أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فلك وعلم الكونياتفيزياء نظريةمقابلاتملف خاصميكانيكا الكم

فريال أوزيل تُحدثنا عن أول صورتين للثقوب السوداء

مع توفر صورتين في ألبوم الصور، تشرح لنا الفلكية فريال أوزيل، وهي واحدة من رواد تصوير الثقوب السوداء، ما تعلمناه عن وحوش الجاذبية تلك، وماذا سيأتي بعد ذلك

في يونيو 2022 حصلنا على أولى الصور للوحش القابع في مركز مجرة درب التبانة Milky Way وهو الثقب الأسود Black Hole فائق الكتلة المعروف بالرامي أيه Sagittarius A*. نتجت هذه الصورة عن رحلة استكشاف فلكية صارت ممكنة بفضل مجموعة تلسكوبات أفق الحدث Event Horizon Telescope(اختصارا: التلسكوب EHT). كان التقاطها أصعب بكثير من الصورة السابقة الملتقطة لثقب أسود آخر باستخدام التلسكوب نفسه والتي كانت أولى الصور على الإطلاق. ولكن هذه الصورة خاصة جدا لأنها ذات صلة بقلب مجرتنا الأم.
كانت فريال أوزيل Feryal Özel من جامعة أريزونا University of Arizona واحدة من أول الأفراد الذين ابتكروا طريقة لتصوير الثقوب السوداء وهي الآن عضو رئيسي في تعاون التلسكوب EHT. لنتعرف على ما تعلمناه من الصورة الأخيرة، وكيف تختبر فهمنا للجاذبية؟ وماذا نتوقع من المرحلة المقبلة في مجال تصوير الثقوب السوداء، التقت نيوساينتست بعالمة الفلك فريال أوزيل.

آبغيل بيوول: في البداية، ما الذي جذبك نحو الثقوب السوداء؟
فريال أوزيل: عندما تخرجت من المدرسة، كان علم الفلك في عصره الذهبي. ويعود ذلك في جزء منه إلى اكتشاف كيف تتصرف الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية Neutron Stars. بعد ذلك، أدركت أن تلك الأجسام تُمثل مختبرات متطرفة وموجودة في الفضاء. وهذا يسمح لي بجمع ما أحبه في الفيزياء النظرية مع البيانات الرائعة. ومن ثمّ يُمكنني من استكشاف أشياء لا يُمكننا استكشافها في المختبرات فوق الأرض.

ما أكثر الأشياء غموضا حول الثقوب السوداء؟
كانت الثقوب السوداء في البداية عبارة عن هياكل رياضياتية نتجت من نظرية آينشتاين في الجاذبية: النسبية العامة General Relativity. عندما تكون الجاذبية قوية بشكل كاف، فإن هذه النظرية تسمح بتشكل حدث منفرد Singularity: منطقة بكثافة لانهائية للطاقة. اعتقد معظم الناس بعدم وجود هذه الأجسام في الكون الفيزيائي. لكننا أدركنا بعد ذلك أنها موجودة. فعندما تنهار النجوم فائقة الكتلة، فإنها تشكل جسما يختلف عن كل ما نعرفه في الكون. هناك منطقة من الفضاء، تُعرف بأفق الحدث Event Horizon، تصير منفصلة عن كوننا إذ لا يعود بوسعنا استقبال أي معلومات قادمة من تلك المنطقة، فحتى الضوء لا يُمكنه الإفلات منها.
أحد الأشياء التي نسعى إلى فهمها هو مدى مطابقة سلوك الثقوب السوداء لتنبؤات النسبية العامة وفيما إذا كان هناك بعض الانحرافات عن النسبية العامة أثناء الاقتراب من أفق الحدث. فهناك تباين كبير بين كيفية وصف النسبية العامة لكوننا وكيفية وصفه باستخدام ميكانيك الكم Quantum Mechanics التي تمثل أفضل نظرياتنا عن العالم تحت الذري Subatomic. فعند مستوى معين، نحن نسعى إلى دمج هاتين النظريتين معا، ولذلك نعتقد أن آفاق حدث الثقوب السوداء أماكن مناسبة قد تعطينا أدلة عن كيفية فعل ذلك، لأنك بحاجة إلى كلتا النظريتين لوصف الفيزياء المتطرفة للثقوب السوداء.

كيف ولدت فكرة تصوير الثقب الأسود؟
كانت هناك بعض الجهود لتصوير الثقوب السوداء في تسعينات القرن العشرين عندما طُور مفهوم مقياس التداخل طويل المدى Very- Long-Baseline Interferometry. تنص هذه الفكرة على توزيع مجموعة من التلسكوبات بشكل مناسب ومترابط بطريقة تسمح بالحصول على دقة أفضل (انظر: «كيف تبني تلسكوب بحجم الأرض»). أراد الباحثون حينها معرفة الدقة التي يُمكننا من خلالها رؤية الثقب الأسود الموجود في مركز مجرتنا، لكن تمثلت المشكلة الرئيسية في وجود كميات كبيرة من الغاز والغبار حول الثقب الأسود على طول الطريق بيننا.
وفي وقت متأخر من تسعينات القرن العشرين والعقد الأول من هذا القرن، طورنا نماذج أفضل للبيئة المحيطة بالثقوب السوداء. وكنت أتساءل دوما عمَّا إذا وُجد طول موجي محدد يُمكننا رصده ويسمح لنا برؤية الثقب الأسود دون أن يكون المشهد دون إعاقة من الغاز والغبار المحيطين به؟ وماذا نحتاج إلى الوصل مباشرة نحو أفق الحدث؟

إذا، ماذا نحتاج؟
أدركت أنه لدى الثقوب السوداء الموجودة في جوارنا خاصية فريدة: إنها تنتمي إلى صنف من الثقوب السوداء منخفضة السطوع مما يجعل من تصويرها ممكنا باستخدام التلسكوبات الراديوية.
بدأت تنفيذ بعض عمليات المحاكاة لمعرفة الطول الموجي الذي سيسمح لنا بالوصول إلى أفق حدث تلك الثقوب السوداء. وقد ساعدنا ذلك على تصميم المجموعة الأولية من عمليات الرصد باستخدام طول موجي يساوي 1.3 ميليمتر، وهو يُمثل حاليا الطول الموجي لتلسكوب أفق الحدث. ومن ثم بدأ كل شيء من هناك.

كانت الصورة الأولى للثقب الأسود للمجرة M87* في عام 2019. كيف بدا الأمر أثناء مشاهدتها أول مرة؟
كان مذهلا حقا. يجمع التلسكوب EHT البيانات باستخدام مقياس التداخل. لقد كانت زوجا من التلسكوبات التي تحصل على بيتات قليلة من المعلومات، ومن ثمّ نولف تلك المعلومات معا للحصول على صورة مفردة. ولكن بيانات مقياس التداخل نفسها كان شكلها مذهل، لقد كان شيئا كـ«يا للعجب. يبدو ذلك كخاتم!» لقد كانت تلك هي اللحظة التي أدركنا فيها أن المقياس يعمل.
بعد ذلك حصلنا على الصورة الثانية لثقب أسود، وكانت هذه المرة للقوس أيه* القابع في مركز مجرتنا. فقد كان الأمر مختلفا قليلا عن صورة الثقب الأسود للمجرة M87، فقد جمعنا عمليات الرصد الخاصة بهذا العمل عام 2017 وعرفنا مبكرا أنه لدينا بنية مشابهة للخاتم، وأمكننا الإفصاح عن حجمه بسرعة. لكننا كنا قلقين لأن الغاز يتحرك بسرعة أكبر بكثير حول هذا الثقب الأسود مقارنة بذلك في M87، وذلك ناتج بشكل رئيسي عن كونه أصغر، وذلك يُسهم في تشويش الصورة وإنتاج عيوب فيها. كان علينا أيضا معالجة التشويش الناتج من الضوء المتحرك عبر قرص مجرتنا وهي ظاهرة تُعرف بالتشتت بين النجمي Interstellar Scattering. تطلب الأمر عامين إضافيين قبل أن نتمكن من القول: «حسنا. نحن متأكدون أننا لا نحول مجموعة من العيوب إلى نتائج ونشاركها مع المجتمع العلمي والجمهور».

أول صورتين للثقوب السوداء.
صورة: EUROPEAN SOUTHERN OBSERVATORY / EHT COLLABORATION / SCIENCE PHOTO LIBRARY

كيف يختلف الثقب الأسود M87* عن الرامي أيه*؟
ينتمي الاثنان إلى مجموعة تُعرف بالثقوب السوداء غير الفعالة Radiatively inefficient، مما يعني أنه لن يكون بوسعنا الحصول على الكثير من الضوء أثناء سقوط المادة نحو هذه الفئة من الثقوب السوداء بسبب عدم قدرة المادة على الإشعاع بشكل فعال عندما تكون كثافتها منخفضة. ولكن عند وضع هذه النقطة جانبا، فهما مختلفان جدا. ثقب M87 الأسود أكبر كتلة بكثير -أكبر بنحو 1500 ضعف. فكتلة الرامي أيه* تصل إلى بضعة ملايين كتلة شمسية، أما كتلة الثقب الأسود M87؛ فتبلغ بلايين كتلة شمسية. كما أن بيئتيهما مختلفةٌ جدا. يُصدر ثقب M87 الأسود تدفقات عالية السرعة من الجسيمات التي يبلغ حجمها حجم المجرة الأم تقريبا، وقد دفعنا هذا في الأساس إلى الاعتقاد بوجود شيء ما في مركز تلك المجرة. لم يكن بوسعنا رصد أي تدفق كهذا في الرامي أيه*، حتى ولو كان صغيرا وضعيفا عند أي طول موجي.
على الرغم من أن الثقوب السوداء مختلفة جدا، فإن صورهما متشابهة إلى حدٍ بعيد. قد يفترض بعض الأفراد أن مشاهدة كعكة دونات أخرى أمرٌ مخيبٌ للآمال. لكنه في الواقع كان مثيرا جدا لأنه أكد ما نعتقده. سرني جدا حصولنا على صورة لثقبنا الأسود وتأكيده لبعض الخصائص الناتجة من القوانين الكونية في الجاذبية. إنّ ذلك أكثر متعة من مشاهدة حدث خاص يرتبط بثقب أسود وحيد.
قد ينتهي المطاف بثقبين أسودين متشابهين وموجودين في بيئات مختلفة إلى حالات مختلفة جدا. فهناك الكثير من الطرق التي يمكن لهذه الأشياء أن تسلكها: قد تكون أكثر سطوعا أو خفوتا، قد تبدو ككوازار (نجم زائف) Quasar لديه تدفقان يخرجان
من وسطه.
إذا كانت الحال كذلك، فهذا يُخبرنا بأن البيئة المحيطة لديها أشياء أخرى مثيرة للاهتمام غير الجاذبية الشديدة. لكن ما نراه هو في حالتي M87* والرامي أيه* أن الخصائص الذاتية للثقوب السوداء طاغية.

كيف تساعدنا تلك الصور على اختبار النسبية العامة؟
يُمكننا البحث عن اختبارات للنسبية العامة في الجوار المباشر للثقوب السوداء. هل باستطاعتنا مشاهدة شيء مختلفة عما تنبأت به النظرية؟ قد يكون الشكل أو الحجم مختلفا عم اعتقدناه. فهناك أيضا مجموعة من النظريات التي تقترح أن أفق الحدث يتغير بمرور الزمن. ولذلك، فإن مشاهدتنا لصور الثقوب السوداء عند أزمنة مختلفة سيساعدنا على العثور على أي أدلة تشير إلى انحرافات عن النسبية العامة.

هل توقعتي وجود انحرافات عن النسبية العامة بعد الحصول على صورة الرامي أيه* ؟
كنا نأمل ذلك سرا. لكن هناك تطابق الآن وخاصة في حالة الرامي أيه* لأننا نعرف كتلة هذا الجسم فائق الكتلة جيدا عبر دراسة حركة النجوم حول مركز المجرة. لدينا تنبؤ قاطع لحجم الخيال -الجزء المركزي والمظلم من الثقب الأسود – وحجم الحلقة الساطعة والمؤلفة من المواد المحيطة به. فقد طابقت عمليات الرصد النظرية بشكل مذهل.

هل نتوقع صور لثقوب سوداء أخرى؟
عندما يتعلق الأمر بالأهداف الموضوعة لـلتلسكوبEHT، فإنّ الثقبين الأسوديين M87* والرامي أيه* يُمثلان هدفين رئيسيين. يُمكننا دراسة عدد كبير من الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في جوارنا، لكن لا يُمكننا الوصول لأفق حدثها. إذا أردنا صورا كهذه لثقوب سوداء، فإننا بحاجة إلى دقة أعلى. لقد استنفذنا ما بوسعنا فوق الأرض، ولذا علينا الآن الذهاب إلى الفضاء، فوضع أجهزة أطباق رادار راديوي Radio dishes في الفضاء سيسمح لنا برصد عدد كبير من الثقوب السوداء المناسبة لهذا النوع من الدراسة.

إذا كانت تلك التكنولوجيا متاحة لنا، فما هو الثقب الأسود الذي تريدين النظر إليه؟
في عام 2012 نُشر بحث علمي، وحَددت مع مجموعة من زملائي عددا من الثقوب السوداء التي يُمكن تصويرها إذا أتيح لنا ذلك من الفضاء. ليس لدي ثقب أسود مفضل. ما هو مثير حقا هو أن عشرة منها صارت متاحة فجأة. فإذا تمكنا من الوصول إلى تلك التكنولوجيا والاستثمار في بنائها، سيكون بوسعنا حينها تصوير مجموعة من الثقوب السوداء الموجودة في جوارنا. سيكون ذلك ممتعا جدا.

كيف تبني تلسكوب بحجم الأرض

أنت بحاجة إلى تلسكوب عالي الدقة كي تلتقط صورة لثقب أسود. إن الطريقة الطبيعية لتطوير تلسكوبات بدقة أعلى هو عبر جعلها أكبر. ولكن هناك حدّاً فيزيائيّا يُقيد حجم التلسكوب. تمكن تعاون تلسكوب أفق الحدث من الالتفاف حول هذه المسألة عبر استخدام تقنية تُعرف بمقياس التداخل طويل المدى Very-Long-Baseline Interferometry. ويستخدم هذا التعاون مجموعة من التلسكوبات الراديوية التي يفضل بينها آلاف الكيلومترات وترصد الجزء نفسه من السماء في اللحظة نفسها، ومن ثمّ تُجمع البيانات لتكوين صورة واحدة. وينتج من هذه العملية مقياسٌ للتداخل بحجم الأرض وقادرٌ على إعطاء الدقة التي يُمكننا الحصول عليها عند استعمال تلسكوب وحيد بقرصٍ يمتد على آلاف الكيلومترات.

بقلم آبغيل بيوول

ترجمة د. همام بيطار

© 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى