أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
تكنولوجياذكاء اصطناعي

الذكاء الاصطناعي الهجين: طريقة جديدة لصنع عقول آلات تفكر مثلنا فعلا

في السعي إلى صنع ذكاء اصطناعي يمكنه الاستدلال وتطبيق المعرفة بمرونة، يركز العديد من الباحثين على رؤى جديدة من علم الأعصاب. هل يجب أن يستعينوا بعلم النفس أيضا؟

لقد قطع الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (اختصارا: الذكاء الاصطناعي AI) شوطا طويلا. ففي الأعوام الأخيرة، أظهرتْ الآلات الذكية المستوحاة من الدماغ البشري قدرات خارقة في ألعاب مثل الشطرنج وغو GO، وأثبتتْ براعة استثنائية في محاكاة بعض مهاراتنا اللغوية، وأتقنتْ طيّ البروتين Protein folding، وهي مهمة صعبة جدا حتى بالنسبة إلينا.

ولكن، في جوانب أخرى مختلفة مما يمكن أن نطلق عليها بصورة معقولة الذكاء البشري -مثل الاستدلال، وفهم السببية، وتطبيق المعرفة بمرونة، على سبيل المثال لا الحصر –فإنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي AI لا تزال تعاني. وهي أيضا متعلّم غير كفوء بصورة مؤسفة، وتتطلّب كميّة هائلة من البيانات، أمّا البشر فيحتاجون إلى أمثلة قليلة فقط.

يعتقد بعض الباحثين أنّ كل ما نحتاج إليه لسدّ الفجوة هو ذكاء اصطناعي AI أكبر من أي وقت مضى، في حين يريد البعض الآخر العودة إلى مخططات الطبيعة. ويتمثل أحد المسارات بمضاعفة الجهود لنسخ الدماغ، باستنساخ تفاصيل خلايا الدماغ الفعليّة وطرق نشاطها بصورة أفضل. لكن الدماغ هو أكثر الأشياء تعقيدا في الكون المعروف، وليس من الواضح أبدا مدى التعقيد الذي يجب أن نستنسخه لننتج قدراته.

لهذا السبب، يعتقد البعض أن مزيدا من الأفكار المجردة عن كيفيّة عمل الذكاء يمكن أن تختصر الطريق. ادّعاؤهم هو أنّه لتسريع تقدّم الذكاء الاصطناعي AI فعلا نحو شيء يمكننا أن نقول عنه، قولا له ما يبرره، إنّه يفكر مثل البشر، فإنّ علينا أن نحاكي العقل لا الدماغ.

يقول غاري ماركوس Gary Marcus من جامعة نيويورك New York University ومؤسس الشركة الناشئة روبست AI (Robust AI): «بطريقة ما، إنّها مجرد طرق مختلفة للنظر إلى الشيء نفسه، ولكن في بعض الأحيان، يكون من المفيد فعل ذلك. أنت لست بحاجة إلى نسخة طبق الأصل، ما تحتاج إليه هو تعلّم المبادئ التي تسمح للدماغ بأن يكون فعّالا كما هو».

إنّ إمكانية اعتبار العقل والدماغ منفصلين أمر مثير للجدل، ولم يتمكن الفلاسفة أو العلماء من تحديد المكان الذي يمكن للمرء أن يرسم فيه الخطّ الفاصل بينهما. ولكنّ النقطة التي يجب أن يركّز عليها باحثو الذكاء الاصطناعي AI في هذا الطيف ليستلهموا هي حاليا محلّ نقاش محتدم في هذا المجال.

لا شكّ في أن الدماغ ورقة معلومات مفيدة. تتكون الشبكات العصبية Neural network الاصطناعية التي تقود أنظمة الذكاء الاصطناعي AI الرائدة الآن، مثل نموذج اللغة المثير للإعجاب GPT-3، من شبكات عالية الترابط من وحدات حسابية بسيطة مماثلة للعصبونات (الخلايا العصبية) Neuron البيولوجية. وكالدماغ، يخضع سلوك الشبكة لقوة اتصالاتها، والتي تعدل حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي AI من التجربة.

أثبت هذا المبدأ البسيط أنّه قويّ قوّة لا تصدق، ويمكن للذكاء الاصطناعي AI الآن أن يتعلم اكتشاف السرطان Cancer في الأشعة السينية، أو قيادة درونات (طائرات دون طيار) Drone، أو كتابة نثر لافت. ولكنّ أنظمته تحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات، وتعاني معظمها حين تطبق مهاراتها خارج مجالات محددة جدا. إنها تفتقر إلى الذكاء المرن الذي يسمح للبشر بالتعلّم من مثال واحد، أو بتكييف الخبرات في السياقات الجديدة، أو باستخدام الحسّ السليم للاستدلال في المواقف غير المألوفة.

قد يكون أحد الأسباب هو أن أوجه التشابه بين الأدمغة الواقعيّة والذكاء الاصطناعي هي مجرد تشابهات سطيحة. أحد أوجه التفاوت التي برزتْ مؤخرا هو قوّة معالجة العصبونات الاصطناعية. إنّ «العصبونات النقطية» Point neuron المسْتخْدمة في الشبكات العصبية الاصطناعية Artificial neural networks قزمة مقارنة بنظيرتها البيولوجية، إذ بالكاد يتعدى ما تفعله جمْع المدْخلاتInput لمعرفة ما يجب أن تكون عليه مخْرجاتها. تقول يوتا بورازي Yiota Poirazi، عالمة الأعصاب الحاسوبية من معهد البيولوجيا الجزيئية والتكنولوجيا البيولوجية Institute of Molecular Biology and Biotechnology في اليونان Greece: «إنّه تبسيط مخلّ. ففي الدماغ، العصبون المنْفرد أكثر تعقيدا».

هناك دليل على أن العصبونات في القشرة الدماغية Cortex -وهي المنطقة المرتبطة بالوظائف المعرفية عالية المستوى، مثل اتخاذ القرار واللغة والذاكرة، في الدماغ -تجري عمليات حسابية معقدة بنفسها. يبدو أن السر يكمن في الزوائد الشجيرية Dendrite، وهي بنى شبيهة بالفروع حول العصبونات، تحْمل الإشارات من العصبونات الأخرى إلى جسم الخليّة الأساسي. فالزوائد الشجيرية مملوءة بالمشتبكات العصبية Synapse، وهي نقاط الاتصال بين العصبونات، والتي ترْسل إليها الإشارات الواردة.

لقد عرفنا قبل فترة من الزمن أنّ الزوائد الشجيرية يمكنها تعديل الإشارات الواردة قبل أن تنْقلها. ولكن في دراسة أجْريت عام 2020، وجدتْ بورازي وزملاؤها من جامعة هومبولت Humboldt في برلين Berlin أن تغصّنا بشريا واحدا يمكنه إجراء عملية حسابية تتطلّب شبكة عصبية مكونة من طبقتين على الأقل من العديد من العصبونات الاصطناعية لتستنسخها. إضافة إلى ذلك، عندما حاولتْ مجموعة من الجامعة العبرية في القدس Hebrew University of Jerusalem تدريب ذكاء اصطناعي AI على تقليد معظم العمليات الحسابية التي يجريها عصبون بيولوجيّ واحد، تطلّب الأمر شبكة عصبية اصطناعية مؤلفة من خمس إلى ثماني طبقات لإعادة إنتاج كل تعقيداتها.

نريد محاكاة ما يفعله الدماغ. قد يكون علم
النفس أكثر فائدة لذلك

هل يمكن أن توجّه هذه الرؤى إلى الطريق المؤدي إلى أنظمة ذكاء اصطناعي AI أكثر قوة ومرونة؟ نشرتْ مجموعة بورازي وبحاثون من شركة نوميناتا Numenta للذكاء الاصطناعي AI دراسات في أكتوبر عام 2021 تشير إلى أن خصائص الزوائد الشجيرية يمكن أن تساعد على معالجة إحدى أكثر مشكلات التعلّم العميق Deep learning إضعافا ـ النسيان الكارثي. وهو ميل الشبكات العصبية الاصطناعية إلى نسيان المعلومات التي تعلّمتها سابقا عندما تتعلم شيئا جديدا. وتقول بورازي إنّه يبدو أنّ استخدام عصبونات اصطناعية أكثر تعقيدا يتغلب على هذا بالسماح لمناطق مختلفة من الشبكة بالتخصص في مهمات مختلفة.

تفكير مرن

تقول: «لديك وحدات أصغر وأكثر ذكاء، لذلك لن تحتاج فعلا إلى الشبكة بكاملها للتعلّم». وهذا يعني أنّه لا يكْتب فوق المعلومات التي تعلمتْ مسبقا في مناطق أخرى من الشبكة. تعتقد بورازي أنّ هذا يمكن أن يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي AI أكثر مرونة. بتقسيم المشكلات إلى قطع أصغر مخزّنة في أجزاء مختلفة من الشبكة، قد يصير من الأسهل إعادة دمجها لحل التحديات الجديدة التي لم يواجهّا الذكاء الاصطناعي AI من قبل.

لم يقتنع الجميع أن هذا هو أفضل طريق للمضي قدما. فعندما أضاف بليك ريتشاردز Blake Richards من جامعة ماكغيل McGill University في كندا وزملاؤه تعقيد الزوائد الشجيرية إلى شبكاتهم العصبية، لم يروا أي تحسّن في الأداء. حدس ريتشاردز أنّ الزوائد الشجيرية هي ببساطة استجابة تطوريّة لربط بلايين العصبونات ضمن قيود المساحة والطاقة في الدماغ، وهو أمر لا يهمّ كثيرا أنظمة الذكاء الاصطناعي AI التي تعمل على أجهزة الحاسوب.

ويعتقد ريتشاردز أنّ الأمر الأساسي الذي يجب أن نستخلصه هو «دالّة الخسارة» Loss function التي تستخدمها الدارات المتخصصة في الأدمغة البيولوجية. في الذكاء الاصطناعي AI، دالّة الخسارة هي المقياس الذي تستخدمه الشبكة العصبية الاصطناعية لتقييم جودة أدائها في مهمة ما أثناء التدريب. وهي، بصورة أساسية، مقياس للخطأ. مثلا، قد يقيس ذكاء اصطناعي AI للّغة جودة توقع الكلمة التالية في الجملة.

إن تمكّنا من تحديد ما تحاول دارة دماغية معينة تحقيقه، فسنتمكن من إنشاء دالّة خسارة ذات صلة واستخدامها لتدريب شبكة عصبية تهدف إلى الهدف نفسه، ومن ثمّ سيمكنها، من الناحية النظرية، أن تستنسخ وظيفة الدماغ. لدى ريتشاردز دليل مبدئي على الكيفية التي يمكن أن ينجح بها ذلك. في يونيو عام 2021، أثبت هو وزملاؤه من جامعة ماكغيل وشركة ديب مايند DeepMind للذكاء الاصطناعي AI أنّ شبكة عصبية واحدة مدربة باستخدام دالّة الخسارة يمكنها استنساخ المسارين المنْفصلين اللذين تستخدمهما القشرة الدماغية البصرية لتحديد ماهيّة الجسم، ومكانه بصورة مستقلة.

يعتقد ريتشاردز أننا بتكرار هذه العملية على الشبكات المتخصصة العديدة في الدماغ، سنتمكن من تجميع المكونات الرئيسية التي تجعل البشر مفكرين متعددي القدرات. يقول: «أظن أنّه يجب أن تكون أكثر جزيئية. نريد، بطريقة ما، شيئا لا يبدو مختلفا جذريا عن الدماغ».

تقول كيمبرلي ستاتشينفيلد Kimberly Stachenfeld من شركة ديب مايند إنّ إحدى مناطق الدماغ التي قد تكون ضرورية لتطوير الذكاء الاصطناعي AI هي الحصين Hippocampus. تحاول ستاتشينفيلد فهم كيف تساعد العصبونات في هذه المنطقة الدماغ على تنظيم المعرفة بطريقة منهجيّة تمكن من إعادة استخدامها في مهمات جديدة. وهي تقول: «إنّه يتيح لنا إجراء مقارنات بالماضي، وإعادة استخدام المعلومات في سياق جديد، وأن نكون ديناميكيين جدا، ومرنين، ومتكيفين».

يقول جيف كلون Jeff Clune من جامعة كولومبيا البريطانية British Columbia في كندا، وشركة أوبن AI (OpenAI) في كاليفورنيا، إنّه من الممكن استخلاص المزيد من الرؤى العامة من علم الأعصاب للنهوض بالذكاء الاصطناعي AI. بعد أن فكّر كلون في النسيان الكارثي، صار مفتونا بنظام التعديل العصبي Neuromodulatory في الدماغ، إذ تطلق عصبونات معيّنة مواد كيميائية تعدل نشاط العصبونات الأخرى، في مناطق الدماغ البعيدة غالبا.

أدرك هو وزملاؤه أنّ القدرة على رفع مستوى التعلّم، أو خفضه في أجزاء منفصلة في شبكتهم العصبية الاصطناعية يمكن أن يساعد على التعلّم المستمر، وذلك بالسماح لمناطق مختلفة بالتخصص في مهمات مختلفة. لم يحاولوا بناء نسخة طبق الأصل عن نظام التعديل العصبي. بدلا من ذلك، درّبوا شبكة عصبية على تعديل نشاط شبكة أخرى، مفعّلة وموقفة مناطق الشبكة الأخرى حتى تتمكن من تعلّم سلسلة من المهمات دون أن تنسى المهمات السابقة. يقول كلون: «لم نكن مخلصين بصورة مطلقة للبيولوجيا، لقد أخذنا الفكرة المجردة فقط. عندما تحاول عمل شيء مستوحى من البيولوجية، فإنّ عليك الحصول على كلّ المكونات التي ستغيّر الأمور فعلا».

لكن البعض يصرّ على أننا يجب أن ننطلق بالتجريد إلى أبعد من ذلك، ألا نركّز على تفاصيل الدماغ، بل على العمليات العقلية ذات المستوى الأعلى المتضمنة في اكتساب المعرفة والاستدلال عن العالم: نهج من أعلى إلى أسفل، بدلا من نهج من أسفل إلى أعلى. غاري ماركوس هو حامل لواء هذا المنظور.

يقول ماركوس إنّ علم الأعصاب، على الرغم من التقدم المثير للإعجاب فيه، لا يمكنه أن يخبرنا إلا بالقليل جدا عن كيفية تحقيق الدماغ لقدرات معرفية عالية المستوى. الأهم من ذلك هو أنّ الدماغ حلّ غير مخطط له، جمّعتْه دهور من التجارب التطوريّة العشوائيّة. يقول: «الدماغ في الواقع معيب فعلا». ما نريده هو محاكاة ما يفعله، بغض النظر عن كيفية جمع أجزائه مع بعضها بعضا. «بطريقة ما، قد يكون علم النفس أكثر فائدة لهذا الغرض».

لدى علم النفس بعض النماذج الواضحة، التي أثبتتْ صحتها بصورة جيدة، عن العمليات المعرفية التي تنتج الذكاء. خذْ مبدأ التركيب Compositionality، ومفاده أنّنا نفهم الأشياء بأجزائها، وبالعلاقات بين تلك الأجزاء. يقول ماركوس إنّ هذا يدعم الاستدلال لدى البشر، لكن ثبتتْ صعوبة تطبيقه في الشبكات العصبية الاصطناعية.

هناك طرق لتطبيق مثل هذه المبادئ في الآلات. كانتْ الفكرة الأساسية، المعْروفة بالذكاء الاصطناعي الرمزي Symbolic AI، هي المنهج السائد في الذكاء الاصطناعي AI في النصف الثاني من القرن العشرين. إنّه يعتمد على النظريات المعرفية التي تصف كيف يفكر البشر، وذلك باستخدام الرموز. مثلا، نستخدم كلمة «كلب» للإشارة إلى حيوان واقعي، ونعلم أن علامة + تعني جمع قيمتين مع بعضهما بعضا.

بالنسبة إلى المهندسين، فإن إنشاء أنظمة الذكاء الاصطناعي AI الرمزية ينطوي على إنتاج طرق منهجية لتمثيل مفاهيم العالم الواقعيّ، وعلاقاتها، إضافة إلى قواعد كيفية معالجة الحاسوب لهذه المعلومات لحل المشكلات. بالنسبة إلى لعبة الشطرنج مثلا، يرمِّز Code المهندسون التشكيلات الممكنة للقطع، والحركات الممكنة لكل منها، والقواعد المتعلقة بالحركات التي ستساعد على الفوز باللّعبة.

الشطرنج سهل. أمّا فحص جميع المتغيرات والعلاقات التي تحكم معظم مشكلات العالم الواقعيّ؛ فأمر مختلف. فهذا هو السبب في عدم تفضيل الذكاء الاصطناعي AI الرمزي في أواخر ثمانينات القرن العشرين، مما مهّد الطريق لصعود التعلّم العميق المعتمد على البيانات. ومع ذلك، اتّضح أن العديد من نقاط قوة الذكاء الاصطناعي الرمزي تتداخل مع نقاط الضعف التي اكتشفناها في التعلّم العميق. الآن، هناك اهتمام متزايد بالجمع بين الاثنين.

ذكاء هجين

تحاول ما تسمى الأنظمة العصبية الرمزية Neuro-symbolic system الاحتفاظ بقدرة التعلّم العميق على التعلّم من التجارب الجديدة، وإدخال قدرة الذكاء الاصطناعي AI الرمزي على الاستدلال المعقّد، والاعتماد على المعرفة الموجودة مسبقا. يقول ماركوس: «يجب أن تكون هناك طريقة ما لجمع الأفكار من هذين الأسلوبين مع بعضهما البعض». رسمتْ فرانشيسكا روسي Francesca Rossi وزملائها من شركة IBM الخطوط العريضة لأحد الإمكانات في مؤتمر عقد في يناير 2021. ويعتمد اقتراحهم على الفكرة التي رسم خطوطها العريضة دانيال كانيمان Daniel Kahneman في كتابه الذي تصدّر المبيعات: التفكير، السريع والبطيء Thinking, Fast and Slow، والذي يقسم العقل البشري إلى نمطي تفكير بصورة عامة. النظام 1 سريع، وتلقائي، وبديهي، ومسؤول عن فهم العالم من حولنا بسرعة. النظام 2 بطيء، وتحليلي، ومنطقي، ويتحكم في قدرتنا على التفكير في المشكلات المعقدة.

جمعتْ المجموعة هذه الفكرة مع نظرية «مجتمع العقل» Society of mind لرائد الذكاء الاصطناعي AI مارفن مينسكي Marvin Minsky، والتي تفترض أن العقل يتكون من العديد من العمليات المعرفية المتخصصة التي تتفاعل لإنشاء كلّ متماسك. والنتيجة هي نظام مفاهيمي يتكون من عدة مكونات متخصصة لمختلف مهمات النظام 1 والنظام 2.

وكما يحدث في العقل البشري، تبدأ عوامل النظام 1 العمل تلقائيا بمجرد إعطاء مهمة للذكاء الاصطناعي AI. لكن وحدة «ما بعد معرفية» Metacognitive شاملة تقوّم بعد ذلك الحلول، فإن لم تنجحْ، فإنها تفعّل عاملا أكثر قدرة على التخطيط في النظام 2. تقول روسي إنّه لا يهم بالضرورة أي التكنولوجيا تسْتخْدم للمكونات الفردية، ولكن في تجاربهم الأوليّة، غالبا ما كانت عوامل النظام 1 معتمدة على البيانات، في حين اعتمدتْ عوامل النظام 2 والوحدة ما بعد المعرفية على المناهج الرمزيّة.

هناك مقاومة كبيرة لإحياء المناهج الرمزيّة. ففي بحث حديث، وضّح رواد التعلّم العميق الثلاثة -جيفري هينتون Geoffrey Hinton، ويوشوا بنجيو Yoshua Bengio، ويان لوكن Yann LeCun -أنّهم يعتقدون أنّ إمكانات النظام 2 يجب أن تتعلم بالشبكات العصبية، لا أن تبنى يدويا.

يقول ريتشاردز إن الحجّة هي أن البشر ليسوا أذكياء بما يكفي لبناء أنظمة رمزية تعبّر عن تعقيد العالم الواقعي. لذلك يجب أن يكون التركيز على كيفية حثّ شبكة على التطور بطرق تحاكي تطوير الدماغ للقدرات المعرفية عالية المستوى. يقول: «لسنا أذكياء بما يكفي لنهنْدس هذه الأشياء يدويا. ولا يتعين عليك أن تكون كذلك. كل ما عليك فعله هو أن تسمح للشبكة العصبية باكتشاف الحل».

ومع ذلك، ما زلنا لا نعرف كيفية توجيه شبكة لفعل ذلك. يقول بريندن لايك Brenden Lake من جامعة نيويورك ومؤسسة ميتا أيه آي للأبحاث (Meta AI Research) إن هناك منهجا واعدا هو بناء نماذج رمزية تستنسخ جوانب الذكاء البشري، ثمّ تحاول أن تستبدل تعلّم الآلة المعْتمد على البيانات بأكبر عدد ممكن من المكونات. يقول: «يمكنك أن تأخذ نماذج رمزية كانتْ ناجحة فعلا، ثمّ تبحث عن القطع الرمزية البسيطة، والحاسمة التي تحتاج إليها لتفسر قدراتها».

يقول كونراد كوردينغ Konrad Kording من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania إنّه في النهاية، من المحتمل أن تكون هناك فوائد لكلا النهجين، نهج من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. ويقول إن دراسة السلوك البشري يمكن أن تعطينا أدلة عن العمليات المعرفية المجردة التي علينا أن نستنسخها في الآلات المفكرة، في حين يمكن لعلم الأعصاب الأساسي أن يخبرنا عن اللبنات الأساسية اللازمة لبناء هذه الآلات بكفاءة.

لكن، يقول كوردينغ، ربما تكون المساهمة الأكبر التي قد يقدّمها أيّ من المنهجين للذكاء الاصطناعي AI هي المساهمة الثقافية. أبحاث الذكاء الاصطناعي AI حاليا تدفعها التحديات والمسابقات المعيارية، التي تعزز المنهج التدريجي Incrementalist. إذ تحققتْ معظم التطورات بتعديل النموذج الحديث السابق، أو تدريبه على مزيد من البيانات، أو على أجهزة حاسوب أكبر بكثير.

أولئك الذين يدرسون الذكاء البشري يأتون بمنظور مختلف لهذا المجال. ويقول كوردينغ: «إنهم مدفوعون برغبة في الفهم لا برغبة في المنافسة». فعلى المدى الطويل، قد تكون هذه الذهنية أكثر قيمة من أي تفاصيل عن كيفية عمل أدمغتنا، وعقولنا.

بقلم إد جينت

ترجمة د. محمد الرفاعي

 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC©

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى