أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
بيولوجيا

كيف يمكننا اكتشاف الأصول الغامضة للحياة اكتشافا كاملا ونهائيا

قبل سبعين عاماً، هناك ثلاثة اكتشافات طوّرت فهمنا لكيفية بدء الحياة على الأرض. ولكن، هل كان أكبر دليل على أصول الحياة موجوداً أمام ناظري البيولوجيين طوال الوقت؟

كيف بدأت الحياة على الأرض؟ حتى 70 عاماً مضت، فشلت أجيال من العلماء في إلقاء الكثير من الضوء على البدايات الغامضة للبيولوجيا. ولكن، بعد ذلك، جاءت ثلاث نتائج حاسمة يتلو بعضها بعضا.

في أبريل 1953، بلغ السباق للكشف عن بنية الحمض النووي DNA ذروته. سرعان ما أدرك علماء الوراثة أن شكله الحلزوني المزدوج يمكن أن يساعد على تفسير كيفية تكرار الحياة لنفسها – وهي خاصية أساسية يُعتقد أنها ظهرت عندما نشـأت الحياة أو حول ذلك الوقت. بعدها بثلاثة أسابيع فقط، سرعان ما ظهرت أخبار تجربة ميلر أوري Miller-Urey المذهلة، والتي أظهرت كيف يمكن لكوكتيل بسيط من المواد الكيميائية أن يولد تلقائياً أحماضاً أمينية Amino acids، والتي تعتبر ضرورية لبناء جزيئات الحياة. أخيراً، في سبتمبر 1953، حصلنا على أول تقدير دقيق لعمر الأرض، مما أعطانا فكرة أوضح عن عمر الحياة بالضبط.

في تلك المرحلة، بدا أننا مستعدون لفهم أصول الحياة أخيراً. حالياً، لا تزال الإجابات الحاسمة بعيدة المنال. ولكن السنوات القليلة الماضية جلبت علامات حقيقية على وجود تقدم في هذا المجال.

على سبيل المثال، وجدنا أن قدرة الحياة على التكاثر لا تعتمد بالكامل على الحمض النووي DNA. كما أن لدينا فكرة أفضل بكثير عن الظروف على الأرض المبكرة عندما ظهرت الحياة لأول مرة – وبدأنا بإجراء تجارب حول كيفية ظهورها أكثر تعقيداً بكثير من تجربة ميلر أوري.

إذن، بعد مرور 70 عاماً على ذلك العام المذهل من الإنجازات العلمية، كيف تغيرت صورتنا لأصول الحياة؟ وما الذي لا يزال يتعين معرفته قبل أن نتمكن من الإجابة بشكل مرضٍ عن السؤال الأقصى للبيولوجيا؟

تعريفات الحياة
تقول جوانا زافيير Joana Xavier في مختبرات دايهوف Dayhoff Labs، وهي شركة تبني نماذج الذكاء الاصطناعي للكيمياء الحيوية في لندن: «أعتقد أننا في خمسينات القرن العشرين لم نكن نعرف سوى القليل جداً عن الحياة». في حين كان من الواضح أن كل الحياة مصنوعة من الخلايا، إلا أن كيفية عمل تلك الخلايا كانت غامضة تماماً تقريباً.

غيرت ثورة البيولوجيا الجزيئية كل ذلك، ويمكن القول إنها بدأت في عام 1953. في 25 أبريل، نشر جيمس واتسون James Watson وفرانسيس كريك Francis Crick ورقة بحثية مهمة تصف بنية الحمض النووي (الحمض DNA). كان الحمض النووي DNA، المعروف بالحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسيجين، قد تم تحديده بالفعل على أنه الجزيء الذي يحمل جميع جيناتنا. كان واتسون وكريك مجموعة من عدة مجموعات تحاول معرفة شكله. استوحى العالمان جزئياً من صور دراسات البلوريات بالأشعة السينية التي حصلت عليها روزاليند فرانكلين Rosalind Franklin، وبذلك توصلا إلى أن الحمض DNA هو حلزون مزدوج: يتكون من سلسلتين طويلتين تلتفان حول بعضهما.

كشف علماء الكيمياء الحيوية كيف يتم ترميز المعلومات في تسلسل وحدات البناء التي تشكل جزيء الحمض النووي

أدى هذا الاكتشاف إلى انفجار في الأبحاث. في وقت قصير، كشف علماء الكيمياء الحيوية كيف يتم ترميز المعلومات في تسلسل وحدات البناء التي تشكل جزيء الحمض النووي، وكيف يستخدم التسلسل لبناء البروتينات المعقدة التي تصنع منها الكائنات الحية.

لكن ما لم يعرفه البيولوجيون في خمسينات القرن العشرين هو مدى التعقيد المهول حتى لأبسط الخلايا الحية. أبلغت دراسة أجريت عام 2022 عن أول نموذج ثلاثي الأبعاد كامل للخلية البكتيرية. اختار الباحثون نوعاً طفيلياً يسمى المفطورة التناسلية ميكوبلازما جينيتاليوم Mycoplasma genitalium، لأنها تحتوي على عدد قليل نسبياً من الجينات ومن ثم تمثل تحدياً أقل للحوسبة. ومع ذلك، فإن مجرد معرفة أشكال جزيئات البروتين استغرق أكثر من ثمانية أشهر. بعبارة أخرى، الحياة معقدة – أكثر بكثير مما كنا نظن قبل 70 عاماً.

وهذه المعرفة الجديدة لتعقيد الحياة لها آثار أوسع؛ مثلا، في السنوات التي تلت اكتشاف الشكل الحلزوني المزدوج للحمض النووي، بدأ العديد من البيولوجيين برؤية الكائنات الحية من خلال عدسة التكاثر والوراثة. وبحسب وجهة النظر هذه فإن الحياة هي كل شيء عن المعلومات الوراثية التي تنتقل من جيل إلى جيل.

ومع ذلك، في العقود الأخيرة، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الحياة لا تتعلق فقط بالجينوم. مثلا، الخلايا الحية ديناميكية جدا، وفيها مكونات تتحرك باستمرار وتتحول، وكل ذلك إلى حد كبير في محاولة للحفاظ على نوع من الاستقرار. لذلك نحن نعلم الآن أن اختزال الحياة إلى مكون أو مكونين أو عمليتين هو خطأ.

يساعد هذا على تفسير سبب عدم استقرار البيولوجيا بعد على تعريف واضح لـ «الحياة» Life يحظى بدعم واسع. وليس هذا بسبب نقصٍ في المحاولة؛ حيث إن هناك مراجعة نشرت قبل عقد من الزمن حددت 123 تعريفاً مختلفاً للحياة. ولا تزال التعريفات تتوالى؛ حيث إن هناك فكرة جديدة تظهر وهي نظرية التجميع Assembly Theory، والتي تقترح أن هناك عملية عالمية يمكن من خلالها للمادة أن تُطور التعقيدَ عبر الزمن، بحيث يمكن تعريف الحياة على أنها النقطة التي تصل فيها المادة إلى مستوًى معين من التعقيد.

عمر الأرض
للوهلة الأولى، يشير هذا الصراع لتعريف الحياة إلى أننا بعيدون بشكل يائس عن كشف أصولها. ولكن من الممكن أن نأخذ وجهة نظر أخرى. مع تقديرنا لتعقيد الحياة ندرك ن هناك العديد من المسارات النظرية التي يمكن من خلالها أن تكون مخاليط المواد الكيميائية قد اجتمعت ذاتياً لتكوين الكائنات الحية الأولى.

عبر معظم تاريخ البشرية، كان من المستحيل معرفة الكثير عن الظروف التي كانت موجودة عندما نشأت الحياة، لسبب بسيط هو أنه لم يكن لدينا دليل دامغ على عمر الأرض أو المحيط الحيوي Biosphere. مع اكتشاف النشاط الإشعاعي في عام 1896، توفرت طريقة للعثور على العمر الحقيقي للكوكب. كل عنصر مشع يتحلل بمعدل معين، وبعضها على مدى مئات الملايين من السنين. بالنظر إلى أن بعض هذه العناصر موجودة في الصخور، فقد قدم الاكتشاف طريقة لحساب عمرها، ومن ثم عمر الأرض. ولكن هناك مشكلة: الأرض مكان نشط جيولوجياً، لذلك يتم تدمير الصخور وخلقها باستمرار، مما يعني أن القليل منها قديم قدم الكوكب.

كان المفتاح هو العثور على الصخور التي تشكلت في وقت تشكل الأرض نفسه، وبحلول خمسينات القرن العشرين، كان لدى الجيولوجيين حل: النيازك. هذه القطع الصخرية – المحتوية على النوع نفسه من المواد التي تجمعت لتشكيل كوكبنا – انجرفت عبر المجموعة الشمسية منذ ولادة الأرض، قبل أن تهبط هنا.

في مؤتمر عقد في سبتمبر 1953، كشف كلير باترسون Clair Patterson في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا California Institute of Technology وزملاؤه أنهم حللوا شظايا نيزك كانيون ديابلو Canyon Diablo، الذي شكل فوهة ميتيور كريتر Meteor crater الشهيرة في أريزونا. من خلال قياس مقدار اليورانيوم النيزكي الذي تحلل إلى رصاص، قرروا أن عمره – ومن ثم عمر الأرض – كان 4.55 بليون سنة. ومع ذلك، كان أول من نشر الاكتشاف هو الفيزيائي فريتز هوترمانز Fritz Houtermans في جامعة برن University of Bern، سويسرا، في ديسمبر 1953. وقد حسب أن عمر الأرض 4.5 بليون سنة بعد حصوله على معلومات حول أبحاث باترسون.

عرفنا أخيراً أن الحياة ربما كانت موجودة على الأرض لبلايين السنين. ولكن لم يكن من الواضح في عام 1953 بالضبط متى نشأت وما هي الظروف على كوكبنا عندما حصل ذلك. وزاد من عدم اليقين هذا حقيقةُ أن أقدم الأحافير Fossils المعروفة في ذلك الوقت كان عمرها أكثر بقليل من نصف بليون سنة.

ومع ذلك، سرعان ما ظهرت أحافير أقدم. في عام 1957، مثلا، وصف علماء الأحافير أحفورة شبيهة بالسعفة، تُعرف بــ شارنيا Charnia، من المملكة المتحدة نعرف الآن أن عمرها نحو 570 مليون سنة. منذ ذلك الحين، دفع زمن أقدم الأحافير المعروفة إلى الوراء؛ حيث وجدت دراسة أجريت عام 2019 أدلة قوية على أن هناك صخوراً يبلغ عمرها 3.5 بليون عام في بيلبارا، أستراليا، تحتوي على بقايا محفوظة لكائنات حية دقيقة أحادية الخلية. إضافة إلى ذلك، بناءً على ما نعرفه عن شجرة الحياة التطورية، يجادل بعض الباحثين بأن آخر سلف مشترك عالمي Universal common ancestor – كائن حي نتج منه كل شيء حي حاليا – كان موجوداً قبل 3.9 بليون سنة على الأقل.

والأهم من ذلك، لدينا الآن فكرة أفضل بكثير عما كان عليه كوكبنا في ذلك الوقت. في السنوات العشرين الماضية، تعلمنا أن الأرض على الأرجح كانت قد بردت واكتسبت محيطات يمكن لها، من حيث المبدأ، أن تدعم الحياة قبل نحو 4.2 بليون سنة. تقول بيث أيه. بيل Beth A. Bell من جامعة كاليفورنيا University of California في لوس أنجلوس: «صار من المقبول على نطاق واسع في السنوات القليلة الماضية وجود الماء على الأرض في وقت مبكر». ربما وجدت اليابسة الجافة في وقت مبكر أيضاً، مع وجود أدلة على وجودها قبل 3.7 بليون سنة.

وهذا يعني أننا نفهم الآن أنه لم يكن هناك نقص في البيئات اللازمة لظهور الحياة، سواء على اليابسة أم في البحر. على مدى السنوات السبعين الماضية، تعلمنا الكثير عن كيف يمكن لذلك أن يحصل.

مجموعة من الأحافير الشبيهة بالسعفة، والمعروفة شارنيا Charnia، والتي نعرف الآن أن عمرها نحو 570 مليون سنة. صورة: Sabena Jane Blackbird / Alamy Stock Photo

نظريات أصول الحياة
أجريت التجربة التأسيسية في خلق الحياة من الصفر في أواخر عام 1952، ونشرت في 15 مايو 1953. أراد طالب دراسات عليا شاب في جامعة شيكاغو University of Chicago يدعى ستانلي ميلر Stanley Miller معرفة إن كانت جزيئات الحياة قد تكونت على الأرض المبكرة. في ذلك الوقت، لم يكن يُعرف سوى القليل عن تاريخ الأرض المبكر، لكن ميلر بذل قصارى جهده لإعادة خلق ظروف منطقية.

صمم جهازاً يتكون من قارورتين زجاجيتين مرتبطتين بأنابيب. فإحدى القارورتين تحمل الماء، تحاكي المحيطات التي افترض ميلر أنها كانت موجودة. ويمكن تسخينها، حيث إن ميلر توقع أيضاً أن الكثير من البراكين وجدت على ذلك الكوكب اليافع. تمثل القارورة الأخرى الغلاف الجوي المبكر وتحتوي على مزيج من الميثان والأمونيا والهيدروجين. أدخل ميلر أيضاً قطباً كهربائياً لمحاكاة ضربات البرق.

بعد بضعة أيام فقط، تحول الماء أولاً إلى اللون الأصفر ثم إلى اللون البني. فعندما حلل ميلر الخليط الناتج، وجد أنه يحتوي على الغلايسين Glycine. هذا هو أبسط الأحماض، وهي اللبنات الأساسية للبروتينات. والأحماض الأمينية ضرورية للحياة كما نعرفها، وقد أظهر ميلر أنها يمكن أن تتشكل تلقائياً في ظل ظروف طبيعية.

ومن باب الإيثار، أخبر مشرف ميلر، الكيميائي هارولد أوري Harold Urey، ميلر أن يأخذ الفضل وحده لذلك العمل. ومع ذلك، غالباً ما تُعرف هذه التجربة بتجربة ميلر أوري Miller-Urey experiment. بعد سبعة عقود، «لا تزال تلك التجربةَ هي التجربة التي يعرفها الناس معرفة جيدة»، بحسب ما تقول زافيير.

ومع ذلك، على الرغم من أن الأحماض الأمينية مهمة للحياة، إلا أنها توجد أيضاً في أماكن لا حياة فيها – بما في ذلك الفضاء العميق – لذلك فهي لا تخبرنا بالكثير من تلقاء نفسها. تقول زافيير: «إن صنع الأحماض الأمينية لا يصنع الحياة». بعد ذلك يكون السؤال، أي من العمليات الأساسية في الحياة جاءت أولاً؟

كما رأينا بالفعل، يصر بعض الباحثين على أن الجينات كانت إحدى السمات الأساسية للحياة. ولكن قلة منهم يعتقدون الآن أن هذا يعني أن الحمض DNA كان موجوداً في الكائنات الحية الأولى. بدلاً من ذلك، يجادل البعض بأن الحياة بدأت مع الحمض النووي الريبي (الحمض RNA)، وهو ابن عم جزيئي للحمض DNA مع مجموعة أوسع من الخصائص، من أهمها القدرة على التحكم في معدلات التفاعلات الكيميائية الحاسمة للحياة. وفي هذا السياق، على مدى السنوات الأربعين الماضية، أثبت الكيميائيون أن الحمض RNA يمكن أن يؤدي العديد من وظائف الحياة. لقد أظهروا، على سبيل المثال، أنه من الممكن صنع جزيئات الحمض RNA التي، مع القليل من المساعدة، يمكنها نسخ خيوط الحمض RNA الأخرى نسخاً موثوقاً بها.

في هذه الأثناء، أظهر ريو ميزوتشي Ryo Mizuuchi في جامعة واسيدا Waseda University في طوكيو، اليابان، أنه بمجرد تجميع أحماض RNA، يمكن لها أن تتصرف بطريقة تشبه ميزات كيان حي. في 2022، أظهر هو وزملاؤه أن خيطاً واحداً من الحمض RNA يمكن أن يتطور إلى خمس «سلالات» ذات خصائص وراثية متميزة – وهو ما قد يكون مقدمة لجينات مختلفة في جينوم كامل.

حساء بدائي
لكن حتى ميزوتشي يشتبه في أنه قد يكون من التبسيط الشديد التركيز حصرياً على الحمض RNA. ويقول إن الجزيئات الحيوية الأخرى من المرجح أن تكون بالأهمية نفسها. مثلا، ينظر باحثون آخرون في الاستقلاب Metabolism، وهي التفاعلات التي تدعم قدرة الحياة على تغذية نفسها والحفاظ عليها. هذه العمليات معقدة جدا، وفي الكائنات الحية الحديثة تتحكم فيها مجموعات منظمة من الإنزيمات Enzymes – وهي نوع خاص من أنواع البروتينات. ومع ذلك، منذ عام 2014، كشفت سلسلة من التجارب أن العديد من التفاعلات يمكن أن تحدث تلقائياً في الماء، دون الحاجة إلى الإنزيمات. بعض المعادن البسيطة – مثل الحديد والنيكل والكوبالت، وهي شائعة في الطبيعة – كافية لتحفيز التفاعلات.

تبحث زافيير وزملاؤها عن نسخة أكثر عمومية من هذه الشبكات الكيميائية. وتقول إن مفتاح الحياة هو «التحفيز الذاتي» Autocatalysis – وهو قدرة مجموعة من الجزيئات على التفاعل معاً من أجل تكرار نفسها.

في عام 2022، رسمت زافيير وزميلها ستيوارت كوفمان من معهد بيولوجيا النظم Institute for Systems Biology في سياتل خرائط لشبكات التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الميكروبات أحادية الخلية. كما نظرا إلى 6,683 شبكة مختلفة: كل واحدة منها تحتوي على مجموعة من الجزيئات والتفاعلات التي يمكن أن تؤدي إلى التحفيز الذاتي. وما يستنتج من ذلك هو أن هذه القدرة شائعة جداً.

ومع ذلك، فإن الأمور ليست بهذه البساطة. تجادل زافيير بأن شبكات التحفيز الذاتي في الكائنات الحية دائماً ما تكون غير مكتملة. تحتاج الجزيئات البيولوجية إلى مساعدة – ومرة أخرى، تأتي هذه المساعدة من المعادن الموجودة في البيئة. تقول زافيير: «كل الحياة تعتمد على المعادن». وتجادل بأن الأهمية المركزية للمعادن هي مجرد واحدة من الطرق التي تعتمد بها الحياة على بيئتها من أجل البقاء.

مجتمع الحياة
كما أن هناك باحثين آخرين يشددون الآن على الحاجة إلى وضع أصل الحياة في سياقها البيئي Environmental context. تقول بيتول كاجار Betül Kaçar من جامعة ويسكونسن ماديسون University of Wisconsin-Madison: «لا يمكنك فصل الحياة عن الكوكب». فلا شك في أن أحد أكبر التحولات في أبحاث الأصول في العقود الأخيرة كان شيئاً بعيداً عن مجرد خلط المواد الكيميائية في الماء، كما فعل ميلر، ونحو التجارب التي تحاكي بشكل أوثق بيئة رباعية الأبعاد، واحدة ذات شكل وأسطح تتغير بمرور الوقت. وتشمل البيئات المقترحة بركة جيوكيميائية على الأرض معرضة لأشعة الشمس فوق البنفسجية، والتي تجف حوافها في الشمس ثم تصبح رطبة مرة أخرى عندما تمطر، وداخل فتحة مائية حرارية Hydrothermal vent في أعماق البحار حيث تتدفق تراكيب معقدة من المواد الكيميائية من تحت قاع البحر.

أخيراً، يعترف بعض الباحثين الآن أيضاً بأن أكبر دليل على أصول الحياة ربما كان يحدق بنا في وجهنا طوال الوقت: الحياة مجتمع. حالياً، تعتمد جميع الكائنات الحية على الآخرين من أجل بقائها. ويشير هذا إلى أنه يجب علينا التوقف عن التركيز على أصول الكائن الحي الأول والنظر بدلاً من ذلك في أصول النظام الإيكولوجي Ecosystem الأول. تعتقد زافيير أنه من الممكن أن تكون لهذا النظام الإيكولوجي البدائي بنية ثلاثية الأبعاد – مثل الأغشية الحيوية اللزجة التي تتشكل عندما تنمو البكتيريا في الأنابيب – وأنه في البداية لم تكن هناك خلايا فردية.

إذا كانت إعادة بناء الكائنات الحية الأولى صعبة بما فيه الكفاية، فهي لا شيء مقارنة بالتحدي المتمثل بإعادة بناء النظم الإيكولوجية البدائية. على هذا النحو، من المحتمل أن تستمر أصول الحياة بجعلنا في حيرة بشكل مبهج لعقود عديدة قادمة. تقول كاجار: «إذا فهمت حجم المشكلة، فإنها تجعلك متواضعاً».

بقلم مايكل مارشال

© 2023, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى