أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فلك وعلم الكونياتفيزياء نظريةملف خاص

ما الزمن؟ الماهية الغامضة للبعد الرابع

الطبيعة الحقيقية للزمن ما زالت بعيدة عن الفهم. سواء أكانت جزءاً أساسياً من الكون أم من ذهننا، هي تؤثر في فهمنا للكون

نحن نولد ثم نعيش وفي وقت ما نموت. وفكرة أن وجودنا محدود بمرور الزمن Time، هي فكرة أساسية للتجربة البشرية. لا يمكننا محاربة الزمن – وفي الحقيقة، نحن لا نعرف ما الذي نحاربه. إن الزمن مفهوم شامل لا ندرك طبيعته – خاصة الفيزيائيون. لكن لماذا يمثل هذا المفهوم مشكلة كبيرة؟. تقول أستريد إيشهورن Astrid Eichhorn، الاختصاصية بعلم الفيزياء النظرية من جامعة جنوب الدنمارك University of Southern Denmark في أودنسي: «لو كانت لدينا إجابة جيدة حقاً عن هذا السؤال، فلن تكون هناك مشكلة كبيرة».
وعلى مستوى معين، الزمن بسيط: إنه ما يوقف حدوث كل شيء في وقت واحد. قد يبدو هذا بسيطاً، لكنه على الأقل شيء يمكن أن نتفق عليه. وتقول إيشهورن: «إن الترتيب السببي للأشياء هو حقاً ما يدور حوله الزمن».
ومن هذا المنظور، يمكن تفسير وجود الزمن على أنه شرط مسبق ضروري لنوع الكون الذي تؤدي فيه الأشياء إلى أشياء أخرى، من بينها الحياة الذكية التي يمكنها طرح أسئلة، مثل «ما الزمن؟». أما ما سوى ذلك، فإن ماهية الزمن تظل غامضة. مثلا، لماذا يمكن للأشياء أن تؤثر فقط في أشياء أخرى في اتجاه واحد في الزمن، ولكن في اتجاهات متعددة في الأبعاد الثلاثة للمكان.
معظم النظريات الفيزيائية، من قوانين إسحق نيوتن Isaac Newton للحركة Laws of motion إلى ميكانيكا الكم Quantum mechanics، تتجنب مثل هذه الأسئلة. في هذه النظريات، الزمن هو «متغير مستقل» Independent variable تستند عليه تغيرات أشياء أخرى، دون أن يغيره شيء. بهذا المعنى، يوجد الزمن خارج الفيزياء، مثل دقات بندول الإيقاع خارج الكون، الذي يؤدي بداخله كل شيء دوره.
ونظريات النسبية Theories of Relativity لآلبرت آينشتاين Albert Einstein، التي طُوّرت في أوائل القرن العشرين، قد دحضت هذه المفاهيم الأثيرية. ففي النسبية، الزمن هو شيء فيزيائي وديناميكي، مندمج في المكان لتشكيل الزمكان Space-Time، أي نسيج الكون نفسه. والزمكان ليس مطلقاً Absolute، ولكنه نسبي، مشوَّه Warped بالحركة والجاذبية. إذا كنت تسافر بسرعة، أو إذا كنت في مجال جاذبية قوي، فإنه يتباطأ.
ونسبية الزمن لها تبعات واسعة النطاق. لأنه لا توجد طريقة فريدة لتعريف مروره، لا توجد طريقة فريدة لتعريف «الآن» Now. خلص آينشتاين إلى أن كل «الآن» – الماضي والحاضر والمستقبل – يجب أن توجد في معا وقت واحد، وهي صورة تُعرف بالكون المحظورBlock universe التي تتعارض تماماً مع حدسنا.
وعدم التطابق هذا يحدث لأن سرعة الضوء في كوننا محدودة. لا يمكننا الوصول إلا إلى أوقات معينة، في وقت معين، لذلك لا يمكننا أبداً الحصول على نظرة شاملة للكون المحظور. وتقول كاتي ماك Katie Mack، الاختصاصية بالكوزمولوجيا (علم الكونيات) من جامعة ولاية كارولينا الشمالية North Carolina State University: «في الممارسة العملية، تحد السببية Causality ما يمكننا إدراكه بطريقة صارمة جداً، وخبرتنا وأي شيء يؤثر فينا مقيَّد جداً بها».

المكان والزمن
الألغاز لا تتوقف عند هذا الحد. من خلال جعل الزمن جزءاً من النسيج الفيزيائي للكون الذي، بقدر ما نستطيع أن نقول، بدأ في انفجار كبير Big bang منذ نحو 13.8 بليون سنة، فإن نظرية النسبية العامة Theory of General Relativity لآينشتاين تشير إلى أن الزمن نفسه له بداية – وربما نهاية أيضاً. لا يمكن أن يكون هناك بندول أبدي يدق خارج الكون كما تشير نظرية الكم، لأن مثل هذا المصدر يجب أن يكون موجوداً خارج المكان والزمن أنفسهما. وحالياً هذا هو سبب الحاجة الضرورية إلى مد جسر بين نظرية النسبية ونظرية الكم. وفي محاولة وصل النظريتين ببعضهما، يأمل باحثون مثل إيشهورن بإحراز تقدم نحو صورة أكثر توحيداً للفيزياء – صورة يجب أن يكون لها مفهوم مختلف تماماً عن الزمن.
والعديد من نظريات «الجاذبية الكميّة» Quantum gravity تقترح أنه إذا كان بإمكانك التكبير للتقريب جداً من نسيج الزمكان لآينشتاين، إلى مستوى الحبيبات الدقيقة المسمى بمقياس بلانك Planck scale، فسوف تكتشف بنية تحتية – نوع من البكسل الكمي Quantum pixelation. وهذا يفتح إمكانيات جديدة تماماً. وتقول إيشهورن: «قد يختلف التركيب الكمي للزمن والمكان في وجود المادة عما هو عليه إذا كنت تفكر فقط في كون يحتوي فقط على الزمن والمكان».
والجميع لا يعتقد أننا بحاجة إلى الذهاب إلى هذا الحد. يرى البعض وسيلة لإيجاد طبيعة الزمن في فهم أفضل لنظرية الكم. أو ربما يكون الزمن في حد ذاته سراباً. وتقول ماك، مثل لون أو نمط ورقة شجرة، قد يكون الزمن شيئاً غير مهم، اخترعنا مروره لفهم حياتنا والأنماط من حولنا.
بعد كل شيء، نحن لا نستطيع قياس الزمن نفسه أبداً، بل نقيس التغييرات المنتظمة – سواء كان ذلك بمرور الفصول، أم تأرجح البندول، أو تذبذب ذرة السيزيوم – التي نعكسها إلى شيء غامض نسميه «الزمن». وتقول ماك: «إنه شيء نراه، ويبدو أنه موجود… ولكنه ربما لا يكون مهمّاً للكون Cosmos».

بقلم ريتشارد ويب

ترجمة مي منصور بورسلي

© 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى