أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
بيولوجياعلم الحيوان

المنطق الجزيئي للشم

المنطق الجزيئي للشم

تستطيع الثدييات تعرّف آلاف الروائح التي يثير بعضها

استجابات قوية لديها. وتوضح التجارب الحديثة

كيف يمكن للأنف والدماغ تعرّف الروائح وتمييزها.

<R. أكسل>

 

قد تكون حاسة الشم أكثر الحواس إثارة. ففي رواية <M. بروست> ” تذكُّر أشياء قديمة”، يقود الحنين إلى نكهة وعبير فطيرة المادلين الرقيقة إلى وصف حاستي الذوق والشم، وهما “الحاستان الأكثر هشاشة وضعفا ولكنهما الأكثر ثباتا وبقاء.. حيث تثير قُطَيْرة من روح العطر السيرورة الواسعة لعملية التذكّر.” وغالبا ما يرى الإنسان في حاسة الشم حاسة جمالية، في حين تعد هذه الحاسة لدى معظم الحيوانات الحاسة الأساسية التي تعتمد عليها لتعرّف طعامها وتعرّف عدوها من صديقها. فالروائح تشكل بالنسبة للعديد من الكائنات الحية أكثر الوسائل فعالية للاتصال بمحيطها وتعرّفه؛ إذ يعد السلوك الفطري (الغريزي) الذي تستجيب به هذه الكائنات الحية لحادثة الشم عاملا أساسيا لبقائها على قيد الحياة، وغالبا ما ينتج ذلك من إدراكٍ غير واع للرائحة.

 

ولكل كائن حي حاسة شم خاصة به محددة جينيا (وراثيا). وترتبط هوية الشم هذه بقدرة ملحوظة على تمييز روائح متنوعة ومختلفة. فالإنسان مثلا يمكن أن يتعرف نحو عشرة آلاف رائحة تتدرج من الرائحة الذكية التي تفوح من زهور قطفت حديثا إلى الرائحة الكريهة التي يطلقها ظربان هائج. ولكن العديد من الحيوانات تتمتع بحساسية للروائح أكبر من تلك التي للإنسان؛ فالدّموم (وهو الكلب الذي يلاحق الطريدة) مثلا ذو قدرة عجيبة وفائقة على تمييز الروائح.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006874.jpg

ينقل جهاز حاسة الشم عطر الزهرة من نشقة إلى بسمة، حيث يتم أولا اكتشاف الرائحة في المنطقة العليا من الأنف في الظهارة الشمية. وترتبط في هذه المنطقة جزيئات الرائحة بمستقبلات شعرية، أو ما يسمى بالأهداب. تشكل هذه المستقبلات جزءا من العصبونات التي يمكن أن تمتد  3 – 4 سم من داخل الأنف إلى الدماغ. وتتوجه المحاوير من جسم الخلية العصبية إلى البصلة الشمية في الدماغ. وتتجمع  (تلتم) المحاوير في البصلة في مواقع تسمى الكبيبات، ومنها تنتقل الإشارات إلى مناطق أخرى في الدماغ بما في ذلك القشرة الشمية. ويشكل عضو الميكعة الأنفي جزءا من منظومة حسية منفصلة تتحكم في الاستجابات الفطرية (الغريزية) لدى بعض أنواع الثدييات، علما بأن دورها غير معروف بصورة جيدة عند الإنسان.

 

إن الطيف الواسع من الروائح التي يتحسسها الإنسان بوعي وإدراك يثير لديه استجابات انفعالية مُدْرِكَة متنوعة. ولكن هل هناك روائح أخرى يستطيع الإنسان أن يشعر بها على نحو غير متعمد منه لهذا الإدراك الحسي؟ وهل تثير مثل هذه الروائح لديه أي استجابات سلوكية فطرية؟ وكيف يقود الإدراك الحسي لروائح خاصة إلى تفكيرٍ وتذكر وتصرف ملائم؟ وسواء كانت حاسة الشم أساسية أو جمالية في النوع الحي، فإن جميع الكائنات الحية قد كوّنت خلال مراحل تطورها آليات لتعرّف الروائح المختلفة ولنقل هذه المعلومات الشميّة من الأنف إلى الدماغ، حيث يتم تكويدها وتعرّفها لتقدم صورة داخلية عن العالم الخارجي.

 

وكمتخصصين في مجال البيولوجيا الجزيئية يدرسون الإدراك الحسي، قمت وزملاء لي باختصار هذه الأسئلة على مستوى الجينات والبروتينات. واستخدمنا هذه الجزيئات لدراسة كيف تتعرف الحيوانات هذا العدد المتنوع من الروائح، وكيف يُترجَم هذا التعرف في الأنف إلى خريطة لنوعية الروائح في الدماغ.

 

إن التشريح الأساسي للأنف والجهاز الشمي قد فُهِم منذ زمن. ففي الثدييات مثلا يتم الكشف الأولي عن الرائحة في الجزء الخلفي من الأنف، في منطقة صغيرة تُعرف بالظهارة الشمّية olfactory epithelium. ويُظهر الفحص الطبقي الإلكتروني لهذه المنطقة وجود نوعين هامين من الخلايا فيها. ففي هذه المنطقة الملايين من العصبونات ـ وهي خلايا الإشارة signaling cells  للأجهزة الحسية ـ التي تؤمن اتصالا فيزيائيا مباشرا بين العالم الخارجي والدماغ. تمتد نحو الخارج من إحدى نهايتي كل عصبون حسّاسات شعيرية تسمى الأهداب cilia وتكون على اتصال مباشر بالهواء، في حين يمتد نحو الدماغ الطرف الآخر من الخلية كخيط ليفي يعرف بالمحوار axon. إضافة إلى ذلك تحتوي الظهارة الشمّية على خلايا جذعية عصبونية تولد عصبونات شمية في أثناء حياة الكائن الحي. وعلى خلاف معظم العصبونات التي تموت ولا تستبدل أبدا فإن عصبونات الحس الشمي تتجدد باستمرار.

 

وعند استنشاق الروائح فإن جزيئاتها ترتبط ببروتينات خاصة تنتشر من الأهداب وتعرف بالبروتينات المستقبِلة؛ ويُطلِق هذا الارتباط إشارة كهربائية تنتقل عبر العصبونات إلى البصلة bulb الشمية الواقعة في مقدمة الدماغ ومباشرة خلف الأنف. تعمل هذه البصلة كمحطة انتقالية أولى لعملية إيصال المعلومات الشميّة إلى الدماغ، إذ إن البصلة تصل الأنف بالقشرة الشمية ومنها نحو مراكز حسية عليا في القشرة الدماغية، وهي المنطقة الدماغية التي تتحكم في عمليات التفكير والسلوك.

 

عائلة من المستقبلات

وفي موقع ما من هذا الترتيب هناك منطق معقد يستخدمه الدماغ لتعرف الرائحة التي يتحسسها الأنف، ولتمييزها عن سواها، ثم لإثارة استجابة انفعالية أو سلوكية. ولسبر التنظيم الذي يتم في الدماغ، ابتدأتُ ومساعديّ بدراسة أول موقع تُدرَك فيه الرائحة فيزيائيا ـ وهو البروتينات المستقبلة للرائحة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006875.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006876.jpg

يبدو العصبون الحسي sensory neuron في الظهارة الشمية عند الإنسان (في اليسار) محاطا بخلايا داعمة، ومستقرا فوق طبقة من الخلايا الجذعية العصبونية التي تولد عصبونات شمية جديدة أثناء حياة الكائن الحي. وتبزغ من نهايات العصبون المنفرد أهداب شعرية تبدو مكبرة 17500 مرة (في الأعلى). ترتبط المستقبلات المتوضِّعة على هذه الأهداب بالجزيئات المكونة للرائحة. التقط هذه الصورة كل من <R .M. كوستانزو> و<E .E. موريسون> من جامعة فرجينيا كومنولث.

 

وبدلا من دراسة هذه المستقبلات بصورة مباشرة بدأت مع <L. باك> ـ وكانت تعمل وقتها باحثة فيما بعد الدكتوراه في مختبري، وتعمل الآن أستاذة في جامعة هارڤارد ـ بالبحث عن الجينات التي تكود encode مستقبلات الرائحة. فهذه الجينات تؤمن المرصاف template اللازم للبروتينات، أي الجزيئات التي تقوم بوظائف الخلايا. فإذا ما عزلنا الجينات التي تكود البروتين، أمكننا استخدامها وسيلة لدراسة بنية مستقبلات الرائحة ووظيفتها.

 

وعلاوة على ذلك، فإن استخدام الجينات في دراسة البروتينات يكون أبسط وأسرع من دراسة المستقبلات مباشرة. كما يمكن بسهولة، من خلال منابلة الجينات صنعيا، تعديل مستقبلات الرائحة على نحو يساعد على فهم كيف يمكن للجزيئات أن تتيح للأنف وللدماغ إدراك الرائحة. وبعد فهمنا كيف تعمل المستقبلات، نستطيع دراسة كيف تنتقل المعلومات الشميّة إلى الدماغ وكيف تمكّننا من تمييز ما نشمه.

 

وقد استطعنا باستخدام تقنية استنسال (كَلْوَنَة) الجينات، أن نعزل تلك التي تكوِّد مستقبلات الرائحة. ولهذه العائلة من الجينات المستقبلة عدة خصائص تهيئها للقيام بدورها في تعرّف الرائحة. أولا، إن البروتينات المكوَّدة بالجينات تقع بصورة محكمة ودقيقة في مجموعة سبق وصفها من المستقبلات التي تمر عبر غشاء خلية العصبون سبع مرات؛ تنشّط هذه المستقبلات بروتينات الإشارة التي تعرف بالبروتينات G. وقد بيّنت دراسات سابقة قام بها <D. لانسيت> (من معهد وايزمان للعلوم) و<R .R. ريد> (من كلية جونز هوپكنز الطبية) أن مستقبلات الرائحة أيضا تستخدم البروتينات G لإطلاق تتال من الأحداث التي ينتج منها انتقال نبضة كهربائية على طول المحوار الحسي الشمي.

 

وثانيا، إن الجينات التي تكوّد بروتينات مستقبلات الرائحة تكون فعالة فقط في العصبونات الشمية. وبالرغم من أن كل خلية تقريبا في الجسم تحمل نسخة عن كل جين، فإن العديد من الجينات تظهر فقط في خلايا متخصصة.

 

وأخيرا، فإن مجالا واسعا من جينات مستقبلات الرائحة يبدو وكأنه يعكس صورة المجال المدهش للروائح. وتسمح التقنية المعروفة باسم التهجين الجزيئيmolecular hybridization  بتحديد عدد هذه الجينات في الصبغي (الكروموسوم). ويُعزى سبب نجاعة هذه الطريقة إلى أن الجينات تتشكل من شريطين (طاقين) من الدنا DNA يتحدان معا لتشكيل حلزون مزدوج. يوسَم أحد هذين الشريطين، وبعد أن يتحد بشريطه المكمل في الصبغي، يمكن تحديد موقع جين وتحديد عدد ومواقع عائلةٍ من الجينات.

 

وبصورة خاصة، ومن خلال فحص الدنا لأنواع مختلفة من الثدييات ـ بما في ذلك الإنسان ـ حدّدنا أن نحو 1000 جين تكوّد 1000 مستقبل رائحة مختلف (وكل نوع من المستقبلات يُعبَّر expressed عنه بآلاف العصبونات.) ولما كان الدنا في الثدييات يحتوي على نحو 100000 جين، فإن ذلك يعني أن واحدا في المئة من كل جيناتنا مكرس لكشف الروائح، مما يجعل هذه الجينات أكبر عائلة جينية تم تعرّفها في الثدييات؛ وربما يعكس هذا القدر الهائل من المعلومات الجينية المكرسة لكشف الروائح أهمية المنظومة الحسية في تكاثر معظم أنواع الثدييات وفي بقائها على قيد الحياة.

 

وتتعارض على نحو واضح هذه العائلة الجينية الكبيرة لمستقبلات الرائحة، مع العدد المحدود جدا للمستقبلات التي في العين. فالإنسان مثلا لديه القدرة على تمييز نحو بضع مئات من الألوان باستخدام ثلاثة أنواع من المستقبلات الضوئية في الشبكية. تكشف هذه المستقبلات الضوء في مناطق مختلفة ومتراكبة من الطيف المرئي، بحيث يستطيع الدماغ أن يتعرّف لونا ما من مقارنة المُدْخَلات التي تقدمها هذه الأنواع الثلاثة جميعها. لكن بياناتنا (معطياتنا) تدل على أن عددا صغيرا من مستقبلات الرائحة لن يكون قادرا على تعرّف المجموعة الكبيرة من الروائح التي يمكن للثدييات أن تدركها وأن تميز بينها.

 

فالثدييات تميز ما بين 10000 رائحة على الأقل؛ لذا كان على كل واحد من المستقبلات الألف المختلفة أن يستجيب لعدة جزيئات من الروائح، كما أن على كل رائحة أن ترتبط بعدة مستقبلات. ويعتقد العلماء أن مستقبلات متنوعة تستجيب لأجزاء مميزة ومتفردة من البنية التي تشكل الرائحة. فالرائحة تتكون من عدة مجموعات كيميائية تنشّط كل واحدة منها مستقبلا مميزا. فمثلا، إن الجزيئات التي تعطي لكل من زهرة الياسمين والخبز الطازج رائحته الخاصة به، تتكون من مجموعات بنيوية مختلفة تنشّط كل واحدة منها مجموعة متميزة ومحددة من المستقبلات. ولتمييز الرائحة، على الدماغ أن يحدد المجموعة الدقيقة المتآلفة من المستقبلات التي تنشطها رائحة خاصة (محددة).

 

كيف يتسنى للدماغ أن يتعرف المستقبلات التي تم تنشيطها من بين المستقبلات الألف؟ يبدو أن هناك أكثر من سيناريو محتمل لذلك. فإذا حمل عصبون واحد المستقبلات الألف كلها، فإنه سيرسل إشارة إلى الدماغ في كل مرة تُتَحَسّس فيها رائحة ما. وعلى جميع المستقبلات المعنية أن تقدم عندئذ بعض المكونات الخاصة بها إلى إشارة العصبون، ليقوم الدماغ بمقارنة هذه الإشارات بغية الكشف عن هوية الرائحة. والسيناريو البديل هو أنه إذا تميز كل عصبون بنوع واحد فقط من المستقبلات، فإن أمر تمييز وتحديد المستقبل الذي تم تنشيطه برائحة ما، يرجع إلى تحديد العصبونات التي تم التوجه نحوها. ومثل هذا النموذج يسهّل إلى حد كبير مهمة الدماغ في تحديد المستقبل الذي تم تنشيطه من بين المستقبلات العديدة.

 

عصبون واحد ومستقبِل واحد

ولتحديد أي من الخطتين السابقتين التي تحدث عند كشف الروائح، توجهنا ثانية نحو تعبير الجين في العصبونات الشمية. فاستخدمتُ مع كل من <A. تشيس> و <J. نگاي> و <R. ڤاسار> (الذين كانوا في جامعة كولومبيا) طريقة التهجين الجزيئي، حيث لاحظنا أن كل واحد من المستقبلات الألف يعبَّر عنه في نحو 0.1% من العصبونات في الثدييات؛ أما في الأسماك التي فيها  100 مستقبل رائحة فيمكن إيجاد كل مستقبل في نحو 1% من العصبونات. وهذه النتائج تقترح في كلتا الحالتين أن كل عصبون يمكن أن يعبّر عن جينِ مستقبلٍ واحد. كما عمدتُ في تجارب حديثة أجريتها مع <C.  دولاك> (من جامعة كولومبيا أيضا) إلى استخدام التفاعل السلسلي للپوليميراز، الذي يضخم أجزاء صغيرة من الدنا، لاستنسال جينات مستقبلات الرائحة الموجودة في العصبونات الشمية المنفردة. فلاحظنا أن تلك الجينات عندما يتم عزلها من عصبون منفرد تبدو كلها متماثلة. في حين حصلنا، عند تطبيق هذه الطريقة على مجموعة من العصبونات، على المئات من الجينات المختلفة. وقد قادتنا هذه النتائج إلى أن كل عصبون حي يعبّر عن مستقبل واحد، وهو بذلك متمايز وظيفيا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006877.jpg

تستطيع العصبونات بترتيباتها المختلفة، مساعدة الدماغ على تعرف الروائح، ولها عدة ترتيبات ممكنة. ففي السيناريو (a) تتوضع العصبونات التي تحتوي على نوع خاص من المستقبلات (وهي الملونة في الشكل) في الظهارة الشمية، وبذلك يستطيع الدماغ تمييز رائحة ما وتعرّفها من خلال تحديد المنطقة من تلك الظهارة التي تم تنشيطها بهذه الرائحة. وفي السيناريو (b) تتوزع العصبونات على نحو عشوائي في الظهارة، إلا أن محاويرها تتجمع في مناطق متمركزة في البصلة الشمية تعرف بالكبيبات. وهنا يتم تعرّف رائحة ما من خلال معرفة أحد أشكال النشاط الذي يتم في الكبيبة. أما في السيناريو (c) فقد تتوزع العصبونات ومحاويرها بصورة عشوائية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006878.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006879.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006880.jpg

تحدد العصبونات الزرقاء المسار الذي تسلكه المعلومة الحسية بدءا من الظهارة الشمية في الأنف وحتى البصلة الشمية في الدماغ (a). وقد تمكن الباحث وزملاؤه، باستخدام التعديل (التحوير) الجيني لجينات مستقبلات الرائحة لدى الفأر، من تلوين العصبونات التي تحمل نوعا خاصا من المستقبلات وتتحسس بالتالي عددا محدودا من الروائح، باللون الأزرق الغامق. تتقارب العصبونات التي تتوضع على نحو عشوائي في الظهارة الشمية (b) لتتجمع في مركز واحد في البصلة الشمية (c).

 

لكن هذا الارتباط البسيط بين المستقبِلات والعصبونات لا يفسر السيرورة (العملية) البالغة التعقيد التي تحدث في الدماغ لتمييز رائحة ما؛ إذ كيف يحدّد الدماغ العصبونات الشمية التي انقدحت fired من بين مجموع العصبونات؟ يعتمد الدماغ في سائر المنظومات (الجمل) الحسية الأخرى على أمثلة وأشكال فضائية محدّدة للعصبونات. كما يعتمد على موقع أبعد أهداف العصبونات بغية تحديد نوعية الإحساس. ولعل الدماغ يطبق منطقا مماثلا في حاسة الشم.

 

هناك عدة سيناريوهات محتملة لترتيب العصبونات والمحاوير في الأنف وفي الدماغ [انظر الشكل في الصفحة السابقة]. وفي أحد هذه السيناريوهات تتمركز العصبونات التي تحمل نوعا محددا من المستقبلات في الظهارة الشمية؛ لذا يؤدي تنشيط العصبونات في مواضع محددة إلى تحديد نوعية (صفة) الرائحة. وفي سيناريو بديل تتوضع العصبونات التي تحمل نوعا محددا من المستقبلات في الظهارة على نحو عشوائي، إلا أن محاويرها تتجمع (تلتم) في مواقع محدّدة في الدماغ. وفي هذه الحالة، سيؤدي التعرض لرائحة ما إلى قيام أنماط محددة من النشاطات في الدماغ. وفي سيناريو ثالث، تترتب العصبونات وإسقاطاتها (امتداداتها) في الدماغ على نحو عشوائي. ولتفسير الرائحة في هذه الحالة، على الدماغ أن يستخدم خوارزميات متطورة لترجمة الإشارات العشوائية.

 

تنفصل مكانيا spatial بعض العصبونات في الأنف تبعا للروائح التي تشمها. وتمتلك معظم الثدييات ـ بما في ذلك الإنسان ـ “أنفا جنسيا”، أو ما يسمى عضو الميكعة الأنفي vomeronasal organ، يكون مفصولا فيزيائيا عن الظهارة الشمية الرئيسية، ويكشف الفيرومونات pheromones  التي تتحكم في عملية التكاثر وفي السلوك الاجتماعي. لذا يعدّ النشاط الجنسي عند ذكور القوارض استجابة فطرية يثيرها ويحرض عليها كشف الفيرومونات التي تفرزها إناثه في عضو الميكعة الأنفي. فإذا ما أتلفت العصبونات في عضو الميكعة عند الفئران العذارى، حافظ الفأر على قدرته على الشم باستخدام المنظومة الشمية الرئيسية، إلا أن التلف الذي لحق بعضو الميكعة الأنفي لديه يحول بينه وبين التزاوج.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N4_H03_006881.jpg

تُظهر الصورة مقطعا عرضانيا في البصلة الشمية للجرذ؛ وتدل البقعتان البيضاوان اللتان فيها على الموقع الذي تتجمع فيه المحاوير التي تحمل جينَ مستقبِلٍ نوعي أو محدد. ولما كان كل محوار يسقط على موقع متميز ومحدد في البصلة الشمية، فإن هذه الأخيرة تعطي خريطة ثنائية البعد عن نوع الرائحة التي تستخدمها القشرة الشمية لتعرفها وتحديدها (أي لحل شيفرتها).

 

إضافة إلى ذلك، وكما بيّنْتُ في الدراسة التي قمت بها مع دولاك عن الجينات التي تكوِّد مستقبلات الفيرومون، فإن تتالي (ترتيب) الحموض الأمينية (وهي اللبنات الأساسية في بناء البروتينات) في مستقبلات عضو الميكعة الأنفي، يختلف بصورة كلية عن ذلك الذي في مستقبلات الظهارة الشمية الرئيسية، مما يدفع إلى القول بأن هاتين المنظومتين قد تطورتا على نحو مستقل إحداهما عن الأخرى.

 

وأخيرا، فإن العصبونات التي في الظهارة الشمية الرئيسية تُسقط محاويرها على منطقة من الدماغ منفصلة عن المنطقة التي ترسل إليها العصبونات التي في عضو الميكعة الأنفي بدفعاتها (دفقاتها) العصبية. وبالنتيجة فإن الإشارات الصادرة عن هاتين المنطقتين من الأنف تثير استجابات سلوكية شديدة التباين فيما بينها. فعصبونات عضو الميكعة الأنفي تتجاوز مراكز التعرّف في الدماغ وترسل إشاراتها مباشرة نحو المناطق التي تتحكم في الاستجابات السلوكية الفطرية والانفعالية؛ أما عصبونات الظهارة الرئيسية فترسل إشاراتها إلى مراكز أعلى في القشرة الشمية محرضة استجابات مناسبة أكثر.

 

المحاوير المنظّمة

إن الفصل التشريحي anatomic segregation الكائن ما بين هاتين المنظومتين الشميتين المتمايزتين وظيفيا يدفعنا مباشرة إلى البحث عمّا إذا كانت العصبونات في المنظومة الشمية الرئيسية ذاتها تعتمد أيضا على الفصل المكاني لتحديد نوع الرائحة. وبعض هذه الترتيبات المكانية معروف على نحو جيد: فكل عصبون يُسقط محوارا منفردا وغير متفرع نحو الدماغ. وعند خروج مجموعة المحاوير من الظهارة الشميّة يتجمع نحو عشرة ملايين محوار لتشكيل العصب الشمي الذي يدخل عندئذ إلى الدماغ. وبمجرد دخول هذه المحاوير إلى الدماغ، فإن مجموعات منها تضم كل واحدة 10000 محوار تتجمع في مواقع في البصلة الشمية تسمى كُبَيْبَات glomeruli. تتصل المحاوير في هذه الكبيبات بالعصبونات التي تسقط نحو مراكز عليا في الدماغ.

 

إن التجارب التي أجراها فاسار بمختبري في جامعة كولومبيا، والتجارب التي أجراها بوك على نحو مستقل، أظهرت أن الظهارة الشمية تنقسم إلى أربع مناطق عريضة تبعا لأنواع المستقبلات الموجودة في كل منطقة. وتبدو الميزة الأكثر أهمية في هذا الترتيب، على الرغم من خشونته وعدم دقته، في التوزع العشوائي للمستقبلات في داخل كل منطقة. وبسبب عدم تمكننا من الاستدلال على شكلٍ أو مثالٍ مكاني (حيزي) أكثر دقة للعصبونات في الظهارة، فقد توجهنا نحو البحث عن مثل هذا الشكل أو المثال في إسقاطات المحاوير في الدماغ.

 

فإذا كان مثل هذا الشكل مستخدما هناك فعلا، فإن على العصبونات التي تعبّر عن مستقبل مفروض أن تسقط محاويرها نحو عدد صغير ومحدود من الكبيبات، على الرغم من توزعها العشوائى في إحدى مناطق الظهارة. ويدعم هذا القول عدد من الدلالات.

 

أولاها، إن عدد الكبيبات هو ذاته تقريبا عدد أنواع المستقبلات. ولما كان كل عصبون يعبِّر عن مستقبل واحد فقط، فإن كل نوع من العصبونات يمكن أن يتصل بكبيبة معينة. وثانيها، ما بيّنته التجارب الفسيولوجية من أن روائح مختلفة تستدعي أشكالا متباينة من النشاط الدماغي. فقد بيّن  <M .G. شبرد> وزملاؤه (في جامعة يال) أن تناول القوارض الحديثة الولادة لحليب أمهاتها يؤدي إلى قيام نشاط في مناطق محددة في البصلة الشمية. كما استخدم <S .J. كور> (من جامعة تافتش) الأصبغة المتحسسة للڤلطية ليبين أن أنماط النشاط في البصلة الشمية تختلف باختلاف الروائح. وبصورة مباشرة بينت الدراسات الفسيولوجية الكهربائية التي قام بها <K. موري> (من معهد العلوم الحيوية في أوزاكا)، أن كبيبات متميزة ومحددة تتنشط بروائح مختلفة.

 

وقد ابتكرتُ وزملاء لي مقاربتين جزيئيتين molecular approaches لدراسة الفصل المكانيspatial segregation  للعصبونات والمحاوير، حيث عَدّل في المقاربة الأولى كلّ من فاسار و<S .K. شاو> و <L .B.  فوسهول>، العاملين في مختبري، تقنية التهجين الجزيئي المستخدمة في بحث سابق، على نحو يتيح فحص مستقبِل الرنا RNAفي نهايات المحاوير حين تتجمع في البصلة الشمية. وبينت تجاربهم ـ كما بيّن العمل المستقل الذي قام به بوك ـ أن العصبونات المعبِّرة عن مستقبِل مفروض، تسقط على واحدة أو ـ في الأكثر ـ على عدد قليل من آلاف الكبيبات التي في البصلة الشمية. وعدا عن ذلك فإن مواقع الكبيبات محدّدة وثابتة، ممّا يؤكد أن رائحةً ما ستستدعي شكلا واحدا من النشاط في أدمغة جميع حيوانات صنف ما.

 

وفي مقاربة أخرى، أجريتُ مع <P. مومبرتز> و <F. وانگ> (من جامعة كولومبيا أيضا) تعديلا جينيا على الفئران، واستولدنا فئران اختبار كانت فيها العصبونات التي تُنشِّط مستقبِلا معينا مصطبغة باللون الأزرق. اعتمدتْ طريقتنا عزل جين واحد من مستقبلات الرائحة ثم ربط جين آخر واسمٍ به. يتنشط هذا الجين الواسم كلما تم تعبير جينِ مستقبِل الرائحة، مبدئا تفاعلا كيميائيا يلون العصبون ومحواره باللون الأزرق. يُدخَل الجين المعدّل في خلايا وبدورها تُدخَل في جنين الفأر؛ وعندما ينمو هذا الجين فإن العصبونات تجعل هذا المستقبل المعيّن يبدو بلون أزرق، مما يتيح لنا رؤية مكان توضّع الخلايا.

 

وتبيّن لنا من فحص الظهارة الشمية والدماغ في الفأر، أن واحدا تقريبا من كل 1000 عصبون كان بلون أزرق. أما الأهم من ذلك فكان إمكانية تعرّف المحاوير المنفردة التي تمتد من العصبونات وتتبّعها في الدماغ، حيث لوحظ أن المحاوير الزرقاء تسقط نحو اثنتين فقط من الألفي كبيبة التي في البصلة الشمية. وقد قدمت لنا هذه التجارب دلائل وبراهين مرئية ومقنعة على أن العصبونات التي تُنشِّط نوعا واحدا من المستقبلات وتستجيب بالتالي لعدد محدود من الروائح، تسقط محاويرها على عدد صغير من الكبيبات في الدماغ. ولما كانت الكبيبات في البصلة الشمية حساسة على نحو تفاضلي (تفريقي) للروائح النوعية وكانت مواقع الكبيبات المنفردة محدّدة، فإن البصلة الشمية تقدم خريطة ثنائية البعد تُميِّز وتُحدد ـ من بين المستقبلات العديدة ـ تلك التي تم تنشيطها في الأنف. ونعتقد أن رائحة ما ستنشط مجموعة متميزة من الكبيبات في البصلة الشمية، وأن الإشارات ستنتقل من هذه الكبيبات نحو القشرة الشمية حيث تُعالَج لتسمح بتمييز الروائح.

 

تعرّف الإشارة وترجمتها

لذا وتبعا لهذا النمط من حاسة الشم، فإن الثدييات ستكون قادرة نظريا على كشف وتمييز عدد هائل جدا من الروائح. ولما كانت هذه الأخيرة لا تتعامل مع مستقبلات منفردة بل مع عدة مستقبلات، فإن عدد المجموعات التوافقية الممكنة من هذه المستقبلات يزيد عدة مرات على عدد الروائح التي يمكن للحيوانات كشفها، مما يجعل حاسة الشم ـ كسواها من الحواس الأخرى ـ لا تقدّم إلا تمثيلا هزيلا للوسط الخارجي. ويحتمل ألا تميز الحيوانات من الروائح إلا تلك التي تكون ذات أهمية بيولوجية لبقائها على قيد الحياة ولتكاثرها.

 

يتشارك هذا الفهم للإدراك الشمي مع عدد من الميزات الأساسية للإدراكات الحسية الأخرى. فمثلا، في الرؤية ـ أي حاسة البصر ـ يحلل الدماغ صورةً ما بترجمة وتفسير مكوناتها المختلفة مثل الشكل والموقع والحركة واللون. وتتحقق وحدة الصورة بإعادة تشكيل هذه الإشارات في مراكز الرؤية في القشرة العليا. وبالمقارنة فإن الدماغ يتعرّف رائحةً ما بتحليل وعزل الميزات والخصائص الأساسية المكونة لها، ثم يعيد تشكيلها في القشرة الشمية.

 

ولكن كيف يتسنى للقشرة الشمية التي تستقبل وتتلقى الإشارات من البصلة الشمية، أن تترجم الخريطة التي تقدمها هذه البصلة؟ يعد هذا السؤال واحدا من أكثر الأسئلة تحييرا في البيولوجيا العصبية. ويبدو وكأن بعض أشكال الفصل المكاني المماثلة لما رأيناه في البصلة الشمية، ولكن بلا شك أكثر تعقيدا منها، ستحفظ على أنها الإشارات المسقطة نحو القشرة. وعلى أي حال، فإن هذا الترتيب يضع مسألة ترجمة المعلومات المكانية على المستوى الواقع وراء البصلة الشمية في القشرة. ونتساءل كيف تعمل هذه القشرة على تحريض نوع الاستجابات الانفعالية والسلوكية التي تسببها الروائح عند الإنسان، وإلى أي مدى يكون تمييز الروائح عند الإنسان متعمدا أو غير متعمد، وكم يتحكم تحسس وإدراك الروائح التي في بيئتنا في السلوك والمزاج. إن عملنا لم يكن سوى بداية في محاولة استكشاف المنطق في الشم، وكيف يمكنه استدعاء “البنية الوسيعة لعملية التذكر.”

 

 المؤلف

Richard Axel

أستاذ الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية الجزيئية في جامعة كولومبيا؛ كما يُجري بحوثا مع معهد . <H. هيوز > الطبي. يطبق أكسل وهو المختص بالبيولوجيا الجزيئية، تقانات تأشيب الدنا والوراثة الجزيئية في مسائل البيولوجيا العصبية. وقد وجه اهتمامه مؤخرا إلى البيولوجيا الجزيئية للإدراك الحسي.

 

مراجع للاستزادة 

CONTRIBUTIONS OF TOPOGRAPHY AND PARALLEL PROCESSING TO ODOR CODING IN THE VERTEBRATE OLFACTORY PATHWAY. J. S. Kauer in Trends in Neurosciences, Vol. 14, No. 2, pages 79-85; February 1991.

A NOVEL MULTIGENE FAMILY MAY ENCODE ODORANT RECEPTORS: A MOLECULAR BASIS FOR ODOR RECEPTION. Linda Buck and Richard Axel in Cell, Vol. 65, No. 1, pages 175-187; April 5, 1991.

SIGNALING PATHWAYS IN ODORANT DETECTION. R. R. Reed in Neuron, Vol. 8, No. 2, pages 205-209; February 1992.

DISCRIIvfIIdATION OF MOLECULAR SIGNALS BY THE OLFACTORY RECEPTOR NEURON. G. M. Shepherd in Neuron, Vol. 13, No. 4, pages 771-790; October 1994.

MOLECULAR RECOGNITION AND OLFACTORY PROCESSING IN THE MAMMALIAN OLFACTORY SYSTEM. K. Mori and Y. Yoshihara in Progress in Neurobiology, Vol. 45, No. 6, pages 585-619; April 1995.

Scientific American, October 1995

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى