أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

اتجاهات في المجتمع


اتجاهات في المجتمع

أمُواجَهَة بين العلم واللاعلم!؟

إن للحركات التي يمكن أن يشملها مصطلح «اللاعلم» دوافع متباينة،

لكن جميعها لا يشكل تهديدا كبيرا للعلم كما يدعي البعض.

هيئة تحرير مجلة ساينتفيك أمريكان

 

منذ زمن بعيد وللعلم علاقة مضطربة بغيره من أوجه الثقافة. تأمّل محاكمة گاليليو بدعوى الهرطقة في القرن السابع عشر أمام الكنيسة الكاثوليكية التي لم تعترف رسميا بخطئها إلا قبل أربع سنوات، أو تأمل الهراء الذي كتبه الشاعر<W. بليك> ضد نظرة <إسحاق نيوتن> الميكانيكية للعالَم. فإذا كان ثمة ما يقال، فإن الهوة قد اتسعت بين العلم والإنسانيات، كما بيَّن <P .C. سنو> في مقاله الكلاسيكي «الثقافتان والثورة العلمية» عام 1959.

 

وحتى عهد قريب، كان المجتمع العلمي من القوة بحيث يمكنه تجاهل منتقديه ـ لكنه لم يعد كذلك. فمع تدني تمويل العلوم أخذ العلماء في شجب «اللاعلم»antiscience في بضعة كتب، لعل أشهرها كتاب «الخرافات العليا» HigherSuperstition لمؤلفيْه <R .P. گروس> (البيولوجي في جامعة ڤيرجينيا) و<N. ليڤيت> (الرياضياتي في جامعة رتگرز) وكتاب «العالَم الذي يسكنه الشيطان»The DemonHaunted World لمؤلفه <C. ساگان> من جامعة كورنيل.

 

وقد أعرب المدافعون عن العلم عن قلقهم أيضا في اجتماعات كتلك التي عُقدت في مدينة نيويورك عام 1995 تحت عنوان «الهروب من العلم والمنطق»، وكمؤتمر «العلم في عصر المعلومات (المضلِّلة)» الذي عُقِدَ في الشهر 6/1996 قرب مدينة بافالو. وفي الربيع الماضي كشف الفيزيائي <D .A. سوكال> (من جامعة نيويورك) النقابَ عن أن مقالة له كتبها للمجلة نص اجتماعي Social Text  كانت  محاكاة ساخرة قصد بها أن يفضح ما بعد الحداثة ويبين كم هي جوفاء، فهي في مداها البعيد تطرح نظرية الانفجار الأعظم big bang كمجرد أسطورة خَلْقَوِيّةcreationism جديدة.

 

ومن الواضح أن اللاعلم يعني أشياء متباينة عند مختلف الناس؛ فگروس وليڤيت وسوكال يجدون أن الخطأ يُردّ أصلا إلى علماء الاجتماع (السوسيولوجيين) والفلاسفة وغيرهم من الأكاديميين الذين يشككون في موضوعية العلم. أما ساگان فقد اهتم أكثر بمن يعتقدون بوجود الأشباح وباختطاف الناس من قِبَل كائنات من خارج الأرض وبالخلقوية، وغيرها من الظواهر التي تناقض النظرة العلمية للعالَم.

 

ويكشف مسحٌ لأخبار الحوادث أُجري عام 1996 عن أن صفة «اللاعلم» قد أُلصِقَتْ أيضا بفئات أخرى كثيرة، من السلطات التي تحض على إبادة الأصول الباقية من ڤيروس الجدري إلى أعضاء الحزب الجمهوري الذين يَدْعون إلى تخفيض تمويل البحوث الأساسية.

 

لن نجد إلا قلَّة تعارض انطباق المصطلح على جماعة اليونابومبر Unabomber، التي صدر إعلانها الرسمي عام 1995 رافضا العلم وداعيا إلى العودة إلى طوبَوِيّة قَبْتقانية(1). لكن هذا بالتأكيد لا يعني أن البيئيين الذين يقلقهم النمو الصناعي من دون قيود هم أيضا ضد العلم كما قد يبدو من مقال نُشر في الشهر 5/1996 في المجلة أخبار الولايات المتحدة الأمريكية وتقرير عالمي U.S. News &World Rerport.

 

ولا بُدّ أن يستجيب البيئيون لمثل هؤلاء النقاد بالدفاع المهيب الذي يقول «أنا المطاط وأنت الغِراء». يقول <P.  إيرليش> ـ من جامعة ستانفورد والرائد في الدراسات البيئية ـ في كتابه المُعَنْوَن «خيانة العلم والعقل» The Betrayal ofScience and Reason والذي نُشر حديثا: «إن الأعداء الحقيقيين للعلم هم مَنْ يشككون في الشواهد على ارتفاع حرارة (احترار) جو الكرة الأرضية ونضوب طبقة الأوزون، وغير ذلك من عواقب نمو الصناعة.»

 

والحق أن بعض المراقبين يخشون أن تصبح صفة اللاعلم بلا معنى فيلاحظ <G. هولتون> (أستاذ الفلسفة في جامعة هارڤارد) في كتابه «العلم واللاعلم»Science and Anti-Science الصادر عام 19933: «أن مصطلح اللاعلم يمكن أن يضم الكثير من الأشياء المتباينة لا يجمعها سوى أنها تنحو إلى مضايقة أو تهديد من يعتبرون أنهم الأكثر استنارة.»

 

تتفحص مجلة ساينتفيك أمريكان في هذا المقال ثلاثة موضوعات اختيرت من بين أبرز الاتجاهات التي لطختها فرشاة اللاعلم. يقوم <G. ستيكس> أولا بزيارة لمعهد بحوث الخَلْقوية Institute for Creation Research  ICR ، وهو أحد أقدم مراكز التفكير المضاد للداروينية في أمريكا والذي يحاول تقويض التفسيرات اللاخلقوية للطبيعة بنظريات علمية غريبة الشأن. ثم تقوم <S. نيميسيك> بتقييم أهمية التهديد الذي يشكله نقد الحركة النسائية للكيفية التي يدار بها العلم. وأخيرا يكشف <Ph. يام> عن أصل البرامج التلفزيونية ـ مثل ملفات X ـ  التي قد تعزز الاعتقاد بالعلم الزائف والسحر والتنجيم، إلى جانب القوى التجارية التي تزكي انتشار تلك البرامج. وللقارئ أن يتأمل بنفسه أشكال التحديات التي يواجهها العلم والتي تطرحها هذه الظواهر، وجدوى وصفها «باللاعلم» في تفهمها.

هيئة تحرير مجلة ساينتفيك أمريكان

 

عِلْم ما بعد طوفان نوح(2)

في متنزه أنشئ على التلول القاحلة على مسافة 15 ميلا شرق الجانب المواجه للبحر من مدينة سان دييگو، هناك مَعْلَم سياحي تمر عليه عادة في كل عام جحافل من زائري «عالم البحار» و«حديقة حيوان سان دييگو» و«متحف الخَلْقَوِيَّة وتاريخ الأرض» وهو اسم متحف التاريخ الطبيعي من قِبَل الخلقويين، وكل مادة معروضة فيه تُصَوِّر مَعْلمًا في التفسير الخلقوي المسيحي للتاريخ: الأيام الستة التي خلق الله فيها الأرض وهبوط الإنسان وطوفان نوح وبرج بابل وظهور الأديان اللاتوحيدية وبزوغ الداروينية.

 

وهذا المبنى المنخفض هو نصب تذكاري للأعمال التي أنجزها <M .H. موريس> مؤسس العلم الخلقوي والبالغ من العمر 78 عاما. لقد بدأ اسم موريس يلفت الانتباه عام 1961 عندما نشر كتاب «طوفان التكوين». وقام موريس و <C.J. هويتكومب>، المؤلف المشارك في هذا الكتاب، بترويج فكرة <M .G. برايس> الذي عاش في أوائل هذا القرن، والقائلة إن الملامح الجيولوجية الرئيسية للأرض تشكلت نتيجةً لطوفان نوح قبل بضعة آلاف من السنين.

 

وقد أسهم موريس في تعزيز صحوة خلقوية في ستينات هذا القرن عندما أخذ قصص الإنجيل على أنها حقائق تاريخية. في تلك الفترة أنفقت الحكومة الفيدرالية ملايين الدولارات على البيولوجيا كجزء من جهودها للنهوض بمستوى تدريس العلوم، بعد أن أطلق السوڤييت القمر الصنعي «سبوتنيك». فقد كان تدريس التطور حتى ذلك الوقت غائبا إلى حد كبير عن مناهج الدراسة الثانوية بسبب الخوف من الجدل الذي قد يثيره.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H03_006778.jpg

الهبوط من جنة عدن كما هو موضح «في متحف الخلقوية وتاريخ الأرض»، قرب سان دييگو، حيث تمتزج المواضيع الدينية بالمواضيع العلمية. فمتحف الخلقوية يصف الموت والانحلال بصيغة الخطيئة الأولى وبصيغة الديناميك الحراري كلتيهما.

 

إن الصياغة الجديدة المعقَّدة للعلم، التي قام بها موريس وزملاؤه: تفسيرهم للتحديد الراديومتري للتواريخ ولتقديرات أبعاد النجوم وللسجل الأحفوري، تمثل الخلقوية في أكثر صورها تطرفا؛ بل وربما كانت أيضا الأكثرَ تجسيدا للأفكار المضادة للعلم. يصادر موريس في تعاليمه أفكار العلم والسلطاتِ التي يمنحها المجتمع للعقلانية العلمية، ليمهد السبيل إلى تفسير حرفي لقصص الكتاب المقدس في سفر التكوين. وقد كتب الأنثروبولوجي <P .Ch. توْمي> عن المعهد ICR ـ وهو المعهد التربوي البحثي الذي أسسه موريس ـ يقول إنه «يقدم للمسيحيين المحافظين قصصَ الخلق التي يريدون سماعها بالمعاني الأخلاقية التي يطلبونها، وعلى مسرح التبرير العلمي عُرِضت أنابيب الاختبار ونماذج كوهْن Kuhn  وملابس المختبر البيضاء والمقالات المتخصصة والبعثات الجيولوجية والاقتباسات من <K. پوپر> وأوراق الاعتماد العلمانية.»

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H03_006779.jpg

تُشرح هنا «جيولوجيا طوفان نوح» لزوار «متحف الخلقوية وتاريخ الأرض»، وهي الفكرة القائلة إن جبال گراند كانيون تكونت في عهد نوح تقريبا.

 

ويمكن مشاهدة البعثات الجيولوجية ونماذج كوهْن معروضة علنا في متحف معهد بحوث الخلقوية، الذي تمت توسعته عام 1992 ليشغل مساحته الحالية البالغة 4000 قدم مربعة. وهذا المتحف ـ وهو النقيض لمؤسسة ثقافية راسخة ـ يعرض أسانيد من صُنْعِه تعكس صورة أنصاره الريفيين. أما ما أذيع عن سعره البالغ000 50 دولار فيكاد يعادل ما قد تدفعه مؤسسة أفضل تمويلا لشراء هيكل عظمي لدينوصور. وهناك قاعة تعرض ما حدث في اليوم الخامس والسادس والسابع من الخلق، وتضم مجموعة كبيرة من الحيوانات الحية، من بينها العصافير، في إشارة إلى الطيور التي درسها <T. داروين>؛ وثمة ثعبان متكور يؤدي دورين: فهو نتاج فعل الخالق في اليوم السادس، ورمز للإغواء.

 

أما القاعة الخاصة بهبوط الإنسان فتركز على القانون الثاني للديناميك الحراري (الترموديناميك)، أحد القوانين الفيزيائية المفضَّلة لدى الخلقويين. فمثلما يستدعي منظِّرو ما بعد الحداثة مبدأ الارتياب uncertainty principleلهايْزِنْبِرْگ كرمز للامعينات الغيبية (الميتافيزيقية) metaphysical uncertainties، كذا يرى معسكر الخلقويين في نزوع الأشياء نحو الاضطراب مثالا لخروج آدم وحواء من الجنة. إن هذه النزعة نحو الفوضى، كما يؤكد المعهد ICR، «تعوق أي تطور طبيعي نحو نظام أعلى.» أما آثار القانون الثاني فتمثلها أسطوانة مشروخة وكأس محطمة وصورة للباخرة تيتانيك.

 

ويمتد هذا الجو إلى «المختبرات» في مكاتب المعهد ICR المجاورة للمتحف حيث يقوم ثمانية من علماء المعهد المتفرغين بإجراء بحوثهم العلمية. فالخبير السابق بوزارة الداخلية في معالجة السحب بالجسيمات الصلبة والذي يشرف على برنامج الجيوفيزياء الفلكية بالمعهد، يحاول تحليل الظروف الجوية المرتبطة «بالطوفان». ويشير کارديمان إلى أن حاسوبه الشخصي العتيق ـ الذي يعمل ببرنامج متاح للجميع يخص المركز القومي لأبحاث الجو ـ يحتاج إلى ستة أسابيع لمحاكاة ما يعادل بيانات التغيرات الجوية في عام واحد، وهذه المهمة لا تستغرق أكثر من يوم واحد بوساطة حاسوب أكبر. ويأسف فارديمان إذ يقول «إنني أحتاج حقا إلى استخدام حاسوب كراي Cray (الفائق).»

 

إن تطبيق مناهج النَّمْذَجة الرقمية على التاريخ، كما يرويه الكتاب المقدس، قد يقود إلى نتائج غير متوقعة. ثمة صورة جدارية في مدخل المتحف تبين ظلّة من بخار الماء سمكها 40 قدما تحوم فوق الأرض الحديثة النشأة. كان فارديمان يأمل بأن يوضح أن تَكَثُّف هذه السحابة الهائلة ربما يكون قد أسهم في طوفان نوح، لكنه وجد أنه لم يكن لها إلا أن تخلق مفعول دفيئة (صوبة) greenhouse effect شديدة حتى أنها قد «تسلق» كل ما هو حي فوق الكوكب. ويركز فارديمان عمله الآن على الطريقة التي تشكلت بها القلنسوتان الجليديتان فوق القطبين بعد طوفان نوح مباشرة.

 

وفي الردهة، وبالقرب من حواسيب فارديمان، مازال <H. موريس> يحتفظ بمكتبٍ تكسو جدرانه الكتب، على الرغم من أن ابنه چون قد تولى إدارة المعهدICR. وهناك على أحد الرفوف بمكتب موريس نجد كتابه المدرسي «الهيدروليات (علم حركة السوائل) التطبيقية في الهندسة» الصادر عام 1972 والذي مازال معروضا للبيع في المكتبات، وهو يُذكِّر بالمهنة السابقة لهذه الشخصية الجليلة الكريمة، أستاذًا ورئيس قسم الهندسة المدنية بمعهد فرجينيا للپوليتكنيك وجامعة ولاية ڤيرجينيا.

 

ومع اقتراب نهاية سني حياته العملية، يبدو موريس غير مكترث بحقيقة أن الكثير من المعارك التي أسهم في إشعالها عبر الخمسة والثلاثين عاما الماضية قد انتهت بحكم صادر عن المحكمة يمنع على أسس دستورية تدريس العلم الخلقوي. يرى موريس أن هذه الخسائر تثبت أنه إنما يناصر استراتيجية ريفية تتجنب النظام السياسي تماما. ربما كان موريس قد اتخذ القرار الصحيح عندما توجَّه إلى مثل هذا المستوى الريفي؛ فمستطلعو الآراء يشيرون إلى أن نحو نصف الشعب الأمريكي يعتقد أن الإله قد خلق البشر في وقت ما خلال العشرة آلاف سنة الماضية.

 

يثق موريس في إمكانية الانتشار من خلال الكتب والكتيبات أو مؤتمرات المعهد ICR. وقائمة العناوين البريدية في هذا المعهد تربو على مئة ألف اسم. ويشير موريس إلى جمعيات وعلماء ومهندسين ظلوا من المساندين الراسخين، ويقول: «عندما بدأتُ هذا منذ 55 عاما لم أستطع إيجاد أي عالم خلقوي. أما الآن فهناك الآلاف من العلماء الخلقويين.»

 

لم يُقلق موريس أيضا أن يكون قد تخلف هو وزملاؤه حتى عن غيرهم من الخلقويين. فقد تحركت في السنين الأخيرة أكثرُ فصائل الحركة دينامية بعيدا عن تفسيرات الحَرْفيين literalists  التي قدمتها مدرسة «الأرض الفتية». لم يبدد مؤيدو «التدبير الحكيم» وقتهم في نقد التحديد الراديومتري للتاريخ ـ بل لقد طرح بعضهم عنه لقب الخلقوي ـ لكنهم أبدوا تشككهم في أن تكون الطفرات العشوائية المصحوبة بالانتقاء (الانتخاب) الطبيعي قد أدت إلى ظهور العمليات البيولوجية المعقدة، مثل تجلط الدم.

 

ويعتقد موريس أن التدبير الحكيم ليس إلا محاولة، ستفشل في نهاية الأمر، يقوم بها الخلقيون من أجل اكتساب قبول أوسع. ويقول: «لا أظن أننا سنستطيع يوما أن نصل إلى رضا علماء الاتجاه السائد.» لكن مؤيدي التدبير الحكيم يدينون بالشكر لموريس. الذي كان في أوائل السبعينات رائدا في طرح الخلقوية في هيئة «علم خلقوي» بديل لنظرية التطور ـ بديل يمكنه أن يصف تفاصيل الأصول الجسمانية من دون إشارة مباشرة إلى الكتاب المقدس. ثمة خلقويون آخرون استخدموا منطق موريس في تمرير قوانين ببعض الولايات تُلزم المدارس بتخصيص وقت مساو في التدريس لوجهة نظرهم. لكن المحاكم الفيدرالية ـ بل والمحكمة العليا في إحدى القضايا ـ قامت بإلغاء التشريع فيما بعد. وسنجد أن مجتمع التدبير الحكيم مازال حتى اليوم يمارس استراتيجية مماثلة، يُخْتزل فيها التطور إلى مجرد نظرية تأملية تحتاج إلى أن تُفحص في مقابلة نظريات أخرى.

 

صحيح إن الخلقويين في مجالس المدارس المحلية سيستمرون في حث مدرسي العلوم، لكن التوقعات ضعيفة نسبيا في أن تصير الخلقوية قوة سياسية أكبر ـ أن تصير الصيغةَ المسيحية لجماعة طالبان المتعصبين الذين تمكنوا من الوصول إلى السلطة السياسية في أفغانستان.

 

والاتجاه المجتمعي السائد لا يعير الخلقويين اهتماما كبيرا. وتحكي قصة غلاف عدد صدر حديثا من مجلة «تايم» Time عن صحوة قومية للاهتمام بالقصص الواردة في سفر التكوين، لكنها لم تذكر الخلقوية الحَرْفِية إلا لترفضها. ومن بين رجال الدين، أيد البابا بولس الثاني حديثا نظرية التطور واعتبرها «أكثر من مجرد فرضية»، بل إن اليمين المسيحي صار يفضل أن يكرس جهوده في الدَّهْلَزَة(3) على قضية الإجهاض والصلاة في المدارس. وفي كتابه «علماء الإله: الخلقويون في عالم علماني» يقول تَوْمي: «إن الخلقوية، مثل الولاء لتايوان والخوف من موسيقى الروك، كانت في معظمها استعراضا جانبيا.»
وفي هذا الصَّدَد، فإن متحف موريس البالغ الصغر، قرب حانة رعاة البقر وسينما السيارات، قد يخدم كنموذج لحركة بأكملها اختارت أن تحمي عزلتها الثمينة بعيدا في ضواحي المدينة.

<گاري ستيكس>

 

ضجة حول الانتقادات النسائية للعلم

عندما دعا<R .P. گروس> و<N. ليڤيت> في كتابهما بعنوان «خرافات رفيعة المستوى» إلى العمل ضد القوى المضادة للعلم في الجامعات، تعهدا بتحدي ما أسمياه «صناعة أكاديمية جديدة» ـ النقد النسائي للعلم. لقد أكد هذان المؤلفان أن هذا الهجوم الذي يستند إلى ثقافة رفيعة ويعتمد أيضا على تخصصات ذات صلة بالمجال المعروف باسم «دراسات العلم» ـ إنما يشكك فيما إذا كان للعلم ادعاءٌ شرعي للحقيقة والموضوعية. وقد كتبا عن معسكر الحركة النسائية(4) يقولان: «إن النقد الجديد كاسح: إنه يدّعي الوصول إلى صميم أسس العلم المنهجية والمفاهيمية والمعرفية.»

 

ويستشهد كثير من النقاد، الذين يتهمون «دراسات العلم النسائي»(5) بأنها مضادة للعلم، بأكثر الدراسات تطرفا ـ مثل الاتهام الذي وجهته <S. هاردنگ> إلى كتاب نيوتن «مبادئ الرياضيات» Principia Mathematica، بأنه «دليل النهب» rapemanual. وعلى الرغم من أن دعاة الحركة النسائية ـ سواء كانوا رجالا أو نساء ـ منوا بهزيمة مريرة حقا في المناوشات الأخيرة بين «الثقافتين» فإنهم بالتأكيد لم يسلِّموا بالهزيمة.

 

بدأ دعاة الحركة النسائية في تفحص دقيق للعلوم في الستينات والسبعينات وذلك بالتركيز أولا على عدم المساواة بين الجنسين في دراسة العلوم وفي التوظيف؛ وقد نجحت حججهن في فتح الأعين وكذا الأبواب. ففي عام 1994 حصلت النساء على نحو 25% من شهادات الدكتوراه التي أُجيزت بالولايات المتحدة في الهندسة والعلوم الفيزيائية والبيولوجية، مقارنة بنحو 6% في عام 1970.

 

ومع أواخر السبعينات بدأت المقالات النسائية الناقدة للعلم تمس مادة العلم ذاتها، لتتساءل عن تأثير استبعاد النساء على تشكل مختلف التخصصات، وعن كيفية حدوث ذلك. فعلى سبيل المثال، كان البحاثة الطبيون يعتمدون على بيانات مأخوذة فقط على الذكور عند دراسة مرض أو عقار جديد ـ وهذا إجراء قد شوّه من دون شك تفهّمهم لصحة المرأة. لكن النساء يدخلن الآن في دراسات العقاقير بشكل اعتيادي أكثر. فثمة علل، مثل مرض القلب، كانت تعتبر من أمراض الذكور أساسا، ولكنها الآن تُعتبر من المشكلات المهمة بالنسبة للنساء أيضا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H03_006780.jpg

شجعت الناشطات الباحثين على أن يعطوا اهتماما أكبر لقضايا صحة المرأة، مثل سرطان الثدي.

 

ومع زيادة تعمق الباحثات من دعاة الحركة النسائية في فلسفة العلم، تكشّف لهن كيف تعكس اختيارات العلماء للمواضيع والمصطلحات الوصفية المواقفَ الثقافية السائدة حول الجنسانية(6) gender  ـ وقد أَثَرْن في خضم ذلك خطبا رنانة. ومن الباحثات المرموقات بين دعاة الحركة النسائية المؤرخة وأستاذة فلسفة العلم <F .E. كيلر>، من معهد ماساتشوستس للتقانة.

 

تفحصت كيلر ـ وهي متخصصة في الفيزياء النظرية ـ «كيفية دخول الآراء الجنسانية التقليدية إلى العلوم من خلال  الاستعارات الجنسانية. ولم تكن تنظر إلى الجنسانية من ناحية عدد كروموسومات (صبغيات) X وكروموسومات Yالتي يحملها الشخص، وإنما المُقَوْلبات stereotypes  عما هو «ذكري» وما هو «أنثوي». وقد أشارت على سبيل المثال إلى تقاليد قديمة في الثقافة الغربية تعتبر التفكير المنطقي صفة ذكرية في حين تعتبر الحَدْس صفة أنثوية.

 

لقد أكدت كيلر أنها لا تريد الإيحاء بأن النساء في الواقع يفكرن حدسيا، أو بأن جميع الرجال عقلانيون بكل معنى الكلمة، وإنما بوجود صفات بذاتها ترتبط تاريخيا بهذا الجنس أو ذاك. ويبدو تاريخيا أن الصفات المصنفة على أنها أنثوية كثيرا ما يُبْخس حقها من التقدير.

 

وهذه الفكرة الرئيسة تتخلل أشهر أعمال كيلر وهو كتاب «إحساسٌ بالكائن» الذي صدر عام 1983. وهذا الكتاب يستعرض سيرة حياة عالمة البيولوجيا ماكلنتوك التي حازت على جائزة نوبل. تبيّن كيلر أن تناول ماكلنتوك المختلِف للبحث الوراثي ـ بأسلوبها الحدسي الاستعطافي (الاستحساسي) empathic في «تعرّف» نباتات الحبوب التي تدرسها ـ جعلها توُسَم بأنها غريبة الأطوار علميا، فتُرفض أبحاثها، بل وتؤخذ مادة للسخرية طوال معظم حياتها المهنية. هذا وقد حصلت ماكلنتوك على جائزة نوبل عام 1983 وعمرها 81 عاما بعد نشر كتاب كيلر بوقت قصير.

 

تمعنت كيلر وغيرها حديثا فيما يُمنح للدنا DNA من توكيد بأنه «سيّد الجزيئات»، خصوصا في السنين المبكرة لعلم الوراثة والبيولوجيا الجزيئية في خمسينات هذا القرن. وتصر كيلر على أن هذه المصطلحات إنما تعكس نزعة العلم إلى تأطير المشكلات في صيغةِ تتابعٍ خطي من السبب والنتيجة ـ ترفع من قيمة التحكم (وهو عند البعض صفة ذكرية مقولبة) على حساب التفاعل (الذي كثيرا ما يعتبر أنثويا). لكن العلماء وصلوا إلى الاعتراف بأن الدنا ليس سوى جزء من منظومة معقَّدة للتعبير عن المعلومات الوراثية.

 

تفحَّصتْ <B .B. سپانير> ـ أستاذة الدراسات النسائية بجامعة نيويورك الحكومية في ألباني، والحاصلة على الدكتوراه في الميكروبيولوجيا ـ ما إذا كانت الاستعارات العلمية قد تغيرت استجابة لهذا الفهم الجديد. ففي كتابها الذي صدر حديثا بعنوان «علم غير/ متحيز: إيديولوجيا الجنسانية في البيولوجيا الجزيئية» قامت سبانير بمسح المتداوَل من الكتب المدرسية في البيولوجيا ومن المقالات، فوجدت أن الكثير من الاستعارات القديمة مازالت في مكانها، لتخلص إلى القول: «على الرغم من أهمية البروتينات وغيرها من الجزيئات العملاقة المركّبة، فإن العلماء مازالوا يستخدمون منطق أن الجينات هي المتحكمة، على قمة التسلسل الهرمي في الخلية.»

 

أبدت سپانير قلقها من أن الخطر قد يمضي إلى أكثر من دلالات الألفاظ، فقد تُهْمَل بعض الأفكار العلمية لأنها لا تتوافق مع هذا التسلسل الهرمي. وكمثال على ذلك تورد البحوثَ في أسباب السرطان فتقول: «بالتركيز مثلا على الأساس الجيني (الوراثي) للسرطان، ينحرف الباحثون بعيدا عن دراسة الأوجه الأخرى، كالأسباب البيئية.»

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H03_006781.jpg

وُصِفت البويضة والنطفة في لغة جنسانية (نسبة إلى الجنسين: الذكر والأنثى)، كما يسميها علماء دراسات العلم النسائي.

 

لقد أثبت التكاثر البشري أيضا أنه تربة خصبة لدعاة الحركة النسائية من أمثال <E. مارتن> (الأنثروبولوجية في جامعة پرنستون) التي لاحظت أن البيولوجيين لسنين طويلة يأخذون النطفة (الحيمن) sperm على أنها الطرف النشيط في عملية الإخصاب، والبويضة egg على أنها الطرف السلبي. وقد اتضح أنهما يشتركان بالتساوي في عملية الإخصاب. تجادل مارتن بأن المقَوْلبات الثقافية التي ترى الرجال عدوانيين والنساء مذعنات قد أثّرت في الاختيار الأصلي للمجاز. وعلى الرغم من أن هذه المقولبات تُفْرِط إلى حد التشويه في تبسيط الطبيعة البشرية، وكذا البيولوجيا، فإن مارتن ترى في استمرار وجود هذه المقولبات أمرًا مهما: «إننا بحاجة إلى تسليط الأضواء عليها ـ وأن نعرف من أين جاءت والدور الذي تؤديه.»

 

عالج دعاة الحركة النسائية موضوعات غير بيولوجية أيضا. فعلى سبيل المثال، كتبت <M .K. باراد>ـ الفيزيائية وأستاذة فلسفة العلم في كلية پومونا ـ عن أثر الجنسانية في الفيزياء النظرية. وتُجادِل باراد بأن العروض التقليدية للميكانيك الكمومي quantum mechanics  تميل إلى إغفال طراز من التفكير أكثر قدرة على التأويل، وتعتمد على حسابات معقدة. وقد أوضحتْ باراد أن <نيلز بور> ـ أحد واضعى النظرية الكمومية ـ كان أصلا مناصرا للتناول المعتمد بشكل أكبر على الفلسفة. لكنها تدعي أن رسالة بور في هذا المضمار، لم تُمرَّر إلى طلبة هذه الأيام.

 

تؤكد باراد، مثل معظم زميلاتها، أنها تهدف من عملها إلى تعزيز ـ لا إنكار ـ قدرة العلم على كشف الحقيقة الأصلية. وتشير إلى أن: «هناك طريقة نرى بها أن العلم يجد سبيله إلى الظواهر الفيزيائية من دون أن نرفض فكرة أن الثقافة يمكن أن تؤثر في العلم. إن الأمر ليس خيارا بين: إما هذا وإما ذاك.»

 

بل سنجد حتى هاردنگ ـ التي تَسَبَّب وصفُها لكتاب نيوتن «المبادئ» وغير ذلك مما جاء على لسانها، في تأجيج الكثير من الخلافات ـ تؤكد أن انتقاداتها لم يكن لها غرض سوى تعزيز العلم. وفي واقع الأمر، تقول إنها تأسف لاستعمالها مصطلح «دليل النهب» في كتابها المعنوَن «قضية العلم في الحركة النسائية» الصادر عام 1986: «لم يكن ثمة سبيل كي أعرف كيف سيستغل هذا المصطلح ويُعاد استعماله خارج السياق. أتمنى لو لم أكن قد كتبته.» وهاردنگ هي الآن في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، وتجادل بأن العلم لا بد أن يهدف إلى ما أسمته «الموضوعية القوية» ـ أي إلى وسيلة لا لتقويم الشواهد العلمية المألوفة فحسب وإنما أيضا لتقويم القيم الاجتماعية والمصالح التي تقود العلماء نحو تساؤلات وإجابات بذاتها.

 

ومع ذلك تخشى بعض العالمات، مثل <N. كورتج> ـ المؤرخة وأستاذة فلسفة العلم في جامعة إنديانا ومؤلفة كتاب «إعلان الولاء للحركة النسائية» بالاشتراك مع <D. باتاي>  ـ من أن يكون لتطبيق النظرية النسائية على العلم نتائجُ غير مقصودة. وتقول كورتج إن دعاة الحركة النسائية حين يصوّرن العلم على أنه مؤسسة «ذكورية» إنما يخاطرن بصرف انتباه النساء عن العلم.

 

ثم تشرح قائلة: «ثمة جدل مُنْهِك يقول إن هناك شيئا مختلفا في الطريقة التي تتفهم بها النساءُ العالَم ـ إن النساء بحكم طبيعتهن لم يُهيأن للعلم». ثم تمضي قائلة: «إن دعاة الحركة النسائية يطالبن بمشاركة أكبر للنساء في حقل العلم، لكنهن يقلن إنه من اللازم أن يتغير العلم كي يلائم النساء» ـ مثلا، بالتأكيد على المناهج الكيفية أكثر من الكمية.

 

وهناك من يرفض تقييم كورتج. فكيلر ـ التي تُسَلِّم بأن عملها طالما فُسِّرَ بهذه الطريقة ـ تعترض على ذلك قائلة: «لم أدفع إطلاقا بأن النساء يَقُمن بنوع آخر من العلم. لقد كانت قضيتي دائما هي تحرير العلم والمرأة كليهما.»

 

وبالمثل، فإن مارتن ترى أن تعريض طلبة هذه الأيام لأفكار دعاة الحركة النسائية سيساعد هؤلاء الطلبة: «فلن يكونوا بالطراز نفسه من العلماء والأطباء وغيرهم. إنهم سيطرحون أسئلة جديدة.» هذا ومن الطبيعي أن لا تصمد أمام الزمن كل فكرة تُطرح في دراسات العلم النسائي ـ بيد أن ذلك ينطبق أيضا على كل النظريات العلمية المتداولة.

<ساشا نيميسيك>

الانبهار الرهيب بوسائل الإعلام

كان <Ch. كارتر> في وضع صعب حيث عليه الإجابة عن أسئلة حرجة جدا، فهو معدُّ البرنامج التلفزيوني «ملفات X» ـ الذي يتناول قصة عميلَيْن فيدراليين يحققان في ألغاز الخوارق ـ وعليه أن يلقي خطابا خلال مأدبة غداء صغيرة في المؤتمر العالمي الأول للمتشككين skeptics الذي عُقد في الشهر 6/19966 بجامعة بافالو. لقد صار برنامج شبكة فوكس ـ هذا الذي يركز على المخلوقات من خارج الأرض وعلى السحر والاستبصار وتحريك الأجسام من خلال وسيط روحي، وغير ذلك من منتوجات الثقافة الشعبية ـ كمانعة الصواعق بالنسبة للكثيرين ممن آلمهم تزايد الاعتقاد بالخوارق وانحسار التفكير العقلاني الناقد. وقد قال كارتر توطئة لحديثه: «إنني أتوقع بعض الأسئلة العسيرة جدا، لكنني أشعر بضرورة مواجهة الذين يتهمونني.»

 

لكنه لم يواجه مشقةً كبيرة كما توقع: إذ يبدو أن معظم من حضروا المأدبة كانوا يجدون في برنامجه متعة. ويصعب نوعا ما أن نفهم سبب القلق. فكتَّاب المسرح يعتمدون منذ فترة طويلة على الأشباح والأرواح في تحريك القصة. وقد وجد بعض المراقبين أنه من السُّخْف أن يُطلب إلى التلفزيون أن يكون أكثر حصافة. يعلق على ذلك <R .W. أندرسون>، أستاذ الفيزياء والفلك في كلية سكرامنتو، قائلا: «لا أحد يسعى لتعلم التاريخ من خلال روايات شكسبير.»

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H03_006782.jpg

أحجيات الخوارق تتفحصها الممثلة <G. أندرسون> والممثل <D. داشوفني> المسلسل التلفزيوني الشعبي «ملفات X».

 

ومع ذلك يتذمر المتشككون لأن برنامج «ملفات X» ليس إلا واحدا من فيض من برامج جديدة تؤكد الخوارق، ويحاول البعض منها أن يبدو كما لو كان وثائقيا. وفيلم «تشريح الغريب» ـ الذي تعرضه أيضا شبكة فوكس ـ يقدم مشاهد يُدَّعى أنها تبين تشريح كائن غريب من خارج الأرض هبط وتحطمت مركبته في نيومكسيكو عام 1974. كما بثت الشبكة NBC فيلم «الأصول الغامضة للإنسان» الذي يؤكد أن البشر عاشوا على الأرض مع الدينوصورات. وفضلا عن اعتماد هذه البرامج على شواهد مشكوك فيها تماما، فإن لها أيضا اتجاها تآمريا؛ إذ تحاول أن تبرهن على أن الحكومات وعلماء الاتجاه السائد يتسترون على المعلومات في هذا المضمار.

 

إن <P. كورتز>، رئيس لجنة الفحص العلمي لادعاءات الخوارق (CSICOP) التي نظمت مؤتمر المتشككين تحت عنوان «العلم في عصر المعلومات (المضللة)» يعلق قائلا: «إلى حد كبير، يفهم الناس العلم من خلال أجهزة الإعلام. ومن المفروض أن يُحَصِّلوه في المدرسة، لكن هذا ليس إجباريا في الكثير من الحالات.» إن ثلث الأمريكيين يشاهدون التلفزيون أربع ساعات أو أكثر يوميا، وتبين الدراسات أن معظم الناس يحصّلون معلوماتهم العلمية من التلفزيون.

 

لكن العلم الحقيقي والتفكير الناقد في التلفزيون مازالا يعانيان بعض التشويه. وكما يقول <W. إيڤانز>، أستاذ الاتصالات في جامعة جورجيا الحكومية الذي قام بمسح محتوى أفلام التلفزيون وبرامجه، فإن العلماء يقدمون في معظم العروض التلفزيونية أشياء خطرة. والتفكير المتشكك يعوق حل المشكلات.

 

لقد حاولت جماعة المتشككين أن تقاوم هذه التحيزات. وقد بدأت الجهود المنظمة عام 1976 عندما شكلت مجموعة من الأكاديميين والسَّحَرة اللجنةCSICOP. حاولت هذه المجموعة في معركتها أن تهذب الشبكات، فاحتجت على عدم «التوازن» ـ من ميل المنتجين في البرامج التلفزيونية إلى إجراء عدد من اللقاءات مع المصدقين يفوق عدد المتشككين، وإلى تخصيص وقت قصير لدحض المزاعم بوجود الخوارق. وقد قامت هذه اللجنة، مع أخرى أحدث منها تسمى «مجتمع المتشككين» ـ ومركزها كاليفورنيا ـ بتفحص الادعاءات المذهلة في هذا المضمار وإصدار المطبوعات ونشر المجلات.

 

ومن المحزن أن ازدياد البرامج عن الخوارق إنما يشير إلى فشل تلك المساعي. يقول كورتز بأسى: «كنا نظن أن الناس سينبذون ادعاءات الخوارق بمجرد توافر المعلومات لديهم، لكن المشكلة أضخم وأعقد كثيرا مما كنا نظن.»

 

وما يقلق أكثر من ازدياد ادعاءات الخوارق، هو تغير ديمغرافية المؤمنين بها. وليس ثمة إحصاءات دقيقة، لكن المراقبين يتفقون على أن الاهتمام بالخوارق أخذ يتسرب عميقا إلى أسر ذات مستوى تعليمي عال ودخول مرتفعة. ومثل هذا الجمهور يجذب المعلنين، كما يلاحظ إيڤانز: «أخيرا سيستطيعون أن يسوِّقوا نظريات التآمر إلى أناس دخولهم عالية.»

 

وهذا الرواج الجديد يقترح أن العلم الزائف سيزداد انتشارا بوساطة وسائل الإعلام. وقد تزايدت الضغوط، مع توالي اندماج شركات الإعلام، لملء الخزائن بمنتجات أكثر رواجا. فالشركات الكبيرة تمتلك الآن كل الشبكات الرئيسية التقليدية: فالشبكة ABC تمتلكها ديزني كابيتال سيتي، والشبكة CBS تمتلكها وستنگهاوس، والشبكة NBC تمتلكها جنرال إليكتريك. أما عملاقا محطات الكبل التلفزيونية: تايم ورنر وتيرنر برودكاستنگ سيستم، فقد وحّدا قواهما.

 

وقد بارك النزعةَ نحو الاندماج قانونُ الاتصالات السلكية واللاسلكية الذي صدر عام 1996. فهذا القانون، إضافة إلى إصلاحه نظم المكالمات الهاتفية البعيدة المدى، أزال الكثير من النصوص المضادة للشركات الاحتكارية. يجادل <G. جيربنر>، خبير الاتصالات الذي عمل سابقا في جامعة پرنستون، بقوله: «لقد أُطْلق العنان بالفعل للشركات المحتكرة على المستوى العالمي،» ويقول إن لدى هذه الشركات المختلطة، في اندفاعها التنافسي نحو الربح، «الكثير مما يُباع ولكن القليل مما يستحق الذكر.»

 

وعلى هذا فإن ما تلقاه الخوارق من إعجاب واسع يجعلها إضافة مثيرة إلى ما هو مألوف من البرامج العادية والعنف والدغدغة. وفرص الترويج المتبادل، التي تنشأ عن اندماج الشركات، تتسبب هي الأخرى على الأغلب في تفاقم الحال في هذا المضمار. وعلى سبيل المثال، بثَّت الشبكة ABC برنامجا عن لقاءات مع القادمين من خارج الأرض يحث المشاهدين على زيارة تومورولاند (بلاد الغد)Tomorrowland في عالم ديزني استعدادا للقاء الغرباء.

 

«لقد كان النشر يرتكز على أرباح تبلغ 6%»، يقول <C .M. ميلرخبير> الإعلام في جامعة جونز هوپكنز، «أما الآن فإن ثمة ضغوطا تمارَسُ على الشركات لجعله ما بين 12 و 16 في المئة.» ويؤكد أنه «مع ازدياد التنافس بين الشركات العملاقة فإنها تلجأ أكثر إلى التفاهات الخرافية. خذ مثلا شخصا مثل<R. مردوخ>» ـ كذا يقول عن قطب وسائل الإعلام العالمي ـ «لقد كوّن ثروته بإفساده الصحف، بالعلم الزائف والخرافات وأبواب الحظ وحكايات المعجزات والأعاجيب، إذا اكتفينا بالبعض. إن مردوخ يُدخل عادة جرعة قوية من هذا النوع من الهراء، وعلى هذا فعندما تحوَّل إلى التلفزيون» أنشأ مردوخ شبكة فوكس عام 1986 ـ «لجأ إلى استخدام الوصفة ذاتها.»

 

وقد تَسَبَّب دافع التصنيف rating والربح في طمس الحدود بين التسلية والمعلومات. يقول ميلر في هذا الصدد: «لم يعد بالإمكان أن نعرف بثقة أين يوجد الخط الفاصل.»

 

وعلى الرغم من فشل اللجنة CSICOP الواضح في الماضي، فإنها تخطط كي تصبح أكثر عدوانية باتخاذ إجراءات خاصة مضادة للعلم الزائف. ففي العام الماضي قامت هذه اللجنة بتشكيل «مجلس تكامل أجهزة الإعلام» الذي يتألف من أعضاء من عالم العلم والأكاديميين (من بينهم رئيس تحرير مجلة ساينتفيك أمريكان). وسيقوم هذا المجلس بالرد سريعا على الادعاءات غير المسؤولة. أما الائتلافات الشعبية المناصرة، مثل حركة البيئة الثقافية التي أسسها جيربنر في فيلادلفيا، فستنادي بأجهزة إعلام أكثر مسؤولية واستقلالا. وأخيرا، فقد اقترح بعض الباحثين برامجَ تلفزيونية تقدم العلم بصورة إيجابية ـ منهم <L. ليدرمان> الحاصل على جائزة نوبل والذي يُدَهْلِز من أجل مسلسلات تمثيلية علمية، و<C. ساگان> الذي يحث على تطوير مسلسلات غير روائية تبين مثلا كيف يمكن للشكوكية skepticism أن تفضح زيف ادعاءات الخوارق.

 

صحيح إن هذه المجهودات نبيلة المقصد، لكن من المستبعد أن تعمل في وقت قريب. ويعلق إيڤانز على ذلك بقوله: «من الصعب حقا أن نتخيل قبولا جماهيريا لعروض شكوكية.» وفي الواقع، إن مسلسل «المسبار» Probe لـ <إسحاق عظيموف> ـ الذي يقدم حلولا مقبولة علميا للظواهر الخارقة المزعومة ـ توقف عام 1988 بعد بضع حلقات؛ ثم إن كبار إداريي الشبكات التلفزيونية قد أعرضوا حتى الآن عن ليدرمان.

 

إن لب الموضوع هو أن الناس ينشدون الإيمان بحثا عن الراحة أو سعيا إلى إيجاد معنى لهذا العالَم المعقد. وينبه إيفانز بقوله: «على المرء أن يتفهم سبب تصديق الناس هذا الهراء.»

 

لكننا لم نفقد الأمل كله في جمهور أكثر انتقادا. توضح الدراسات أنه إذا ما نُبِّه المشاهدون، قبل عرض برنامج يرتكز على علم زائف، إلى أن هذا البرنامج هو للتسلية ـ فإن ذلك سيؤثر في إدراكهم: إذ يصبحون أكثر تمييزا لما يشاهدونه (لقد كان المشاهدون أكثر تصديقا لافتراضات العرض عند عدم وجود إشعار من أي نوع). إضافة إلى ذلك فقد أظهرت دراسة نشرتها وزارة التربية والتعليم في الشهر 11/1996 أن تقديرات طلبة المدارس الثانوية في العلوم والرياضيات، بلغت مستويات لم تُعرف منذ خمسة وعشرين عاما.

 

وإذا ما تمّ تعليم التفكير الناقد بشكل أكثر فعالية، فربما يصبح بإمكان كتّاب المسلسلات، من أمثال <كريس كارتر>، أن يقدموا أفضل أعمالهم من دون أن يثير ذلك أي جدل حولها. وكما قال كارتر: «إن ما أردت أن أفعله بطريقة لاذعة هو أن أثير الذعر بين الناس كل ليلة جمعة.»

<فيليب يام>

Scientific American, January 1997

 

(1) طوبوية Utopia: مثالية يصعب تحقيقها؛ قَبْتقانية Pretechnological: نحت من قبل تقاني.

(2) Postdiluvian Science.

(3) الدهلزة (المراوضة) lobbying: محاولة التأثير في رأي الآخرين.

(4) feminist camp: معسكر القائلين بالمساواة بين الجنسين.

(5) feminist science studies.

(6) gender: نسبة إلى الجنسين، الذكور والإناث.

 

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى