أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

اتجاهات في الرعاية الصحية للمرأة


اتجاهات في الرعاية الصحية للمرأة

نظرة عالمية

إن تحسين صحة المرأة يعني تصحيح مواقفَ تجاه الجنس

 ومواجهة أوبئة خفية مثل العنف الأسري

<M. هولّوواي>، كاتبة بمجلة “ساينتفيك أمريكان”

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004690.jpg

أربعة أجيال من النساء يجسدن معا مفهوم دورة الحياة للرعاية الصحية. غالبا ما تعامل سياساتٌ طبية النساءَ كأمهات أو كزوجات، متجاهلة بذلك جوانب أخرى لصحتهن. وتطالب نساء وعاملون في الرعاية الصحية بأن تحصل المرأة على منهج أكمل للرعاية، بحيث يمكن تطبيقه على كل مراحل الحياة.

 

تشترك النساء حول العالم في مشكلة صحية عامة، سواء كن غائبات عن التجارب السريرية (الإكلينيكية) للعقاقير في الولايات المتحدة أو لا أثر لهن في عيادات الملاريا في تايلاند. فالعادات الاجتماعية والسياسات الصحية والوسط الطبي الذي يهيمن عليه الرجال، تميل إلى معاملة النساء كزوجات أو كأرحام، وقليلا ما يُعتبرن شيئا آخر. وبالتالي، وكما ورد في تقرير تلو آخر، فإن الجوانب المتعلقة بصحة المرأة ـ بما في ذلك التغذية والشيخوخة وردود الأفعال نحو أمراض كالإيدز والأمراض التي تتعرض لها النساء فقط ـ تلقت أدنى قدر من الاهتمام والدعم المادي. وهناك ثغراتٌ كثيرة في المعرفة الرسمية حول صحة المرأة.

 

وقد بدأت (نساء) سياسيات ودعاة لصحة المرأة ومرضى وأطباء ممارسون، في التخلص من إرث ذلك التحيز. وبتوسيع مجال الرؤية ليشمل كافة مكونات الصحة، طالبوا بمنهج للرعاية مبني على أساس دورة الحياة كلها ـ منهج يجابه بالحزم نفسه سوء التغذية عند الفتيات الصغيرات وسرطان عنق الرحم عند النساء في منتصف العمر وهشاشة العظام عند النساء الأكبر سنا. لقد كشفت هذه الاستراتيجية عن بعض ما قد يثبت أنه من أصعب المسائل المهدِّدة لصحة المرأة التي يمكن التطرق إليها. وهي تهديدات قلما يُعترف بها: العنف الأسري، الآثار المدمرة للإجهاض غير الشرعي، الأمراض التي تنتقل بالممارسة الجنسية، وبتر أجزاء من الأعضاء التناسلية (الخِتان) genital mutilation.

 

ومن المفارقات إلى حد ما، أن علاقة هذه المسائل في حد ذاتها بصحة المرأة هي في النهاية أقل من علاقتها بالمجتمع ككل. وفي محاولة لتصحيح عدم التوازن هذا، عمد الأطباء ودعاة صحة المرأة ومنظمو الأسرة إلى التركيز على المجالات التي أهملت ليس بالنسبة للنساء وحسب بل بالنسبة للرجال أيضا. ويتطلب رفع مستوى صحة المرأة، إلى حد كبير، إعادة النظر في الأمور الجنسية sexuality والأعراف الثقافية؛ ويتطلب كذلك تحسين الصحة الجنسية للذكور والمراهقين؛ أي يستلزم إشراك الرجال. وببساطة، فإن تأمين صحة المرأة يعني تحولات اجتماعية.

 

إن التحدي المتمثل في العنف الأسري يشير إلى مدى عمق التغيير المطلوب. فالعنف ـ وبالتحديد قتل الأطفال والإيذاء الجنسي والاغتصاب والضرب المبرح وإحراق العرائس ـ ربما هو كبرى مشكلات المرأة التي يتجاهلها العالم، على الرغم من كثرة انتشارها. وحيث إن القليل من النساء يبلّغن عن العنف الأسري، يقول خبراء بأن التقديرات عن مدى حدوثه غير معتمدة: فقد تتعرض لسوء المعاملة ما بين 20 إلى أكثر من 50 بالمئة من النساء في العالم. وتشير البيانات الإقليمية إلى وجود وباء، فقد وجدت إحدى الإحصائيات في بابوا بغينيا الجديدة أن 56 بالمئة من النساء المتزوجات في المدن قد أبلغن عن تعرضهن للضرب المبرح، وأن 18 بالمئة من الزوجات ذهبن للمشفى (المستشفى) لأنهن قد ضربن؛ أما في الأرياف فإن 67 بالمئة من الزوجات عانين العنف المنزلي. وفي بومباي فإن واحدة من كل أربع من وفيات النساء ما بين 15 و24 عاما هي بسبب الحرق “العَرَضي” (وسيلة لقتل الزوجة للحصول على دوطة(1) dowry أعلى من خلال زواج آخر). وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تبلغ نسبة زيارة غرف الطوارئ بسبب إصابات ناجمة عن العنف الأسري ما بين 22 و35 بالمئة من الزيارات. ولعل الضرب المبرح هو السبب الرئيسي للإصابات التي تتعرض لها المرأة الأمريكية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004691.jpg

يمكن أن تكشف صورة سونار sonogram عن جنس الجنين. يستخدم بعض الأزواج هذه المعلومات لإجهاض الإناث.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004692.jpg

يمكن أن يكون الفقر أكثر إضرارا بالبنات منه بالبنين، كهذه الطفلة البرازيلية. فالبنات عادة يقدَّرن أقل.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004693.jpg

يسهم سوء التغذية في معدل وفيات يبلغ 61.2 لكل 1000 بنت في هايتي مقابل 47.8 لكل 1000 صبي.

 

وتقول <L. هايز> (من معهد پاسيفيك لصحة النساء في واشنطن العاصمة) “يسألني الناس دائما أين هو الوضع الأسوأ، هل هو في الهند حيث يحرقون النساء أم في الولايات المتحدة؟ لا أظن أن مثل هذه المقارنات بنّاءة، فأنت ترى أن الإساءة المنظَّمة للنساء في الكثير من المجتمعات أمر متساهل به.” ولتوضيح هذا التساهل كثيرا ما تستخدم هايزـ كمثال ـ حادثة وقعت في كينيا حينما هاجم أولاد في مدرسة سان كيزيتو الداخلية سكنا للطالبات واغتصبوا 71 طالبة وقتلوا 19 أخريات. ونقل عن مدير المدرسة قوله “لم يقصد الأولاد أبدا أن يسببوا أي أذى للبنات، كانوا يريدون اغتصابهن فقط.”

 

إن مثل هذا الإقرار بسوء المعاملة ـ سواء كان ضمنيا أو علنيا ـ شائع في كل مكان. إن هذا الموقف الراسخ في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، هو ما يعتبره العاملون في الرعاية الصحية تهديدا رئيسيا لصحة المرأة. إن مثل هذا الموقف هو الذي منع النساء من النجاح في الهرب من ضاربيهن، ومنع الأطباء من معرفة حجم المشكلة الطبية، ومنع الرجال من تغيير سلوكهم. وتقول هايز “إن العنف يُبنى اجتماعيا. وهناك ما يكفي من الشواهد لتبيان أنه أيا كانت نزعة الرجال للسلوك العدواني فبالإمكان التغلب عليها.”

 

إلى حد كبير، برز الإقرار بأن صحة المرأة تعتمد على حدوث تحولات في المجتمع ـ وأن الجهاز الطبي عموما يتجاهل مشكلات العنف الأسري ـ بفضل حركة صحة المرأة في الولايات المتحدة وبفضل حقل التنظيم العالمي للأسرة.

 

وبالرغم من أن النساء كن يطالبن منذ عام 1960 برعاية صحية أفضل وأكثر تناسبا مع جنس المريض، فإن بعض تلك الشؤون لم تُدمج في السياسة العامة إلا منذ سنوات قليلة فقط. وفي عام 1990، نشر مكتب الحسابات العامة تقريرا مفصلا عن غياب المرأة والأقليات عن التجارب السريرية (الإكلينيكية) للعقاقير. وحيث إن كثيرا من النساء ـ بعضهن كن حوامل ـ تعاطين مثل هذه العقاقير فإن غياب البيانات عن تأثير الهرمونات أو عن فوارق في الاستقلاب (الأيض) أوحى بأن صحة المرأة والأقليات قد تم تجاهلها وبالتالي تعريضها للمخاطرة. وفي الحقيقة، وبالرغم من أن باحثين قد بدؤوا للتو النظر في تلك المواضيع، فقد تم اكتشاف وجود استجابات مرتبطة بالجنس لبعض مضادات الاكتئاب ومضادات التشنج، وكذلك اكتشف وجود فروقات عرقية في ردود الفعل تجاه الأدوية الخافضة لضغط الدم.

 

إرث من عدم الاكتراث

في الوقت ذاته الذي كان يُشجب فيه غياب المرأة عن التجارب السريرية، أصبح من الواضح أن مواضيع الصحة الخاصة بالمرأة، ومنها سرطان الثدي وسن اليأس، لم تكن تبحث بالحماس نفسه الذي تبحث فيه شؤون الذكور. إضافة إلى ذلك، فكثير من دراسات الأمراض التي تصيب الجنسين ـ وبالتحديد أمراض القلب والإيدز ـ لم تتفحص بدقة أسباب وأعراض الاعتلال عند المرأة.

 

وفي حالة الإيدز، فإن عدم الاكتراث هذا موثق بصورة جيدة للغاية. وهذا لا يعني أن النساء المصابات بالإيدز أو الحاملات للڤيروس HIV لم يكنّ يلقين أي اهتمام قبل أن يصبح موضوع صحة المرأة صحيحا من ناحية سياسية. لقد فحصتْ حشود من الدراسات انتقال الڤيروس HIV من مومسات إلى زبائنهن الذكور، وكذلك انتشار وباء الإيدز بين هذه الفئة. ونظر باحثون آخرون في انتقال المرض قبل الولادة حيث درسوا كيف ومتى وعند أي درجة من تفشي المرض تنقل الأمهات المرض إلى أجنتهن أو أطفالهن.

 

إن عواقب النظر إلى المرأة من خلال علاقتها بالرجل أو بالأطفال فقط أصبحت واضحة بشكل مفجع. فقد ازدادت نسبة النساء المصابات بالڤيروسHIV بسرعة أكبر من نسبة الرجال الحاملين للڤيروس في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى. وتقدر منظمة الصحة العالمية (WHO) أنه بحلول عام 2000 سيبلغ عدد المصابين ما بين 30 و40 مليون مصاب، سيكون نصفهم أو أكثر من النساء. والإيدز هو السبب الرئيسي للوفاة عند المرأة الأمريكية من أصل إفريقي في فئة العمر من 20 إلى 40 في ولايتي نيويورك ونيوجرسي، وهو القاتل الرئيسي للنساء في فئة العمر نفسها في المناطق الإفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004694.jpg

أم مراهقة من آيُووَا، وهي واحدة من مليون فتاة أمريكية يصبحن حوامل في كل عام.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004695.jpg

امرأة مصابة بالڤيروس HIV وهي واحدة من الفئة الأكثر تزايدا بين السكان الحاملين للڤيروس ـ النساء.

 

وحتى عام 1992، وعلى الرغم من ضخامة هذا الجزء من الوباء، فإن لائحة الشروط التي وضعتها مراكز التحكم في الأوبئة والوقاية منها في تعريف مرض الإيدز لم تتضمن أعراض المرض النسائية. وحيث إن البحث عن وسائل بديلة للوقاية من هذا المرض قد بدأ للتو فقط، فما زالت النساء تعتمد على الرجال في استخدام المانع الذكري (الرِّفال) condom. ويمكن أن يؤمّن الواقي الأنثوي الجديد الذي نزل إلى الأسواق حديثا درجة الحماية نفسها التي يوفرها الواقي الذكري ـ لكنه ما زال يتطلب موافقة الذكر على استخدامه. وفي الآونة الأخيرة فقط بدأت بعض المخابر (المختبرات) البحث عن مبيدات ميكروبية يمكن أن تستخدمها النساء مباشرة، وسرًّا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ويأمل الباحثون أن يجدوا نوعا من وسائل الحماية من مرض الإيدز يسمح بحدوث الحمل.

 

وفي الولايات المتحدة، اتخذ المجتمع الطبي والحكومة خطوات لضمان أن المرأة لن تهمَّش من الآن فصاعدا. وحيث إن عبء تجاهل صحة المرأة يبدو وكأنه يقع إلى حد كبير على المؤسسة الطبية المثقلة بالذكور تقليديا، فالمهنة هي قيد المراجعة. وقصص الرعب التي ترويها الطبيبات المقيمات عند زملائهن الذكور، من أنهم يقومون ببتر أثداء الجثث في المشرحة ونبذها كشيء عديم الأهمية، قد حركت مجادلات حول المنهج الدراسي. ويَزِن المربّون مزايا إنشاء تخصص لدراسة صحة المرأة.

 

أما على المستوى الاتحادي، فقد تم تأسيس مكتب للبحث في صحة المرأة في معاهد الصحة الوطنية عام 1990. وتحت رعاية هذا المكتب وضعت دراسة عن آثار التغذية في صحة المرأة المسنة تبدأ في العام 1995 وتكلف عدة ملايين من الدولارات.

 

كذلك ينبغي أن تضم التجارب السريرية الآن تمثيلا عادلا عن النساء والأقليات. ويهاجم هذا المطلبَ الأخيرَ بعضُ العلماء على أساس أن التقيد بنظام الحصص (الكوتا)، قد يُضعف في حالات معينة إمكانية قيام الدراسة وصحة النتائج.

 

ما يصلح للولايات المتحدة قد لا يصلح لأوضاع ثقافية وسياسية أخرى. وكما تشير <B. وينيكوف> (من مجلس السكان في مدينة نيويورك)، فإنه لم يكن هناك أي حركة للمناداة بضم المرأة إلى التجارب السريرية (الإكلينيكية) في البلدان النامية. وتقول وينيكوف “في الحقيقة، كان على العكس من ذلك: لا تجربوا على النساء.” إن إرث استخدام النساء كفئران المخابر في تجارب تحديد النسل اللاأخلاقية، جعلت النساء خائفات. ففي إحدى تلك التجارب، قيل للنساء الأمريكيات من أصل مكسيكي إنهن أُعطين حبوبا لمنع الحمل، في حين كن في الحقيقة يعطين حبوبا خُلَّبية placebo. والنساء اللاتي حملن وطلبن الإجهاض لم يسمح لهن بإجرائه.

 

إن تحولات في المجتمع الدولي نحو التركيز على منظور دورة الحياة للرعاية الصحية انبثقت إلى حد كبير كبديل بسبب عدم رضا المرأة عن مدى ونوعية خدمات تنظيم الأسرة. وتطور كثير من البرامج التي أسست في الستينات للحد من النمو السكاني، وذلك بتقديم وسائل منع الحمل أو التعقيم، إلى قنوات رئيسية يتم من خلالها علاج صحة المرأة. وكما هي الحال في الولايات المتحدة، فإن النظرة للمرأة مجسدةً في تلك الخدمات نبع بشكل أساسي من دورهن كمنجبات. وفي البداية، كان الهدف هو التأكد من حصولهن على وسائل منع الحمل للحد من النمو السكاني، وبعد ذلك في بداية الثمانينات، توسع بعض هذه البرامج في محاولة للحد من وفيات الأطفال.

 

وبمرور الزمن، أصبح من الواضح أن الخدمات، التي صممت لتحقيق أهداف التحكم في السكان، لم تنظر بالضرورة إلى احتياجات المرأة الصحية للإنجاب. فبعض البرامج كان ينظر لها كشيء قسري أو غير كامل حيث إنها لم تكن تتابع أي آثار سلبية تسببها موانع الحمل. وتقول <A. جرمان> (نائبة رئيسة اتحاد صحة المرأة في مدينة نيويورك): “أصبح من الواضح جدا أن صحة الطفل فقط كانت هي الشيء المهم، وكانت الأم تعتبر مجرد وسيلة لتأمين ذلك.”

 

كانت هناك ـ ولا تزال ـ تشعبات مفجعة لهذه النظرة، تشعبات تكشف عن ندرة المعلومات الطبية عن صحة المرأة. وتفسر <D. مين> (اختصاصية الأمراض السارية من جامعة كولومبيا) بأن الكثير من الأطباء، بتطبيقهم تجربة الأمم الصناعية على جنوبي الكرة الأرضية، افترضوا أن ما يصلح للأم يصلح للطفل أيضا. فعلى سبيل المثال، يبدو تحسين الحصة الغذائية للجنين ـ في سياق غير متحضر ـ فكرة جيدة. ولكن في إحدى المناطق القاحلة من أمريكا اللاتينية تقزّمت stunted بنات كثيرات نتيجة لعدم تغذيتهن جيدا عندما كن صغيرات فظلت عظام الحوض وقناة الولادة لديهن صغيرة. لذا فإن ولادةَ طفل كبير ـ من دون مساعدة الخدمات الطبية الحديثة ـ قد تعني الموتَ للأم.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004696.jpg

يرتبط ڤيروس الورم الحُلَيْمي بسرطان عنق الرحم الذي يقتل 200000 امرأة سنويا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004697.jpg

مريضات بفقر الدم (الأنيميا) في إثيوبيا ينتظرون علاجا. هناك نحو 450 مليون امرأة مصابة بفقر الدم في العالم.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004698.jpg

رعاية صحية أولية في غرب كينيا وهي نموذج للرعاية في كثير من المناطق الريفية. وإن تقديم خدمات أشمل للنساء يستدعي توسعا في نظام التوزيع كله.

 

وبالرغم من تلك الأخطاء، فإن الحملة العالمية لتنظيم الأسرة وتحسين صحة الأطفال والحد من الخصوبة كانت ناجحة. ومنذ عام 1960 وحتى اليوم، انخفض معدل وفيات الأطفال بنسبة 43 بالمئة، وارتفعت في الوقت نفسه نسبة السيدات المتزوجات اللاتي يستعملن أحد موانع الحمل من 9 إلى 51 بالمئة في البلدان النامية. ومع ذلك، بقيت وفيات الأمهات مرتفعة. ففي كل عام، تموت نحو 500000 امرأة بسبب تعقيدات خلال الحمل أو الولادة، وتعاني نحو 50 مليون امرأة مشكلاتٍ متعلقةً بذلك. وتقول مين “لقد كنت أعمل في مشفى تابع لإحدى المقاطعات في بنغلاديش حيث يمكن أن يقوموا بإجراء عمليات للإصابات الناتجة من الحوادث أو تلك الناتجة من المشاجرات بين الرجال، ولكنهم لم يقوموا بإجراء عملية قيصرية” ضرورية ،”فهي ليست على سلم الأولويات عندهم. حسنا، إن ذلك قد يسبب قتلك.” وبالطبع، فإن ذلك ما يحدث. وما زال الفرق بين معدلات وفيات الأمهات في البلدان النامية مقارنة بالمعدلات في البلدان الصناعية شاسعا: فالمتوسط هو 420 وفاة لكل 100000 حالة ولادة مقابل 26 لكل 100000.

 

وما بين 25 و 40 بالمئة من هذه الوفيات يعود سببه إلى الإجهاض غير الآمن. ففي كل عام، تُجرى نحو 60 مليون عملية إجهاض يكون نصفها على الأقل سرِّيا في 100 أو نحو ذلك من البلدان التي تعتبر هذا الإجراء غير قانوني أو يكون محظورا فيها بشدة. وتلجأ المراهقات أو الشابات العازبات إلى كثير من عمليات الإجهاض لأن فرص حصولهن على موانع للحمل ضئيلة، حيث صممت برامج تنظيم الأسرة للنساء المتزوجات. وفي كثير من البلاد يعتبر تزويد المراهقات بموانع الحمل غير قانوني.

 

وتستنتج <M. لو> (من مركز أبحاث التنمية الدولي في أوتاوه ورئيسة تحرير تقرير المعهد الطبي عن النساء والتغذية في جنوب الصحراء الكبرى، الذي صدر شتاء العام 1994) قائلة: “ينصب أغلب الاهتمام بصحة المرأة على الأشهر القليلة الأولى للحياة حيث هناك اهتمام بوفيات الرضّع infants، ومن ثم تختفي النساء إلى أن نبدأ القلق بشأن حياتهن التناسلية، ثم يختفين مرة أخرى.”

 

نساء مختفيات

وبالفعل، وكما يلاحظ دعاة وباحثون في الرعاية الصحية، تختفي نساء وفتيات بكل بساطة، وذلك ليس فقط من عقول واضعي السياسات. وفي دراسة أجريت عام 1992 في بومباي، تبين أن 8000 عملية إجهاض أجريت بعد أن حدد الأبوان جنس الجنين كان بينها ذكر واحد فقط. وبجانب الإجهاض المتحيز وقتل البنات في طفولتهن فإن الأولاد الذكور يتلقون معاملة تفضيلية. وقد وجد اختصاصيو التنمية، وأبرزهم <A. سن> (من جامعة هارڤارد)، أن ما يربو على 100 مليون امرأة مفقودات من جميع أنحاء العالم نتيجة لعوامل اجتماعية ـ ثقافية، تضم سوء الرعاية الصحية وسوء التغذية والفقر.

 

لقد تبين أن معدلات بقاء الإناث إلى الذكور قد تصل إلى 1.15 إذا ما أعطي الجنسان رعاية متساوية. أما في أماكن مثل الباكستان، فإن معدل وفيات البنات هو ضعف معدل وفيات البنين بمرة ونصف، وذلك نتيجة للتغذية الأفضل للبنين. ويبلغ عدد النساء المتقزِّمات (المعاقات النمو) بسبب سوء التغذية نحو 450 مليون مقابل 400 مليون رجل في جميع أنحاء العالم. وقد وجدت <D.M. گوبتا> (من جامعة هارڤارد) أن فرص معالجة الأولاد الذكور من سوء التغذية في الهند تبلغ 50 ضعف فرص معالجة شقيقاتهم بالرغم من أن سوء التغذية سائد بين البنات إلى حد يبلغ أربعة أو خمسة أضعاف ذلك عند الذكور. وطبقا لما تورده الأمم المتحدة، فإن 14 بالمئة فقط من الذكور في البنجاب من ذوي الدخل المنخفض يزنون أقل من 70 بالمئة من الوزن الطبيعي بالنسبة لعمرهم مقارنة بـ 50 في المئة بالنسبة للفتيات.

 

إن عدم قدرة خدمات تنظيم الأسرة على معالجة سوء التغذية ووفيات الأمهات والجوانب الأخرى المتعلقة بصحة المرأة دفع بالكثير من الاختصاصيين إلى المطالبة بعناية أكثر واقعية وذات نوعية أجود. وتعلق مين قائلة: “وبدلا من تنظيم الأسرة ومن ثم محاولة إظهار أن ذلك يلبي احتياجات المرأة الصحية يجب عليك البدء من هذه الاحتياجات ثم العمل من هناك.” وبدلا من التركيز على الخصوبة، فإن الأطباء والنساء يحاجّون بأن أحسن ما يخدم صحة المرأة هو أن تكون المعالجة شاملة وتأخذ بعين الاعتبار النواحي الاجتماعية. فمثلا معالجة وفيات الأمهات في غواتيمالا لن تؤثر إلا قليلا إذا كانت الفتيات لم يتغذين بصورة كافية منذ الولادة.

 

ومن المنطلق نفسه، فإن توزيع علاج للملاريا في العيادات لا يعني شيئا إذا لم تحضر النساء لأخذه. وتظهر الأبحاث التي أجراها <C. ڤلاسوف> (من المنظمة WHO)، أن بعض الأمراض الاستوائية مثل البلهارسيا والملاريا قد لا تكون مفهومة أو تعالج كما يجب عند المرأة. وبالرغم من أن فرص حدوث الأمراض تبدو واحدة بالنسبة للجنسين، فقد وجدت دراسات أن احتمال طلب الرجل للعلاج أو الرعاية هو ستة أضعاف ذلك للنساء. ويلاحظ ڤلاسوف أنه بسبب أن النساء أو الفتيات لا يُقدَّرن عادة تقديرا كافيا، وفي كثير من الأحيان لا يملكن أي قوة سياسية أو اقتصادية، فإن نظام الرعاية الصحية يبذل قليلا من الجهد للوصول إليهن. وفي كثير من البلاد الإفريقية وبلدان الشرق الأوسط ينبغي على النساء الحصول على إذن أزواجهن لزيارة الخدمات الصحية. (وبالمقابل، يبدو أن النساء الأمريكيات يزرن أطباءهن أكثر من الرجال. ويعزو باحثون هذه الظاهرة إلى العناية بأمراض النساء والأطفال، وكذلك إلى دور المرأة في تقديم الرعاية الصحية للأسرة وبسبب نشأة الرجال الاجتماعية التي تمنعهم من طلب العلاج.)

 

لذلك، إذا لم يؤخذ وضع المرأة الاجتماعي بعين الاعتبار ـ ويتضمن ذلك فقرها أو بنية أسرتها أو افتقارها للقوة السياسية ـ فلن تُلبي كل احتياجاتها الصحية أبدا. لقد أظهرت دراسات لا تُحصى ارتباطا بين تحسين الفرص التعليمية للمرأة ونفوذها المالي وبين تحسين صحتها وصحة أطفالها. وعلى سبيل المثال، وُجد ارتباط وثيق بين معرفة القراءة والكتابة وبين وفيات الأطفال. فقد وجدت إحدى الدراسات بأن 40 من أصل 1000 طفل ولدوا لأمهات متعلمات توفوا مقابل 120 طفلا لأمهات أميات. وتقدر هيئة الأمم المتحدة أن نحو 597 مليون امرأة لا يستطعن القراءة مقابل 352 مليون رجل.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004699.jpg

في الولايات المتحدة، تصل نسبة زيارات النساء لغرف الطوارئ بسبب إصابات ناجمة عن العنف الأسري إلى 35 بالمئة من مجموع تلك الزيارات.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004700.jpg

رعاية القابلة هي عادة الخدمة الوحيدة التي تقدم للنساء قبل الولادة في غانا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004701.jpg

تقدم عيادة تنظيم الأسرة في الهند موانع الحمل. وتقبل على هذه الخدمات في العالم نحو 100 مليون امرأة.

 

إن فكرة الطبابة كاستمرارية لرعاية ترسم الثقافةُ معالمَها، تشكل جوهر منهج دورة الحياة للرعاية الصحية. وتقول <A. تنكر> (الاختصاصية الصحية الأولى في البنك الدولي): “إن كثيرا من الإجراءات لتحسين صحة المرأة تحقق نتائج أفضل إذا ما حدثت مبكرا.” فعبر الاهتمام بالاحتياجات التغذوية لفتاة صغيرة، يستطيع أطباء الصحة أن يضمنوا حملا وولادة أكثر أمانا. كذلك، فإن تشجيع النساء الشابات على تأخير الحمل إلى حين انتهائهن من المدرسة يمكن أن يؤدي إلى فرص توظيف وصحة أفضل.

 

ويمكن رؤية تنفيذ هذه الفلسفة في تغير اهتمام الهيئات العالمية مثل المنظمة WHO والبنك الدولي ووكالة الولايات المتحدة للتنمية العالمية. ويمكن رؤية ذلك أيضا في الزيادة الهائلة لجماعات تُعنى بصحة المرأة في جميع أرجاء العالم. وقد أثّر ممثلون لتلك الجماعات في مسودة الوثيقة الإرشادية التي حُضِّرت للمؤتمر العالمي للسكان والتنمية، الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة والذي عقد في القاهرة في الشهر 9 / 1994. ويعكس موضوع هذا المؤتمر، الذي يعقد مرة كل عشر سنوات، التغييرات الواضحة التي حدثت في مجال تنظيم الأسرة. ففي عام 1974، كان المفتاح للحد من الخصوبة يظهر في تقديم موانع الحمل، أما في عام 1994، فقد أصبح المفتاح تأمين صحة المرأة ورفاهيتها الاقتصادية.

 

ما زال النصر بعيدا؛ إذ يَقلق كثير من الاختصاصيين من أن توسيع خدمات تنظيم الأسرة ليشمل معالجة الأمراض المنقولة جنسيا (sexually transmitteddisease  (STDs  ، مثلا، يمكن أن يُضعف من نوعية الرعاية التي يستطيع أن يقدمها أي برنامج. وتقول وينيكوف: “فكريا، هناك كثير من المقاومة. فالخدمات لا تريد أن تُربط بالأمراض STD، وهي تَرهب الإجهاض لأسباب سياسية. فالخدمات تريد أن تبقى متكاملة ولكن من دون أن تتغير فعليا.” ومع ذلك، يعرف خبراء الرعاية الصحية حقيقة أن النساء تملك القليل من وقت الفراغ، والقليل من إمكانية الوصول للعيادات، وأنهن يقطعن مسافات طويلة بحيث يضطررن إلى مراجعة العيادة للاستشارة مرة واحدة فقط.

 

وعلى الرغم من أن مؤتمر القاهرة خصص على الأغلب أموالا لمشاريع نموذجية، فهناك نماذج قليلة موجودة تشجع على التفاؤل في إمكانية أن ينجح تكامل الخدمات، على افتراض خدمات ذات نوعية جيدة شُكلت بناء على استشارات مع نساء مريضات.

 

ويستشهد عادة باتحاد صحة المرأة في بنغلاديش كمثال ناجح عن تكامل الخدمات. فالنساء يستطعن الحصول على معالجة أولية أو علاج لأمراض نسائية إضافة إلى العناية الصحية بأطفالهن. وكذلك يمكنهن الحصول على موانع الحمل أو إجراء إجهاض. وأورد هذا الاتحاد زيادة سنوية قدرها 15 بالمئة لخدماته في المناطق الريفية، وترجع هذه الزيادة إلى تقديم خدمات متكاملة.

 

فتح مفهوم دورة الحياة الباب على مصراعيه، مشجعا بذلك على النظر إلى كل جوانب خبرة المرأة وإلى كيفية تعلقها بصحتها. ولكن كثيرا ما يعوق ذلك موضوع واحد: الأمور الجنسية. يجب أن يعالج موضوع الجنس بعيدا عن السياسة وبرعاية سريرية أكثر دقة قبل أن تُمْكِن السيطرة على الأمراض STDوضمان الإجهاض الآمن والحد من الحمل خلال فترة المراهقة. يتضارب مثل هذا المنهج مع أعراف اجتماعية وحساسيات سياسية وقيود دينية في كثير من الثقافات حول العالم ـ جهود الفاتيكان في معارضة مؤتمر القاهرة هي مجرد مثال واحد على ذلك. لقد أصبح النزاع حادا للغاية بحيث لا يمكن التحقق من بعض الحقائق البسيطة عن السلوك.

 

وحتى في الولايات المتحدة، حيث جمع المعلومات السكانية صناعة راسخة، لم يجر أي مسح قومي عن الممارسات الجنسية منذ أبحاث <A. كينزي> في الخمسينات. وفي عام 1987، طلب المعهد القومي لصحة الطفل والتنمية البشرية (NICHD) مقترحات مشاريع لإجراء مسح قومي عن الممارسات الجنسية ووجهات النظر بين البالغين في عصر الإيدز والأمرض STD (وهذا يعني في هذه الحالة الأخماج infections مثل المتدثرة chlamydia والسيلان gonorrhea والسفلسsyphilis وڤيروس الورم الحُلَيْمي البشري human papillomavirus). ولكن كما اكتشف <O.E. لومان> (من جامعة شيكاغو) والعديد من زملائه ـ عندما تم قبول مقترح مشروع قدموه ـ كانت هذه الدعوة تعني القليل فعليا. فقد هوجمت خطة الدراسة من قبل السناتور <J. هلمز> من ولاية نورث كارولينا وكان يسانده ويعاضده المعهد NICHD. وبعد مرور سبع سنوات ما زالت الدعوة مفتوحة لتقديم مقترحات مشاريع، لكن من المدهش أنها لا تتضمن كلمة “جنس”. وفي عدد حديث من مجلة منظور تنظيم الأسرة Family Planning Perspective، يضيف لومان قائلا: “تستخم فقط بعض المصطلحات مثل (محددات الخصوبة التقريبية) أو (السلوك المرتبط بالخصوبة).”

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004702.jpg

تعمل امرأة مرضعة مع طفلها في مزرعة أشجار في بوتان. كثير من النساء ليس لهن خيار سوى الجمع بين رعاية الطفل القاسية والعمل الجسدي.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004703.jpg

سرطان الثدي الذي تبتلى به واحدة من كل تسعة نساء في الولايات المتحدة يتكرر تشخيصه باستخدام تصوير الثدي mammography.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004704.jpg

يمكن أن يكون الفقر والشيخوخة مرتبطين بالنسبة للمرأة، كما هي حال هذه المرأة الروسية.

 

إن آثار ذلك الموقف في الصحة واضحة جدا. وتقدر المنظمة WHO أن نحو 250 مليون حالة جديدة من الأمراض STD تحدث كل عام، وغالبا عند أفراد في العمر ما بين 20 و 24 عاما. ففي وقت ما، سيلتقط عدوى أحد الأمراض STD واحد من كل أربعة أمريكيين، وهي نسبة من أعلى النسب في الدول المتقدمة حسبما أورد تقرير كتبته <P. دونوفان> من معهد آلن گوتماخر في مدينة نيويورك. وحيث إن معظم تلك الأمراض عديمة الأعراض (صامتة) asymptomatic عند المرأة، فإنها غالبا لا تعالَج حتى تسبب آثارا مثل العقم أو مرض التهاب الحوض. ويمكن أن تسبب إحدى سلالات الڤيروس الحليمي، الذي يصيب الإنسان، سرطان عنق الرحم الذي يقتل أكثر من 200000 امرأة كل عام، والكثير من الأمراض STD تسبب انتقال الڤيروس HIV بسهولة أكثر . وعلى الرغم من أن الرجال يعانون أيضا بأعداد كبيرة، فقد أسست كثير من العيادات والبرامج المخصصة لهم. إضافة إلى ذلك، فإن وصمة العار المرتبطة بالأمراض STD عند الرجال أقل منها عند النساء.

 

الجنس والمراهق العازب

المراهقون هم ضحايا آخرون للحاجة إلى المزيد من البيانات عن السلوك الجنسي، التي يمكن أن تشكل برامج واقعية للوقاية. وتقول <J.  سندروويتز> (مؤسسة ومديرة الإدارة السابقة لمركز خيارات السكان): “لا يحب الناس أن يفكروا بالشباب كناشطين جنسيا، ولا يريدون التفكير بالعواقب. لقد أصبح عندنا وضع جديد، فجوة بيولوجية ـ اجتماعية bio-Social.” وتفسر سندروويتز ذلك بأنه حينما ارتفع سن الزواج وانخفض سن بدء الإحاضة نتيجة للتحسينات في التغذية، صار هناك نافذة عمرها نحو 10 سنوات يكون خلالها الشباب غير المتزوجين وناشطين جنسيا، ولكنهم غالبا لا يستطيعون الحصول على الثقافة الجنسية أو على وسائل منع الحمل. وطبقا لما أوردته المنظمةWHO، فإن أكثر من نصف الناس المصابين بالڤيروس HIV في كل أنحاء العالم عمرهم أقل من 255 عاما.

 

إن مزايا الصراحة في الأمور الجنسية واضحة في السويد. وتعلق سندروويتز قائلة: “هناك اقتناع في السويد بأن الجنس شيء طبيعي ـ هو جزء من الحياة.” ومنذ عام 1942 أصبحت التربية الجنسية جزءا من برامج كثير من المدارس، وأصبحت إلزامية منذ عام 1954. وفي حين ارتفع معدل الإجهاض 43 بالمئة عند الفتيات الأمريكيات تحت سن 20 ما بين عامي 1975 و1981، انخفض هذا المعدل بمقدار 30 بالمئة في السويد. وكذلك فإن معدل الأمراض STD فيها هو من أقل المعدلات في العالم.

 

وبالمقابل، فإن المراهقين يمثلون ربع المصابين بالأمراض STD في الولايات المتحدة. وتختلف التربية الجنسية في الولايات المتحدة من ولاية إلى أخرى؛ فبعض البرامج لا تراجع حتى موضوع منع الحمل. “تقدم كثير من برامج التربية الجنسية معلومات ضئيلة جدا وبعد فوات الأوان،” هذا ما تؤكده <R.S. كونلي>، وهي باحثة من مركز العمل السكاني العالمي والمؤلفة مع <L.K. كونتز> لتقرير حديث عن صحة المراهقين بعنوان شباب معرضون للخطر: تلبية احتياجات الصحة الجنسية للمراهقين youth at Risk: Meeting the Sexual HealthNeeds of Adolescents. أما الوضع في البلدان النامية فهو أسوأ بكثير، حيث التربية الجنسية معدومة تقريبا. وتبين إحدى الحالات التي أوردتها كونلي وكونتز بأن ربع المراهقين الذين تم استفتاؤهم في سريلانكا يعتقدون بأن المرأة تحمل إذا قامت بارتداء ملابس سبق أن ارتداها رجل. وتحث كونلي الحكومات قائلة: “إنه من المهم جدا للحكومات الوطنية أن تعتبر أن هذا يمس الصحة العامة وينبغي عليها أن تتغلب على المحظورات الأخلاقية والاجتماعية. وأنا أعني أن هذه أزمة.”

 

يتطلب النظر إلى السلوك الجنسي عند الفتيات النظر إلى الموضوع عند الفتيان. ويشير <B. أرمستورنگ> (من عيادة الفتيان في كلية الصحة العامة في جامعة كولومبيا) قائلا: “أظن أن هناك حسا متناميا بأن عدم ضم الرجال إلى الموضوع ـ بحسب ما نعرف وبحسب بيولوجيا الإنجاب ـ ينقص بالفعل من الصورة الكبيرة.” ويكمل أرمسترونگ، الذي بدأ هذا البرنامج في منتصف الثمانينات، قوله: “في كثير من العلاقات، للرجال تأثير كبير في السلوك الذي يجري.”

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004705.jpg

تكون العظام لدى مرضى تخلخل (هشاشة) العظام osteoporotic أقل كثافة وأكثر تفتتا من العظام السليمة. تعاني أكثر من 24 مليون امرأة في الولايات المتحدة هذه الحالة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N2_H01_004706.jpg

منهج دورة الحياة للرعاية الصحية يمكن أن يضمن أن تؤدي تغذية جيدة للبنات، مثل هذه الطفلة في سريلانكا، إلى صحة أفضل عندما يصبحن جدات.

 

مسؤولية الرجل

لقد حفّزت تبصرات مماثلة قيام حركة حذرة لكنها متنامية تنادي بمسؤولية الرجل. وتقول وينيكوف: “لا يريد أحد أن يحول العبء إلى الرجل لأن ذلك سيغير موقع السلطة. ولكن من الخير وضعه على طاولة البحث.” ولأن برامج تنظيم الأسرة السابقة ركزت على خصوبة المرأة فقد سعى قليل منها لإشراك الرجل فيها. واضطر كثير من النساء إلى إخفاء استخدامهن لموانع الحمل. ويورد أحد خبراء تنظيم الأسرة مثال النساء في زيمبابوي اللاتي يطلبن من مسؤولي الرعاية الصحية إخفاء حبوب منع الحمل تحت الصخور في الحقول التي يزرعن فيها، فهن لا يردن أن يعرف أزواجهن بالأمر. وتقول <S. سنگ> (المديرة المشاركة للأبحاث في معهد ألن گوتماخر):”أظن أننا نواجه صعوبة في زيادة استخدام موانع الحمل ونواجه حقيقة أن النساء لا يتخذن هذه القرارات بأنفسهن. هناك نوع من التحول الفلسفي يحدث في حقل صحة المرأة. والرأي هو أنه لا يتوجب على المرأة تحمل كثير من العبء.”

 

تُجري 75 بالمئة من عمليات التعقيم حاليا على المرأة بالرغم من أن عملية ربط الأنابيب يمكن أن تشكل خطرا، وهي مكلفة مقارنة بعمليات استئصال الأسهرvasectomy، ومع ذلك يزداد دعم إجراء هذه العمليات، في حين تحاول خدمات منع الحمل إشراك الرجال في عملية اتخاذ القرار. وكما تقول <J. گاي> (من منظمة الصحة لكل أمريكا): “لا يتلقى الرجال المعالجة الصحيحة. فالرجال يُستثنوْن من الرعاية الصحية للإنجاب. وليس هناك برامج ذات شأن فيما يتعلق بجنسانية sexuality الرجل أو مسؤوليته.” لقد بذل أحد البرامج في مصر مثل هذا الجهد فتضاعف استخدام موانع الحمل خلال عام. كما سعت برامج أخرى لتثقيف الرجال عن أهمية التغذية خلال الحمل. وأثمرت جهود أخرى في مخيمات اللاجئين التايلانديين عن تحسن في الصحة عند أمهات ورضّع.

 

جرى إشراك الرجال أيضا في المسح السكاني والصحي الذي يتتبع تغيرات في معدلات الخصوبة العالمية. وقد أدى جمع المعطيات هذا إلى ملاحظة أنه في كثير من الأماكن يستطيع رجل واحد أن يكون مسؤولا خلال حياته عن إنجاب عدد من الأطفال أكثر من استطاعة أي امرأة واحدة. ويورد <A. ساخس> (وهو باحث من معهد مراقبة العالم) في تقرير حديث بعنوان الرجال والجنس والأبوة في عالم منفجر سكانيا Men, Sex, and Parenthood in an Over populating World  أن الرجال في الكاميرون الذين لديهم أطفال يكونون آباء لما متوسطة 8.11 طفل ـ وغالبا من شريكات مختلفات ـ حين يصلون إلى سن الخمسين، في حين يكون هذا المتوسط للأمهات 4.8.

 

وحتى الحيوان المنوي بدأ في تحمل جزء من المسؤولية. فالبويضة لم تعد تتحمل بمفردها المسؤولية عن صحة أو تشوه الجنين. وفي بعض الحالات، قدمت هذه النظرةُ الجنينَ على الأم، معرضة حق اختيار المرأة مكان العمل للخطر. (ظهر هذا الموضوع أمام المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قضية <جونسن كونترولز> فقد حظرت الشركة المُدَّعى عليها على النساء العمل المربح ماديا خوفا من أن يؤدي التعرض للرصاص إلى الإضرار بجنين محتمل. وفي عام 1991 قضت المحكمة ضد <جونسن كونترولز>. وفي حين يركز مزيد من الباحثين على دور الرجل في صحة الجنين، أصبح من الواضح أن الأمشاج (الجاميتات) gametes المذكرة تبدو مسؤولة أيضا عن التشوهات الجينية. إضافة إلى ذلك، فهي معرضة لأخطار المهنة وأسلوب الحياة، مثل البويضات تماما. فالبنزين والرصاص وبعض المبيدات الحشرية هي من ضمن المواد التي تفسد معياشية (قابلية العيش) viability الحيوان المنوي ويمكن أن تسبب بالتالي  ولادة جنين ميت أو مشكلات في نموه.

 

بتحويل الاهتمام إلى الرجل أيضا، تظهر النساء أن حماية الصحة متعددة الوجوه، ولا يتحمل أي من الجنسين كل المسؤولية. هذا التحول في علاقات الذكر والأنثى ينعكس في تحول آخر يجري في ميدان صحة المرأة: تغير في العلاقات الثقافية. هنالك وعي متنام بأن المراسيم والسياسات في البلدان المتقدمة محكوم عليها بالفشل غالبا عندما تفرض على البلدان النامية.

 

وعلى وجه الخصوص يمثل بتر أجزاء من الأعضاء التناسلية (الختان) للأنثى مثالا قويا في هذا الصدد. ففي كل عام يتعرض نحو مليوني فتاة فيما لا يقل عن 26 دولة إفريقية لاستئصال البظر clitoridectomy أو لتخريب الأجزاء الخارجية infibulation (البَظْر والشُفْرين الكبيرين وكذلك الصغيرين) من جهاز التناسل، وغالبا من دون تبنيج (تخدير) anesthesia. وإضافة إلى التشويه فإن هذا الإجراء يمكن أن يؤدي إلى خمج أو إنتان دموي septicemia أو وفاة. إن الأصول الحضارية لهذه الممارسة متنوعة، ولكن بعض المواضيع تتكرر من مكان لآخر. ويعتبر ختان الانثى من طقوس الاستعداد التي تضمن الزواج. وترغب كثير من النساء فيه لأنهن نشأن اجتماعيا على أن ينظرن إلى أعضائهن التناسلية كشيء منفر، أو لأنهن يعتقدن أنه مفروض دينيا (وهو ليس كذلك) أو بسبب أن أمهاتهن أو اللاتي يتخذنهن قدوات خضعن لمثل هذه الطقوس.

 

تقول الطبيبة السودانية ناهد طوبيا (التي عملت لدى مجلس السكان): إن هذه الموازنة تسبب مشكلات عدة، وتكفي نظرة سريعة واحدة على تقليد الختان الذكري لتوضيح ذلك. وتعلق طوبيا قائلة: “كثير من الناس في الولايات المتحدة لا يريدون التحدث عن هذا الأمر لأنه مرتبط بمعتقداتهم الخاصة. وهذا يبين لك بالضبط كيف يتصرف الناس في إفريقيا. فهو جزء من نظام معتقداتهم ولا يفهمون كيف يستطيعون أن يعيشوا حياتهم من دون إجرائه.” وفي الولايات المتحدة، هناك نحو 85 بالمئة من الرجال مختونون ـ على الرغم من أن الأكاديمية الأمريكية للأطفال لا توصي بهذا الإجراء ولا تثبطه. إذ يقول بعض الأطباء بأن للختان فوائد صحية في حين يجادل آخرون بأن العادات الصحية الجيدة تلغي هذه الفائدة وبأن الختان يقلل من اللذة الجنسية.

 

بدأ المسح الصحي الآن في إدراج أسئلة تتناول الختان. وكما هي الحال في كثير من الشؤون المتعلقة بصحة المرأة، هناك قليل من البيانات الدقيقة للمتابعة. وتقول طوبيا إنه بالرغم من ذلك خضع لهذه العملية ما بين 85 و 114 مليون امرأة ما زلن على قيد الحياة. (تقول طوبيا إن الختان كان يمارس في أوروبا والولايات المتحدة كعلاج للهستريا والسحاق والعادة السرية.)

 

لم يكن الاعتراف بمدى حجم مشكلة البتر هذا بطيئا فقط، بل إن مجابهته أظهرت محدودية قدرات الجهود الحسنة النوايا لتحسين صحة المرأة. وبالرغم من أن منظمات المرأة الإفريقية كانت تحاول محاربة هذا التقليد منذ الستينات، فقد أشعل سياسيون وجماعات نسائية في الغرب مؤخرا موضوع ختان الإناث واعتبروه أكبر ممارسة جهنمية قائمة. وفي الشهر 10 / 1993 وافق الكونغرس الأمريكي على مسودة قانون، رقم H.R. 3247، لجعله أمرا غير مشروع في الولايات المتحدة، كما هي الحال في فرنسا والمملكة المتحدة. وبسبب ازدياد الهجرة، توجد تقارير طريفة عن ختان الإناث في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

وحسبما يقول كثير من النساء في الحقل الصحي، وما تقوله الأمريكيات من أصل إفريقي اللاتي يعملن في هذا الموضوع، فإن العقاب وردود الفعل الاستبدادية هما بالضبط التناول الخاطئ للموضوع. وتقول طوبيا: “إنه شكل رهيب ومتطرف لما تعانيه النساء في كل أنحاء العالم: هيمنة المجتمع الذي يسوده الذكور على أجسادهن. إن هذا الموضوع مباشر للغاية ويبدو من السهل معالجته، ولهذا السبب ركز الناس اهتمامهم عليه.” ولكننا “نتحدث عن نقلة في الإدراك.”

 

يبدو أن تحسين صحة المرأة يعتمد فقط على مثل هذا التغير في الإدراك، لذلك فإن أصعب الأعمال أمام دعاة صحة المرأة والأطباء لم يأت بعد. إن تأمين صحة المرأة يتضمن أكثر من عمل مسودة تشريع يكفل إشراك المرأة في التجارب السريرية، أو أكثر من تخصيص اعتماد مالي لدراسة ومعالجة جوانب أي مرض استوائي خاص بالجنس.

 

وبدلا من ذلك يبدو أن مستقبل موضوع صحة المرأة سيركز على التناول العالمي لموضوع الجنس والفوارق الثقافية. وإنه من دون اشتراك الرجال أو من دون ثورة انفتاح في النظر للأمور الجنسية، لن يستطيع المجتمع أن يتوقع قهر التهديدات القصوى لصحة كل فرد ـ ذكرا كان أو أنثى. وتعلق طوبيا قائلة: “إن هذا ليس سهلا مثل برنامج تلقيح (تحصين) الناس، إنه تصدٍّ لأفكار ثقافية ـ اجتماعية.”

 

مراجع للاستزادة 

THE HEALTH OF WOMEN: A GLOBAL PERSPECTIVE. Edited by Marge Koblinsky, Judith Timyan and Jill Gay. Westview Press, 1993.

POPULATION POLICIES RECONSIDERED: HEALTH, EMPOWERMEN’F, AND RIGHTS. Edited by Gita Sen, Adrienne Germain and Lincoln C. Chen. Harvard School of Public Health, 1994.

WOMEN AND HEALTH RESEARCH: ETHICAL AND LEGAL ISSUES OF INCLUDING WOMEN IN CLINICAL STUDIES. Edited by Anna C. Mastroianni, Ruth Faden and Daniel Federman. National Academy Press, 1994.

Scientific American, August 1994

 

(1) الدوطة: المال الذي تدفعه المرأة للرجل عند زواجهما لدى بعض الشعوب. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى