أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

التوصل إلى التوافيق الصحيحة

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007056.jpg

يولّد جهاز المناعة بروتينات تعرف بالأضداد (الأجسام المضادة) antibodiesتقوم بمحاربة المرض، عن طريق ارتباطها بالكائنات organisms المهاجمة. ويستطيع الجسم أن يكوّن نحو ثلاثة تريليونات من الأضداد المختلفة وذلك بخلط وإعادة خلط مكوناتها. لكن نظام المناعة لا يتمتع بالقدرة على إبداع ضدٍّ متخصص كلما واجه مُمْرِضا pathogen جديدا. وبدلا من ذلك فإن الجسم ينشر فقط تلك الأضداد المتوافرة لديه وبشكل انتقائي؛ لتقوم بمقاومة عدو foe ما بدرجة عالية من الكفاءة. ويقوم جهاز المناعة بذلك من حيث المبدأ، بوساطة اختبار (مسح) شامل لذخيرته repertoire من الأضداد، وتعرّف أقدرها على العمل وتكوين المزيد منها. وخلال السنوات القليلة الماضية؛ بدأنا مع كيميائيين آخرين بتقليد نموذج الطبيعة من أجل تطوير عقاقير جديدة. ففي عملية سُميت بالكيمياء التوافيقية combinatorial chemistry نحضِّر عدا كبيرا من المركبات المتقاربة التركيب ثم نقوم بمسح هذه المجموعة لانتقاء المركبات التي يمكن أن تتمتع بقيمة طبية.

 

ويختلف هذا التوجه عن الطريقة الأكثر شيوعا والتي يتبعها صناع الصيدلانيات (الأدوية) pharmaceuticals  لاكتشاف عقاقير جديدة؛ إذ إنهم يبدءون بالبحث عن مؤشرات إلى نشاط مرغوب في أي شيء تقريبا يمكنهم العثور عليه، ومثال ذلك المجموعات المتعددة من المركبات الاصطناعية أو المواد الكيماوية المستخلصة من البكتيريا أو النباتات أو أية مصادر طبيعية أخرى. وحالما يعثرون على مادة واعدة (تعرف في هذا المجال بالمركب الدليل lead compound) يبدءون في المختبر بإدخال تعديلات على تركيب هذه المادة، واحد تلو الآخر، ثم يقومون بفحص المركب بعد كل تعديل، ليحددوا أثر هذا التغيير في خواصه الكيميائية والبيولوجية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007057.jpg

يستطيع الباحثون من خلال خَلط ومضاهاة قوالب البناء الجزيئية في التقنية المعروفة بالكيمياء التوافيقية تحضير عدد هائل من التراكيب وبصورة سريعة. وتظهر الإنسالة (الروبوت) (في الأعلى) وهي تنقل المواد الكيميائية الفعالة التي استُخدمت لبناء حشد كبير من المركبات (في الصفحة المقابلة).

 

وغالبا ما توصل هذه الطرق إلى مركب آمن وله مفعول مقبول. وإلى أن يجد أحد المركبات، التي حُضِّرت بهذا الأسلوب، طريقه إلى السوق يكون الباحثون خلال مسيرتهم قد عدَّلوا في تركيبٍ أو استبعدوا آلاف المركبات الأخرى. وتستهلك هذه الطريقة الكثير من الوقت كما أنها ذات كلفة عالية؛ لأن الانتقال من مرحلة اكتشاف المركب الدليل في المختبر، وحتى وصول الدواء إلى رفوف الصيدليات، يستغرق عدة سنوات ويكلف مئات الملايين من الدولارات.

 

لقد تم تطوير هذا الأسلوب التقليدي بوساطة تجارب المسح screening التي تعمل بسرعة أكبر ووثوقية أعلى من السابق، وتزودنا بمعلومات حول كيفية تأثير تعديل تركيب الجزيئات في نشاطها البيولوجي. لكن تقدم العلوم الطبية زاد من الحاجة إلى عقاقير يمكنها اعتراض مراحل المرض والتدخل فيها. وحتى نتوصل لهذه العقاقير يحتاج الباحثون إلى مسح العديد من المركبات، وإلى طريقة توصلهم إلى الأدلة التي تحتاج إلى أقل قدر من التعديلات على تركيبها.

 

التوصل إلى التوافيق الصحيحة

إن الكيمياء التوافيقية تتجاوب مع هذه الحاجة، فهي تمكن الباحث في مجال العقاقير، وبسرعة، من تكوين عدة ملايين من الجزيئات المتقاربة في التركيب. إضافة إلى ذلك، فهي ليست ككل الجزيئات، ولكنها جزيئات يتوقع الكيميائي أن تكون لها خاصية بعينها نظرا إلى معرفته المسبقة بخواص المواد الأولية. إن مسح حشد كبير من المركبات المتكونة يؤدي إلى أكثر الخيارات فاعلية. وهكذا فإن الكيمياء التوافيقية يمكنها أن تقدم أفضل العقاقير المؤهلة لإجراء الاختبارات السريرية بشكل أسرع وكلفة أقل مما عُرِف سابقا.

 

ويقوم الكيميائيون بعمل التجمعات التوافيقية، أو الربائد (المكتبات)libraries، للمركبات القابلة للمسح، بشكل مبسط جدا. ويعتمدون في ذلك على تفاعلات كيميائية قياسية لتحويل مجموعات مختارة من قوالب البناء إلى تنوع هائل من المركبات الأكبر حجما. وكمثال بسيط على ذلك، افترض وجود أربعة جزيئات: A1، A2، B1، B2، وأن هناك علاقة في تركيب كل من الجزيئين A1 و  A2لأنهما من مركبات فصيلة واحدة، أما B1 و B2  فينتميان إلى فصيلة ثانية. ولنفترض أن مركبات هاتين الفصيلتين يمكن أن تتفاعلا لِتُنْتِجا عددا كبيرا من الجزيئات، نتوقع أن يكون من بينها عقار فعّال. ففي مثل هذه الحالة فإن تقنية الكيمياء التوافيقية تمكننا، وبسهولة، من بناء كل الاتحادات مثل B2-A2،B1-A2، B2-A1، B1-A1 .

 

وبطبيعة الحال فإن العلماء في تجاربهم يتعاملون مع عدد أكبر بكثير من هذه الجزيئات. ومثال ذلك، أن نختار ثلاثين مركبا  تربطها خاصة تركيبية واحدة مثل اشتراكها في احتواء مجموعة أمينية (NH). ثم نختار مجموعة أخرى من المركبات التي يشتمل كل منها على مجموعة كربوكسيل CO2H)   carboxyl-). وبعدها، وتحت ظروف مناسبة، نقوم بخلط هذه المركبات ونزاوج بين كل مجموعة أمينية ومجموعة كربوكسيلية لتتكون جزيئات جديدة تسمى الأميداتCONH-)  amides-). إن تفاعل كل من الأمينات الثلاثين مع كل من الأحماض الكربوكسيلية الثلاثين الأخرى يعطينا ما مجموعه30 × 30، أو 900، اتحاد مختلف. ولو كان لنا أن نضيف مجموعة أخرى من ثلاثين مركبا آخر، فإن العدد الكلي للتركيبات الناجمة عن ذلك سيكون 27000 ( 30 × 30 × 30) تركيب. وإذا ما أخذنا أكثر من ثلاثين مركبا من كل مجموعة فإن عدد النواتج النهائية سيرتفع كثيرا.

 

الاصطناع المتوازي

 

الخطوة 1

ابدأ بصفيحة بلاستيكية تتضمن حفرا صغيرة (تسمى طبق العيار الميكرويmicrotitre) سبق ملؤها جزئيا بمحلول يحتوي على حبيبات بلاستيكية خاملة (الدوائر الرمادية). ويوجد في أطباق العيار الميكروي النموذجية ثمانية صفوف واثنا عشر عمودا وما مجموعه 96 حفرة. وتمثل الصورة الزاوية العلوية اليسرى من الطبق.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007058.jpg
الخطوة 2

أضف المجموعة الأولى من الجزيئات ـ الصنف A (المربعات) ـ إلى الحبيبات، بحيث تضع الجزيئات A1 في حفر الصف الأول والجزيئات A2 في حفر الصف الثاني وهكذا. وبعد الانتهاء من إضافة مجموعة من الجزيئات، قم بعملية تصفية المادة في كل حفرة للتخلص من المواد الكيميائية غير المتفاعلة (أي تلك التي لم تلتصق بالحبيبات).

الخطوة 3

أضف المجموعة الثانية من الجزيئات ـ الصنف B  (المثلثات)  إلى الأعمدة بحيث تضاف B1 إلى العمود الأول و B2 إلى العمود الثاني وهكذا. وبعدها قم بتصفية المواد الكيميائية غير المتفاعلة كما في الخطوة السابقة.

الخطوة 4

وعندما يتم إنتاج أعضاء الربيدة الـ 96، افصل المكونات النهائية عن الحبيبات حتى يمكن مسح نشاطها البيولوجي.

يتوافر لصناع العقاقير تقنيتان توافيقيتان أساسيتان. تعرف أولاهما بالاصطناع المتوازي parallel synthesis، التي ابتكرها في منتصف الثمانينات <M .H. گايسون>، الذي يعمل حاليا في الشركة گلاكسو ويلكوم. وقد استخدم هذه التقنية في البداية كطريقة سريعة ليتعرّف القطعَ الصغيرة في البروتين الكبير التي ترتبط بالضد. وقام گايسون باصطناع عدد كبير من القطع البروتينية الصغيرة، أو الپپتيدات، عن طريق ربط عدد من الأحماض الأمينية (وهي أحجار البناء للبروتينات والپپتيدات) بتباديل permutations  مختلفة. وعند قيامه بإجراء العشرات وأحيانا المئات من التفاعلات في آن واحد، ثم اختبار ما إذا كانت الپپتيدات الناجمة يمكنها أن ترتبط بجسم مضاد معين، توصّل بسرعة إلى معرفة الپپتيدات النشيطة من بين عدد هائل من الجزيئات المحتملة.

 

وفي الاصطناع المتوازي، توضع جميع النواتج كل على حدة في القوارير الخاصة بتفاعلها. ولتنفيذ ذلك، يقوم الكيميائيون عادة باستخدام ما يسمى طبق العيار الميكروي (الصغري) microtitre، وهو صفيحة من البلاستيك تحتوي على ثمانية صفوف (عرضية) واثني عشر عمودا (طوليا) من الحفر الصغيرة، يوجد في كل منها بضعة ملّيلترات من السائل الذي سيتم فيه التفاعل. ويمكِّن صفيف الصفوف والأعمدة الباحثين من تنظيم قوالب البناء التي يرغبون في ربطها، ويوفر وسيلة سهلة لتعرّف الحفرة التي تحتوي على المركب المطلوب.

 

وعلى سبيل المثال، إذا رغب الباحثون في إنتاج سلسلة من الأميدات عن طريق ربط ثمانية أمينات مختلفة باثني عشر حمضا كربوكسيليا باستخدام التفاعلات التي أشرنا إليها سابقا، يمكنهم وضع محلول يحتوي على الأمين الأول في الحفر الموجودة في الصف الأول، والأمين الثاني  في حفر الصف الثاني وهكذا، وبعدها يمكنهم إضافة كل من الأحماض الكربوكسيلية إلى الحفر بالتتابع، مكونين نموذجا مختلفا لكل عمود. وإذا استخدم الباحثون عشرين قالب بناء أمكنهم الحصول على ربيدة (مكتبة) تحتوي على 96 مركبا مختلفا.

 

ويبدأ الكيميائيون عادة في الاصطناع التوافيقي بوصل المجموعة الأولى من قوالب البناء بحبيبات مجهرية خاملة مصنوعة من الپوليستايرين polystyrene(يطلق عليها غالبا الحامل الصلب solid support). وبعد كل تفاعل، يغسل الباحثون المواد غير المتفاعلة لتبقى فقط النواتج المطلوبة، والتي لا تزال مرتبطة بالحبيبات. وعلى الرغم من أن التفاعلات الكيميائية تتطلّب ربط المركبات بالحبيبات ثم إعادة فصلها مما يخلق تعقيدات في سيرورة (عملية) الاصطناع، فإن سهولة تنقية النواتج تُعوِّض عن هذه المشكلات.

 

وحاليا، تساعد الإنسالات(1) (الروبوتات) robots في العديد من المختبرات على تأدية العمل الروتيني للاصطناع المتوازي، مثل توصيل كميات صغيرة من الجزيئات المتفاعلة إلى الحفر المناسبة. وبهذه الطريقة، تصبح السيرورة أكثر دقة وأقل مدعاة للمعاناة. ولقد أقام العلماء في الشركة پارك-ديڤيز أول طريقة مؤتمتة automated للاصطناع المتوازي ـ وهي عبارة عن إنسالة يمكنها إنتاج  40 مركبا في آن واحد. وطور الباحثون في أونتاكين إنسالة يمكنها إنتاج  1000 مركب في اليوم. وعموما، فإن الوقت اللازم لإتمام اصطناعٍ متوازٍ يعتمد على عدد المركبات التي يراد إنتاجها. فإذا أردنا أثناء تحضير آلاف المركبات مضاعفة عددها، فإن ذلك يتطلب ضعف الوقت اللازم تقريبا. إن مثل هذه الاعتبارات العملية تقصر استخدام الاصطناع المتوازي على إنتاج ربائد تحتوي على عشرات الآلاف من المركبات أو ما يزيد على ذلك.

 

الفصل والخلط

تسمى التقنية الثانية لإنتاج ربيدة توافيقية باصطناع الفصل والخلط، وكان رائدها <A. فوركا> في أواخر الثمانينات، الذي يعمل حاليا في الشركة AdvancedChem Tech بمدينة لويزڤيل. وعلى عكس الاصطناع المتوازي، حيث يبقى كل مركب في إنائه الخاص، يُنْتِج اصطناع الفصل والخلط خليطا من المركبات المتقاربة في إناء التفاعل نفسه. ومن شأن هذه الطريقة أن تقلل كثيرا من عدد الأواني اللازمة وأن تزيد عدد المركبات التي يمكن إنتاجها إلى الملايين. ويتمثل الجانب السلبي لهذه الطريقة في صعوبة متابعة هذا الحشد الهائل من المركبات واختبار نشاطها البيولوجي.

 

اصطناع الفصل والخلط

الخطوة 1

ابدأ بأنابيب اختبار تحتوي على محلول فيه حبيبات پوليستايرين خاملة (الدوائر الرمادية). وبهدف التبسيط، يحتوي هذا المثال على ثلاثة أوعية فقط، علما بأنه يمكن استخدام العشرات منها. أضف المجموعة الأولى من الجزيئات ـ الصنف A (المربعات) ـ إلى أنابيب الاختبار، بحيث تضاف الجزيئات A1 إلى الوعاء الأول والجزيئات A2 إلى الوعاء الثاني وهكذا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007059.jpg
الخطوة 2

اخلط محتويات جميع أنابيب الاختبار.

الخطوة 3

افصل الخليط إلى أقسام متساوية. وبعدها أضف المجموعة الثانية من الكيماويات ـ أي الصنف B (المثلثات) ـ  وبحيث تضيف الجزيئات B1 إلى الأنبوب الأول وB2 إلى الأنبوب الثاني وهكذا. (كرّر الخطوتين الثانية والثالثة العدد المطلوب من المرات، وذلك حسب عدد مجموعات قوالب البناء التي ستتم إضافتها.)

الخطوة 4

افصل الحبيبات عن أية كيماويات غير متفاعلة، ثم افصل التراكيب النهائية. ويقوم الباحثون عادة بمسح محتوى كل أنبوب اختبار ليحددوا معدل النشاط البيولوجي للخليط الموجود فيها. ولما كان كل خليط يشتمل على المكون النهائي نفسه، يصبح بإمكان الباحثين تحديد أي الخلائط تُظهر أفضل النتائج، ولنفترض أنB2 هو الأكثر نشاطا. وهنا يقوم الباحثون بإعادة الاصطناع بإضافة B2 فقط إلى مركبات A ليعرفوا أي التوافيقيات لها أعلى نشاط بيولوجي.

 

ويمكن توضيح هذه الطريقة بمثال بسيط. تصوَّر أن لدى الباحثين ثلاث مجموعات من الجزيئات (لنسمها A، B، C)، وأن في كل مجموعة ثلاثة أعضاء (A1، A2، A3، B1، B2، B3؛ وهكذا)، يتم في أحد الآنية ربط الجزيئات A1 بحبيبات الپوليستايرين، وفي الإناء الثاني تربط الجزيئات A2 وفي الثالث الجزيئات A3. ثم  يقوم الباحثون بوضع جميع الحبيبات المرتبطة بجزيئات المجموعة A في إناء واحد ويخلطونها جيدا ثم يعودون ويقسمونها إلى ثلاثة أقسام متساوية بحيث يحتوي كل قسم على خليط من المركبات الثلاثة. وبعدها يقوم الباحثون بإضافة الجزيئات B1 إلى الإناء الأول و B2 إلى الإناء الثاني وB3 إلى الإناء الثالث. ويتكرر هذا الأمر بإضافة الجزيئات C لينتج من ذلك ما مجموعه 277 مركبا مختلفا.

 

وحتى يفصل العلماء أكثر هذه التركيبات فاعلية، فإنهم يفحصون أولا خليط المركبات النهائي ويحددون متوسط فاعلية كل وجبة، وبالتالي يتعرّفون أكثرها نشاطا، وبعدها وباستخدام تقنيات متعددة، يمكنهم التوصل إلى أي التوافيقيات في هذه الوجبة لها النشاط البيولوجي المرغوب.

 

وقد قام عدد من الشركات الصيدلانية بأتمتة طريقة الفصل والخلط. وجاء أول إعلان عن ذلك من مجموعة باحثين في الشركة شيرون. فقد طور الكيميائيون في هذه الشركة نظاما إنساليا يمكِّن من إنتاج ملايين المركبات خلال عدة أسابيع باستخدام الطريقة آنفة الذكر. وهنا تقوم الإنسالة بتوصيل المواد الكيميائية وخلطها وتحميلها على الحبيبات ومن ثم تقسيمها.

 

وكما ذكرنا سابقا، فإن إحدى مشكلات اصطناع الفصل والخلط تكمن في تعرّف تكوين المركب الفعّال من بين خليط كبير من المركبات. وقد طوّر <K. لام>، من جامعة أريزونا، طريقة للتغلب على هذه المشكلة؛ إذ لاحظ أنه في نهاية اصطناع الفصل والخلط، تكون جميع الجزيئات المتصلة بإحدى الحبيبات لها التركيب نفسه. وهكذا يمكن للعلماء أن يفصلوا من الخليط تلك الحبيبات التي تحمل الجزيئات ذات النشاط البيولوجي، ثم يستخدموا تقنيات كشف حساسة لتحديد التكوين الجزيئي للمركب المتصل بهذه الحبيبات. ولسوء الحظ، فإن هذه التقنية تنجح فقط في حالة بعض المركبات مثل الپپتيدات أو القطع الصغيرة من الدنا DNA.

 

وطوّر باحثون آخرون طرقا لإضافة علامة كيميائية إلى كل حبيبة مما يوفر لهم فرصة تحديد النظام الذي تم من خلاله إضافة قوالب بناء انتقائية إلى التركيب، وبتعبير آخر، تحديد المكافئ الكيميائي للكود القضيبي UPC ban codeالمتعلق بالكود العام للمنتجات. وتُضفي قراءة مجموعة الوسمات أو الأماراتtags على حبيبة معينة بصمة مميزة وبالتالي تبين نوعية المركب على هذه الحبيبة. وقد تمكن الباحثون في الشركة فارماكوپيا للتقانة الحيوية الذين يستخدمون تقنيات ابتكرها <C .W. ستيل>، من جامعة كولومبيا، من تحقيق نجاح كبير في استخدام تقنيات الوسم بالأمارات في ربائدهم التوافيقية. إلا أنه، وبسبب الصعوبات في تعرّف المركبات الناتجة من اصطناع الفصل والخلط، فإن معظم الشركات الصيدلانية اليوم ما زالت تعتمد على الاصطناع المتوازي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007060.jpg

إنسالة المسح في الشركة أريس الصيدلانية تنقل كالمكوك أطباق العيار الميكروي التي تحمل ربائد توافيقية إلى الجهاز المسؤول عن اختبار النشاط البيولوجي.

 

ربائد (مكتبات) العقاقير

لقد بدأ استخدام تقنيتَيْ الاصطناع المتوازي والفصل والخلط في مجال الكيمياء التوافيقية كطرق لتحضير الپپتيدات. وعلى الرغم من أهمية هذه الجزيئات في النظم البيولوجية، فإن هذه الپپتيدات لها استخدامات دوائية محدودة، بسبب تفككها في جوف الإنسان وصعوبة امتصاصها في المعدة، وهي سرعان ما تختفي في مجرى الدم. ولقد بدأت الصناعات الصيدلانية بتكثيف استخدامها للطرق التوافيقية بعد أن تحققت من أن هذه التقنيات يمكن استخدامها أيضا لتحضير مركبات شبيهة بالعقاقير، كتلك الفصيلة من الجزيئات المعروفة بالبنزوديازيپينات benzodiazepines.

 

والبنزوديازيپينات واحدة من أكثر أصناف الأدوية انتشارا. وأفضل مثال معروف لها هو الديازيپام diazepam، أو الڤاليوم Valium. لكن هذا الصنف يشتمل على عدد من المشتقات الأخرى ذات النشاط البيولوجي الهام؛ فمنها العوامل المضادة للاختلاج anticonvulsant والمضادة للنوم antihypnotic وضادات العامل المنشط للصفيحات (وهو مادة هامة لتجلط الدم)، ومثبطات (كوابح) إنزيم الانتساخ (الترانسكريپتاز) العكسي reverse transcriptase للڤيروس HIV ومثبطات الإنزيم الناقل (الترانسفيراز) لراس الفارنيزايل Ras farnesyl transferase  (وهو إنزيم  متعلق بالسرطان). ونظرا إلى اتساع دائرة نشاط هذه الفصيلة، فإن البنزوديازيپينات كانت أول المركبات التي تمت دراستها في الاصطناع التوافيقي بحثا عن عقاقير جديدة. وفي عام 1992 وصف أحدنا (إلمان)، الذي يعمل مع <B. بونين>، وهو أيضا في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، طريقةً لاصطناع البنزوديازيپينات على دعامة صلبة، ففتح بذلك الباب أمام اصطناع ربائد تشتمل على الآلاف من مشتقات البنزوديازيپين.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007061.jpg

غالبا ما تستخدم حبيبات الپوليستايرين (مكبرة 100 مرة تقريبا) في الكيمياء التوافيقية، بحيث يمكن فصل النواتج المرتبطة بالحبيبات بسهولة عن المادة غير المتفاعلة. ويلاحظ أن الحبيبات التي أعطت نتائج إيجابية في اختبار المسح المتعلق بمستقبلات الستيرويد الصُنْعية تحولت إلى اللون الأحمر.

 

وبعد ذلك، ابتكرنا (پلانكت وإلمان) طريقة أفضل لتصنيع البنزوديازيپينات على دعامة صلبة؛ إذ يوفر هذا الاصطناع الجديد إمكانية التعامل مع أعداد أكبر بكثير من المركبات. ويكمن التحدي الأكبر لأي اصطناع توافيقي في تحديد الظروف التجريبية التي من شأنها أن تقلل ما أمكن التفاعلات الجانبية التي تؤدي إلى تكوين الفضلات أو النواتج الجانبية. وقد أمضينا ما يزيد على العام في تحسين ظروف التفاعل الخاص باصطناعنا الجديد للبنزوديازيپينات، وبعد توصلنا إلى الطريقة المثلى، تمكّنّا وبمساعدة <بونين> من تحضير 11200 مركب خلال شهرين وذلك باستخدام طريقة الاصطناع المتوازي.

 

أدلة واعدة

لقد تعرّفنا عدة مركبات لها نشاط بيولوجي واعد، وذلك من بين ربائدنا المحتوية على البنزوديازيپين. ومن خلال مشروع بالتعاون مع <V. ليڤين> و <R. بُدّ> (من مركز أندرسون للسرطان التابع لجامعة تكساس في هيوستن) تمكّنّا من تعرّف أحد مشتقات البنزوديازيپين، الذي يكبح تأثير إنزيم يؤدي دورا في الإصابة بسرطان القولون وتخلخل العظام osteoporosis. وبالتعاون مع <G. گليك> وزملائه (في جامعة ميتشيگان) اكتشفنا بنزوديازيپينا آخر يحول دون التآثر بين الأضداد والدنا وحيد الجديلة single strand DNA ـ ويُعْتقد باحتمال حدوث مثل هذا التآثر في الذأب الحمامي المجموعي systemic lupus erythematosus. هذا ولا تزال هذه المركبات في الأطوار الأولى من التجارب المختبرية.

 

وبمجرد أن بيّنا ـ نحن وآخرون ـ إمكانية استخدام الكيمياء التوافيقية في تحضير جزيئات شبيهة بالعقاقير، بدأت الصناعة الصيدلانية في دعم عدد أكبر من مشروعات البحث في هذا المجال. وخلال الأعوام الخمسة الماضية، بدأت العشرات من الشركات الصغيرة بالتفرغ كليا للعمل في مجال الكيمياء التوافيقية. ويمكن القول إن معظم الشركات الصيدلانية الرئيسية تمتلك أقساما خاصة عاملة في مجال الكيمياء التوافيقية، أو إنها تتعاون مع شركات أصغر متخصصة تزاول هذا النشاط.

 

وكما هو متوقع، فإن نشاط الباحثين لم يقتصر على استخدام التقنية التوافيقية في مجال البنزوديازيپين، بل تعدوه إلى صفيف واسع من المواد الابتدائية. وبشكل عام، فإن الكيميائيين يستخدمون الربائد التوافيقية للجزيئات العضوية الصغيرة، كمصادر لتحضير أدلة واعدة أو لتعظيم نشاط دليل معروف. وعندما يبدأ الباحثون بالبحث عن دليل جديد، فإنهم غالبا ما ينتجون ربائد كبيرة تحتوي على عشرات الآلاف أو ربما ملايين النواتج النهائية. وعلى النقيض من ذلك، فإن الربيدة المصمَّمة لتحسين نشاط وسلامة استخدام دليل موجود بالفعل، تكون أصغر من ذلك بكثير، ولا تحتوي إلا على بضع مئات من المركبات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N6-7_H01_007062.jpg

يمكن إنتاج الموصلات الفائقة أيضا باستخدام الكيمياء التوافيقية. إن هذه الربيدة التي تشمل 128 مركبا لأكسيد النحاس (CuO) أنتجت عدة أغشية فائقة التوصيل.

 

وتقوم عدة شركات صيدلانية في الوقت الحاضر بإجراء اختبارات سريرية لبعض العقاقير التي تم اكتشافها عن طريق الكيمياء التوافيقية. ونظرا إلى حداثة هذه البرامج، لم يتم حتى الآن الانتهاء من اختبار أي من هذه العقاقير بشكل يسمح بالحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. لكن الأمر لا يعدو كونه مسألة وقت قبل أن ينزل إلى السوق دواء مُحَضَّر بالطرق التوافيقية.

 

وتقدم لنا الشركة بفايزر مثالا على ذلك. فقد استخدمت عام 1993 طرقا قياسية واكتشفت دليلا يحتمل أن يكون له القدرة على منع التصلب العصيديatherosclerosis أو ما يُعرف بتصلب الشرايين. وفي أقل من عام، وباستخدام الاصطناع المتوازي، حضّر أحد مختبرات الشركة بفايزر ما يزيد على ألف من مشتقات التركيب الأصلي، كان بعضها أكثر تأثيرا من المركب الأم بمئة مرة. وتُجْرى حاليا تجارب سريرية على واحد من هذه السلسلة. ومن الجدير بالذكر، أن العاملين كانوا قد حضروا 900 جزيء قبل أن يلاحظوا أي تحسّن في النشاط البيولوجي. وهناك القليل من المختبرات التي يتوافر لها الوقت والمال للإنفاق على إجراء تعديلات على التركيب بطريقة تعديل واحد كل مرة One-at-a-time على مركب دليل، بحيث تحضِّر ألف مشتق جديد من دون أن تتوصل إلى ما هو أفضل من المركب الأصلي.

 

واستخدم الكيميائيون في الشركة إلي ليلّي أيضا، الاصطناع المتوازي لتطوير مركب يخضع حاليا للتجارب السريرية لعلاج صداع الشقيقة migraine. وكانوا قد وجدوا دليلا يرتبط بشكل فعّال بالهدف المرغوب فيه أو المستقبل المعني. لكن هذا المركب الدليل أظهر أيضا ميلا قويا إلى مستقبلات أخرى ذات علاقة، وهو سلوك قد يؤدي إلى آثار جانبية غير مرغوب فيها. وقام الباحثون باستخدام الاصطناع المتوازي لتحضير نحو 500 مشتق من ذلك الدليل قبل التوصل إلى المركب الذي يخضع حاليا للتقييم.

 

إن توصل الباحثين إلى طرق أسرع لتحضير ربائد توافيقية وبكلفة أقل هو أمر محتوم. ويقوم هؤلاء حاليا بابتكار طرق تفاعل حاذقة من شأنها أن تزيد من الحصيلة النهائية للنواتج أو تستبدل الحاجة إلى إضافة وإزالة حبيبات الپوليستايرين. وسيشهد مستقبل الصناعات الدوائية أيضا تغيرات في كيفية تجميع المعلومات عن نشاط المركبات التي يتم اختبارها وتحليل هذه المعلومات. ومثال ذلك، سيصبح بالإمكان استخدام البيانات المتعلقة بكيفية ارتباط آلاف المركبات في إحدى الربائد التوافيقية بمستقبِل معين والتنبؤ بشكل وحجم وخواص الشحنة الإلكترونية لذلك المستقبِل، حتى وإن لم يكن تركيبه معروفا. ومثل هذه المعلومات يمكنها أن تقود الكيميائيين إلى تعديل تركيب أدلة موجودة أو اختيار مواد البدء المناسبة لإنشاء ربائد توافيقية.

 

وعلى الرغم من أن التركيز هنا تمحور حول اكتشاف العقاقير، فإن قوة الكيمياء التوافيقية بدأت بالتأثير في حقول أخرى، ومنها حقل علم المواد. فقد استخدم <G .P. شولتز> وزملاؤه (في جامعة كاليفورنيا ببيركلي) الطرق التوافيقية في تعرّف الموصلات الفائقة superconductors عند درجات الحرارة العالية. وقد استخدم باحثون آخرون التقنيات التوافيقية في مجال البلورات السائلة liquid crystals  المستخدمة في آلات العرض ذات اللوحة المسطحة وكذلك لإنتاج مواد لتصنيع بطاريات الغشاء الرقيق thin-film. ويتطلع العلماء العاملون في هذه البرامج إلى إنتاج مواد جديدة بسرعة وبكلفة قليلة. ومن الواضح أن القدرات الكاملة لهذا التوجه الجبار بدأت للتو بإعطاء ثمارها الأولى.

 

وقد يتبادر إلى الذهن أن الكيمياء التوافيقية تتم بشكل عشوائي؛ إذ إن ربط قوالب بناء مختلفة وتوقع الحصول على مركبات مفيدة يبدو كأنه ضرب من انتصار الحظ الأعمى على المعرفة والاستنتاج المتأني. لكن هذا الانطباع هو أبعد ما يكون عن الحقيقة، ذلك أن ربيدة جيدة هي نتاج تطوير وتخطيط شاملَيْن. فعلى الكيميائيين أن يقرروا أي قوالب بناء سيستخدمون، وأن يحددوا كيفية اختبار الفعالية البيولوجية للمواد الناتجة. وتتيح الكيمياء التوافيقية للباحثين أن يجمعوا وينظموا ويحللوا كمّا هائلا من البيانات بعدد كبير من الطرق الجديدة والمثيرة. إن مبدأ انتقاء أكثر المركبات فعالية من بين مجموعة من المركبات المتشابهة ـ وهو ما يفعله نظام المناعة بشكل بديهي ـ من شأنه أن يغيِّر طريقة اكتشاف الكيميائيين للعقاقير الجديدة. وإنه لمن المفارقات السعيدة أن هذا الدرس الذي تعلمناه من دفاعاتنا الطبيعية يمكن أن يكون ملاذنا حينما تخفق هذه الدفاعات.

 

المؤلفان

Matthew J. Plunkett – Jonathan A. Ellman

عَمِلا معا في جامعة كاليفورنيا ببيركلي في تقنيات توافيقية لاستخدامها في جزيئات تشبه العقاقير. حصل پلانكت على الدكتوراه من بيركلي عام 1996، ثم انتقل إلى الشركة الصيدلانية أريس، حيث يتخصص في عمل الربائد التوافيقية للمسح العشوائي وكبح الپروتياز. أما إلمان فقد التحق بهيئة التدريس في بيركلي عام 1992، ويقوم مختبره بتطوير كيمياء جديدة لاصطناع ربائد مركبات عضوية واستخدام أسلوب الربيدة في حل مشكلات الكيمياء وعلوم الحياة المختلفة.

 

مراجع للاستزادة 

SYNTHESIS AND APPLICATIONS OF SMALL MOLECULE LIBRARIES. Lorin A. Thompson and Jonathan A. Ellman in Chemical Reviews, Vol. 96, No. 1, pages 555-600; January 1996.

COMBINATORIAL CHEMISTRY. Special Report in Chemical & Engineering News, Vol. 74, No. 7, pages 28-73; February 12, 1996.

COMBINATORIAL CHEMISTRY. Special Issue of Accounts of Chemical Research. Edited by Anthony W. Czarnik and Jonathan A. Ellman. Vol. 29, No. 3; March 1996.

HIGH-THROUGHPUT SCREENING FOR DRUG DISCOVERY. James R. Broach and Jeremy Thorner in Nature, Vol. 384, Supplement, No. 6604, pages 14-16; November 7, 1996.

Scientific American, April 1997

 

(1) ج: إنسالة: نحت من إنسان آلي . ( التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى