أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
أخبار العلوم

بالون يكتشف الأدلة الأولى على وجود «نفق صوتي» في السماء

مماثل جوي لقناة صوتية في المحيط يمكن استخدامه لتتبع الانفجارات والقنابل

على بعد نحو 1 كم تحت سطح البحر يوجد نفق صوتي يحمل نداءات الحيتان وقعقعة الغواصات إلى مسافات بعيدة. فمنذ أن اكتشف العلماء قناة تثبيت الصوت ومجاله Sound Fixing and Ranging (اختصارا: المجال SOFAR) هذا عام 1940، شكَوا بوجود قناة مماثلة في الجو. ولكن لم يكلف سوى القلة منهم نفسه عناء البحث عنها، باستثناء عملية ذات سرية عالية تمت أيام الحرب الباردة.

الآن، بالاستماع إلى إطلاقات صاروخ بعيد بواسطة بالونات مدفوعة بالطاقة الشمسية، يقول الباحثون إنهم اكتشفوا أخيراً إشارات على وجود قناة صوتية هوائية، ولو أنها كما يبدو لا تعمل ببساطة قناة SOFAR المحيطية وموثوقيتها. لو ثبت ذلك؛ فربما تمهَد القناة SOFAR الجوية الطريق لإنشاء شبكة من المستقبلات الهوائية يمكنها أن تساعد الباحثين على اكتشاف تفجيرات بعيدة من البراكين والقنابل ومصادر أخرى تبعث تحت صوتية Infrasound – موجات صوتية تحت تردد الأذن البشرية.

«وجود هذه [الكاشفات Detectors ] هناك في الأعلى سيساعدنا كثيراً»، كما يقول وليام ويلكوك William Wilcock عالم الزلازل البحرية Marine seismologist من جامعة واشنطن University of Washington, Seattle. في سياتل. وعلى الرغم من أن المجسات الزلزالية Seismic sensors في الأرض تلتقط معظم تفجيرات الكوكب الكبرى، «إلا أنها تغطي بعض المناطق من الأرض جيداً، في حين لا تغطي أخرى».

أما في المحيط؛ فإن القناة SOFAR محدودة بفعل وجود طبقات من مياه أدفأ وأخف في الأعلى، ومياه أبرد وأثقل في الأسفل. فالموجات الصوتية التي تنتقل في أخفض سرعة لها عند هذا العمق، تنحصر ضمن هذه القناة، مرتدة عن الطبقات المحيطة مثل كرة البولنغ توجه بواسطة مصدات. ويعتمد الباحثون على القناة SOFAR لمراقبة الزلازل الأرضية والانفجارات البركانية تحت قاع البحر– وحتى قياس درجة حرارة المحيط الناجمة عن الاحترار العالمي Global warming.

بعد أن اكتشف عالم الجيوفيزياء موريس إيونغ Maurice Ewing القناة SOFAR في عام 1944، شرع في البحث عن طبقة مماثلة في السماء. على ارتفاع بين 10 إلى 20 كم في التروبوبوز Tropopause -وهي الطبقة الفاصلة بين التروبوسفير Troposphere، وهي أخفض طبقة في الجو (حيث يتشكل المناخ)، والستراتوسفير Stratosphere. ومثل القناة SOFAR البحرية، يمثل التروبوبوز منطقة باردة تنتقل فيها موجات الصوت بشكل أبطأ وأبعد. وجود دليل موجي صوتي في الجو، كما فكر إيونغ، سيسمح للقوات الجوية في الولايات المتحدة بأن تستمع لاختبارات الأسلحة النووية التي فجَرها الاتحاد السوفييتي. ودعا إلى إجراء تجربة عالية السرية أعطيت الرمز بروجيكت موغول Project Mogul أطلقت بالونات هواء ساخن مزودة بميكروفونات تحت صوتية.

تعطَلت الأجهزة مراراً نتيجة الرياح الشديدة، وفي عام 1947سقطت شظايا من أحد البالونات خارج روزويل Roswell في نيو ميكسيكو New Mexico، حيث أثار ذلك الارتطام إحدى أشهر نظريات مؤامرة الأطباق الطائإة UFO في التاريخ. وبعد ذلك مباشرة تخلى الجيش عن المشروع. لكن لم ترفع السرية عنها لمدة 50 عاماً تقريباً. بحلول ذلك الوقت هدأ التوتر الذي ساد أيام الحرب الباردة، واختفى البحث عن الصوتيات الجوية تقريباً، كما يقول ستيفان مكنيت Stephen McNitt عالم الزلازل البركانية من جامعة جنوب فلوريدا University of South Florida. وأضاف: «فجأة سحب الدعم، ولم يمول البحث تحت – صوتي لمدة 30 إلى 40 عاماً».

لكن سارا البرت Sarah Albert وهي جيوفيزيائية تعمل في مختبرات سانديا الوطنية Sandia National Laboratories بنيومكسيكو، لم تتخل عن الفكرة. وكانت مغرمة بإمكانية استخدام بالونات جديدة مدفوعة بالطاقة الشمسية، تطفو بهدوء على ارتفاعات مستقرة، وبقياسات لاسلكية عن بعد يمكنها بثّ البيانات بثا متصلا على مجالات أطول.

أطلق صاروخ بلو أوريجين نيو شيبارد موجات تحت صوتية اكتشفت بواسطة مستقبلات هوائية

مزودة بتقنية جديدة، سافرت هي وزملاؤها إلى مطار بالقرب من الباكيركي Albuquerque، وفي 14 أبريل 2021 أطلقوا بالوناً عند شروق الشمس. وقَتوا تاريخ الطيران ليصادف إطلاق صاروخ بلو أوريجين نيو شيبارد Blue Origin’s New Shepard الذي كان يقلع من فان هورن Van Horn في تكساس على بعد أكثر من 400 كم. بالطفوّ ضمن القناة الصوتية المفترضة، التقط البالون ثلاث إشارات واضحة من الصاروخ– الأولى عند إطلاقه، واثنتان عند صعوده وهبوطه خلال التروبوسفير، كما أظهر الباحثون الأسبوع الثاني من أبريل 2022 في الاجتماع السنوي لجمعية الزلازل بأمريكا.Seismological Society of America وهذه الملاحظة تؤشر إلى أول اكتشاف تحت صوتي موثَّق من مصدر هوائي بعيد بواسطة مستقبل هوائي، كما يقول آلبيرت.

 لكن الباحثين لدهشتهم التقطوا أيضاً أصواتاً أخرى من القناة. «هناك أحداث تحت صوتية من طبيعة غير معروفة، تحدث عدة مرات في الساعة»، كما يقول دانييل باومان Daniel Bowman وهو جيوفيزيائي في سانديا أسهم في المشروع. ويضيف: «ولايوجد تفسير جيد».

ولجعل الآمور أكثر تعقيداً، كرَر الفريق التجربة بإطلاق آخر لصاروخ من قاعدة فاندينبرغ للقوى الجوية Vandenberg Air Force Base في كاليفورنيا في 27 سبتمبر 2021، ولم يكتشفوا أي إشارة على الإطلاق. وعلى الرغم من أن الصاروخ الجديد أطلق على بعد أكبر بثلاثة أضعاف من الإطلاق في تكساس، إلا أنهم بقوا يتوقعون أن تحمل القناة SOFAR الجوية الموجات الصوتية من الصاروخ إلى البالون، كما يقول آلبيرت.

هذا ويقول آلبيرت: «وأعتقد أن هناك القناة SOFAR جوية، لكنني لست واثقاً من أنها توجد في الأوقات جميعها، وأن باستطاعتها نقل الصوت بعيداً كما اعتقدنا مسبقاً». ويضيف أن مثل هذا معقول، لأن الاختلافات في الرياح ودرجة الحرارة يجعل التروبوسفير مكاناً أكثر ديناميكية من قناة المحيط المستقرة.

مستقبلا، يخطط الباحثون الاستماع لإطلاقات بعدة بالونات موزعة على ارتفاعات مختلفة لمعرفة أين تكون تأثيرات القناة أشد قوة. وهم يخططون أيضاً لاختبار مدى الإشارات، والتحري عن الضجة الخلفية الغامضة.

فهم كيفية عمل القناة يمكنه أن يساعد على وضع أسس العمل لشبكة تحت صوتية هوائية في المستقبل، والتي ستراقب الآرض باستمرار لتفجيرات ضخمة وانفجارات بركانية، كما يقول آلبيرت. ويشرح قائلا: «في مناطق توجد فيها براكين وشبكات تحت صوتية محدودة، فإن وجود بالون أو شبكة من البالونات في الهواء يمكنه أن يسد هذه الثغرة».

عندما انفجر هونغا تونغا-هونغا هابي Hunga Tonga-Hunga Ha’apai في يناير 2022 على سبيل المثال، كان أقرب كاشف مؤسس على الآرض على بعد أكثر من 750 كم، كما يقول مكنيت. ووجود مجموعة بالونات في المكان يمكنه أن يساعد على تحديد موقع هذه الحوادث البعيدة وزمنها وحجمها.

ويقول باومان: «ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، والأجهزة لا تحب الوجود في الماء. أما قناة هوائية؛ فستسمح لنا بطرح أسئلة لا يمكننا طرحها على الأرض».

بقلم: أدريان تشو

ترجمة: د.سعد الدين خرفان

©2022, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

 

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى