أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
صحة

كشف أسرار العصب المبهم سيحدث ثورة في الطب

يستخدم تحفيز العصب المبهم لعلاج حالات تتراوح ما بين الالتهاب والصداع النصفي. تحديد البنية المعقدة للعصب المكون من أكثر من 160 ألف ليف عصبي يمكن أن يكون بداية لحقبة جديدة من العلاجات الدقيقة

عندما نظرت إلى محاليقه اللولبية الوترية الشبيهة بالمجسات، ظننت أن بنيتها الشاحبة الممتدة على الطاولة أمامي تشبه الدودة الشريطية الضخمة، أو ربما حباراً هزيلاً. 

لم يتطابق مظهره الباهت مع ما تخيلته عنه كأعجوبة حيوية: العصب المبهم Vagus nerve للإنسان، الطريق السريع الحسي الذي يربط دماغنا بمعظم أعضائنا الحيوية ويساعد على تنظيم كل شيء، بدءاً من حركة الطعام عبر أمعائنا إلى النبض الثابت لقلبنا.

كنت في معاهد فاينشتاين للأبحاث الطبية Feinstein Institutes for Medical Research في نيويورك، أشاهد واحدة من 30 عينة من العصب المبهم يقطعها ويشرحها ويصورها ستافروس زانوس Stavros Zanos وزملاؤه. الهدف من ذلك؟ إنشاء خريطة مفصلة لما يقرب من 160 ألف ليف عصبي Nerve fibres تمتد على طول بُنيته.

يأتي هذا الجهد الطموح بعد أن كشفت الأبحاث الحديثة عن دور العصب المبهم في مجموعة أوسع من العمليات مما كنا نعرفه – ليس فقط مراقبة وظائف الأعضاء، ولكن المساعدة على تمييز تعبيرات الوجه وحتى تنظيم الحالة المزاجية. والأهم من ذلك أننا بدأنا نفهم كيف يتحكم في الالتهاب، والاستجابة المناعية التي تتفشى سريعاً في حالات تتراوح ما بين أمراض القلب ومرض باركنسون.

بالفعل، تُستخدَمُ الأجهزة الكهربائية التي تسمى محفزات العصب المبهم Vagus nerve stimulators لعلاج الصرع والاكتئاب والصداع النصفي والبدانة المفرطة Obesity. لكنها محدودة بفهمنا البدائي للبنية المعقدة للعصب. الآن، تسمح لنا الجهود المبذولة في فك ألغازه برسم خريطة لكل فرع من فروعه وحتى اكتشاف أنواع الخلايا المتخصصة التي لم نكن نعرف بوجودها. وتُمكننا هذه التبصرات من السيطرة على الالتهاب، كما أن بإمكانها أيضاً فتح حدود جديدة تماماً للطب الدقيق.

ما العصب المبهم؟
العصب المبهم هو حزمة من الألياف العصبية التي تبدأ من جذع الدماغ Brain stem. وينقسم إلى قناتين تمتدان على جانبي الرقبة، ثم تعودان إلى القلب قبل النزول إلى الأمعاء والأعضاء الأخرى.

يعود أقدم دليل على وظيفته المهمة إلى ما يقرب من 2,000 عام عندما قطع الطبيب الروماني القديم جالينوس عن طريق الخطأ حزمة من الأعصاب في خنزير، مما أوقف خنحنته (صوت الخنزير) ولكنه لم يوقف تلويه. وقد اتضح أنه قطع فرع من العصب المبهم المسؤول عن نقل الإشارات من الدماغ إلى الحبال الصوتية. كما كشفت التجارب اللاحقة أن العصب المبهم ينظم وظائف القلب والمعدة والرئتين والكبد، وأكثر من ذلك. ولكننا لم نبدأ بالاستفادة منه في العلاج الطبي إلا قبل نحو ثلاثة عقود.

كان أول نجاح في هذا المجال مع الصرع؛ ففي أواخر ثمانينات القرن العشرين، أظهر جيه. كيفين بينري J. Kiffin Penry وجون كريستين دين Joan Christine Dean، اللَّذَين كانا وقتها في جامعة ويك فورست Wake Forest University في ولاية كارولينا الشمالية، أنّ زرع ُمحفِّز Stimulator للعصب المبهم يقلل أو حتى يقضي على النوبات لدى بعض الأشخاص المصابين بهذه الحالة. تَستخدم معظم هذه المحفزات مولد نبضات صغير، بحيث تُزرع تحت الجلد على الصدر، ويرسل نبضات كهربائية عبر سلك إلى كُفة ملفوفة حول العصب المبهم في الرقبة. وافقت إدارة الدواء والغذاء الأمريكية Food and Drug Administration (اختصارا: الإدارة FDA) على أول محفز من هذا القبيل في عام 1997 لعلاج الصرع المقاوم للأدوية.

منذ ذلك الحين، وافقت الإدارة FDA على جهاز قابل للزرع لعلاج الاكتئاب المقاوم للعلاج treatment-resistent depression، بعد أن أظهرت التجارب أنه يقلل من الأعراض عند نحو 40% من الأشخاص الذين جربوا بالفعل أربعة علاجات أخرى أو أكثر دون نجاح. كما وافقت على جهاز يسمى VBLOC لعلاج البدانة المفرطة؛ حيث فقد الأشخاص الذين يستخدمونه من وزنهم الزائد أكثر بنحو 8% مقارنة بالمجموعة الضابطة (مجموعة المقارنة Control group).كما وافقت الإدارة FDA على محفز لاستعادة حركة الجزء العلوي من الجسم بعد السكتة الدماغية. وتشير الأبحاث إلى أنه يمكن استخدام المحفزات لتنظيم ضغط الدم وخفض نسبة السكر في الدم.

وما يثير الاهتمام هو الدور الذي يؤديه العصب المبهم في السيطرة على الالتهاب: ظهرت تلميحات لهذا لأول مرة في تسعينات القرن العشرين، عندما طوّر كيفن تريسي Kevin Tracey، يعمل الآن في معاهد فينشتاين، وزملاؤه دواءً مضاداً للالتهاب من أجل منع تصنيع بروتينات تسمى السايتوكاينات Cytokines، والتي تحفز الاستجابة المناعية للجسم للعدوى أو المرض. بكميات قليلة، تعمل السيتوكينات والالتهابات التي تتسبب بها على درء مسببات الأمراض الخارجية وشفاء الإصابات، ولكن فرطها له تأثير معاكس؛ حيث يؤدي إلى تلف الأنسجة وربما التسبب في مرض مزمن أو حتى فشل الأعضاء.

حقن تريسي وفريقه دواءهم الجديد في أدمغة الفئران التي أصيبت بالسكتة الدماغية الناتجة عن الالتهابات البكتيرية. وكما كانوا يأملون، خفف الدواء الالتهاب في الدماغ. ولكن ما أدهشهم هو امتداد التأثير أيضاً إلى جميع أنحاء أجسام القوارض بكاملها.

عند إعطاء الأدوية عن طريق الفم أو عن طريق الوريد، من المتوقع حدوث تأثيرات واسعة النطاق، لكن الباحثين لم يتوقعوا ذلك بعد حقن الدواء مباشرة في الدماغ. يقول تريسي: «لشهور، بقينا نفكر في ما الآلية التي تحكم ذلك».

في نهاية المطاف، حاولوا قطع الأعصاب المبهمة للحيوانات. ويقول: «عندما فعلنا ذلك، لم يعد الدواء الموجود في الدماغ يوقف الالتهاب». 

المنعكس الالتهابي
أطلق تريسي على قدرة العصب المبهم على التوسط في الالتهاب اسم المنعكس الالتهابي Inflammatory reflex. وهو منعكس يبدأ عندما تكتشف العصبونات (الخلايا العصبية Neurons) المتخصصة السيتوكينات وترسل إشارات إلى الدماغ، والتي بدورها تنقل رسائل إلى الطحال Spleen لبدء إنتاج خلايا الدم البيضاء White blood cells. كما يقول إن الاكتشاف يشير إلى أننا قد نكون قادرين على إيقاف الالتهاب باستخدام إلكترود، وليس فقط الأدوية.

في عام 2012، اختُبِرَ جهاز يستخدم قطباً صممه تريسي أثناء وجوده في شركة SetPoint Medical، وهي شركة للتكنولوجيا الحيوية في كاليفورنيا، على مجموعة صغيرة من الأشخاص المصابين بالتهاب المفاصل الروماتويدي المزمن. من بين هؤلاء، انخفضت الأعراض بنسبة 20% على الأقل عند 70% من الأشخاص، وشهد نصفهم تقريباً تحسناً بنسبة 50%.

التأثير مشابه لتأثير بعض الأدوية، ولكن هناك ميزة كبيرة؛ وهي أن الأدوية المضادة للالتهابات غالباً ما تثبط الوظيفة المناعية بشدة، مما يجعل الناس عرضة للعدوى. ولكن الأمر ليس كذلك عند استخدام هذه الطريقة. يقول تريسي إن تحفيز العصب المبهم يتسبب في توقف خلايا الدم البيضاء عن إنتاج السيتوكين بما يكفي لتجنب الالتهاب Runaway inflammation، ولكن ليس لدرجة أن نظام المناعة لدينا ينزع سلاحه تماماً.

تجري شركة سيتبوينت مديكال SetPoint Medical الآن تجربة للجهاز على نحو 250 شخصاً. يأمل تريسي بأن توافق الإدارة FDA على علاج التهاب المفاصل الروماتويدي في غضون بضع سنوات. وفي الوقت نفسه، أظهرت أجهزة مماثلة أيضاً نتائج واعدة في علاج الحالات التي تتميز بالالتهاب المزمن، بما في ذلك مرض التهاب الأمعاء Inflammatory bowel disease والتصلب المتعدد Multiple sclerosis وداء باركنسون Parkinson’s disease.

ويقول زانوس: «ما الأمراض التي تتأثر بالالتهاب؟كل الأمراض المزمنة تقريباً. أنا لا أقول إن تحفيز العصب المبهم سيعمل مع الجميع، ولكن من المنطقي اختباره بطريقة أو بأخرى».

هناك عائق واحد فقط هنا؛ وهو أن كيفية عمل هذه العلاجات بالضبط هو لغز إلى حد كبير. فمن غير الواضح ما الألياف التي تستهدفها المحفزات. هل هي الأقرب إلى الإلكترود؟ أم هي الأبعد عنه؟ الصغيرة منها؟ أم الكبيرة؟ نحن ببساطة لا نعرف. كل ما نفعله هو أننا نشغل الجهاز ونأمل أن يعمل.

في حال البدانة المفرطة مثلا، من المفترض أن يعمل المحفز عن طريق محاكاة الإشارات التي تنتقل على طول العصب المبهم لإخبار الدماغ بالتوقف عن الأكل عندما تكون المعدة ممتلئة. وأما عند الأشخاص المصابين بالصرع، قد توفر الأجهزة المحفزة للمبهم فوائد عن طريق تحفيز الخلايا العصبية التي تزيد من تدفق الدم إلى منطقة في الدماغ تسمى المهاد Thalamus، والتي تعالج معلومات تصلها من أغلب الحواس. كما أن طريقة عملها قد تكون جزئياً عن طريق تحفيز إطلاق الناقل العصبي Neurotransmitter النورأدرينالين Noradrenaline، مما يمكِّن من تقليل أعراض النوبات. قد يكون تعزيز النورأدرينالين هو الطريقة التي يخفف بها التحفيز من أعراض الاكتئاب أيضاً. ولكن الألياف العصبية الدقيقة التي تؤدي دوراً في ذلك غير معروفة بعد.

محفزات العصب المبهم
مقارنة بما سبق، فإن من الأصعب تحديد الأهداف الدقيقة للأجهزة التي تحفز المبهم عبر الجلد. وحاليا، يمكن شراء هذه المحفزات عبر الجلد في العديد من البلدان دون وصفة طبية بدءاً من نحو 200 دولار. وغالباً ما يتم تسويقها كوسيلة لتعزيز «التوتر المبهمي» Vagal tone، وهو مقياس مفترض لنشاط المبهم. لكن الباحثين يقولون إن المفهوم ليس علمياً إلى حد كبير (انظر: ما التوتر المبهمي؟، أدناه).

ومع ذلك، فإن هناك بعض المحفزات عبر الجلد التي اختُبِرت بدقة. في عام 2018، وافقت الإدارة FDA على واحدة لعلاج الشقيقة المزمنة والصداع العنقودي المزمن بعد أن أظهرت الأبحاث أنها خفضت بشكل كبير عدد الأيام التي يعاني فيها الناس من الأعراض. يقول تريسي إنه من المهم التحدث مع طبيبك قبل استخدام هذا النوع من التكنولوجيا. ربما لا تكون هذه الأجهزة مناسبة لبعض الأشخاص الذين يعانون أمراض القلب، لأنها يمكن أن تؤثر في انتظام ضربات القلب.

وهذه هي المشكلة. إن التعقيد الاستثنائي للعصب المبهم هو ما يجعله وسيلة لتحسين العديد من جوانب الصحة، ولكن عدم وجود تخصصية في العلاجات يعني أيضاً أنه يمكن أن تكون لها آثار جانبية غير مقصودة. كما قد يكون أيضاً سبباً في فشل بعض التطبيقات ببساطة.

يقول زانوس: «الطريقة التي تم بها التعديل العصبي لسنوات عديدة هي إنشاء قطب كهربائي ثم وضعه على العصب أو في الدماغ على أمل أن يكون فاعلا». للحصول على نتائج أكثر اتساقاً، ولتوسيع التطبيقات المحتملة، نحتاج إلى فهم أكثر تفصيلاً لما نهدف إليه.

كل هذا يفسر كيف أجد نفسي أحدق في النسيج الخيطي في مختبر زانوس. يشرع زانوس وزملاؤه في مشروع مدته ثلاث سنوات بقيمة 6.7 مليون دولار بتمويل من المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة National Institutes of Health لرسم خريطة للمبهم بالكامل. يتضمن ذلك تحديد كل ليف عصبي وتتبع موقعه على طول المسار المتعرج لبنية العصب.

إنه عمل شاق، يبدأ من عملية استخراج العصب المبهم من الجثة. هناك نقاط يكون فيها العصب أرق من خيط قطني، ويجب على الباحثين بعناية وسمُ الأعضاء التي قد تتفرع إليها فروعه الكثيرة.

بعد ذلك يقطعها الباحثون إلى قطع تشبه، في أثخنها، حبوب الفاصوليا البيضاء، والتي تُشَكَّلُ في كتل من الشمع. ومن ثمَّ، توضع في ما هو في الأساس قطاعة اللحم، حيث يتم تقشير أقسام العصب المغطى إلى شرائح رقيقة مثل شعرة الإنسان.

أخيراً، يغمس الفريق القطع الناتجة في محاليل الأصباغ للكشف عن تعقيدها الداخلي. أراني زانوس صورة على حاسوبه. ما كان في السابق فقاعة بنية باهتة إلى حد ما أصبح الآن مزيجاً من الإضاءة الحمراء والخضراء والزرقاء. ويقول إن كل لون يرتبط بنوع مختلف من الألياف العصبية، مما يعطي أدلة على وظيفتها.

يمكننا معرفة أنواع الإشارات التي تنقلها الخلايا العصبية بناءً على سماتها التشريحية المميزة. العصبونات الواردة Afferent neurons هي العصبونات التي تنقل المعلومات الحسية Sensory information نحو الدماغ، أما العصبونات الصادرة Efferent neurons فهي تلك التي تنقل إشارات التحكم في الحركة من الدماغ إلى عضلاتنا. الألياف المعزولة بطبقة دهنية تسمى المايلين Myelin تنقل الإشارات بشكل أسرع عموماً من تلك التي لا تمتلك المايلين. يقول زانوس: «لذلك، إن كان العصبون صادراً ومغطًى بالمايلين، فنحن نعلم أنه على الأرجح يساهم في انقباض العضلات».

ويقول إن رسم خريطة تشريح العصب المبهم سيسمح لنا بالتنبؤ بشكل أفضل بتأثيرات وضع قطب كهربائي عند أي نقطة على طول بنية العصب، كما انه يمكن أن يؤدي إلى بناء محفزات فائقة الانتقائية التي تفعل أليافاً معينة فقط.

إنشاء خريطة مفصلة
قد زانوس وزملاؤه بالفعل إثباتا لهذا المفهوم. بعد أن رسموا خريطة العصب المبهم للخنازير، طوروا محفزاً فائق الانتقائية للعصب المبهم مع 10 نقاط اتصال منفصلة. في بحث نُشر في وقت سابق من هذا العام (2023)، أظهروا أنه عند زرعه في الخنازير الحية، غيّر الجهاز من تنفس الحيوانات وفي الوقت نفسه كان أثره قليلاً على الأعضاء الأخرى.

تقول كريستين فيلي Cristin Welle من جامعة كولورادو University of Colorado إن رسم خريطة العصب المبهم هو مجرد خطوة أولى. «ستكون الخطوة التالية، كيف يتفاعل كل نوع من أنواع الألياف هذه مع بقية الجهاز العصبي؟» بحسب ما تقول كارين. وتعكف هي وفريقها على رسم العصب المبهم في الاتجاه المعاكس، وتحديد مناطق الدماغ التي ينشطها. في العام الماضي، أظهروا أن تحفيز العصب المبهم يستهدف الخلايا العصبية في القشرة الحركية الأولية للفئران، مما عزز من قدرة الحيوان على تعلم المهارات الحركية.

يعتقد ستيفن ليبرليس Stephen Liberles من جامعة هارفارد أنه يمكننا تحقيق دقة أكبر عن طريق تفسير الآليات التي تعمل بها بعض العصبونات من خلال التسلسل الجيني. ومما له أهمية خاصة العصبونات الحسية، والتي تشكل نحو 80% من جميع الألياف العصبية في المبهم وتستخدم مستقبلات متخصصة Specialised receptors للكشف عن التغيرات في البيئة. يقول ليبرليس: «كانت بعض اكتشافاتنا البارزة في الحواس الخارجية هي اكتشاف مستقبلات الرائحة أو مستقبلات الرؤية. نحن لا نعرف المستقبلات المسؤولة عن الإحساس لأي من الأعضاء الداخلية تقريباً».

كما حدد هو وزملاؤه بالفعل أنواعاً غير معروفة سابقاً من أنواع العصبون المبهم، والتي تساعد على التنفس وتتحكم في ضغط الدم وتكتشف العناصر الغذائية في الأمعاء. ويعتقد أننا سنكون قادرين في النهاية على تطوير أدوية تعمل فقط على خلايا محددة من العصب المبهم. فإذا كان العصب المبهم هو الطريق السريع لجسمنا، فإن مثل هذه الأدوية ستتحكم في حركة السيارات الفردية، في حين أن محفزات العصب المبهم ستحدد تدفق حركة المرور العامة عبر مسارات متعددة.

يقول ليبرليس: «عندما تفهم كيف تعمل كل مسارات التواصل الحيوية هذه من الجسم إلى الدماغ، فإن ذلك سيفتح الباب أمام العلاجات التي يمكنك من خلالها تبديل هذه المسارات المختلفة بانتقائية أكبر». إن القدرة على تعديل الالتهاب أو الوظائف الجسدية الأخرى بهذا المستوى من الدقة لا يمكن وصفها إلا بأنها مغيرة لقواعد اللعبة في الطب الحديث.

ما التوتر المبهمي؟
يمكن للأنشطة التأملية، بما في ذلك اليوغا والتاي تشي والتأمل، أن تبطئ التنفس، ومن ثم أن تؤثر في الإشارات التي تنتقل على طول العصب المبهم. ويم هوف Wim Hof، الممارس للرياضات المتطرفة، على سبيل المثال، يثق تمام الثقة بغطساته اليومية في الماء البارد المثلج وروتين التنفس العسكري من أجل الحد من الالتهاب عن طريق تحسين التوتر المبهمي، وهو مقياس مفترض للنشاط الكهربائي على طول العصب المبهم.

ولكن ما التوتر المبهمي حقاً، وهل هو في الواقع شيء يمكنك تقويته؟ عندما أسأل كيفن تريسي في معاهد فاينشتاين للأبحاث الطبية في نيويورك، فإنه يسند رأسه إلى يديه ويتأوه. ويقول: «إنه مصطلح غير علمي يصعب تعريفه، ولأنه من الصعب تعريفه، أعتقد أنه يتم توظيفه في غير معناه».

تتمثل إحدى المشكلات بأنه يكاد يكون من المستحيل قياس نشاط العصب المبهم مباشرة، لذلك يُستخدم مقياس آخر يسمى تقلب معدل ضربات القلب – أو التباين في التوقيت بين ضربات القلب – كمقياس بديل. ولكن الأبحاث التي أجريت على الفئران تظهر أن تقلب معدل ضربات القلب لا يرتبط ارتباطاً جيداً بأداء المبهم.

حتى لو تمكن الناس من حساب قدرة العصب المبهم على إرسال الإشارات بشكل موثوقبه، فمن المحتمل ألا يكون ذلك مفيداً نظراً للتعقيد المذهل لبنيته.

يقول تريسي: «يميل الناس إلى التفكير والتحدث عن العصب المبهم مثل سلك نحاسي واحد صلب. لكنه أشبه بـ160 ألف سلك، يمكن لكل منها التحكم في وظيفة محددة جدا».

يقول ستيفن ليبرليس من جامعة هارفارد: «يشير التوتر المبهمي إلى وجود وظيفة واحدة للعصب المبهم». ولكن العديد من الألياف في المبهم لها تأثيرات متعارضة (انظر: المقالة الرئيسية). ويقول: «لذلك لا يوجد توتر مبهمي. إنها تسمية خاطئة بعض الشيء».

بقلم غريس وايد

© 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى