أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

بحوث القطاع العام

 بحوث القطاع العام

مع نهاية الحرب الباردة، حلت المنافسة الدولية محل الدفاع

الوطني باعتبارها محور الدعم الفدرالي للبحث والتطوير؛

لكن قد لا يُكتب النجاح لهذا التوجه بشكله الحالي.

<R.L.كوهن> ـ<G.R.نولّ>

 

يبدو أن الدعم السياسي «للبحث والتطوير الفدرالي» بدأ يتبدد. فقد انخفضت نفقات الحكومة على البحث والتطوير بنسبة 7% منذ عام 1988. أما ما يصرفه القطاع الخاص على «البحث والتطوير» (R&D) فمازال بازدياد، على أن معدل نموهِ صار أدنى من معدل ازدياد الإنتاج. وعليه فالاستثمار في البحث لا يجاري خطوات الاقتصاد.

 

وتعكس هذه التوجهات، بشكل كبير، تغيرا أساسيا في مسوغات نفقات البحث الفدرالية. فمنذ بداية الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر الثمانينات، سيطرت الاهتمامات بالأمن الوطني على سياسة البحث والتطوير. فقد خصص أكثر من نصف ميزانية البحث والتطوير الفدرالية لتقانات الدفاع، كما أن معظم المجالات الأخرى ـ بما في ذلك البحوث الأساسية في الرياضيات والعلوم الفيزيائية ـ حظيت بالدعم فقط لارتباطها الواعد بالأمن الوطني. لقد أضعفت نهاية الحرب الباردة هذا المسوغ لسياسات البحث الفدرالية.

 

وخلال العقد الأخير، توخى موظفو الحكومة أهدافا جديدة للأموال المخصصة لبحوثهم. فأصبحت المنافسة الدولية أهم المواضيع البارزة في برامجهم؛ إذ يجب على الحكومة الفدرالية دعم البحث والتطوير لزيادة الإنتاجية الصناعية الأمريكية، وبالتالي مساعدة الصناعة في المنافسة الاقتصادية العالمية.

 

إننا نعتقد بأن مسوغ المنافسة الحديثة، لن ينجح في حفز جهود البحث والتطوير الوطني من جديد وذلك لسببين، أولا: لأن التنافس لا يعتبر بديلا سياسيا قويا عن الحرب الباردة في تشكيل تحالف يمكن قيامه بين الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي لدعم البحث والتطوير وفق المستويات السخية التي ميزت العقود السالفة. ثانيا: لأن طرق تنفيذ البرامج الجديدة تتأثر بالضرورات السياسية، وقد تعمل بالتالي على تقويض الأداء الاقتصادي لهذه البرامج، مما سيزيد من تقليل الدعم السياسي لهذه البرامج.

 

ومن الناحية التاريخية وعلى الدوام، كان للرغبة في مساعدة الصناعة لرفع إنتاجيتها تأثير في رسم سياسة البحث والتطوير. ويزيد عمر الإعانات الفدرالية للبحث والتطوير لأهداف تجارية على مئة عام. فقد تم خلال القرن التاسع عشر دعم تطوير البرق (التلغراف) وتهجين البذور، إلا أن البرامج التجارية لم تصبح عنصرا رئيسيا من عناصر الدعم الفدرالي للبحث والتطوير إلا مع حلول الحرب العالمية الثانية؛ غير أن هذه البرامج كانت أيضا في معظمها موجهة حصرا إلى التقانات المتعلقة بالدفاع.

 

لقد كان علينا انتظار الستينات حتى نرى الحكومة الفدرالية تتبنى مجموعة واسعة من برامج البحث لأهداف مدنية بشكل رئيسي. ولم تكن هذه البرامج جزءا من خطة متماسكة لتعزيز النمو الاقتصادي الوطني، بل كانت سلسلة من الاستجابات غير المترابطة لمشكلات وطنية محدودة جدا أدت إلى ظهور «مهام» جديدة للوكالة الفدرالية. ومن الأمثلة على ذلك الحرب على السرطان، والحملة لتطوير تقانات سليمة بيئيا، ومحاولات إيجاد رد فعال على قيام كارتل (اتحاد احتكاري) لمنتجي البترول.

 

وعلى الرغم من هذه المبادرات، فإن معظم التمويل الفدرالي للبحث والتطوير ظل يصرف على الدفاع أو على المعارف الأساسية المرتبطة بالدفاع ارتباطا مباشرا. لقد باءت بالفشل معظم عروض توسيع قاعدة هذه البرامج: سواء عن طريق تبني سياسة شاملة للبحث والتطوير التجاري أو عن طريق إضافة صناعات جديدة للائحة الصناعات التي تتلقى الدعم. وعلى العكس، فإن التناول الحالي للبحث والتطوير اقتصادي بشكل واسع، وترتكز جاذبية هذا التناول على حجة أنه سيساعد صناعة الولايات المتحدة على رفع إنتاجيتها واستعادة سيطرتها على الأسواق العالمية. وبذا أصبح ممكنا لأية صناعة تقريبا أن تكون هدفا للدعم.

 

لقد حقق موضوع التنافس تغيرين كبيرين في كيفية وضع برامج البحث والتطوير وإدارتها. أولهما، الخصخصة الزائدة في اختيار مشاريع البحث وفي نتائجها. فالخصخصة تبدو واضحة أكثر ما تكون في أن البرامج الجديدة تعطي الصناعة التابعة للقطاع الخاص مسؤولية القرار في الخيارات التقنية للمشاريع، وتمنحها عمليا كل حقوق الملكية الفكرية (حقوق براءات الاختراع). وثانيهما، زيادة التعاون بين الشركات الأمريكية ومؤسسات البحث.

 

إن أبرز الأمثلة على هذه التغيرات ما نلاحظه في المنافسات المتاحة للجميع والمنظمة من قبل المعاهد الوطنية للمعايير والتقانة National Institute Of Standards and Technology والمتعلقة ببرنامج التقانة المتقدمة Advanced Technology Program  ATP ، حيث تستطيع أي شركة أو مجموعة شركات، تنتمي لصناعة ما، تقديم عرض للحصول على تمويل فدرالي جزئي لمشروع تطوير تقاني. ويجري تقييم العروض تبعا لمعايير تتضمن: النجاح الاقتصادي الكامن أو المحتمل، والجدوى العملية لاستراتيجية التسويق والاتجار، والفائدة التقنية، وعدم إمكانية تأمين دعم كامل للمشروع من القطاع الخاص، واحتمالات وجود تطبيقات متعددة. ولا ينبغي لهذه المشاريع أن تمت بصلة لأي مهمة حكومية محددة. وبالفعل يستبعد البرنامجُ المشاريعَ التي تهدف إلى تزويد وكالة حكومية، كوزارة الدفاع، بالتقانة.

 

إن معظم التمويل المخصص لتنفيذ استراتيجية المنافسة الجديدة مازال يُوجَّه نحو البرامج التي تستحوذ سطحيا على اهتمام أكبر من القطاع العام. إن الميزانية السنوية لبرنامج إعادة استثمار التقانة Technology Reinvestment Program الذي تديره وكالة مشاريع البحث المتقدمة Advanced Research Projects Agency  ARPA  التابعة لوزارة الدفاع، تزيد على نصف بليون دولار. ويرمي هذا البرنامج إلى دعم المشاريع التي تسمح للشركات الخاصة بالاعتماد على الأرباح والأسواق التجارية خلال تطويرها لتقانات مفيدة للدفاع. ويضاف إلى ذلك إقامة العديد من البرامج الكبيرة الخاصة بالصناعة مثل: سيمتك(2)Sematech، وبرنامج شاشات العرض المسطحة، وبرنامج تقانة الفحم النظيفClean Coal Technology Program، والتجمع الوطني للطائرة الفضائية National Aerospace Plane Consortium، ومبادرة السيارة النظيفة Clean Car Initiative. وتحظى هذه البرامج جميعها بدعم مالي فدرالي كبير جدا.

 

تسعى المختبرات (المخابر) الوطنية الممولة فدراليا إلى القيام أيضا ببحوث مشتركة مع الشركات من أجل مساعدتها في تسويغ استمرار وجودها. ويطلق على هذه الجهود اسم اتفاقيات البحث والتطوير التعاوني Cooperative Research and Development Agreement (CRADA). واتفاقيات CRADA هذه متاحة لكل الصناعات ولا تحتاج إلى إقامة أي علاقة مع أي برنامج حكومي، مثلها في ذلك مثل مشاريع البرنامج ATP.

 

وعلى الرغم مما يقدمه القطاع العام من إعانات لهذه الممارسات، فإنها تبتعد جميعها عن برامج البحث والتطوير التقليدية لوزارة الدفاع ووزارة الطاقة. فقد صار تطوير التقانة التجارية هدفا أساسيا بعد أن كان ناتجا جانبيا غير مقصود (ولكنه مرغوب) عند تنفيذ المهام الحكومية. فكل مشروع تجاري من هذه المشاريع يعتمد على المشاركين من القطاع الخاص في تقديم المشاريع وإدارتها، ويتطلب كل مشروع تجاري أن تعود حقوق الملكية (عائدات براءات الاختراع) إلى المشاريع في القطاع الخاص وليس إلى الجهات الحكومية الراعية أو الشريكة. كما أصبحت كل الفعاليات تتطلب مشاركة المؤسسات الخاصة في المصاريف. ومثلما هي حالة البرنامج ATP، فإن هذه البرامج تتعامل مع كمية غير عادية من المعلومات الخاصة (أسرار صناعية). لذلك وعلى سبيل المثال، تستثنى عروض المشاريع روتينيا من قانون حرية المعلومات Freedom of Information Act ، فهي تُراجَع حصرا من قبل وكالات حكومية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N8-9_H01_005250.jpg
تستعمل تقانة الرقاقات wafer في تطوير شاشات مسطحة مُحسَّنة وذلك في معمل شركة <كوبن>في ماساتشوستس بعقد مع وكالة مشاريع البحث المتقدمة ARPA. ويمثل هذا العمل موضوع الدعم الفدرالي الجديد للبحث والتطوير وهو مساعدة شركات الولايات المتحدة على الفوز في المنافسة الدولية.

 

إن المبدأ القائل بأن التقانات الجديدة تعزز النمو الاقتصادي له أساس راسخ في الأبحاث النظرية والتجريبية في علم الاقتصاد، وقد تحراه العديد من الاقتصاديين المتميزين، منهم:<M.R.سولو> من معهد ماساتشوستس للتقانة، الحائز على جائزة نوبل. لقد كان أهم ما توصلوا إليه في هذا المضمار ما يلي: إن أكثر من نصف النمو التاريخي من دخل الفرد في الولايات المتحدة يعزى إلى التقدم التقاني، كما أن العائد الاقتصادي الكلي للاستثمار في البحث والتطوير هو أضعاف العائد من أشكال الاستثمارات الأخرى.

 

إن كون البحث والتطوير يغني الرفاهية الاقتصادية للأمة لا يعتبر سببا كافيا، بحد ذاته، لتسويغ أن يكون للحكومة الفدرالية دور بارز في تمويله. فقد طور علماء الاقتصاد مسوغات إضافية للمعونات الحكومية. فهم يُجْمِعون على أن معظم فوائد الإبداع لا تنشأ بسبب المبدعين ولكن بسبب المستهلكين وعبر منتجات أجود أو أقل سعرًا أو عبرهما معا. فبما أن شريحة عريضة من المنتجين تقتسم فوائد التقدم التقاني لذا يفتقر المبدعون إلى الحوافز الاقتصادية لتحسين التقانات بالقدر المرغوب فيه اجتماعيا. وعليه تستطيع الحكومة تحسين أداء الاقتصاد بتبنيها سياسات من شأنها تسهيل الاستثمارات في البحث وزيادتها.

 

ويمكن للحكومة، من حيث المبدأ، حل مشكلة قلة الاستثمار في البحث والتطوير وفق منهجيتين (مُقارَبَتين). إحداهما، وهي ما تنحو الجهات السياسية المحافظة إلى تأكيده، تقوم على تعزيز قدرات المبدعين للحصول على أرباح أعلى. وكان تدعيم حقوق الملكية الفكرية أهم سياسة في الماضي لزيادة عائدات الإبداع، وقد تمثل هذا التدعيم في: براءات الاختراع وحقوق النشر والحماية الشرعية لأسرار التجارة.

 

إن لهذه المنهجية عائقين. أحدهما، أنها تولد أرباحا أعلى من خلال إقامة احتكارات قد تكون غير مجدية اقتصاديا. والآخر، أن كل حماية للملكية الفكرية تؤدي إلى الحد من انتشار نتائج البحوث. فللبحث عادة تطبيقات في منتجات وصناعات مختلفة، ولا نستطيع تحقيق الفوائد الممكنة لأي اكتشاف إلاّ إذا أتيحت الفرصة والحوافز لجهات أخرى غير مكتشفة لاستعماله وتطبيقه بطرق جديدة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N8-9_H01_005251.jpg

لمحة حول تمويل

«البحث والتطوير»(3)

لقد تغير توجّه التمويل الفدرالي للبحث والتطوير منذ انتهاء الحرب الباردة. فقد انصبت حتى ذلك التاريخ، معظم الأموال على دعم تقانات الدفاع أو برامج تمت بصلة واعدة للأمن الوطني، مثل: البحوث في الرياضيات أو العلوم الفيزيائية. أما الآن فالاهتمام منصب على المنافسة الاقتصادية الدولية، حيث يؤدي القطاع الخاص دورًا أكبر بكثير.

لقد شكلت مخصصات البحث والتطوير نحو 5% من الموازنة المالية الفدرالية لعام 1993 (الشكل العلوي في اليمين). وقد أُنفق جزء فقط مما كُرِّس للبحث الأساسي في المخابر الحكومية، أما الباقي فقد خصص لدعم البحث في الصناعة والجامعات والمؤسسات غير الربحية (الشكل السفلي في اليمين). إن مجمل النفقات على البحث في الجامعات قد ارتفع ولكن الحصة التي تمول من الحكومة قد انخفضت (الشكل في الوسط). إذًا، فالتمويل غير الحكومي الداعم للبحث والتطوير هو في ازدياد مضطرد (الشكل السفلي في اليمين).

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N8-9_H01_005252.jpg

 

أما المنهجية الأخرى، والتي يميل الليبراليون (التحرريون) إلى تفضيلها، فتقوم على تمويل الحكومة للبحث والتطوير من خلال برامج موجَّهة. وفي هذه الحالة، تنتقي الحكومة تقانات ومشاريع محددة؛ ثم تدعمها إما بإعانات للقطاع الخاص أو بتنفيذها في مختبرات البحث الحكومية. ولهذه المنهجية عوائقها أيضا، فمن جهة، إذا كان هدف البرنامج هو تشجيع النجاحات التجارية، فليس من المحتمل أن تنتقي الحكومة أفضل المشاريع. ومن جهة أخرى، إن مراقبة مشاريع البحث التابعة للقطاع العام، والتأكد من أن المتعاقدين من القطاع الخاص يبذلون أقصى جهودهم لإنجاح هذه المشاريع، أمر في غاية الصعوبة.

 

وتكمن جذور مشكلة المراقبة في صعوبة التأكد من تكاليف مشاريع البحث والتطوير ومن نتائجها. فمن طبيعة البحث والتطوير بالذات، أن تكون التكاليف والنتائج غير معروفة مسبقا بشكل كامل، وإلا فما كان للبحث أن يقوم أصلا. ومن ثم، تواجه الحكومة صعوبات في تحديد الأهداف والمنهجيات التقنية بشكل واقعي. يضاف إلى ذلك، أن مراحل العمل الأولى في مشروع ما تتفتق في معظم الحالات عن معلومات تؤدي بالحكومة إلى تغيير تفاصيل المشروع؛ لذلك فمن المعتاد أن تؤسس العقود على مبدأ التعويض عن التكاليف. ومن المعروف جيدا أن هذه العقود غالبا ما تؤدي، مع الأسف، إلى تجاوزات.

 

إن الإجراءات المضادة التقليدية التي تتخذها الحكومة حيال الشركات التي تستغل عدم الوضوح في التكلفة والأداء، تتطلب جهودا جبارة وتتجلى على شكل فرضِ حساباتِ تكلفةٍ صارمة ومتطلبات تفتيشية معقدة على متعاقدي البحث والتطوير، بهدف الكشف عمّا قد يحصل من تبذير أو تزوير أو سوء إدارة. ويطبق نظام المراقبة هذا على أكثر البرامج الجديدة، وهو أكثر تعقيدا وتكلفة وأقل مرونة من نظم المراقبة المستخدمة من قبل مؤسسات القطاع الخاص في بحوثها. ونتيجة لذلك، فإن البحث والتطوير المنفذ من قبل مؤسسة خاصة ضمن عقود فدرالية، هو بطبيعته أكثر تكلفة وأقل مردودا من البحث والتطوير المنفذ من قبلها ولكن باعتماد تام على مواردها المالية الخاصة. وفي الحقيقة، يؤدي تعقيد وثقل طرق المراقبة الحكومية إلى قيام الشركات الفدرالية المتعاقدة بفصل أعمالها الخاصة عن الأعمال الفدرالية لتتمكن من اتباع طرق أكثر مرونة وأقل تكلفة في إدارة عمليات البحث والتطوير الخاصة بها.

 

لقد تم التوصل سابقًا إلى إجماع سياسي من أجل البحث والتطوير الفدرالي وذلك باتباع كلتا المنهجيتين المذكورتين آنفا مع إمكانية استعمال إحداهما مكان الأخرى. لقد كان من المتوقع أن تدعم السوق التقانات التي يمكن للصناعة في القطاع الخاص أن تستأثر بحقوق ملكيتها الفكرية، في حين أنه كان من المتوقع بالنسبة للمعارف الجديدة النابعة من البحث والتطوير المدعوم من الدولة ألا تكون قابلة للامتلاك الخاص وأن تنشر بشكل واسع. فحتى في مجال تقانات الدفاع حيث قادت دواعي الأمن الوطني المسؤولين لإبقاء الكثير من نتائج البحوث سرية، قامت الحكومة مرارًا بدعوة متعاقدين لإنتاج تقانات يستطيع متعاقدون آخرون تطويرها أكثر فيما بعد. كما شجعت الحكومة أيضا الشركات العاملة في مجالات الدفاع الوطني لنشر معارفها التقانية الخاصة عن طريق عقود جزئية مع شركات أخرى. كما رحبت بالتبني التجاري لتقانات لا ترتبط ارتباطا وثيقا بمنتجات دفاعية سرية للغاية، مثل: الحواسيب والإلكترونيات المكروية والاتصالات.

 

إن التوجه الجديد نحو خصخصة بحوث القطاع العام لمساعدة الصناعة في المنافسة الدولية، يحافظ على كلتا المنهجيتين، ومن ثم فهو مقبول من المحافظين ومن الليبراليين، لكنه يرفض فكرة استخدام إحداهما مكان الأخرى. ويقول مروجو هذا الموضوع إن الخصخصة ضرورية للنجاح في المنافسة الدولية (أي في حصر فوائد برامج البحوث بالشركات المحلية)، وضرورية أيضا لحفز منظمات البحث العلمي على تداول المعارف التقنية الجديدة في المجالات التجارية. وهم يدعمون قضيتهم هذه بالتنويه بمنهجية البحث والتطوير المشابهة والمعتمدة من قبل اليابان (في مجال الحواسيب والإلكترونيات المكروية). وكذلك من قبل أوروبا (في مشروع الطائرة إيربَصْ Airbus). لقد أقامت تلك الحكومات في القطاع الخاص مشاريع بحث وتطوير تعاونية وذات ملكية خاصة، ومنحتها المعونات. وقد أدى ذلك إلى مكاسب مهمة لشركاتها الوطنية في تنافسها الدولي.

 

إن اكتساب القطاع الخاص لحق الملكية الفكرية لأعمال تمت نتيجة تمويل حكومي صار أكثر شيوعا منذ صدور قانون باي دول Bayh-Dole Act الذي سمح للشركات والجامعات معا بامتلاك براءات الاختراعات الناتجة من عقود وهبات مدعومة من الحكومة. ويقوم البرنامج ATP أيضا بخصخصة نتائج مشاريعه المُعانة فدراليا؛ فقانون إحداث هذا البرنامج يُلزم بأن تعود براءات الاختراع الناتجة من العمل في تلك المشاريع لشركات ربحية، وبالتالي ليس للجامعات.

 

ومن الآثار الاقتصادية لخصخصة المعارف أنها أكثر فاعلية في تشجيع تطوير المنتجات منها في إحداث تقدم علمي. فالشركات لا تستطيع عادة الاستفادة الاقتصادية من التقدم في المعارف الأساسية استفادتها من التقدم في تطوير منتج أو تقنية إنتاج. وتُرى عواقب هذه الملاحظة بشكلها الأكثر إثارة في الجامعات. تاريخيا، لقد أسهمت الحكومة في الولايات المتحدة في البحث الجامعي وشجعت فتح نتائجه ونشرها. وأعطت هذه السياسة ـ سواء بشكل مباشر أو عن طريق انتقال الطلبة للصناعة أو للجامعات الأخرى ـ فوائد جمة؛ إذ أظهرت دراسة حديثة رائدة قام بها <مانسفيلد>أن العائد الاقتصادي economic payoff للبحث الأساسي أعلى في الولايات المتحدة منه في الأمم الأخرى.

 

إن سياسة جعل القطاع الخاص يتمتع بتحكم أكبر في المشاريع وإدارتها، من شأنه تحويل الإنفاق نحو البحوث التي كانت في الماضي سائدة في الصناعة (أي البحوث التطبيقية وليس البحوث الأساسية). لقد تم تمويل معظم البحوث الأساسية حتى الآن من قبل الحكومة من خلال منح وفيرة لجامعات البحث وأيضا من خلال مركبة البحث الأساسي basic research component للعمل في المختبرات الفدرالية. فقد صرف على البحث الأساسي نحو 20 في المئة من ميزانية البحث والتطوير الفدرالية، مقارنة بأقل من 6 في المئة لدى الصناعة. لقد كان عام 1988 عام ذروة الدعم الفدرالي للبحث والتطوير؛ إذ بلغت حصة الحكومة46 في المئة من ميزانية البحث والتطوير الكلية في الولايات المتحدة، لكنها بلغت 62 في المئة من ميزانية البحث الأساسي.

 

أما القطاع الخاص الذي دفع نصف مصاريف البحث والتطوير عامة، فلم يدفع سوى 22 في المئة من مصاريف البحث الأساسي. وبما أنه غدا من الواجب أن تعتمد الجامعات على الصناعة أكثر من ذي قبل من أجل دعم بحوثها، فإن طبيعة أعمالها قد تغيرت تبعا لذلك. لقد انخفضت حصة مشاركة الجامعات في البحث الأساسي على مدار العقدين الأخيرين من 77% إلى 64%. وقد حدث الانخفاض الأكبر خلال السنوات القليلة الماضية.

 

ومن أجل تشجيع البحث والتطوير ذي التطبيقات الواسعة ولأسباب أخرى، تَعرض البرامج الحكومية الجديدة أن تُنفَّذ المشاريع من قبل اتحادات مالية (كونسورتيوم) أو من قبل مؤسسة تجارية تقوم بين شركات متضافرة، وربما بالمشاركة مع الجامعات ومؤسسات البحث الأخرى. لقد أعطى البرنامج ATP في بداياته الأفضلية لتشكيل كونسورتيومات تقوم ببحوث «سائبة(4)، لاتنافسية»، يمكن لاحقا للمؤسسات المشاركة تطبيقها لتطوير منتجات تنافسية. وهكذا، فإن هدف هذه السياسة كان تقديم العون لفعاليات البحث التي جرت العادة ألا يعترف القطاع الخاص بجدواها الاقتصادية. لقد حاولت الحكومة الفدرالية أيضا خلال العقد الأخير تشجيع البحوث المشتركة عن طريق عدم التشدد في بعض تشريعات مكافحة الاحتكار antitrust.

 

إن التعاون بين الشركات في البحث والتطوير يمكن أن يكون مفيدا. فعندما لا يمكن لشركة ما أن تستحوذ بمفردها على نتائج بحث إذا قامت بتمويله وحدها، فإن مشاركتها لجهات أخرى في هذا المضمار قد تجعل العملية رابحة. مثال ذلك البحوث التي من شأنها توسيع القاعدة التقانية لصناعة ما، وبالتالي تمكين كل شركة من تطوير منتجات وطرائق إنتاج خاصة بها. كما أن التعاون يسمح للشركات بالاستفادة من التعاضد فيما بينها لحل المشكلات المعقدة التي تجابهها عن طريق مساهمة كل شركة بما لديها في هذا الشأن.

 

ومع ذلك، يطرح البحث التعاوني معضلة. فعلى الرغم من أنه، نظريا، يشجع الاستثمار في البحث فإنه قد يولد رابطة احتكارية (كارتل). فالاستحواذ على حقوق الملكية الفكرية يستدعي القضاء على منافسة السوق، الأمر الذي يمكن رابطة احتكارية من السيطرة على الصناعة الوطنية ووضع العراقيل أمام استيراد المنتجات المحتكرة.

 

ويوضح تاريخ ما بعد الحرب اليابانية هذه المعضلة. فقد أنتجت اليابان عن طريق تسهيل وتشكيل هذه الروابط الاحتكارية المنتجة نظاما يعد الأول من نوعه في العالم من حيث الجزء المستثمر في البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي gross domestic product (GDP). وتمتلك اليابان أعلى معدل نمو مضطرد من أي اقتصاد صناعي متقدم آخر، وكذلك أقل بطالة ثابتة. إضافة إلى ذلك، فحصة الحكومة لتمويل البحث والتطوير هي أقل بكثير من نظيراتها لدى الكتل الاقتصادية الرائدة الأخرى في العالم، علما بأن الدفاع الوطني لا يلعب فعليا دورا حافزا للبحث والتطوير العام أو الخاص.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N8-9_H01_005253.jpg
أنتجت طائرة إيربص الأوروبية من قبل «كونسورتيوم شركات» بمعونة عدة حكومات أوروبية. وتمثل مثل هذه المشاركات إحدى المنهجيات الحكومية لتحقيق هدف دعم الصناعات الوطنية في المنافسة الدولية.

 

أما الوجه الآخر للأداء الياباني الجدير بالاعتبار فهو أن مستوى معيشة الفرد الياباني أقل بكثير منه في البلدان الأخرى مع التساوي التقريبي في الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وعلى الرغم من أن الموظفين في اليابان يعملون وسطيا عددا من الساعات في العام أكثر بشكل ملحوظ من العمال الأمريكيين، فإن القوة الشرائية الحقيقية لوسطي الراتب السنوي الصافي في اليابان تساوي 75% من نظيرتها في أمريكا، وهذه حقيقة جديرة بالاعتبار وبخاصة أن وسطي القيمة الحقيقية لأجور العمال الأمريكيين لم يرتفع خلال العشرين سنة الأخيرة.

 

ويضاف إلى ذلك أن معظم اليابانيين غير راضين عن نظامهم الاقتصادي. فالإضرابات السياسية الأخيرة في اليابان أشعلتها الفضائح بين أعضاء الحزب الحاكم، إلا أنها كانت تُختمر وتُدبر على مدار أكثر من عقد من الزمن. وتعود جذورها إلى عدم رضا المواطن الياباني العادي نتيجة إخفاقه في تحقيق مستوى حياة يقارب ذلك القائم في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. إذًا، فالدرس الأساسي المستقى من التجربة اليابانية هو أنه على الرغم من أن السياسات التي تعطي الاستثمار الخاص حوافز مالية كبيرة للغاية ستؤدي إلى نمو اقتصادي سريع، فإن الفوائد الاقتصادية لهذا النمو لن تتوزع على شريحة واسعة من الشعب.

 

إذًا فإن منعكسات التعاون على معدل الإبداع معقدة تماما. فهي تعتمد على تفاصيل العمل المنفذ وعلى دور الصناعة الوطنية المعنية في النظام الاقتصادي العالمي. ومن غير المحتمل أن يؤدي التعاون في البحث والتطوير بين المتنافسين الوطنيين إلى النتائج غير المرغوب فيها، وهي قيام تجمع احتكاري محلي، وذلك في واحدة من حالتين: الأولى، إذا كانت التجارة العالمية حرة وكانت دول عديدة تنتج بكفاءة، عندها سيكون المحتكر المحلي الوحيد في صناعة ما مجرد منافس إضافي في السوق العالمية. ومن المفروض في هذه الحالة أن يسمح التعاون للصناعة الوطنية بتحقيق الوفر في تكاليف البحث والتطوير نتيجة اقتصاد الكم أو النوع economic of scale or scope. والحالة الثانية التي يحتمل فيها أن يكون التعاون مفيدا، هي عندما يكون إطار التعاون محدودا بتوسيع القاعدة التقانية للصناعة المحلية: تستطيع كل شركة في تلك الصناعة الاستفادة من تلك التقانة لتطوير منتجاتها الخاصة بها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N8-9_H01_005254.jpg
يحوم ساتل الاتصالات فوق الأرض بعد برهة من انطلاقه من مكوك الفضاء إنديڤر. وتمثل مثل هذه المنتجات أكثر ما يحظى بالدعم الفدرالي للبحث والتنمية حتى نهاية الحرب الباردة: الأمن القومي.

 

ومع أنه يمكن البرهان على أن الكونسورتيوم يستطيع القيام بكفاءة ببحوث مكرسة لإغناء التقانة التحتية للصناعة بشكل عام، فإن الشركات العاملة في الصناعات التنافسية تفضل في أغلب الأحيان التركيز على التقانة القابلة للحماية بسهولة أكبر. فعلى سبيل المثال، كانت أكثر النجاحات التي هُلِّل لها في مشروع سيمَتِك، هو تطوير تجهيزات تصنيع أشباه الموصلات (أنصاف النواقل)، وذلك لأن أعضاء الكونسورتيوم كانوا قد استفادوا من استعمال هذه التجهيزات الجديدة.

 

إن الكثير من المشاريع التجارية الأفقية ضمن المشروع ATP تتبع مثل هذه الاستراتيجيات: فمصنعو شاشات العرض المتقدمة ضمن كونسورتيوم البحث الأمريكي قاموا بتطوير تجهيزات الاختبار والصيانة الآلية التي يحتاج إليها أعضاء الكونسورتيوم في عملية إنتاج عدة أنواع من شاشات العرض المسطحة. وكذلك فمشروع الاستجابة التصنيعية السريعية (وهو كونسورتيوم يقوده المركز الوطني لعلوم التصنيع) يضم مجموعة من المؤسسات المتخصصة في التصميم بمساعدة الحاسوب وأربع مؤسسات تصنيعية، من أجل تطوير البرامج الحاسوبية المساعدة في تصميم الأعمدة المِرْفَقية (محاور الكرنك)crankshafts وأعمدة توجيه السيارات وهوائيات الأمواج المكروية وأغطية محركات الطائرات.

تعتبر هذه الجهود «سائبة» (غير محمية) من وجهة نظر المؤسسات الأعضاء في الكونسورتيوم. وتعالج المشاريع مسائل تقانية معقدة وخلابة، فبإدخال مؤسسات تنتمي إلى صناعات مختلفة سيؤدي غالبا إلى تعاضد قيم ونشر أوسع للنتائج على نحو أفضل بكثير مما يتوقع من جهود تبذلها شركة واحدة فقط. ومع ذلك فكل هذه المشاريع تسعى عمليا إلى متابعة تقانات قابلة للحماية ببراءات اختراع ومحصورة الاستعمال، ولو جزئيا، بأعضاء الكونسورتيوم.

 

في الحقيقة، إن البحوث الموجهة لإغناء التقانات الأساسية والتي لا يمكن حمايتها ببراءات اختراع، لا تتفق مع أهداف البرامج الجديدة لتعزيز القدرة التنافسية. إذ يمكن للشركات الأجنبية المنافِسة الاستفادة من مثل هذه البحوث شأنها في ذلك شأن شركات الولايات المتحدة. وحتى لو استفادت شركات وطنية ليست عضوًا في الكونسورتيوم من التقانة القاعدية لتطوير منتجات منافسة، فإن ربحية أعمال البحث والتطوير تنخفض. وبالتالي، فمثل هذه الجهود أو النشاطات لن تسترعي حماسا كبيرا من المستثمرين اللهم إلا، كما كانت الحال في اليابان، عندما يترافق ذلك مع وجود رابطة إنتاج احتكارية محلية، وإقامة حواجز قوية أمام التبادل التجاري.

 

إذًا، فمركزية البحث والتطوير التطبيقي على نطاق الصناعة عامة تواجه المستهلكين المحليين بخيار<هوبسون>(الخيار بين أمرين أحلاهما مرٌّ): فإذا أدى المشروع التجاري إلى جعل الصناعة في الولايات المتحدة أكثر إنتاجية من منافسيها الأجانب، فستستحوذ الصناعة المحلية على معظم فوائد زيادة إنتاجيتها باحتكارها السوق المحلية. وبالمقابل، إذا فشل المشروع التجاري في جعل صناعة الولايات المتحدة منافسة ناجحة، فستخسر الصناعة المحلية حصتها من السوق لصالح الأجانب، مما يستدعي فرض إجراءات جمركية على الاستيراد، وهذا بدوره سيسمح بظهور محتكرين محليين ولكنهم في هذه الحالة سيكونون غير أكفاء. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة الأساسية لجعل البحث والتطوير مركزيا، هي نقل الثروة إلى أعضاء في رابطة احتكارية محلية، وليس تنمية الرفاه الاقتصادي لغالبية المواطنين.

 

ومادام تركيز بحوث التطبيقات الخاصة بصناعة محلية بكاملها أمرا خطيرا، فما هو البديل إذًا؟ أحد الإمكانات هو دعم مشاريع يقوم بتنفيذها جزء فقط من الصناعة المحلية المعنية. لقد تبنت البرامج ATP هذه المنهجية، بل تجاوزتها بدعمها عروضا منفصلة مقدمة من قبل مجموعات متنافسة من المؤسسات تسعى كل منها لتحقيق تقدم يخدم منتجا محددا. وبهذه الطريقة أيضا عرضت وزارة الدفاع برنامج شاشة العرض المسطحة. ويمكن لهذه الاستراتيجية أن تكون فعالة، بسبب مقدرتها على الإبقاء على التنافس مع تقديم المعونة للبحوث ذات الملكية الخاصة.

 

وفي التطبيق العملي، جابهت هذه البرامج عقبة: علاقة عكسية قائمة بين الأداء والقبول السياسي للبرنامج. فعندما يكتب لمشروع النجاح تعترض الشركات غير المشاركة فيه وتعتبره غير عادل وأن الحكومة تتدخل في نجاح الشركات في الصناعة وفشلها. فعلى سبيل المثال، دخلت شركة اكْرِ للبحوثCray Research ومختبران من وزارة الطاقة في اتفاقية بحث وتطوير تعاونيCRADA، بمبلغ 52 مليون دولار وبدعاية إعلامية كبيرة، من أجل تطوير تقانة حواسيب فائقة. وقد وضعت هذه الاتفاقية على الرف دون ضجيج بعد اعتراض شركات الحواسيب الضخمة الأخرى بأن هذه المعونة الحكومية هيأت لشركة اكْرِ للبحوث مكاسب تنافسية.

 

وفي أغلب الأحيان لا تكون هذه البرامج ناجحة، وهذا متوقع إلى حد ما، وذلك لكون مخرجات جهود البحث والتطوير غير قابلة للتنبؤ مسبقا بسبب طبيعتها. ولسوء الحظ نادرا ما يقود الإخفاق التقاني أو الاقتصادي لإنهاء مشروع كبير في الوقت المناسب. وهذا لأن على المسؤولين الحكوميين، خلافا لمسؤولي القطاع الخاص، الأخذ بعين الاعتبار حساسية نتائج إلغاء مشروع على حالة البطالة. والخلاصة هي أن الحكومة تواجه صعوبات سواء في إتمام المشاريع الناجحة أو في إيقاف الخسارة في المشاريع الفاشلة.

 

ويرى بعض واضعي الخطط أن مطالبة الصناعة في القطاع الخاص بالمشاركة في تكاليف البحث والتطوير ستساعد على إيقاف تمويل المشاريع الفاشلة. إلا أن هذه المنهجية قد تنجح في حالة المشاريع الصغيرة، أما في حالة المشاريع الكبيرة ـ التي تتطلب عمالة كبيرة وتشكل جزءا مهما من تجارة شركة ما ـ فقد تصبح تلك المنهجية مسألة سياسية مهمة للحكومات لا تستطيع معها التخلي عن المشروع بسهولة. والأكثر احتمالا في هذه الحالة أن يراجع الكونغرس البرنامج، بحيث تتحمل الحكومة عبئا ماليا أكبر. فقد تم التخلي عن مشاركة القطاع الخاص بالتكاليف، وليس عن المشاريع، عندما لم ترغب صناعات القطاع الخاص في تحمل حصتها من الأعباء المالية الزائدة في مشروع مفاعل نهر كلنش وطائرة النقل الأسرع من الصوت.

 

وما يمكننا استنتاجه هو أن الولايات المتحدة لم تجد بعد الوسائل الممكنة سياسيا والمغرية اقتصاديا من أجل تشجيع التقدم التقاني. وتشير البحوث الاقتصادية الجارية حول البحث والتطوير، وكذلك الخبرة المكتسبة عبر السنين في تنفيذ البرامج الحكومية، إلى أن أكثر الحلول فعالية قد يكون بتضافر عدة سياسات معا، فيمكن للحكومة أن تؤدي دورا موجها في تمويل البحوث الأساسية والبحوث الهادفة لتوسيع القاعدة التقانية، وتجعل نتائج هذه البحوث في متناول الجميع وليس ملكية فكرية خاصة. أما بحوث التطبيقات فيمكن للحكومة تشجيع التطوير فيها مع تجنب المزالق السياسية فقط إذا اتبعت سياسة عدم التدخل المباشر (وذلك بمعاملة الاستثمار في البحث معاملة متميزة من حيث الضرائب)، أو إذا ركزت جهودها على خطط صغيرة محددة لصناعات منتقاة بدقة، لكن لن يكون لهذه السياسة الأخيرة أي أثر واسع في الأداء الاقتصادي.

 

إن هذه المنهجية، لسوء الحظ، تستلزم مسؤولية سياسية مهمة. فقد يكون المستهلك هو المستفيد الأول ـ ولكن معظم الدعم السياسي للبحث والتطوير يأتي من الصناعة وليس من المستهلك. وبما أن الجهات التي تقوم بالبحوث المركزة على القاعدة التقانية لا تستطيع الاحتفاظ بالنتائج لأنفسها، فشركات الولايات المتحدة قد لا تكون المستفيد الوحيد. ولكن استراتيجية «المنافسة» تعني في المعجم السياسي الحالي استراتيجية ذات سياسات تركز على الحصول على منتجات تجارية في المدى المنظور مع استبعاد الشركات الأجنبية من الاستفادة. إن هذا التفسير يتعارض أساسا مع المفهوم الأوسع والخاص بتعزيز الإبداع.

 

إن اتساع وقوة برامج البحث والتطوير الفدرالية التي تمتعت بها الأمة الأمريكية في الماضي قد أسهمت على نحو كبير في نمو اقتصادها. وإن الحفاظ على ذلك الدعم يتوقف على إقامة إجماع قوي ومستقر حوله. فالمنافسة الدولية لن تستطيع أن تحل محل الأمن الوطني كأساس لهذا الإجماع.

 

المؤلفان

Linda R.Cohen – Roger G.Noll

يدرس كلاهما مسائل تقع على الحدود بين علوم الاقتصاد والقانون والسياسة. وكوهن تشغل حاليا منصب أستاذة زائرة في القانون والاقتصاد في جامعة جنوب كاليفورنيا ومعهد كاليفورنيا للتقانة. وهي في إجازة بحثية من جامعة كاليفورنيا ـ إرڤين حيث تشغل منصب أستاذ مساعد في الاقتصاد. تحمل كوهن البكالوريوس في الرياضيات من جامعة كاليفورنيا ـ بركلي، والدكتوراه في علم الاجتماع من كالتك. أما نولّ فهو أستاذ مادة السياسة العامة في قسم الاقتصاد في جامعة ستانفورد وكان قد تلقى شهادة في الرياضيات من كالتك وحصل على الدكتوراه من جامعة هارڤارد.

 

مراجع للاستزادة 

THE TECHNOLOGY PORK BARREL. Linda R. Cohen and Roger G. Noll. Brookings Institution, 1991.

BEYOND SPINOFF: MILITARY AND COMMERCIAL TECHNOLOGIES IN A CHANGING WORLD. John A. Alic, Lewis M. Branscomb, Harvey Brooks, Ashton B. Carter and Gerald L. Epstein. Harvard Business School Press, 1992.

THE GOVERNMENT ROLE IN CIVILIAN TECHNOLOGY: BUILDING A NEW ALLIANCE. Committee on Science, Engineering, and Public Policy. National Academy Press, 1992.

THE RISE AND FALL OF AMERICAN TECHNOLOGICAL LEADERSHIP: THE POSTWAR ERA IN HISTORICAL PERSPECTIVE. Richard R. Nelson and Gavin Wright in Journal of Economic Literature, Vol. 30, No. 4, pages 1931-1964; December 6, 1992.

EMPOWERING TECHNOLOGY: IMPLEMENTING A U.S. STRATEGY. Lewis M. Bransi comb et al. MIT Press, 1993.

 Scientific American, September, 1994

(1) privatation ويقال تخصيص [انظر: “مجلة الفيصل” العدد 224 (1995)، ص 4 وص 55].                       (التحرير)

 (2) اختصارًا لـ semiconductor manufacturing technology: تقانة تصنيع أشباه الموصلات (النواقل).    (التحرير)        

(3) لمزيد من المعلومات حول البحث والتطوير Research and Development (R & D)i وبخاصة في المنطقة العربية، انظر [عدنان بدران. «البحث والتطوير في المنطقة العربية: عناصره الرئيسية وطرائق تمويله»، المجلة العربية للعلوم، العدد 21، 6 (1993)].     (التحرير)

(4) generic غير مصونة عن طريق التسجيل في دائرة العلامات التجارية.                                   (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى