المستخدمة؟

تتراوح التقديرات طويلة المدى لعدد المواد الكيميائية الاصطناعية المختلفة التي أنتجها البشر بين 25,000 و140,000، مع عدد متوسط مقتبس على نطاق واسع يبلغ 100,000.

وفي عام 2019  أشارت دراسة أجراها غريغوري بوند من المؤسسة مانيتو فيو للاستشارات البيئية في ميشيغان وفيرونيك غارني Véronique Garny من الهيئة القطاعية المعروفة بالمجلس الأوروبي للصناعة الكيميائية European Chemical Industry Council إلى أن العدد الحقيقي ربما يكون في الطرف السفلي من هذا النطاق. وقدر الباحثان أن ما بين 40,000 و60,000 الف مادة كيماوية صناعية تُصنَّع وتُبَاع حالياً في كندا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة. وتنتج هذه الأماكن الخمسة مجتمعة 75% من المواد الكيميائية في العالم، ومن ثمَّ ربما تمثل الأغلبية، كما يقول بوند.

لكن عندما نظر جانيون وانغ من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ وزملاؤه إلى أبعد من ذلك، في مخزونات المواد الكيميائية من الاتحاد الأوروبي و19 دولة بما في ذلك أستراليا والصين والهند واليابان والمكسيك وروسيا وكوريا الجنوبية وسويسرا، توصلوا إلى رقم 350,000. يقول وانغ: “لقد وجدنا رقماً مفاجئاً حقاً. يعتقد العديد من الباحثين أنه ليس خطأ كبيراً”.

ولا يوافق بوند. ويقول إن هذا العدد يشمل نحو 260,000 مادة كيميائية ربما لا تُصنَّع أو تُبَاع بعد الآن، وآلاف المواد الكيميائية المسجلة لكن التي لم تُسوَّق قطُّ. ويشير إلى أن عدداً مماثلاً في دراسة وانغ أقرب إلى رقمه: 69,000. وشيء واحد يمكننا قوله على وجه اليقين هو أن هناك كثيراً من المواد الكيميائية.

بقلم: غرايام لاوتون

ترجمة: عبد الرحمن أياس

QR code to the Kuwait report funded by KFAS, Research directorate

© 2021, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى