أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الدلافين وفقاقيعها الحلقية

 

الدلافين وفقاقيعها الحلقية

كنوع من اللهو، تقوم مجموعة من الدلافين

القنينية الأنف في هاواي بتشكيل حلقات

ولوالب هوائية وَمَّاضة ثابتة.

<K. مارتن> ـ <كريم شريف> ـ <S. پساركوس> ـ <J .D. وايت>

 

تحت جروف شاطئ مكاپو الشاهقة في جزيرة أواهو بهاواي، يقع مختبر (مخبر) فريد من نوعه مخصص لدراسة الدلافين. ففي مشروع دِلْفِس الذي تديره مؤسسة إيرْث تَرَسْت ـ وهي مؤسسة تهدف إلى المحافظة على الطبيعة ولا تبغي الربح ـ بالاشتراك مع حديقة هاواي للحياة البحرية، تُجرَى بحوث تتراوح بين استقصاء الوعي الذاتي self-awareness  للدلفين إلى استكشاف ذكاء الحيوان بالاستعانة بحاسوب موجود تحت الماء ومزود بشاشة لمسية. ولا يستخدم علماءُ المختبر الطعامَ مكافأةً، ومن ثم يكون كل سلوكها المشاهد هو تصرفها بمحض إرادتها.

 

إن من أروع الأنشطة التي شاهدناها في أثناء قيامنا بالأبحاث، واحدا لا يستند البتة إلى أي لعبة من صنع تقنيات الإنسان المتطورة. فعوضا عن ذلك قامت الدلافين بابتكار تساليها الخاصة بها، وذلك بتحريك الماء بزعانفها ثم نفخ فقاقيع في الدوامات المتكونة لتُنْتج حلقات ولوالب هوائية. وعلاوة على ذلك فقد ثَبَت أن الفكرة الفيزيائية التي وراء الحلقات الهوائية جديرة بالاهتمام حقا. ويشك البعض في أن الدلافين حيوانات حادة الذكاء، ولكن هذه المشاهدات تدل على أنها واسعة الخيال.

 

وكحيوانات تتنفس الهواء، تُطْلِق الدلافين فقاقيع كلما زفرت تحت الماء. وقد لاحظ دارسو سلوك الدلافين، أنها عند الإثارة أو المباغتة أو الفضول تدفع الهواء أحيانا بشدة من ثقب التنفس (المُتَنَفَّس) blowhole مولدة فقاقيع كبيرة محددة الشكل تنساب بسرعة نحو سطح الماء. وأحيانا عندما تصدر هذه الحيوانات أصواتا يتدفق منها سيل من الفقاقيع الصغيرة؛ وقد تضيف هذه الفقاقيع عنصرا جديدا إلى رسالتها الصوتية يمكن الكشف عنه بمجرد الرؤية أو بالسونار (المسبار الصوتي).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006788.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006789.jpg

هالة هوائية ترق ويتوسع نصف قطرها كلما دَفَعها إلى سطح الماء جريانٌ في الدوامة (الأسهم) خلال مركز الحلقة. وتعمل الدوامة أيضا على تدعيم الحلقة، وتمنعها من التفكك إلى فقاقيع أصغر. وفي الشكل نرى كايكوو يصنع إحدى الحلقات التي يتتبعها إلى أعلى خلال الماء (ڤيديو ستيلز، من أسفل إلى أعلى).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006790.jpg

 

ولأسباب واهية، تقوم الدلافين أيضا بتشكيل ضروب من الفقاقيع أكثر غرابة.

 

ففي السنوات القليلة الماضية أعلن الباحثون العاملون في عدد من المماهات (المتاحف والمراكز البحرية) oceanariums المنتشرة حول العالم، أن باستطاعة مجموعة متنوعة من الثدييات البحرية نفخ حلقات هوائية ناعمة وثابتة تدوم في الماء بضع ثوان. ونظرا للتقنيات المعقدة والتدرب اللازمين لتكوين مثل هذه الحلقات وأيضا اللوالب التي شاهدناها، يبدو بوضوح أن هذه الفقاقيع ليست مجرد رد فعل تلقائي لنذير مفاجئ أو وسيلة نموذجية من وسائل الاتصال. وقد تبين لـ <W. جيولت> (من حدائق الحيوان في دوسبرگ بألمانيا) أن دلافين من نهر الأمازون (Inia geoffrensis) غير مدربة تُنتج فقاقيع بطرق غير عادية وبأساليب مَرِحَة. فتطلق هذه الحيوانات هواء من أفواهها فتكوّن قلائد من الفقاقيع التي قد تمر من خلالها أو تقضمها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006791.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006792.jpg

تتكون الحلقات الأفقية المتحركة عندما يضرب أحد الدلافين الماء بذيله بشدة وهو يسبح على أحد جانبيه. إن حركة الذيل الأفقية مع ميل طفيف نحو الأسفل يكونان دوامة تنتقل في الاتجاه نفسه (a). ثم يدور الدلفين لينفث الهواء داخل التيار الذي يدور حول نفسه (b)؛ ثم ينساب الهواء على طول قلب الدوامة (c)، مكونا حلقة تتحرك في اتجاه التيار من خلال مركزه. وقد صُورت الأنثى البالغة لاكا (في اليسار) وهي تزفر في الدوامة متفحصة ما صنعته.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006793.jpg

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006794.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006795.jpg

 

وفي مكان آخر، في حوض عالم بحار إفريقيا بكاليفورنيا، لاحظ كل من <D. ريس> و <J. أوستمان-ليند> أن الدلافين القنينية الأنف (Tursiops truncatus) التي بالمماهة تلهو بتكوين حلقات شبيهة بتلك التي سبق أن شاهدناها. كما أن <S .K. نورس> (من جامعة كاليفورنيا بسانت كروز) وصف حيتان البيلوگا (Delphinapterus leucas) في مماهة ڤانكوفر بأنها تطلق فقاقيع من ثقوب تنفسها ثم ترتشفها بأفواهها كجزء من سلوك مَرِح؛ بل إن بعض الناس شاهدوا حلقات هوائية تكونها الحيتان التي تعيش طليقة في الطبيعة. أما عالمة السلوك البيولوجي <K. برايور> فقد لاحظت ذكور دلافين المحيط الهادي (الپاسيفيك) المرقطة (Stenella attenuata) تنفخ حلقات هوائية خلال لقاءاتها الاجتماعية. كما شاهدت <D. هرزنج> (من جامعة أتلانتك في فلوريدا) استعراضات مماثلة من دلافين الأطلسي المرقطة (Stenella frontalis) التي تتجول بحرية في الطبيعة. وقد لاحظ مصور الثدييات البحرية <F. نيكْلِن> أيضا حيتان البيلوگا (البيضاء) التي تعيش في خليج بافين بكندا، وهي تطلق حلقات هوائية بينما تصفق تكرارا بفكوكها، ربما في استعراضٍ هجومي لقوتها.

 

ثقافة هاواي الحلقية

خلال السنوات الخمس الماضية، وفي حديقة الحياة البحرية بهاواي، قمنا بدراسة 17 دلفينا قنيني الأنف؛ تسعة منها تتراوح أعمارها من عام ونصف العام إلى 30 عاما، وكلها تُنْتج حلقات هوائية. واستنادا إلى ملاحظاتنا الشخصية في مماهات محيطية أخرى وإلى مشاورات أجريناها مع زملاء يعملون في مواقع مختلفة، صرنا نعتقد أن نفخ الحلقات هو أكثر شيوعا في حديقة الحياة البحرية بهاواي منه في أي مماهة أخرى. ويبدو أن الدلافين هنا قد خَلَقت «ثقافة حلقية» ring culture خاصة تتعلم بوساطتها دلافين مبتدئة كيفية صنع حلقات بحضور ما يفوقها خبرة من أترابها. ويعني ذلك، إلى حدٍّ ما، انتقال التقاليد من جيل إلى آخر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006796.jpg

اللوالب الهوائية غير مألوفة. فقد لاحظ المؤلفون أن تنكربل فقط (ڤيديو ستيلز، في الأعلى) هي التي تصنعها. ففي إحدى التقنيات تُطلق تنكربل دفعات من الفقاقيع، في حين تصنع زعنفةُ ظهرِها دوامة لولبية (a). وعندما تلتقي الفقاقيع بالدوامة (b)، تنسحب إلى داخلها، ثم تَنْدمج وتستطيل لتشكل لولبا هوائيا طويلا (c).

 

وتكوين الحلقات هوايةٌ هدفها تمضية الوقت على مَهَل؛ لأن الحيوانات لا تكوِّن الحلقات إلا عندما يحلو لها الأمر ـ وليس عندما تتلقى أمرا بذلك أو للحصول على مكافأة من الطعام. وعلاوة على ذلك، فإن صنع الحلقات لا يبدو أنه يتوافق مع سلوكيات وظيفية، مثل تناول الطعام أو القيام بنشاط جنسي. ولأن نفخ الحلقات أمر لا يمكن التنبؤ بحدوثه، فقد واجهنا بعض الصعوبات في رصده وتسجيله. ولكن بمرور الوقت، استحوذ على انتباهنا في الصور الفوتوغرافية وتسجيلات الڤيديو التي سبق التقاطها أن الغالبية العظمى من الدلافين كانت تلهو. (يمكن مشاهدة صور إضافية على الإنترنت فيhttp://earthtrust.org . كما يمكن الاطلاع على فيلم سينمائي سريع ضمن برنامجhttp://www.sciam.com . ومن سوء الطالع أن كلا من وسيلتي الإعلام المذكورتين لا تفي الدلافين حقها. ولكن الصور الموثقة قد تُظهر معلومات هامة حول فيزيائية الحلقات.

 

ويتبين من مشاهداتنا أن الدلافين تستخدم ثلاث تقنيات أساسية لتكوين الحلقات. ففي أبسط الطرق (التي يستعملها أيضا الغطاسون من البشر)، تقوم الدلافين بنفخ فقاقيع من ثقوب تنفسها، وتتحول هذه الفقاقيع إلى هالات هوائية يتمدد قطرها في حين يتقلص سمكها كلما ارتفعت نحو سطح الماء. [انظر الشكل في الصفحة 34]. لقد استطاع أحد الدلافين التي راقبناها، وهو ذكر بالغ يدعى كايكووو، إطلاق حلقتين بالتتابع ومن ثم قام بدمجهما ليكونا حلقة واحدة كبيرة.

 

إن الفيزياء التي تتحكم في هذا الطراز من الحلقات سهلة نسبيا: فأي فقاعة كروية الشكل يفوق قطرها سنتيمترين تقريبا، تتحول سريعا إلى حلقة بسبب الفرق في ضغط الماء بين أعلى الفقاعة وأسفلها. ولأن ضغط الماء يزيد بزيادة العمق، يعاني قعرُ الفقاعة ضغطًا أعلى مما يلاقيه سطحها العلوي. ويتغلب الضغط من أسفل على التوتر السطحي للكرة مما يؤدي إلى ثقبها في الوسط مكونا ما يشبه الكعكة.

 

وبينما ينساب الماء خلال هذا الثقب، تتكون حول الفقاعة دوّامة vortex. وتنتقل أية دوامة حلقية في نفس اتجاه حركة الماء المتدفق نحو مركزها. وفي حالة تلك الحلقات الهوائية البسيطة، يدفع انسياب الدوامة ـ بالتوافق مع قابلية الهواء الطبيعية للطفو ـ  الفقاقيع نحو السطح. وعلى الرغم من أن عملية إنتاج حلقات مملوءة بالهواء عملية تتسم إلى حد ما بالبساطة، فإن الدلافين لا تستطيع نفخ حلقات ثابتة من دون قيامها ببعض التدريبات، مما يوحي بوجود عوامل إضافية لا بد من أخذها في الاعتبار ـ مثل لزوجة المياه وكيفية نفث الهواء من ثقب التنفس.

 

وبطريقة أكثر تعقيدا، يمكن للدلافين أن تصنع حلقات تنتقل أفقيا، بل حتى أحيانا إلى أسفل الماء. وعلى سبيل المثال، قد يسبح دلفين ما مسرعا نحو الأمام على جنبه، بحيث يبدو فصّا الذيل (أي الزعنفة الذيلية) ـ الأُفُقِيّا الوضع عادة ـ عموديين. ويولِّد الحيوان، بدفعه فصي ذيله بشدة نحو اتجاه واحد، دوامةً حلقية خفية تنتقل أفقيا مع ميل بسيط نحو الأسفل. وبعد دورانه بسرعة، يجد الدلفين الدوامة فينفث فيها فقاعة من ثقب التنفس (غالبا ما يصدر الدلفين سلسلة من الطقطقات المسموعة قبل نفثه الهواء، مما يوحي بإمكان استخدام السونار لتحديد موقع الدوامة الخفية.) إن الضغط داخل دوامة أكثر انخفاضا في مركزها، أو ما يُسمى «عينها»؛ وعندما يزفر الدلفين داخل الدوامة ينتقل الهواء إلى المنطقة الأقل ضغطا ويتمدد على طول قلب الدوامة الحلقية الشكل [انظر الأشكال في أعلى الصفحتين السابقتين].

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N3_H05_006797.jpg

خَصص المختبر في حديقة هاواي البحرية نافذة ليتسنى من خلالها مشاهدة عالم الدلافين المَرِح.

 

والحلقة الناتجة من ذلك قد يصل قطرها حتى 60 سنتيمترا (قدمين) وبسماكة تزيد قليلا على سنتيمتر واحد، وتنتقل أفقيا في الماء. ومرة أخرى تعكس حركةُ الحلقة اتجاهَ تدفق الماء خلال مركزها. وفي حالة الدوامة التي تكونها زعنفة الدلفين الذيلية يكون هذا التدفق أفقيا، بل إنه يتجه أحيانا نحو الأسفل. فبوساطة رمية جانبية بمقدم الرأس أو الفكين، يمكن للدلفين انتزاع حلقة صغيرة من الحلقة الأكبر ثم يوجه سيرها خلال الماء.

 

إن صنع دوامة بفصي الذيل وزرع فقاعة بداخلها عملية يمكن القيام بها بطرائق عديدة. فكثيرا ما تضع الأنثى البالغة (لاكا) نفسها في وضع عمودي في الماء موجهة رأسها لأسفل وذيلها لأعلى، ثم تقوم بعد ذلك بخفق ذيلها نحو الأسفل لتدفع بدوامة إلى الأعلى. ثم تملأ لاكا الدوامات بهواء تنفخه لا من ثقب تنفسها فحسب إنما أيضا من فمها. وأحيانا تلتقط لاكا الهواء من فوق سطح الماء بضربة سفلية شديدة من فصي ذيلها. إضافة إلى ذلك، شاهدنا لاكا تطلق من فمها فقاقيع صغيرة تنساب بمحاذاة جسمها، وعندما تصل الفقاقيع إلى فصي ذيلها تخفقها وتحولها إلى حلقة؛ حتى إنها تستطيع أن تزيد مساحة حلقة ما بحقنها بمزيد من الهواء.

 

إجراء اختبارات بالفقاقيع

إن النمط الثالث للدوامة المملوءة بالهواء يبين، بصورة مثيرة للدهشة، قدرة الدلافين على إجراء الاختبارات. فقد راقبنا في مناسبات قليلة تنكربل، وهي أنثى يافعة وابنة لاكا، تشكل لوالب هوائية طويلة مستخدمة تقنيات هي الأشد تعقيدا بين كل ما رأيناه سابقا. ومما لا شك فيه أن هذه التراكيب الأكثر تعقيدا ناتجة من ضبط دقيق يستحق الاعتبار من خلال ممارسة التجربة والخطأ. فقد طورت تنكربل طريقتين مختلفتين تماما لصنع اللوالب. تعتمد إحداهما على إطلاق مجموعة صغيرة من الفقاقيع بينما تسبح في مسار منحنٍ قرب حائط الحوض (الصهريج). وبعد ذلك تنحرف بسرعة بينما تمس الزعنفة الظهرية الفقاقيع برفق. وتعمل الدوامة التي كونتها الزعنفة على تجميع الفقاقيع معا وتلفها إلى لولب يتراوح طوله بين ثلاثة وخمسة أمتار [انظر الأشكال في أسفل الصفحتين السابقتين]. كما أننا شاهدنا تنكربل تسبح عبر الحوض وفق مسار منحنٍ نوعا ما، مخلفة وراءها دوامة خفية ناتجة من حركة الزعنفة الظهرية. ثم تعود وتتبع المسار نفسه نافثة في الدوامة تيارا هوائيا، مما يشكل لولبا طويلا يندفع أمامها.

 

وفضلا عن ذلك ولأن الضغط في مركز (عين) دوامة ما هو الأكثر انخفاضا، فحالما تكون الفقاقيع داخل الدوامة تتجه نحو المركز تندمج معا ثم تستطيل إلى أنبوب لولبي. وغالبا ما يكون الأنبوب الهوائي في الماء غير مستقر، فلا يلبث أن يتفكك إلى فقاقيع أصغر. ومع ذلك فجميع حلقات الدلافين ولوالبها لامعة وملساء بسبب تغيرات الضغط داخل الدوامة (ضغط منخفض عند المركز، يرتفع تدريجيا إلى ضغط أعلى عند الأطراف) التي تعمل في الواقع على تثبيت الأنبوب بتمليس التجعيدات التي تؤدي بطريقة أخرى إلى تكسير الفقاعة الكبيرة.

 

وعلى الرغم من أننا لم نشاهد أيا من الدلافين يكوّن لوالب سوى تنكربل، فإن التمرس على صنع الحلقات ينتشر عند عشائر (جمهرات) الدلافين؛ إذ إن بعض أفرادها يتعلم التقنية بحضور أترابها من نافخي الحلقات. لقد كان لدينا الفرصة لمراقبة حلقات أحد الدلافين اليافعة يتطور إتقانه لها خلال مدة تفوق الشهرين متدرجا من الفقاقيع غير الثابتة وغير المتقنة والتي تتلاشى بسرعة، وصولا إلى حلقات ثابتة وبرَّاقة تدوم في الماء بضع ثوان. وتحتاج الدلافين الأكبر سنا أيضا إلى مزيد من الوقت لتكتسب المهارة. فأحد الذكور البالغة (كيولا)، عاش في حوض التجارب مدة سنتين مع دلافين لم تنتج حلقات هوائية، وخلال هذه الفترة لم نلاحظه ينتج أي واحدة منها على الإطلاق. ولكن عندما انتقل أخوه الأصغر كايكوو الذي ينتج الحلقات إلى الحوض نفسه، أخذ كيولا يراقبه فترات طويلة وهو ينفخ الحلقات. وبعد مضي شهرين بدأ كيولا في صنع حلقات خاصة به، كانت تتقدم درجة إتقانها ببطء.

 

كنا قد لاحظنا أن دلافين أخرى تترصد وتراقب بإمعان رفاقها في الحوض من نافخي الحلقات، مما أوحى إلينا بأن عرض  المهارات يثير اهتمام الحيوانات أو يتيح الفرصة أمامها كي تتعلم. فقد تسنّى لنا في عدة مناسبات مشاهدة الأخوين كيولا وكايكوو مترافقين جنبا إلى جنب في قعر الحوض، نافخين تكرارا حلقات كبيرة تشبه الكعكة إما في الوقت نفسه أو بعد توقف بينهما لا يتجاوز الثانية الواحدة. كما أننا شاهدنا أيضا إحدى الإناث تسبح مباشرة خلف أنثى أخرى كانت تنفخ حلقات، وتنتج دفعات خاصة بها من الفقاقيع الصغيرة بينما هي تراقبها.

 

لقد استدرجت الدلافين الإنسان أيضا في لهوها: ففي أحد الأيام وخلال فترة غنية بإنتاج الحلقات كانت تنكربل تقوم بنفخ إحدى الحلقات تكرارا، ثم تأتي إلى نافذة المختبر حيث كان أحدنا (بساركوس) يقوم بتسجيل فيلم ڤيديو، وكأنه يشاركها هذا النشاط. وبمجرد أن نفخنا فقاعات من الصابون داخل المختبر أمام نافذة الدلافين، وخلال بضع دقائق انضم أحد الدلافين بنفخه حلقة بسيطة شبيهة بالكعكة ترتفع نحو سطح الماء بالقرب من نافذة المختبر. لقد كانت المفاجأة الحقيقية عندما سبح الدلفين بعيدا عن النافذة وقام بصنع عدد من الحلقات الدوامية المفلطحة (المبططة) fluke ـ مختلفة تماما عن تلك التي كان  ينفخها كل واحد منا عند نافذة الدلافين.

 

وإذ تستمر دراستنا للدلافين القنينية الأنف في حديقة الحياة البحرية بهاواي، يراودنا الأمل في تفهم أفضل لسلوكها. ولما كانت هي الحيوانات الوحيدة من بين اللارئيسيات nonprimates  التي أظهرت دلالات قوية على الوعي بالذات، فقد تُعَلِّمنا هذه الدلافين طبيعةَ الذكاء من خلال لهوها وتجاربها التي تقوم بها. ولكن عندما نشهد قدراتها المدهشة، سنأسف أن يكون هناك من يعتبر الدلافين حيوانات يمكن التضحية بها. وتستمر الدلافين هدفا في شباك التونة، كما أنها تقع في شرك الشباك العائمة العملاقة والشباك الخيشومية(1) لتُعَلَّب كلحم حوت زائف. وكذلك تُصاد بإطلاق النار عليها كنوع من الرياضة أو لاستخدامها طُعْمًا لصيد السرطان (السَّلْطَعون). وتعمل المؤسسة إيرث ترست على التصدي لتلك الآراء، ولكنا نعتقد أن التغيير الجذري في السلوك البشري هو فقط الذي سيُحدث تغييرًا مستديمًا. وما نتطلع إليه بحماس هو أن نتمكن من خلال تقديم آراء جديدة حول عقل الدلافين، من إقناع الناس بإيقاف مذبحة تلك المخلوقات المدهشة.

 

 المؤلفون

K. Marten – K. Shariff- S. Psarakos – D. White

عملوا معا في دراسة حلقات الدلافين خلال العامين الماضيين. يعمل مارتن، الذي يدرس الصوتيات الحيوية وكذلك سلوك الدلفين، مديرا للبحوث في مشروع دلفس بمؤسسة إيرث ترست. وتخصص شريف في ديناميكية الموائع بمركز إمز القومي للملاحة الجوية وإدارة الفضاء. وبساركوس عالم حاسوب ومدير مشارك لمشروع بحوث الدلفين ضمن مشروع دلفس. أما وايت فقد أنشأ المؤسسة إيرث ترست عام 1976 لتشجيع الحفاظ على الثدييات البحرية، وهو حاليا على رأس حملة جديدة في مجال بحوث الدلفين. ويتقدم المؤلفون بالشكر الجزيل إلى هيئة العاملين في حديقة الحياة البحرية بهاواي. ويمكن الحصول على معلومات عن المؤسسة إيرث ترست من خلال شبكة ألوها (earthtrust@aloha.net) أو من خلال Kaneohe 25 Bay Drive, Kailua HI 96734.

 

مراجع للاستزادة 

VORTEX RING BUBBLES. T. S. Lundgren and N. N. Mansour in Journal of Fluid Mechanics, Vol. 225,pages 177-196; March 1991.

EVIDENCE OF SELF-AWARENESS IN THE BOTTLENOSE DOLPHIN (TURSIOPS TRUNCATUS)Ken Marten and Suchi Psarakos in Self-Awareness in Animals and Humans: Developmental Perspectives. Edited by S. T. Parker, R. W. Mitchell and M. L. Boccia. Cambridge University Press, 1994.

USING SELF-VIEW TELEVISION TO DISTINGUISH BETWEEN SELF-EXAMINATION AND SOCIAL BEHAVIOR IN THE BOTTLENOSE DOLPHIN (TURSIOPS TRUNCATUS), by Ken Marten and Suchi Psarakos, pages 205-224, and related articles on animal consciousness in Consciousness and Cognition, Vol. 4, No. 2, pages 205-269; June 1995.

General information on dolphin cognition research and the organization Earthtrust is available on the World Wide Web at http://earthtrust.org

Scientific American, August 1996

 

(1) شباك خاصة لصيد السمك من خياشيمه.  (التحرير)

 

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى