أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الأمراض الخَمَجِيّة(1) والجهاز المناعي


الأمراض الخَمَجِيّة(1) والجهاز المناعي

تختبئ البكتيريا (الجراثيم) والڤيروسات والعوامل الممرضة الأخرى في مواقع مختلفة

 من الجسم بعد خمجها له . وكل مكوِّن من مكونات الجهاز المناعي بارع

 في مداهمة الغزاة من موقع واحد.

<E.W.پول>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004315.jpg

مازالت الملاريا (البرداء) والأمراض الخمجية الأخرى مصدر كوارث كبيرة، لا سيما في البلدان النامية. وتبدو في الصورة امرأة على الحدود بين تايلاند وكمبوديا تعتني بفتاة تعاني الملاريا المخية. حينما تستعمر البكتيريا (الجراثيم) والطفيليات والڤيروسات بيئات مختلفة ضمن الجسم، فإنها تعتمد على حيل متنوعة كي تفلت من الجهاز المناعي. ولكن الجهاز المناعي يسخّر بدوره إجراءات مضادة.

 

مازالت الأمراض الخمجية السببَ الأساسي في وفيات البشر في العالم كله. وما فتئت الملاريا (البرداء) والسل (التدرُّن) والإسهال الخمجي وأمراض عديدة أخرى تفرض ضريبة باهظة يدفعها الإنسان معاناة ووفاة، لا سيما في بلدان العالم النامي. وقد افتُرض، لفترة من الزمن، وعلى نطاق واسع، أن السيطرة على الأمراض الخمجية قد تمت في الأقطار الصناعية على أقل تقدير. ولكن ظهور الإيدز، والانتعاش الحديث للسل، بما في ذلك ظهور ذرارٍ مقاومة لعقاقير عديدة، تؤكد جميعها أن الوحش لم يَمُتْ بل مستسلم للنوم فحسب.

 

وعلى الرغم من تلك الحقائق المروعة، فإن قدرة الجهاز المناعي على التعامل مع الخمج هي قدرة لافتة للنظر، لا سيما حينما تدعمها تقانة اللقاحات الحديثة. لقد أمكن استئصال الجدري استئصالا كاملا بفضل الجهود العالمية المنظمة التي بُذلت في مجال التلقيح: آخر حالة جدري سببها خمجٌ طبيعي ظهرت في الصومال عام 1977. والأمل كبير في الوصول إلى نجاح مماثل في مكافحة شلل الأطفال (التهاب سنجابية النخاع)، وقد حددت منظمةُ الصحة العالمية هدفها الرامي إلى استئصال هذا الداء بحلول عام 2000، وربما يمكن القول إن هذا المرض قد قُضي عليه قضاء مبرما في نصف الكرة الغربي. وتؤكد هذه الانتصارات ضرورةَ استعمال اللقاحات التي نملكها الآن كي تحقق فاعليتها القصوى، وضرورةَ تطوير لقاحات مضادة للأمراض التي مازالت تؤلف مشكلات صحية عامة ضخمة.

 

وقد يكمن مفتاح النجاح المنشود في إدراك أعمق للكيفية التي يستجيب بها الجهاز المناعي للعوامل الخمجية. إن وسائل الدفاع المناعية الشديدة التعقيد، وهي التي تُرى في البشر وغيرهم من الكائنات الحية العليا، قد أخذت شكلها على مدى التطور الذي حدث في أثناء الصراع الدائم بين الأحياء المجهرية شديدة الطفور(2) mutability وبين عوائلها (أثويائها) hosts. إن هذا الصراع التطوري يلخص نفسه في كل فرد منا: إن السلاح المناعي للإنسان يواجه تحديات لا حصر لها على امتداد حياته، ويهزم أعداء لا يمكن عدُّها. والخمج المميت هو الذي يمثل في معظم الأحيان الخسارة التامة الوحيدة في حملة مظفرة بوجه عام.

 

وتتشكل استجابة الفرد المناعية بحسب التحديات التي يواجهها هذا الفرد؛ إذ إن آليات الاستجابة هي كمضاداتها، متعددة ونوعية. فاللمفاويات قادرة على كشف الكائنات الحية الغازية لأنها مزوَّدة بجزيئات مستقبلية موجودة على سطحها، وبوسع جينات (مورثات) هذه المستقبلات أن تتخالط وتتنوع كي تنتج بِنى توافق عمليا أي مادة غريبة. وعلاوة على ذلك، إن الخلايا المتنوعة التي تؤلف الجهاز المناعي ذات وظائف متخصصة، وهذه التخصصات تهب الفقاريات القدرة على تعرف الأحياء المجهرية التي توطد أركانها في بيئات صِغْرِيَّة (مكروية) مختلفة ضمن الجسم فتقضي عليها (أو تسيطر عليها على أقل تقدير). إن تعقّد الاستجابة المناعية ـ وهو السمة ذاتها التي تُكسبها مرونة ونفوذا غير اعتياديّيْن ـ يطرح تحديات كبيرة أمام أولئك الذين يودون حل ألغاز هذه الاستجابة.

 

وانطلاقا من هذه الفكرة، فإنه من المجدي وصف الفهم الحالي للاستجابة المناعية بالنسبة إلى علاقتها بالأنماط الخمجية المختلفة. ويمكن القول بوجه عام: إن كل مكوِّن من مكونات الجهاز المناعي يبدو موجها ضد العوامل التي تخمج موضعا محددا في جسم الإنسان. وعلى سبيل المثال، إن البروتينات المناعية التي يطلَق عليها اسم الأضداد فعالة على نحو خاص في تخريب البكتيريا (الجراثيم) التي تعيش خارج الخلايا البشرية ـ ولْنقلْ في الدم أو في السائل المحيط بالخلايا الرئوية. أما كريات الدم البيض المعروفة باللمفاويات التائية CD4 فهي ذات أهمية أساسية في هزم البكتيريا والطفيليات التي تعيش داخل الخلايا، وعلى الخصوص تلك الموجودة في العُضَيّات organelles التي تؤلف طريق عبورها إلى الخلايا. وهناك صنف آخر من كريات الدم البيض هو اللمفاويات التائية CD8 يقضي على العوامل المُمْرِضَة كالڤيروسات المرتبطة  ارتباطا وثيقا جدا بالماكِنة الخلوية للعائل.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004316.jpg

المكورات الرئوية بكتيريا تسبب أخماجا يكمن فيها الموت عن طريق استعمارها أسناخ الرئتين. ولا تستطيع البلعميات، من غير معونة الأضداد وبروتينات المتمّمة، أن تخرب المكورات الرئوية لأن جزيئات السكر المعقدة في المحافظ المحيطة بالبكتيريا تمنع البلعميات من الالتصاق بها.

 

وبالطبع، إن هذه النظرة إلى الجهاز المناعي نظرة مفرطة في التبسيط، إذ إن أشد الاستجابات المناعية وقاية تقتضي أن تعمل مكونات الجهاز المناعي جميعها على نحو منسجم. ومن الناحية العملية، إن كل جزء من هذا الجهاز المناعي قد يدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في صد أي نمط من الأخماج تقريبا. وعلى سبيل المثال، يغلب أن يطلَق على الخلايا التائية CD4، وبقليل من الدقة، اسم الخلايا التائية المساعدة (المؤازرة) helper T cells لأنها من الوجهة  العملية تفرز مواد تضخم مظاهر المناعة وتضبطها جميعا. ومهما يكن الأمر، فهذا المخطط المبسط يقدم حقا نظرة عميقة إلى الاستجابات الرئيسية في معركة الجهاز المناعي ضد العوامل الممرضة.

 

كيف يهاجم الجهاز المناعي المكورات الرئوية

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004317.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004318.jpg

 

إن نظرة إلى الخمج الذي يسبب ذات الرئة بالمكورات الرئوية pneumococcal pneumonia تُبرِز الأهمية الوقائية التي تتمتع بها الأضداد. فحينما تدخل إلى الرئتين بكتيرة العقديات الرئوية Streptococcus pneumoniae (تدعى أيضا المكوَّرات الرئوية)، تستولي على فراغات الأسناخ التي هي الأكياس المجهرية، حيث يتم نقل الأكسجين إلى الدم وإزالة ثُنائي أكسيد الكربون منه. وتتكاثر في هذه الأسناخ المكورات الرئوية مسببة ضررا والتهابا في النسيج يمكنهما أن يعوقا التنفس. فإذا استمر الخمج البكتيري ولم يوقَفْ، تحدث مضاعفات تؤدي إلى موت 36 المريض في نسبة عالية من الحالات.

 

وما دامت المكورات الرئوية تعيش خارج الخلايا وعلى مقربة من مجرى الدم، فقد تبدو أنها فريسة سهلة للبلعميات(3) macrophages، والعَدلات neutrophils، والخلايا الملتهمة phagocytic cells  الأخرى التي يمتلكها الجهاز المناعي والتي تخلص الجسم من البكتيريا ومن بقاياها. ولكن الحقيقة هي أن بكتيريا المكورات الرئوية تفلت من الكشف لأنها محاطة بمحافظ مركبة من جزيئات سكر معقد، أي عديدات السكريد. ولا تستطيع الخلايا الملتهمة أن ترتبط بعديدات السكريد هذه، ونتيجة لذلك فهي تعجز عن ابتلاع العقديات الرئوية.

 

ومع ذلك تشكل عديدات السكريد المحفظية هدفا شديد الجاذبية أمام كريات الدم البيض التي تنتج الأضداد وتدعى اللمفاويات البائيّة B lymphocytes. إن سطح الخلايا البائية يعج بمستقبلات من أجل بعض محدّدات معينة لمواد غريبة، أي المستضدات. وإن لكل خلية بائية مستقبلات لنوع واحد فقط من المحددات المستضدية. ولكن بما أن الجسم ينتج بلايين الخلايا البائية التي يمتلك معظمها مستقبلات تتفاوت في بنيتها ونوعيتها، لذا فالفرص جيدة في أن تحمل بعض الخلايا البائية مستقبلات قادرة على الارتباط بالمستضدات التي تقدمها بكتيرة مجتاحة (غازية).

 

إذًا، فمن الثابت أن لبعض الخلايا البائية مستقبلات للمحددات المستضدية التي تمتلكها المحفظة العديدة السكريد للعقديات الرئوية. وبما أن البنى الجزيئية لعديدات السكريد متكررة، لذا فإن المستضدات المحفظية متكررة الظهور أيضا. وينجم عن ذلك أن العديد من المستقبلات الموجودة على سطح خلية بائية واحدة تمسك بالمحفظة في الوقت ذاته، مما يجعل هذه المستقبلات يقترب بعضها من بعض على سطح الخلية. إن تكدُّس aggregation  المستقبلات  هذا أساسي لتفعيل (تنشيط) الخلايا البائية استجابةً لمستضداتِ عديدةِ السكريد، الأمر الذي يُفْضي إلى استثارة استجابة الخلية البائية على نحو شديد.

 

وما إن تتفعّل خلية بائية بهذه الطريقة حتى تقع حوادث كيميائية حيوية سريعة ضمنها. فالإنزيمات (الإنظيمات) التي تسمّى كينازات التيروزين تحفز حدوث تغيرات في جزيئات إشارية signal molecules داخل الخلية، كبعض البروتينات المترافقة مع المستقبلات. وفي نهاية الأمر، إن هذا الشلال من التفاعلات يحض الخلايا البائية على الانقسام وعلى إفراز أضداد مضادة لعديدات سكريد المحافظ. (تبدو بعض الإشارات الكيميائية، أي السيتوكينات، التي تقدمها الخلايا التائية المساعدة أساسية أيضا من أجل تعبئة دفاع الخلية البائية تعبئة كاملة).

 

إن الأضداد التي تطلقها خلية بائية مفعَّلة ترتبط بالمحفظة التي تحيط بالمكوَّرات الرئوية وتحسّن من قدرة الخلايا الملتهمة على ابتلاع هذه البكتيريا. وتعتمد الوسائل الدقيقة التي يتم بوساطتها التوصل إلى هذه النتيجة على الخصائص البنيوية والكيميائية لجزيئات الضد. فالأضداد التي تنتمي إلى بروتينات صف الگلوبُلين المناعيG IgGتمتلك منطقة معينة تدعى Fc ـ غامّا. وللبلعميات والخلايا الملتهمة الأخرى جزيئات مستقبلة ترتبط نوعيا بمنطقةFc-غاما المذكورة. وحينما يحدث الارتباط تعطي هذه الجزيئات إشارة للبلعمية كي تبتلع الجُسيم العالق بها. وهكذا فإن هذه الأضداد تقدم للخلايا الملتهمة «مقابض» تحتاج إليها كي تهاجم المكورات الرئوية وتنهي حالة الخمج.

 

وبوسع الأضداد المرتبطة بعديد السكريد أيضا أن تجعل المكورات الرئوية أكثر تعرضا للهجوم عن طريق قيام هذه الأضداد بتفعيل شلال من إنزيمات تجول في مجرى الدم، وتسمى جملة المتممة complement system. ويمكن لشدف من أحد هذه الإنزيمات، ويسمى C3، أن ترتبط بشكل راسخ بسطح البكتيرة، وعندئذ تستطيع المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا الملتهمة أن تتعرف شدف C3 (على نحو يشبه كثيرا ارتباط مستقبلاتFc-غاما بالأضداد IgG) وتزيد من فعلها ضد المكورات الرئوية. وبما أن ارتباط ولو ضد واحد فقط بمحفظة المكورة الرئوية قادر على إطلاق تفاعلات المتممة، فإن الأضداد تقوم بعملها وكأنها إشارة قوية مضخمة من أجل تحريض الالتهام (البلعمة). وفضلا عن ذلك، فقد بيّن الباحثون مؤخرا أن وجود شدف المتممة على مستضد ما يزيد أيضا وبشكل ملحوظ من الفعالية التي تتنبه بها الخلايا البائية بذاك المستضد؛ الأمر الذي يعني أن جملة المتممة تزيد هي أيضا من إنتاج الأضداد. وبسبب التلقيم الراجع (التغذية المرتدة) feedback الإيجابي المتأصل في هذا التنظيم، فإن خط  الدفاع الذي تقدمه الأضداد سريع وفعّال على نحو شديد وغير اعتيادي.

 

إن استجابة الأضداد هي، من عدة أوجه، أبسط استجابة في برنامج (ذخيرة) الجهاز المناعي. إنه سباق صريح بين إنتاج الضد وتنسّخ المُمْرِض، سباق «يفوز فيه الأسرع ويموت الأبطأ». إن هذه الاستجابة ملائمة تماما لمجابهة ذات الرئة الناجمة عن المكورات الرئوية أو عن الأخماج الأخرى التي تسببها البكتيريا خارج الخلايا، لأن الخلايا البائية والأضداد مختصة بإيقاف الغزاة الأشداء. وكذلك، فإن مقاومة الخمج التي تتكون في الأفراد الملقّحين أو الذين سبق لهم التعرض لعامل خمجي تعتمد أيضا، وفي المقام الأول، على استجابة الأضداد.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004319.jpg

تتكاثر الليشمانية وكثير غيرها من الطفيليات داخل عُضَيّات الخلايا، حيث تكون بعيدة عن متناول الأضداد. وتبتلع البلعميات الكائنات الحية الليشمانية وتحبسها في حويصلات تدعى الجسيمات الداخلية endosomes. ويتخرب العديد من الكائنات الحية الواقعة في شرك الجسيمات الداخلية فيما بعد بوساطة إنزيمات الجسيمات الحالة lysosomes. ومع ذلك، تبقى طفيليات الليشمانية على قيد الحياة وتتكاثر في الجسيمات الداخلية.

 

ومع هذا، هناك العديد من البكتيريا التي تولد أخماجا داخل الخلايا، حيث لا تستطيع الأضداد والمتممة أن تصل إليها. وقد تتاح للأضداد فرصة التحكم في مثل هذا الغازي حينما يكون في طريق الوصول إلى هدفه داخل الخلايا. ولكن تلك الاستجابة قد لا تكون شديدة السرعة أو قوية إلى الدرجة التي تستطيع فيها منع العامل الممرض من تحقيق مبتغاه المتمثل في دخوله الخلايا ـ ولا سيما إن لم يسبق للعائل أن تعرض من قبل إطلاقا لهذا العامل الممرض. وتستدعي هذه الحالة استراتيجيات وقاية مختلفة تكون من ذاك النوع الذي يمكنه أن يتعرف هجوما خفيا.

 

كيف يحارب الجهاز المناعي الطفيليات الليشمانية Lieshmania

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004320.jpg

 

ويمكن النظر لمثل هذه الأخماج داخل الخلايا على أنها تأخذ أحد شكلين؛ في أحدهما توجد الأحياء المجهرية الخامجة ضمن العُضَيّات المرتبطة بالغشاء (الجسيمات الداخلية endosomes والجسيمات الحالّة lysosomes) وقد دخلت من خلالها إلى الخلايا، وهذا السلوك نمطي في البكتيريا التي تسبب السل والجذام. أما في الشكل الآخر للخمج فيستطيع الكائن الحي المجهري أن يصل إلى القسم السائل من الخلية (العصارة الخلوية cytosol) وإلى نواة الخلية، والڤيروسات هي الأكثر شيوعا من بين هذه العوامل الممرضة داخل الخلايا. وتقدم الخلايا التائية خط الدفاع الرئيسي ضد هذين النمطين من الأخماج، مع أن الوسائل التي يمكن للخلايا التائية أن تستخدمها لمكافحتهما أو استئصالهما مختلفة تمام الاختلاف.

 

وربما كان أبسط إيضاح وأجلاه عن كيفية محاربة الخلايا التائية الأخماجَ داخل الخلايا مستمدًا من دراسات شملت اللّيشْمانْيَة التي هي من الأوالي الطفيلية parasitic protozoa.  وقد تبدو أهم الأمراض التي تسببها الليشمانية ـ وهي داء الليشمانيات الجلدي وداء الليشمانيات الحشوي ـ أقل شهرة للقارئ الغربي من السل؛ بيد أنهما اعتلالان شائعان في كثير من بلدان العالم النامي. ويعاني المصابون بداء الليشمانيات الحشوي، أو ما يسمى غالبا كالا-آزار kala-azar، ضخامة في الطحال والكبد وانخفاضا في عدد كريات الدم البيض، كما يفقدون شهيتهم للطعام ويصابون بالهزال، فإن تُرِكوا من دون معالجة أمكن للداء أن يكون مميتا. أما داء الليشمانيات الجلدي فيتصف بآفات جلدية قرحية تشفى بصفة عامة؛ غير أن ذلك قد يستغرق سنة أو أكثر. وقد تنتشر الآفات في بعض الحالات فتصل إلى الأغشية المخاطية للأنف والحلق وتؤدي إلى نتائج (عواقب) consequences تشوه المريض.

 

إن الهدف الأولي لطفيليّ الليشمانْيَة هو البلعميات. ففي أثناء قيام البلعميات بعملية التنظيف التفتيشية (الروتينية) في مجرى الدم، تطوق هذه البلعميات طفيليات الليشمانية وترزمها في فجوات خاصة. وتندمج تلك الفجوات بغيرها من الفجوات التي تحوي إنزيمات حالة للبروتين (شطر البروتين) يمكنها قتل معظم الأحياء المجهرية وهضمها. ولكن الليشمانيات تتمايز متخذة شكلا جديدا لا تتحمل فيه هذا الاعتداء الكيميائي فحسب، بل تستطيع أن تنمو في أثنائه. وتتكاثر طفيليات الليشمانية داخل الفجوة إلى درجة يصبح فيها العائل البلعمي المخموج عاجزا عن تحملها كلها فيموت.

 

ومن حسن الطالع أن للجسم نَهْجَهُ في إزالة الطفيليات المحتجزة داخل الخلايا بالطريقة الموصوفة. فالكائنات الحية الفقارية تمتلك مجموعات من الجزيئات ترتبط بالپپتيدات التي يتم إنتاجها داخل الخلية وتنقلها إلى السطح، حيث يمكن للجهاز المناعي أن يتعرفها. إن جزيئات معقد التوافق النسيجي الكبير major histocompatibility complex  MHC  هذه ذات ثلم في بنيتها قادر على الارتباط بعدد من المستضدات الپپتيدية أو بشدف البروتين. وهناك صفان (صنفان) من معقد التوافق النسيجي الكبير. ففي الحالة التي تقوم فيها الليشمانيات بإخماج البلعميات، فإن الصف الثاني من جزيئات المعقد MHC هو  الذي يلتقط الپپتيدات من الأحياء المجهرية.

 

يؤتى بجزيئات الصف الثاني من المعقد MHC إلى داخل الفجوات التي تحوي الطفيليات الليشمانية وغيرها من المستضدات خارج الخلايا التي ابتلعتها البلعميات. وتغدو جزيئات المعقّد MHC محمّلة بالپپتيدات التي تطلقها الطفيليات أو التي تنشطر عنها بالإنزيمات حالة البروتين. ولن تكون الپپتيدات الموجودة قادرة كلها على الارتباط بجزيئات الصف الثاني من المعقدMHC، بيد أن هناك على الأقل عددا سيتمكن من الارتباط في حالة وجود مستضد معقد بدرجة تعقد الليشمانية. وعندئذ تنتقل معقدات جزيئات المعقدMHC والپپتيدات نحو الغشاء الخارجي للبلعميات.

 

وما إن تنتشر المعقدات على سطح الخلية حتى تقوم بتنبيه الخلايا التائيةCD4 المارة إلى وجود الخمج داخل الخلية. ولهذه الخلايا التائية جزيئات مستقبلة تستطيع بها أن تتعرف تركيبة combination خاصة من الپپتيد ـ المعقدMHC من الصف الثاني. إن مستقبلات الخلية التائية الواحدة متماثلة كلها، كتماثل المستقبلات الموجودة على الخلايا البائية. ولكن التنوع الكبير للمستقبلات الذي تتصف به الخلايا التائية يضمن عمليا تحقق تلاؤم مع أي تركيبة من الپپتيد والمعقد MHC. وهكذا تستطيع الخلايا التائية أن تتعرف المستضدات الممرضة المختبئة داخل الخلايا بمساعدة جزيئات المعقد MHC.

 

وتتطور حادثة التعرف هذه نحو استجابة مناعية إذا أظهرت البلعمية أيضا إشارة إضافية للخلية التائية. إن أحد جزيئات السطح القادر على التزويد بهذه «الوظيفة الإضافية» هو B7، الذي تعبر عنه البلعميات والخلايا المشابهة حينما تصاب بخمج. ويجري تعرف B7 من جانب بروتين منفصل هو CD28 ويوجد على سطح الخلية التائية. والتآثرات (التفاعلات) بين كل من مستقبل الخلية التائية ومعقد الصف الثاني مع الپپتيد من جهة، وبين B7 و CD28 من جهة أخرى، أمور ضرورية لكي تعبئ الخلايا التائية CD4  الاستجابة المثلى.

 

في الحقيقة، ففي غياب الإشارة B7 المساعدة، قد تصبح الخلية التائية CD4 معطلة (بطالة) نتيجة تعرضها لِلْپپتيد المستضديّ. وقد تصبح الخلية في مرحلة لاحقة عاجزة عن الاستجابة للمستضد. ويبدو أن تحريض التعبير عن B7 على البلعميات التي تعرض مستضدات غريبة مهم جدا لاستثارة استجابات مناعية واقية من جانب الخلايا التائية CD4 ضد العوامل الممرضة الموجودة داخل  الخلايا.

 

حينما تستقبل الخلية التائية CD4 الإشارة المزدوجة فإنها تطلق السيتوكينات التي تزيد من قدرة البلعميات على تحطيم العدو الموجود في داخلها. ويقوم أكثر هذه السيتوكينات أهمية، وهو الإنترفِرون-غاما، بحض الخلية البلعمية على إنتاج سيتوكينات أخرى كعامل النخر الورمي tumor necrosis factor، وعلى إنتاج مواد كيميائية كأكسيد النتريك والأشكال السُّمِّيَّة من الأكسجين، وهي التي تؤدي جميعا إلى تدمير الميكروبات (الأحياء المجهرية).

 

ومهما يكن الأمر، فقد أظهرت الدراسات إمكان التفاوت في نمط الاستجابة التي تبديها الخلايا التائية CD4؛ مما يغير بعدئذ (وبشكل ملحوظ) من كفاية التفاعل الواقي. إن الكثير من الدراسات المفصلة حول أخماج الليشمانية قد تم إجراؤها على الفئران، وهي الحيوانات القابلة (المستعدة) للإصابة بطفيلي الليشمانية الكبيرة L. major. والأخماج التَجْرُبِيّة experimental  بالليشمانية الكبيرة في معظم ذراري الفئران هي أخماج عابرة لأن الجهاز المناعي لهذا الحيوان قادر على القضاء عليها. وحينما تتفعل الخلايا التائية CD4 للفئران بالمستضدات الليشمانية فإنها تنتج الإنترفرون-غاما. ولكن هناك أيضا بعض الفئران المُسْتَوْلَدَة، كتلك التي تنتمي إلى الذرية BALB/c لا تستطيع إيقاف أخماج الليشمانية، وعوضا عن ذلك فهي تصاب بآفات مترقية وتَنْفَق في نهاية المطاف. ويبدو أن سبب إخفاق مقاومتها هو أنه حينما تتنبه هذه الفئران فإن خلاياها التائية CD4 تفرز بشكل أساسي السيتوكينات التي تدعى الإنترلوكين-4 والإنترلوكين-100، ولا تفرز الإنترفرون-غاما. وتركيبة هذين الإنترلوكينيْن مُحْصِر blocker قوي جدا للفاعلية التي يحرضها الإنترفرون-غاما  والتي تبيد الميكروبات.

                                              كيف يحارب الجهاز المناعي الأخماج الڤيروسية

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004321.jpg

 

ومن الواضح أن السيتوكين الذي «تختار» الخلايا التائية صنعه استجابة للخمج داخل الخلايا، ذو دور حاسم في سير المرض. وقد أظهرت البحوث اللاحقة تفصيلات أوفى حول كيفية اتخاذ الخلايا التائية CD4 ذاك القرار. وبوجه عام، حينما تتعرض الخلايا التائية في المستنبت إلى پپتيدات مستضدية منتشرة على البلعميات أو على خلايا أخرى مقدِّمة لمستضد، فإنها تتنبه كي تصبح خلايا يمكنها أن تفرز كميات كبيرة من الإنترفرون-غاما والإنترلوكين-2ـ وهو سيتوكين يحض على تكاثر الخلايا التائية ـ ولكنه لا يحث إلا على إفراز القليل من الإنترلوكين-4، أو لا يحث  عليه إطلاقا. وعلاوة على ذلك، إذا كان الإنترلوكين-4 موجودا في وسط النمو growth medium حينما تتعرف الخلايا التائية للمرة الأولى المستضدات المعروضة، فإن هذه الخلايا التائية تنتج مقدارا أكبر من السيتوكين عوضا عن إنتاجها الإنترفرون-غاما. ويبدو أن اختيار الخلايا بين صنع الإنترلوكين-4 أو الإنترفرون-غاما يتضمن التزاما من جانب الخلية اللمفية. فإذا استجابت خلية تائية مستنبتة لمستضد بإنتاجها واحدا من هذه السيتوكينات، فإنها هي وذراريها لن تُنْتج سيتوكيناآخر.

 

إن بوسع تلك الملاحظات أن تفسر جزئيا سبب اختلاف نتائج بعض الأمراض الخمجية بين شخص وآخر. فأخماج الليشمانية تتخذ لها في البشر مسارات متفاوتة. ومعظم الناس قادرون على مقاومة طفيلي هذا الداء من غير أن يقعوا فريسة له، ولا يتطور حتى يصل إلى داء الليشمانيات إلاّ عند قلة منهم فقط. وتوحي الأدلة التي يتم جمعها حاليًا بأن الفروق بين أنماط السيتوكينات التي تنتجها الخلايا التائية عند مريض ما قد تسهم في ازدياد وخامة الخمج.

 

ويبدو حدوث اختلاف مماثل أيضا في حالات الجُذام. ففي الجذام السلّي، وهو الشكل الأخف من بين شكلي هذا الداء الكبيرين، لا تحوي الآفات الجلدية إلا عددا ضئيلا من العصيات، إن صادف أن حوتْها. وتقوم الخلايا التائية للمصابين بالجذام السلّي بإنتاج الإنترفرون-غاما بوفرة. وعلى نقيض ذلك، تظهر عند المصابين بالشكل الورمي (الحاد) من هذا الداء آفات تشمل أعدادا ضخمة من العصيات داخل الخلايا، كما يسيطر إنتاج الإنترلوكين-4 على استجاباتهم المناعية.

 

ولم تُستكمل حتى الآن الاستقصاءات المفصَّلة حول مثل هذه الاستجابات لدى مرضى السل. ومع ذلك، فمن المعروف جيدا أن باستطاعة غالبية الأفراد درء الأخماج عن أنفسهم بوساطة استجابتهم المناعية ذات الفعالية الشديدة التي تحصر العُصَيّات السلية ضمن آفات صغيرة تحيط بها الكريات البيض، وتمنع هذه العصيات من الانتشار وتجاوز حدود تلك الآفات. ولا يترقى الداء ويصبح مميتا إلا في أقلية ضئيلة من المرضى إذا ترك من دون معالجة. ويحث هذا على التفكر في أن نتائج تلك الأخماج تتقرر جزئيا فيما إذا كانت استجابة خلاياها التائية CD4 واقعة تحت سيطرة انطلاق الإنترفرون-غاما ذي الفعل الواقي، أو انطلاق الإنترلوكين-4 والإنترلوكين-100 المعطِّلَيْن للبلعميات.

 

ويمكن لهذه المكتشفات أن تؤدي إلى توصل الباحثين في علم اللقاحات إلى تحقيق خطوات تقدم مهمة. وعن طريق حصر تأثيرات الإنترلوكين-4 في زمن التلقيح inoculation يستطيع المجربون أن يلتمسوا إنتاج الإنترفرون-غاما الواقي من قبل اللمفاويات التائية المختبرة بالمستضد. وقد أظهرت التجارب أن إعطاء بعض الفئران حقنة (زرْقَة) injection من الأضداد وحيدة النسيلةmonoclonal ضد الإنترلوكين-4 عند بداية الخمج بالليشمانية، يمكّن هذه الحيوانات من كبح انتشار الطفيلي. ويبدو أن الأضداد وحيدة النسيلة تعدل الإنترلوكين-4، وهي بذلك تسمح للخلايا التائية بالتمايز لتصبح خلايا منتجة للإنترفرون-غاما.

 

وعلى نقيض ذلك، فحينما تزرق ذراري (سلالات) strains الفئران المقاومة لِلّيشمانية بالطفيلي وبالإنترلوكين-44 في الوقت نفسه، فإن هذه الحيوانات تبدي أخماجا أشد وخامة. إذًا، يجب أن تهدف استراتيجيات اللقاح المثلى إلى إيصال إنتاج الإنترفرون-غاما إلى أقصى مداه في وقت التمنيع، مع حصرها تركيب الإنترلوكين-4 أو إزالته. وقد تم الكشف حديثا أن سيتوكينا جديدا هو الإنترلوكين-12 قادر على أن يحرض بشدة قدرة الخلايا التائية CD4 على أن تصبح منتجة للإنترفرون-غاما. إذًا، إن استخدام الإنترلوكين-122 في اللقاحات أمر يستحق الدراسة.

 

وشبيه بالعديد من البكتيريا والطفيليات كالليشمانية، تبين أن الڤيروسات تسبب أخماجا داخل خلايا الجسم، ولا تستطيع الأضداد أن تصل إليها. ومع ذلك فالڤيروسات تختلف عن الليشمانية في أنها تعيش في السائل داخل الخلية وليس داخل فجوة. وتتآثر interact  الڤيروسات بحرية مع مكوّنات خلوية عديدة. فتستخدم الڤيروسات مثلا جهاز تركيب البروتين في الخلايا البشرية لكي تصنع بروتيناتها الخاصة بها. ونتيجة لذلك، تتمازج بروتينات الڤيروسات بالبروتينات الطبيعية للخلايا عوضا عن أن تبقى مرزومة داخل فجوات محددة؛ مما يجعل جزيئات الجهاز المناعي تجد صعوبة كبرى في تعرفها كجزيئات هدفية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N10_H04_004322.jpg

تغزو الڤيروسات الخلايا عن طريق ارتباطها ببعض جزيئات سطح الخلايا وعبورها الغشاء. وحينما تصبح هذه الڤيروسات داخل الخلية، فإنها تستخدم العديد من المركَّبات الخلوية كي تنسخ ذاتها. وهكذا فالڤيروسات المُمْرِضَة للخلايا تخرب عوائلها (أثوياءها) الخلوية وتقتلها أحيانا بوساطة هذه العمليات. إن الدفاعات المناعية ذات الفعالية المضادة لأنماط أخرى من الأخماج قد تقف عاجزة أمام الڤيروسات.

 

وعلى الرغم من العلاقات الوطيدة في هذا التنظيم، فإن بوسع جزيئات المعقدMHC في خلايا الجسم كلها أن تجد شُدَف الپپتيدات الڤيروسية لتقوم بعرضها على سطح الخلايا المخموجة. وهذه العملية شبيهة بشكل أساسي بتلك العملية التي تُظهر الخمج بالليشمانية، غير أن فيها بعض الاختلافات المهمة. وأول هذه الاختلافات أن جزيئات المعقد MHC التي يمكنها الارتباط بِپپْتيدات العصارة الخلوية cytosol هي بروتينات الصف الأول التي تختلف في بنيتها عن جزيئات الصف الثاني. وحينما تتجزأ البروتينات الڤيروسية والخلوية في العصارة الخلوية، فإن جزيئات خاصة تقوم بنقلها إلى العُضَيّة organelle التي تدعى الشبكة البلازمية الداخلية الخشنة rough endoplasmic reticulum. وهناك تُحَمَّل هذه الپپتيدات على بروتينات الصف الأول من المعقد MHC. وبعد عدة تحولات تنتقل المعقدات المؤلفة من الپپتيدات ومن بروتينات الصف الأول للمعقد MHC، إلى سطح الخلايا في حويصلات مُفْرِزة. وما إن تنغرز هذه الحويصلات في الغشاء الخارجي للخلايا حتى تتمكن الخلايا التائية من تفحص تلك المعقدات وتعرفها. ولكن في هذه الحالة تكون الخلايا اللمفية هي الخلايا التائية CD8 التي تحمل مستقبلات نوعية لمعقَّدات الصف الأول.

 

وحينما تكشف الخلايا اللمفية التائية CD8 الپپتيدات المستضدية، فغالبا ما تتصرف بشكل مباشر أو غير مباشر لكي تقتل الخلايا المخموجة. وبوسع هذه الخلايا التائية أن تخرب أهدافها المخموجة عن طريق إفرازها الپيرفورينperforin وبروتينات أخرى تمزّْق تماسك الغشاء الخلوي. وتبين الدراسات الحديثة أن الخلايا التائية الفاتكة قد تقوم بعملها أيضا عن طريق إنتاج جزيئات تحض على شكل من الانتحار الخلوي أو الموت الخلوي المبرمج ذاتيًاapoptosis. وفي الواقع، إن هذه الإشارات تخبر الخلية المخموجة بأن عليها أن تقتل ذاتها. إضافة إلى ذلك، إن الخلايا CD8 المفعّلة تطلق سيتوكينات قوية التأثير، لا سيما الإنترفرون-غاما وعامل النخر الورمي. إن تلك السيتوكينات تحد من التنسُّخ الڤيروسي داخل الخلية، في حين تجتذب أيضا البلعميات والخلايا الملتهمة الأخرى التي تستطيع تدمير الخلية المخموجة.

 

وللسيطرة على الأخماج الڤيروسية عن طريق تخريب الجسم لخلاياه بعض الفوائد المهمة. فإذا كان تجنيد الپپتيدات المستضدية من جانب جزيئات الصف الأول من المعقد MHC، وكانت الاستجابة التالية التي تبديها الخلايا التائية، سريعيْن إلى حد كاف، أمكن تحطيم الخلايا المخموجة حتى قبل أن تتمكن جزيئات ڤيروسية جديدة داخلها من أن تتجمع على النحو الكامل. وهكذا، فلن تكون الجزيئات الڤيروسية التي قد تنطلق عندما تُقْتل الخلايا قادرة على إخماج خلايا أخرى، وبذا يوضع حد ينتهي فيه الخمج قبل أن يتمكن من الانتشار.

 

ومن ناحية ثانية، فالاستجابة المناعية التي تتوسطها الخلايا التائية CD8تحمل في طياتها أحيانا إمكان إيذاء العائل (الثوي) إيذاء شاملا. فإذا تضاعف الڤيروس وانتشر بسرعة، فالجهاز المناعي في سعيه لاحتواء الڤيروس قد لا يقوم بأكثر من إتلاف النسج المخموجة من غير التوصل إطلاقا إلى إزالة الڤيروسات. إذًا، ينجم التخرب النسيجي المرافق للخمج عن تأثيرات كل من الڤيروسات ورد الفعل المناعي. وبوجه عام، إن التضرر النسيجي الذي يسببه مثل هذا الخمج يتقرر إلى حد كبير بسرعة حصول الاستجابة المناعية بالنسبة إلى معدل انتشار الڤيروس.

 

وتصبح الاستجابة المناعية المضادة للڤيروس أكثر إشكالا حينما لا يخرب الخمجُ الڤيروسي نفسُه الخلايا إلا تخريبا قليلا أو حينما لا يخربها على الإطلاق- والواقع أن العديد من الڤيروسات تخمج الخلايا من غير أن تعوق الوظيفة الخلوية إعاقة خطيرة. ويمكن أيضا لمثل هذه الأخماج التي لا تُمْرِض الخلايا أن تحرض تفاعلات عنيفة تبديها الخلايا CD8. فإذا انتشر الڤيروس غير المؤذي انتشارًا سريعا نسبيا، فإن الخلايا التائية قد تهاجم عددا ضخما جدا من خلايا العائل. وفي هذه الحالات، لا ينشأ المرض عن الڤيروس إطلاقا بل بالأحرى عن الاستجابة المناعية.

 

ويأتي أحد البراهين التَجْرُبِيّة عن الضرر الذي يمكن لمثل هذه الاستجابات المناعية أن تسببه من دراسة ڤيروس التهاب السحايا والمشيميات اللمفاويlymphocytic choriomeningitis virus LCMV الذي يخمج نسج الجهاز العصبي، بيد أنه يتصف بإمراضية داخلية المنشأ ضعيفة نسبيا. فإذا لُقحت inoculated الفئران الوليدة بالڤيروس LCMV  انتشر الخمج فيها بسرعة مخترقا أنسجتها من غير أن يسبب مرضا صريحا. والسبب هو أن أجهزتها المناعية غير مكتملة النضج، تتعلم تحمل المستضدات الڤيروسية على أنها من مكونات الجسم غير المؤذية، وبالتالي فإن خلاياها اللمفاوية التائية تتجاهل الخلايا المخموجة بالڤيروسLCMV. بيد أنه إذا لُقحت هذه الفئران بالخلايا التائية سامة الخلايا والتي تستجيب لمستضدات LCMV، كانت استجابتها المناعية عنيفة وغالبا ما تَقتل الحيوانات الملقحة.

 

إن العديد من الڤيروسات غير مُمْرِضَة الخلايا تخمج الإنسان وتُظهر نمطا مماثلا من الأذيات النسيجية. فالحَمَلَة المزمنون chronic carriers لڤيروس التهاب الكبد البائي hepatitis B virus مثلا، يعانون ـ نمطيًا ـ تدميرًا للكبد على الرغم من أن هذا الڤيروس غير مؤذ بكل معنى الكلمة. ومن المرجح أن يكون تلف الخلايا الكبدية المخموجة نتيجة مؤكدة لتأثير اللمفاويات التائية سامة الخلايا في كل من دم المريض وكبده.

 

وهناك مؤشرات على أن الجهاز المناعي قادر على أن يفسد بنفسه أحيانا ردود فعله تجاه الأخماج الڤيروسية، إن كانت استجابته مؤذية للعائل أكثر من إيذائها العامل الممرض. وقد أظهر الباحثون أنه إذا حُقِنت (زُرقت) الفئران بأعداد كبيرة جدا من ڤيروسات التهاب السحايا والمشيميات اللمفاوي، فإن الخلايا التائية CD8 التي ينبغي عليها أن تتعبأ ضد الخمج، تتفعل (تتنشط) activateعلى نحو جيد، ولكنها تموت بعد ذلك. وفي الواقع، يبدو من المحتمل أن موت الخلايا هذا هو نتيجة مألوفة لشدة استجابة الخلايا التائية من جانب منبه مستضدي.

 

إن إزالة تلك الخلايا التائية نوعية المستضد antigen-specific تخلّف ثغرة استراتيجية في الدفاع المناعي. وهذه الثغرة مفيدة للعائل الذي يؤوي ڤيروسا غير ممرض للخلايا، لأنها تسمح للخلايا المخموجة بالبقاء على قيد الحياة. وقد يجادل المرء بأن القضاء على هذه الخلايا التائية بعد التعرض لأعداد وفيرة من ڤيروس ما هو ضرب من التكيف يقوم به الجهاز المناعي حيال خمج لا يمكنه السيطرة عليه من غير أن يسبب أذية في العائل لا تقبل الإصلاح. ومادام الخمج الڤيروسي لا يسبب موت خلايا العائل أو تحوّلها نحو الخباثة، فإن غياب الاستجابة المناعية الجوابية يقي من وقوع الداء.

 

وتوضح مثل هذه الأمثلة قابلية الخطأ في هذا الجهاز الدفاعي الرائع ولكنه غير الكامل أيضا: إن الآليات نفسها التي تقدم الحماية ضد بعض أنواع الأمراض هي ذاتها التي تحرض إمراضية أخماج أخرى. وربما أتى أشد البراهين على هذا المبدأ من أخماج ڤيروسية تستغل الخلايا وتآثرات الجهاز المناعي كي تكثر أعدادها. وفي مثل هذه الأخماج، تساعد الاستجابة المناعية في واقع الأمر على تنسخ replication الڤيروس أكثر من مساعدتها على الحد  منه.

 

إن هذا هو ما يحدث حقا حينما يصاب الناس بخمج ڤيروس العوز المناعي البشري (HIV) الذي يسبب مرض الإيدز. فالڤيروس يفضل السكن في اللمفاويات التائية CD4  وفي خلايا مناعية أخرى. والواقع أن الخلايا التائية المفعَّلة تُظْهِر كرما أكبر في استضافتها الڤيروسات المتكاثرة مما تُظْهره الخلايا التائية في حالة الراحة. ونتيجة لذلك، فكلما أصبح الجهاز المناعي أكثر هياجا، تحسنت شروط التنسخ الڤيروسي. وإضافة إلى ذلك، إن السيتوكينات (ومثالها عامل النخر الورمي) التي تنتجها الخلايا التائية حين كشْفها مستضدات ڤيروسية، قادرة في الحقيقة على أن تنبّه تنسّخ الڤيروسات في الخلايا التائيةCD4. وهكذا، فالڤيروس HIV يستغل أشد وسائل الدفاع تعقدا في الجهاز  المناعي ليدعم بقاءه حيا.

 

إن أمراضا كالإيدز تذكّر، وبشكل مؤلم، بالتحديات التي مازالت تطرحها العوامل الممرضة أمام المناعة البشرية. إن التنوع الهائل في العوامل الخامجة وكذلك طفورها mutability تؤكدان أنه من الأرجح أن هذه التحديات لن تزول أبدا. ومع ذلك، إن معرفة الأساس الجزيئي للاستجابات الخلوية هو قيد التطور السريع ويبشر بإنارة طرائق جديدة للإقلال من الأذيات النسيجية إلى أدنى الحدود ولمكافحة الأخماج. وسيكون تسخير معارفنا لدعم الاستجابات المناعية أمرا حاسما في الجهود الرامية إلى دحر البكتيريا التي تهدد البشرية حاضرا ومستقبلا.

 

 المؤلف

William E. Paul

هو رئيس مختبر علم المناعة في المعهد الوطني للأرجية (الحساسية) والأمراض الخمجية. وقد تخرج پول في كلية بروكلين عام 1965، وحصل بعد أربع سنوات على الدكتوراه في الطب من مركز داونستيت الطبي التابع لجامعة ولاية نيويورك. وفي أثناء عمله المتميز باحثا، تسلم مناصب في المعهد الوطني للسرطان وفي كلية طب جامعة نيويورك. عمل پول رئيسا للرابطة الأمريكية للمناعيين، وللجمعية الأمريكية للاستقصاء السريري. وهو حاصل على جائزة M3 لعلوم الحياة، كما أنه عضو في الأكاديمية الوطنية للعلوم.

 

مراجع للاستزادة 

THE PATHOGENESIS OF INFECTIOUS DISEASE. Cedric A. Mims. Academic Press, 1987.

VACCINES. Gordon L. Ada in Fundamental Immunology. Edited by William E. Paul. Raven Press, 1989.

REGULATION OF IMMUNTI’Y TO PARASITES BY T CELLS AND T CELL-DERIVED CYTOKINES. A. Sher and R. L. Coffman in Annual Review of Immunology, Vol. 10, pages 385-409; 1992.

ROLES OF αβ AND γδ T CELL SUBSETS IN VIRAL IMMUNITY. P. C. Doherry, W. Allan, M. Eichelberger and S. R. Carding in Annual Review of Immunology, Vol. 10, pages 123-151; 1992.

IMMUNII’Y TO INTRACELLULAR BACTERIA. Stefan H. E. Kaufmann in Annual Review of Immunology, Vol. 11, pages 129-163;1993.

(1) الخَمَج infection هو غزو الجسم من قبل أحياء مكروية (مجهرية) مُمْرِضة وتكاثرها فيه. ويُميز عن العدوى contagion التي هي انتقال العامل الممرض من كائن إلى آخر بتماس مباشر أو غير مباشر. أما الالتهاب inflammation فهو حصيلة استجابة دفاعية من قبل الأنسجة تجاه العامل الممرض المصابة به.

(2) قابلة للتطفر mutable، أي لظهور طفرات فيها.(التحرير)

(3) تجنبا للالتباس فقد استخدمنا البلعميات مقابل macrophages، والخلايا الملتهمة (الملتهمات) مقابل phagocytes. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى