أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
فضاء

هل يتذكر الزمكان؟ في البحث عن ذاكرة الجاذبية

بدأ رصد البصمات الدائمة التي خلفها تصادم الثقوب السوداء سيكشف عن كون مشبع بالتناظرات، مما يضيق النطاق الذي ينظر فيه بحثا عن نظرية الجاذبية الكمّيّة

عندما تتصادم الثقوب السوداء Black Holes في أقاصي الكون، تطلق طاقة على شكل موجات جاذبية Gravitational Waves. ويمكنك رصد هذا العبور عبر الزمكان Space-time على شكل تموجات كتلك التي يُحدثها سقوط حصاة على سطح بركة ماء.

يقول ديفيد غارفينكل Garfinkle David، المتخصص بعلم الكون من جامعة أوكلاند Oakland University بميتشيغان: «يعود سطح الماء في البركة إلى مستواه الطبيعي بعد عبور التموجات». وقد تتخيل عودة نسيج الكون إلى سابق عهده بعد مرور موجات الجاذبية. لكنّ غارفينكل يقول: «إنه لا يعود». وفي الحقيقة تتنبأ نظرية آينشتاين في النسبية العامة General Theory of Relativity، والتي تنص على أن الجاذبية هي نتيجة للتشوه Warping الذي تسببه الكتلة للزمكان، بأن موجات الجاذبية يجب أن تغير بنية الزمكان تغيرا دقيقا في أعقابها. وبكلمات أخرى، الكون يتذكر.

تأثير ذاكرة الجاذبية Gravitational Memory هذه ضعيف جداً، لدرجة أنه قد يكون ضئيلا. لكن في السنوات الأخيرة، تصدى عدد من الفيزيائيين الفلكيين المتفائلين لهذا التحدي إثبات توضيح وجودها، ووفقاً لأندرو سترومينغر Andrew Strominger الفيزيائي النظري من جامعة هارفارد Harvard University: «ورهاناتهم تدور حول متى سنكتشفها، إلا أنه لم يقل أحد أن ليس بإمكاننا قياسها». وحالياً، مع تدفق المزيد من موجات الجاذبية، فقد نكون على أعتاب إنجار علمي خارق.

ذاكرة الجاذبية ستكون الدليل على نوع خفي من التناظر الذي يعتُقد أنه يتخلل الكون كله

ستكون الآثار المترتبة على مثل هذا الاكتشاف بعيدة المدى. فذاكرة الجاذبية ستكون الدليل على نوع خفي من التناظر Symmetry الذي يعتُقد أنه يتخلل الكون كله. وهذا بدوره سيزودنا بأدلة حيوية وربما مصيرية حول نظرية كمّيّة للجاذبية Quantum Theory of Gravity، وفي المحصلة سنعرف ممَّ يتكون الزمكان فعلاً.

تمتد جذور هذه الفكرة إلى أواخر ستينات القرن العشرين، حين اعتقد الفيزيائي جوزيف ويبر Joseph Weber أنه توصل لاكتشاف مذهل. فباستخدامه ما يزيد بقليل على ألواح ألمنيوم مهتزة، التقط إشارة زعم أنها كانت الرصد الأول لموجات الجاذبية. أثار إعلان ويبر ضجة إعلامية كبيرة، لكنّ أقرانه كانوا أكثر حذراً. شكك القليل من الفيزيائيين بوجود موجات الجاذبية والتي تنتج مباشرة عن معادلات آينشتاين في النسبية العامة، غير أن الإشارة المتوقعة كانت ضعيفة جداً للدرجة التي بدا أنه من غير المرجح أن ويبر رصدها بمعداته المتواضعة.

المثلث تحت الأحمر The infrared triangle
هذا الارتباط الرياضي يصل بين ثلاثة مكونات للواقع منفصلة ظاهرياً. وتشكل ذاكرة الجاذبية التي تقع في الزاوية العليا التجلي الفيزيائي للزاويتين الأخريين. تصف هاتان الزاويتان بدورهما جسيمات كمية ومجموعة خاصة من التناظرات مرتبطة بالجاذبية التي تظهر حتى في الزمكان الخالي. ويعني هذا الارتباط مع الزاويتين السفليتين للمثلث، أن الجاذبية الكمية، مهما كانت، عليها أن تخضع لتناظرات الانتقال الفائقة.

موجات الجاذبية
كان من بين النقاد فيزيائيين اثنين هما ألكسندر بولناريف Alexander Polnarev وياكوف زيلدوفيتش Yakov Zeldovich. وفي محاولة لإثبات خطأ ويبر، حسبا كيف ستؤثر أكبر موجات الجاذبية المحتملة على قضبان ويبر المهتزة. فتخيلا عنقوداً نجمياً فائق الكثافة في مركز مجرتنا درب التبانة Milky Way – أكبر بكثير من أي عنقود معروف – تنشأ عنه موجات تسبب اضطراب جسيمين يفصل بينهما ألف كيلومتر، وهي المسافة نفسها التي فصلت بين قضبان ويبر، والتي وضعها في عدد من المختبرات عبر الكرة الأرضية. وحتى في مثل هذه الحالة المتطرفة، وجدت حساباتهما أن معدات ويبر ينبغي أن تكون أكثر حساسية بمئة مليون مرة لترصد الموجات الجاذبية. وقال بولناريف موضحا: «كان اكتشافها مستحيلاً».

وفي طريقهما لإثبات خطأ ويبر، توصل الاثنان إلى تأثير غريب. فقد كشفت الحسابات عن أن الجسيمات المهتزة بتأثير موجات الجاذبية لا تعود إلى مواضعها الأصلية. بل بدلا من ذلك، تغير موضعها قليلاً. يحدث هذا لأن الزمكان – المؤلف من نسيج يجمع الأبعاد المكانية الثلاثية مع الزمن كبعد رابع – يتمدد دائماً في اتجاه واحد وينضغط في آخر بسبب موجات الجاذبية.

أدرك بولناريف أن فكرة ترك علامة دائمة في الزمكان التي يخلفها عبور الموجات الجاذبية قد تكون مفيدة. لكن في ذلك الوقت، كانت فكرة اكتشاف مثل هذه الموجات بحاجة إلى مشروع ضخم جداً، ناهيك عن تشوه الزمكان الضئيل جدا. وعلى مدار العقود القليلة التالية، لم يفكر معظم الفيزيائيين بذاكرة الجاذبية ولا حتى لوهلة. وحتى في عام 2016، حين أعلن التعاون الدولي المسؤول عن مرصد مقياس التداخل الليزري للموجات الجاذبية Laser Interferometer Gravitational-Wave Observatory (اختصارا: المرصد لايغو LIGO) عن اكتشاف الموجات الجاذبية، بدت فكرة أننا قد نشاهد يوماً توقيعات ذاكرة الجاذبية أمرا مبالغاً فيه بالنسبة إلى الغالبية.

لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لبول لاسكي Paul Lasky. ففي الأشهر التي سبقت إعلان لايغو، كان من ضمن مجموعة مدعوة إلى فندق هيلتون Hilton hotel في باسادينا في كاليفورنيا، لمناقشة الآثار المترتبة على الاكتشاف. وعبر لاسكي، الفيزيائي الفلكي من جامعة موناش Monash University في ملبورن في أستراليا، عن شعوره وقتها قائلا: «كنا في غاية الحماس». واندفع العشرات من الباحثين بين قاعات الندوات، مناقشين كل شيء من الكيفية التي تندمج فيها الثقوب السوداء Black holes، وصولا إلى الفروق الدقيقة في مقسمات شعاع Beam splitters لايغو. أما بالنسبة إلى ذاكرة الجاذبية، فيقر لاسكي: «لا أعتقد أنها خطرت على بال الكثيرين، صدقاً».

ومع ذلك، عثر لاسكي على مجموعة صغيرة من مناصري ذاكرة الجاذبية، إلى جانب زميليه من جامعة مونارش إيريك ثرين Eric Thrane ويوري ليفين Yuri Levin، كما ناقش لاسكي الفكرة مع جوناثان بلاكمان Jonathan Blackman ويانبي تشين Yanbei Chen من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا California Institute of Technology. وقد كانت المجموعتان اللتان لا تعرفان بعضهما البعض تعملان لاكتشاف ذاكرة الجاذبية. وسيكون الدليل القاطع تحولاً طفيفاً وخفياً في تموجات إشارة موجات الجاذبية. سيكون ذلك ضعيفاً جداً بالنسبة فلن تتمكن كواشف كلايغو من اكتشافه في أحداث منفردة Individual events. ولكن، جادلوا في أنه عند النظر إلى عدة أحداث مجتمعة سيتمكنون من رصدها.

لم يكن الأمر سهلاً، واكتشف تشين على الفور أمراً غاب عن لاسكي ومن شأنه أن يجعل الاكتشاف أكثر صعوبة. إلا أن الباحثين مضوا قدماً. ويتذكر لاسكي قائلا: «كان الأمر يشبه ركوب الألعاب الأفعوانية، فكنا نجري الحسابات في أثناء المحاضرات. وبدلاً أن نخرج للعشاء، كنا نجلس في غرفنا محاولين حل المشكلة».

بعد مضي أسبوع، وفي نهاية اللقاء، توصلوا إلى الحل. فخلافاً للاعتقاد السائد، أظهرت حسابتهم أنه من الممكن العثور على ذاكرة الجاذبية بتجميع البيانات من كل من كاشفي لايغو وفيرغو Virgo في إيطاليا. إلا أنه كان من الصعب توقع عدد الإشارات اللازمة التي يجب تجميعها، إذ يمكن أن تكون قليلة لا تتجاوز الـ 400 إشارة، أو أن يكون عددها كبيراً ويصل إلى 4,000 إشارة، إلا أنهم كانوا يأملون بأنه ومن خلال 1,000 إشارة سيكونون قادرين على تضخيم هذا الأثر الطفيف بما يكفي لرصده.

والآن، بوجود لايغو وفيرغو وكاشف كاميوكا لموجات الجاذبية Kamioka Gravitational Wave Detector في اليابان الذي شُغِّل بعد التحديثات الأخيرة، صار من الممكن تحقيق ذلك. إذ تجري عمليات رصد جديدة كل أسبوع، لتدفع المجموع الحالي إلى أكثر من 100 حادثة. وبمثل هذا المعدل، يأمل علماء الفيزياء التجريبية باكتشاف ذاكرة الجاذبية في غضون بضعة سنين.

سيكون هذا أيضاً إثباتاً جديداً لتنبؤات نظرية آينشتاين في الجاذبية. إلا أنها وعلى النقيض من ذلك، قد تساعد أيضاً على إظهار أن لها حدودها: فذاكرة الجاذبية يمكن أن تظهر أن الثقوب السوداء التي تنبأت بها النسبية العامة ليست نفسها التي نراها.

يمكن لمثل ها التناقض أن يكشف عن نفسه في اللحظات الأخيرة من اندماج ثقبين أسودين، مع دورانهما الحلزوني حول بعضهما البعض قبل أن يكونا ثقبا أسود واحداً. يبدأ الثقب الأسود بالرنين Ringing، وهي طريقة أخرى للتعبير عن أنه يتذبذب بسبب الاصطدام- قبل أن يستقر في وضعه الطبيعي كثقب أسود يتصرف كما هو معتاد منه، مصدرا المزيد من موجات الجاذبية في أثناء هذه العملية. ومن موجات الجاذبية هذه، يمكننا اكتشاف إشارة موجات انخفاض الرنين Ringdown الثقب الأسود. وسيختلف هذا بالاعتماد على ما إذا كانت الثقوب السوداء تخضع لقوانين النسبية العامة أو لنظرية بديلة عن الجاذبية، كما يقول لاسكي.

تُوصف الثقوب السوداء في النسبية العامة برقمين: كتلتها Mass ودورانها المغزلي (السبين) Spin. وكل ما عدا هذين المعاملين يُعرف بالـ«شعر» Hair، لذا ستتسم أي ثقوب سوداء لا تخضع للنسبية العامة بأنها «مشعرة». يعني هذا أن الثقوب السوداء المشعرة ستصدر رنيناً يختلف عن الثقوب السوداء الصلعاء. هذا هو السبب الذي يدعو لاسكي لمحاولة إجراء «قياسات دقيقة فعلاً» للثقوب السوداء التي يمكننا تقصِّيها باستخدام موجات الجاذبية للنظر فيما إذا كان هناك شعرٌ مخفيٌ. يقول لاسكي: «إذا أردت حقاً اختبار النسبية العامة، يمكنك اختبار نظرية اللاشعر No-hair theorem».

المشكلة، والسبب الذي قد يجعل من ذاكرة الجاذبية مفيدة، هو التنبؤ بأن بعضاً من الإشارات التي ستنتجها ستظهر في وقت صدور إشارة موجات انخفاض الرنين Ringdown نفسه. ولفهم إشارات رنين موجات الجاذبية فعلاً، علينا أن نفهم المساهمة الحقيقية لذاكرة الجاذبية.

إذا تمكن الباحثون من إثارة هاتين الإشارتين بشكلٍ منفصل ووجدوا أن الثقوب السوداء ما زالت «مشعرة» بعد كل هذا، ستكون تلك الدلالة الأوضح حتى الآن على ضرورة استبدال النسبية العامة بنظرية الجاذبية الكمّيّة Theory of Quantum Gravity. هذا سيوحد الجاذبية مع قوى الطبيعة الأخرى، التي تصفها ميكانيكا الكم Quantum mechanics. ومن غير الواضح حتى الآن ما الشكل الذي ستبدو عليه هذه الجاذبية الكمّيّة، ولم تُسفر التجارب بعد عن العديد من الأدلة. لكن ذاكرة الجاذبية تُغذي الآمال على هذه الجبهة أيضاً، وذلك بفضل حيلة غريبة للطبيعة اكتشفها سترومينغر Strominger منذ عدة سنوات.

الجاذبية الكمّيّة
يبدأ هذا بفكرة أنه وعوضاً عن امتلاك بنية تشبه البلورة الصلبة Rigid crystal، بتناظراتها الثلاثة Symmetries، يمتلك الزمكان الفارغ مجموعة لانهائية من التناظرات المرتبطة بالجاذبية. ولكن تستمر هذه جميعها طويلا بعد انتهاء تأثير الجاذبية، كما لو أن هناك تأثير متبقٍ للجاذبية حتى لو لم تكن هناك أي مادة. يمكن وصف تناظرات الانتقال الفائقة هذه Supertranslation Symmetries كما يطلق عليها، باستخدام الرياضيات نفسها التي تصف ذاكرة الجاذبية، بكلمات أخرى، هي وذاكرة الجاذبية أمر واحد. لذا سيكون رصد ذاكرة الجاذبية تأكيداً مذهلاً على وجود تناظرات الانتقال الفائقة، وفقاً لأندريا بوم Andrea Puhm من مركز الفيزياء النظرية Centre for Theoretical Physics في فرنسا.

ما أدركه سترومينغر، وما يجعل من هذا الارتباط مثيراً للاهتمام فيما يخص الجاذبية الكمّيّة، هو أن ذاكرة الجاذبية وتناظرات الانتقال الفائقة يمكن أن يرتبطا بجزء ثالث ومختلف من الواقع: الجسيمات الكمّيّة ذات الطاقة الصفرية Quantum particles with zero energy، والمعروفة بالجسيمات اللينة Soft Particles. وقد أظهر سترومينغر أن الطريقة التي تصطدم بها الجسيمات اللينة يمكن وصفها بالمعادلات نفسها التي تصف الثقوب السوداء المتصادمة التي تنتج ذاكرة الجاذبية. وكانت مجموعتا المعادلات معروفتين منذ عقود، لكن لم يربط بينهما أحد.

هذا الارتباط الرياضياتي يصل بين ثلاثة مكونات للواقع منفصلة ظاهرياً. وتشكل ذاكرة الجاذبية -التي تقع على إحدى الزاويا- هي المظهر الفيزيائي للزاويتين الأخريين. وتصف هاتان الزاويتان بدورهما جسيمات كمّيّة ومجموعة خاصة من التناظرات مرتبطة بالجاذبية التي تظهر حتى في الزمكان الخالي. ويعني هذا الارتباط مع الزاويتين السفليتين للمثلث، أن الجاذبية الكمّيّة، مهما كانت، عليها أن تخضع لتناظرات الترجمة الفائقة.

وكان سترومينغر قد عثر على الزاوية الثالثة لما يُعرف بالمثلث تحت الأحمر (كما في الشكل): ارتباط رياضياتي ينص بشكل أساسي على أن نظريات الجسيمات اللينة هي مكافئةٌ لتناظرات الانتقال الفائقة ولذاكرة الجاذبية. وهذا مهم لأن كل زاوية من زوايا المثلث تقدم أمراً يساعدنا على فهم شي آخر يخص الزوايا الأخرى. ووفقاً لسترومينغر، التناظرات بديهية، أما نظريات الجسيمات اللينة فدقيقة رياضيّاتيا، ويقول: «فتتمكن من ربط ذاكرة الجاذبية بالواقع القابل للرصد». هناك أيضاً نسخ كهرومغناطيسية وكواركات Quark Versions من الذاكرة الجاذبية (انظر: الصدى الكهرومغناطيسي Electromagnetic Echo)، ولكل منها مثلثاتها الخاصة. وعموماً، يكون تأثير الذاكرة مكافئاً لتناظرات خاصة ولتفاعلات الجسيمات اللينة. لكنّ هذه التأثيرات المتكافئة لا تحظى بقدر كبير من الاهتمام. لأن نسخة الجاذبية من المثلث تخبرنا بالخصائص التي يجب أن تتمتع بها نظرية ناجحة في الجاذبية الكمّيّة.

باختصار، يشير هذا المثلث إلى أن أي نظرية كمّيّة قي الجاذبية عليها أن تخضع لتناظرات الانتقال الفائقة. ومن الصعب إيجاد نظرية تفعل هذا، مما يضيق نطاق بحث علماء الفيزياء النظرية. ويوضح لاسكي: «لا يفصح هذا عن ماهية الجاذبية الكمّيّة، إلا أنه يساعدنا على ذلك».

يمكن لمثلث ما تحت الأحمر أيضاً أن يساعد على إثبات أن كوننا هولغرام. وهي فرضية عمرها 25 عاماً تقول بأن الزمكان رباعي الأبعاد الذي نختبره هو إسقاط لسطح ثنائي الأبعاد تحكمه النظرية الكمّيّة، ومن دون جاذبية، بالطريقة نفسها التي يسقط فيها الهولوغرام سطحاً. وقد كانت فكرة أن الكون عبارة عن هولوغرام فكرة محبذة عند الفيزيائيين منذ طرحها للمرة الأولى، لكن مشكلتها تكمن في أنها لا تنطبق إلا في حالة زمكان له شكل سرج الفرس وهو ما لا يشبه كوننا. ومن الصعب إيجاد نظرية كمّيّة ثنائية الأبعاد يمكن مقارنتها بزمكان كوننا الذي نعيش فيه.

في يونيو في مؤتمر ذاكرة الجاذبية الذي عُقد مؤخراً في جامعو كوين ماري Queen Mary University بلندن 2023، قدم بوم حسابات تبين أنه إذا كان زمكان كوننا يتقيد بتناظرات الانتقال الفائقة، فإن نظرية الكم ثنائية الأبعاد عليها أن تتقيد بها أيضاً. ويستطرد بوم قائلا: «التأكيد التجريبي لهذه التناظرات سيكون نتيجة مهمة جداً، غير أن ذلك سيكون البداية فقط». 

وكأن ما سبق لم يكن كافياً، فقد قاد مثلث ما تحت الأحمر إلى تأثير مفاجئ آخر. فعندما تخضع الثقوب السوداء لتناظرات الانتقال الفائقة، تصدر عنها جسيمات لينة ينتهي بها المطاف على سطح الثقب الأسود. ويُعتقد أن العملية الفيزيائية التي ذلك وفقها تنطوي على نوع ما من موجة الصدمة Shock wave التي تشوه Warp قليلاً أفق حدث Event horizon الثقب الأسود -نقطة اللاعودة بالنسبة إلى الأجسام التي تسقط في ثقب أسود. وهذا مشابه لتشوه Deformation الزمكان الذي تسببه الموجات الجاذبية. ويوضح بوم: نشير إلى ذلك بـ«تأثير ذاكرة الثقب الأسود» Black Hole Memory Effect.

غير أن التركيز ينصب أولاً على فهم ذاكرة الجاذبية وما تعنيه بالنسبة إلى الجاذبية الكمّيّة. وبالنسبة إلى بولناريف، سيكون الكشف عن ذاكرة الجاذبية نهاية ملائمة لخمسين عاماً من البحث عنها، على الرغم من أنه غير متأكد بعد كيف ستكون ردة فعله لمثل ذلك الخبر. وهذا لا يثير قلقه. ويقول: «أنا واثق من أنه إذا تمكن مرصدا فيرغو ولايغو من الكشف عن تأثير ذاكرة الجاذبية، فعندها سأعمل على حل مشكلة الطريقة الأفضل للاحتفاء بذلك».

صدى كهرومغناطيسي
في أوائل العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، كان ديفيد غارفينكل من جامعة أوكلاند في ميتشتيغان مهتماً لوهلة بالبحث عن ذاكرة الجاذبية، وهي البصمة الدائمة التي تخلفها الموجات الجاذبية في الزمكان. وقد قدمه صديق مشترك لليديا بيري Lydia Bieri التي ستعمل بعد حين في جامعة ميتشيغان. فقد أدرك الاثنان أن المعادلات التي كانا يعملان عليها بدت مشابهة لمعادلات جيمس كليرك ماكسويل James Clerk Maxwell في الكهرومغناطيسية. حمل ذلك غارفينكل على التساؤل: هل هناك مكافئ كهرومغناطيسي لذاكرة الجاذبية؟

وقد تبين أن الإجابة هي نعم. وقد وجد غارفينكل وبيري أنه وبالطريقة نفسها التي تترك فيها الموجات الجاذبية علامة خلفها على الزمكان، من المتوقع أن تخلف الموجات الكهرومغناطيسية علاماتها على الجسيمات المشحونة وذلك من خلال إعطاء دفعة لسرعها Velocity. ويقول غارفينكل: «يشبه ذلك كثيراً ذاكرة الجاذبية». لم يُبين تأثير هذه الذاكرة الكهرومغناطيسية تجريبياً بعد، لكنّ غارفينكل وبيري لديهما اقتراح لكيفية إثبات ذلك، بإرسال نبضات قصيرة عبر هوائيات طويلة.

كذلك، الذاكرة الكهرومغناطيسية ليست النظير الوحيد لذاكرة الجاذبية. فهناك نظير في الديناميكا اللونية الكمّيّة Quantum Chromodynamics أيضاً، وهي نظرية القوى النووية القوية Strong nuclear forceالتي تهيمن على الكواركات التي تشكل البروتونات Protons والنيوترونات Neutrons. ففي هذه الحالة، عندما تعبر نبضة إشعاعية Pulse of radiation زوجاً من كوارك- ضديد كوارك Quark-antiquark ينبغي أن تخلف علامة في خاصية من خصائص الكواركات تُعرف بمصطلح تغير لونها. وقد كانت هناك إشارات على مثل هذه الذاكرة اللونية من مصادم الهادرونات الكبير Large Hadron Collider لكن علينا انتظار بدء عمل آلات أكبر من مثل مصادم الإلكترونات الأيونية Electron-Ion Collider لنأمل برؤية ذلك بوضوح.

بقلم أبيجيل بيل

© 2023, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى