أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
بيولوجيا

الماكينات الجزيئية التي تتحكّم في الجينات

الماكينات الجزيئية التي تتحكّم في الجينات

يتم تنظيم فعاليات جيناتنا بإحكام بوساطة معقَّدات بروتينية

متقنة تتجمع على الدنا DNA. ويمكن أن تؤدي الاضطرابات

في التشغيل السوي لهذه التجمعات إلى المرض.

<R. تجيان>

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006345.jpg

تتألف الماكينة الجزيئية التي تنظم نشاط الجينات المكوِّدة للبروتين من أكثر من اثنتي عشرة وحدة فرعية (جزئية) تسمّى عوامل الانتساخ (الأشكال الملونة). وتظهر تلك الوحدات الفرعية، التي يمكن أن يضم كل منها العديد من البروتينات، وهي تتجمع (في الصورة) على الجين في مراحل (ذات أرقام). ويتحكم المعقد النهائي (4)في معدل السرعة التي يبدأ منها إنزيم پوليميراز الرنا بتنفيذ إحدى الخطوات المركزية في اصطناع البروتين (5)؛ وهي انتساخ، أو نَسْخ، الدنا DNA إلى رنا مرسال mRNA (الأحمر).

يبدو الربو والسرطان ومرض القلب واضطرابات المناعة والإصابات (الأخماج)الڤيروسية وكأنها حالات ميؤوس منها. ولكن تبين أنها تشترك في خاصية مذهلة، فكلها تنشأ إلى حد كبير عن إنتاجٍ زائدٍ أو ناقص لواحد أو أكثر من البروتينات التي تُعَدُّ الجزيئات المنفِّذة لمعظم التفاعلات في الجسم. ومنذ عهد قريب أبرز هذا الإدراك حاجتنا الملحة إلى بحث يهدف إلى فَهْمِ ومن ثم مُنَابَلَةِ manipulation الماكينة machinery  الكيميائية الحيوية الأخّاذة التي تُنَظِّم إحدى الخطوات الأساسية في اصطناع  البروتين وهي انتساخ الجينات (المورثات) transcription of genes. فمن أجل توليد البروتين، لا بد للجين (المورِّثة) الذي يحدِّد تركيبه من أن يُسْتَنْسَخ transcribed، أو يُنْسَخَ copied، من الدنا DNAفي أشرطة (طيقان) strands من الرنا المرسال mRNA تعمل بعد ذلك كمراصف (قوالب) templates لصنع البروتين.

وحتى قبل أن يصبح العلاج هدفا في حدّ ذاته، فلطالما استحوذت سيرورة (عملية) الانتساخ على انتباه العلماء لسبب آخر يتمثل في معرفة كيفية تنظيم هذه السيرورة، على أمل توضيح بعض الغوامض المركزية للحياة. فكل خلية في الجسم تحتوي على الجينوم (المجين) geneome نفسه، وهو المجموعة الكاملة لنحو000 150جين تؤلِّف مخطط البرنامج  البنياني للإنسان. وهنا يبرز السؤال عن كيفية إعطاء الخلية الأصلية للمتعضية الحية (التي هي البيضة الملقحة) عددا لا يحصى من أنماط خلوية يستخدم كل منها مجموعات فرعية (جزئية) من هذه الجينات تتباين نوعا ما لتعطي مزائج مختلفة من البروتينات. كما يبرز التساؤل عن كيفية قيام خلايا الجسم الكامل التشكل بصيانة نفسها عبر زيادة أو نقصان كميات البروتينات التي تصنعها استجابة لحاجاتها الخاصة ولحاجات المتعضية الأكبر.

 

وللإجابة عن هذه الأسئلة ولتصميم أدوية قادرة على تكييف الانتساخ، يحتاج الباحثون إلى معرفة شيء ما عن تركيب الجهاز الذي يتحكم في قراءة الكود (الراموز)الجيني genetic code في الخلايا البشرية. فبعد نحو 255سنة من الاستكشاف والتحري صارت البنية  الإجمالية لذلك الجهاز واضحة. وقد كشفت التجارب التي أجريت في مختبري بجامعة كاليفورنيا في بيركلي وكذلك في مختبرات أخرى، أنّ جزءا من هذا الجهاز ـ ونعني الآلة engine التي تقود سيرورة الانتساخ لمعظم الجينات إن لم يكن لجميعها ـ إنما يتألف من  خمسين بروتينا متميِّزا. ويجب أن تتجمع كل هذه البروتينات في معقّد متراصٍّ على الدنا قبل أن يبدأ إنزيم خاص، هو پوليميراز الرنا RNA polymerase، بنسخ الدنا إلى رنا مرسال. وقد تم الآن ضم المكونات المفترضة في أنبوب الاختبار لإنتاج آلة انتساخ كاملة الجاهزية للعمل. ومع ذلك، هناك بروتينات أخرى تطابق وتَسُدُّ بشكل أساسي التجويفات المستقبِلة الموجودة على الآلة، فتقوم هكذا «ببرمجة» تلك الآلة وإبلاغها أيَّ الجينات يجب استنساخُها وبأي سرعة يجب أن يتم ذلك. وتبرز الآن تفاصيل حاسمة عن هذه التآثرات interactions على حد سواء.

دلائل من البكتيريا

عندما بدأت وزملائي التركيز على الجينات البشرية في أواخر السبعينات في مختبرات (مخابر) بركلي، لم يكن يُعْرَف إلا القليل عن ماكينة الانتساخ في خلايانا. لكنّ الدراسات التي بدأت في أوائل ذلك العقد من السنين قدمت صورة واضحة تماما عن الانتساخ لدى طليعيات النوى prokaryotes المؤلفة من البكتيريا والمتعضيات الوحيدة  الخلية البدائية الأخرى التي تفتقر إلى نواة محدَّدة المعالم. وقد قدم ذلك العمل في نهاية المطاف تَبَصُّرًا للحال في الخلايا البشرية والخلايا حقيقيات النوى eukaryetic الأخرى، كما ساعد على تحديد خواص الانتساخ التي تصحُّ عمليا على جميع  المتعضيات.

 

وأظهرت البحوث البكتيرية أن الجينات تنقسم بشكل أساسي إلى منطقتين متميزتين وظيفيا. إحداهما المنطقة المكوِّدة coding وتحدد تتالي الحموض الأمينية التي يجب أن  ترتبط معا كي تصنع بروتينا معينا. ويتم تهجِّي هذا التتالي من قبل النُّكليوتيدات nucleotides (لبنات بناء الدنا)المتوضعة في أحد شريطي حلزون الدنا المضاعف. وتتميز  النكليوتيدات الواحد من الآخر بالقاعدة (الأساس)base الغنية بالنتروجين الذي تحمله  تلك النكليوتيدات: وهي الأدنين (A)أو التايمين (T) أو السيتوزين (C)أو الگوانين (G). أما المنطقة الأخرى من الجين فتتصف بمهمات تنظيمية، إذ تتحكم في السرعة التي يَسْتَنْسِخُ بها پوليميرازُ الرنا المنطقةَ المكوِّدة للجين إلى رنا مرسال.

تشريح جهاز الانتساخ

يتألف الجهاز الجزيئي المتحكم في الانتساخ عند الخلايا البشرية من أربعة أنواع من المكوِّنات. فالعوامل الأساسية basal factors (الأشكال الزرقاء في الأسفل)، التي تسمى عادة بأحرف وحيدة، تكون ضرورية للانتساخ، لكنها لا تستطيع بنفسها زيادة معدل سرعته أو إنقاصه. وتقع تلك المهمة على عاتق جزيئات منظمة تعرف باسم المنشطات activators(الأحمر) والكاظمات repressors (الرمادي). ويمكن أن تختلف هذه الجزيئات من جين إلى آخر. وتتخاطب المنشطات، وربما الكاظمات، مع العوامل الأساسية عبر تمائم المنشطات (الأخضر)، وهي بروتينات تتصل في معقد متماسك ببروتين الربط تاتا TATA (المسمىTBP). ويعد هذا الأخير أول عامل أساسي يرسو على المنطقة المنظِّمة المعروفة باسم المحضِّض المركزي core promoter. وتسمى تمائم المنشطات (المنشطات المساعدة) وفقًا لأوزانها الجزيئية بالكيلو دالتون.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006346.jpg

وفي البكتيريا، كما في معظم طليعيات النوى، توجد المنطقة المنظِّمة التي تسمى المحضِّض promoter، في امتداد من النكليوتيدات يقع ضمن مسافة قصيرة (غالبا ما تصل إلى نحو عشرة نكليوتيدات) أمام بداية المنطقة المكوِّدة صعودا. وكي تتم سيرورة الانتساخ بدقة وفاعلية يجب أن يرتبط پوليميراز الرنا بالمحضِّض. وما إن تأخذ مكانها هكذا حتى تنزلق باتجاه بداية المنطقة المكودة وتسير ركوبا على طول الدنا كالقطار فوق سكة الحديد صانعة بذلك نسخة رناوية RNA replica من التتالي المكوِّد. وفيما عدا  حالة الجينات الطويلة جدا، فإن عدد جزيئات الرنا المصنوعة في أي لحظة يعتمد بشكل  رئيسي على السرعة التي ترتبط بها جزيئات پوليميراز الرنا بالمحضّض مستهلة سيرورة الانتساخ.

ومما يثير الاهتمام، أنّ پوليميراز الرنا جزيء مُخَلَّط promiscuous لا يقوى على  التمييز بين المحضِّض وتتاليات الرنا الأخرى. ومن أجل توجيه الإنزيم نحو محضضاتِ جيناتٍ نوعية، تقوم البكتيريا بتوليد تشكيلة من البروتينات (تعرف باسم عوامل سيگما sigma factors) ترتبط بدورها بإنزيم پوليميراز الرنا. وتكون المعقَّدات الناتجة  قادرة على التعرُّف والارتباط بتتاليات نكليوتيدية منتقاة في المحضِّضات. وعلى هذا النحو، تبرمج عواملُ سيگما پوليميراز الرنا برمجةً تتجاوز جميع التتاليات غير المحضِّضة وتتمهل في محضِّضات مقصودة فحسب.

وبأخذنا أهمية عوامل سيگما في التنشيط التفاضلي للجينات لدى البكتيريا بعين الاعتبار، بدأت وزملائي تحرياتنا في جهاز الانتساخ البشري بالتفتيش عن جزيئات شبيهة بالسيگما في الخلايا البشرية. ولكننا استهنّا بتقدير تعقيد هذه الماكينة التي تطورت لاسترجاع المعلومات الجينية من جينومِنا (مجيننا) المتقن. وسرعان ما بدا جليا أن عوامل السيگما البشرية يمكن أن لا يكون لها وجود، أو يمكن أن لا تأخذ الشكل نفسه الذي تأخذه في البكتيريا.

تعقيد مدهش

إذا لم تكن هناك عوامل سيگما بسيطة لدى حقيقيات النوى، فكيف إذًا تضمن تلك الخلايا أن يَنْتَسِخَ پوليميرازُ الرنا الجيناتِ الصحيحةَ في الوقت الصحيح وبمعدل السرعة الصحيح؟ لقد بدأنا نرى بريقَ جوابٍ عن ذلك مُذْ أمكن رسم المخطط الفذّ لجينات حقيقيات النوى.

وبحلول عام 1983 أقر الباحثون وجود ثلاثة أنواع من العناصر الجينية تتألف من تتاليات منفصلة من النكليوتيدات وتتحكم في قدرة پوليميراز الرنا على استهلال الانتساخ عند حقيقيات النوى، وذلك بدءا من الخميرة yeastالوحيدة الخلية وانتهاء  بالمتعضيات المعقدة المتعددة الخلايا. وقد اكتُشِف أن أحد هذه العناصر الموجودة عادة قرب المنطقة المكوِّدة يؤدي دورا كبير الشبه بالمحضض البكتيري. وقد أُطلق على هذا العنصر اسم المحضِّض المركزي corepromoter، ويُعَدّ الموقعَ الذي يبدأ منه الپوليميراز رحلته على طول المنطقة المكودة. وتمتلك جينات عديدة في الخلية محضِّضات مركزية مشابهة.

إضافة إلى ما تقدم، تمكَّنَتْ مجموعة من الباحثين[من بينهم <W. شافنر> من جامعة زوريخ و<L .S. مكنايت> من معهد كارنيگي بواشنطن]من تعرُّفِ مجموعة استثنائية من عناصر منظِّمة عُرِفَت باسم المعزِّزات enhancers تسهِّل سيرورة الانتساخ. ويمكن لهذه  التتاليات أن توجد على بعد آلاف النكليوتيدات إلى الأعلى أو الأسفل من المحضِّض المركزي، أي إنها تكون بعيدة عنه بُعْدًا لا يصدق. وقد كشفت الدراسات اللاحقة وجود كاتمات silencers تساعد على تثبيط الانتساخ، وتوجد هي أيضا على مسافة بعيدة من  المحضّض المركزي.

وبتشبيه غير تام إلى حد ما، إذا كان المحضض المركزي هو مفتاح اشتغال محرِّك السيارة، فإن المعزِّزات ستعمل عمل المسرِّع وستعمل الكاتمات عمل المكابح (الفرامل). ويمكن لجيناتِ حقيقياتِ النوى أن تتضمن بضعة معزِّزات وكاتمات، كما يمكن أن يحوي جينان بعض العناصر المعزِّزة أو الكاتمة المتطابقة. ولكن لا يوجد جينان يتشابهان تماما في تركيبة combination المعززات والكاتمات التي يحملانها. وبفضل هذا  الترتيب تتمكن الخلايا من التحكم في انتساخ كل جين بمفرده.

لقد قاد اكتشاف هذه العناصر إلى استنتاجين متقاربين ورائعين في الوقت نفسه. فكان من الواضح أن المعزِّزات والكاتمات لا تستطيع بنفسها التحكم في نشاط پوليميراز الرنا. ويفترض أنها تعمل كمواقع تحميل docking sites لعائلة كبيرة من البروتينات. ومن ثم  فإن البروتينات التي ارتبطت بالمعزِّزات والكاتمات، وتسمى حاليا المنشطات والكاظمات repressors، تغدو حاملة رسائل تحفيزية أو كاظمة بطريق مباشر أو غير مباشر إلى پوليميراز الرنا (أي إنها تستحثّ المسرِّع أو الكوابح). ويبدو محتملا أيضا أن السرعة التي يتم بها انتساخ الجين قد يمليها النشاط الجماعي لكل البروتينات (أو عوامل الانتساخ) المرتبطة بعناصرها التنظيمية المختلفة.

اكتشاف عامل بشري

وعلى الرغم من ذلك، كان علينا قسرًا أن نشرح كيف تستطيع البروتينات التي ترتبط بتتاليات الدنا DNA sequences بعيدا عن المحضِّض المركزي لأحد الجينات، أن تؤثر في  انتساخ ذلك الجين. وكما هي الحال في المختبرات الأخرى، بدأنا نتصدى لهذا اللغز بمحاولة عزل عوامل انتساخ بشرية، ولكننا لم نعثر على أي واحد منها حتى الآن (باستثناء پوليميراز الرنا نفسه). وقد افترضنا أنه حالما نحصل على نُسَخٍ copies  نقية من هذه العوامل، فإننا سنكون قادرين على الوصول إلى تبصُّر أكبر لكيفية عملها  بالضبط.

ولأن الكثير من البروتينات التي ترتبط بالدنا لا تقوم بدور في قراءة الجينات، لم نستطع العثور على عوامل انتساخ بشكل فعال عن طريق تقصي البروتينات النووية(1)وحده بالاستناد إلى قدرتها على التشارك مع الدنا. وبناء على ذلك تبنَّت مجموعتي استراتيجية أكثر تميزا، وهي البحث عن بروتينات ترتبط بالدنا عبر التفاعل في أنبوب الاختبار وتنشيط الانتساخ في آن معا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006347.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006348.jpg

يظهر في هذه الصورة جزيئان من البروتين المنشط Sp1 (الممثَّل أعلاه بكريتيْن منقطتين كبيرتين) يرتبط كل منهما بتتاليات المعزز المعروفة باسم العُلب GC (المناطق الأرجوانية)، وذلك عن طريق بروزات تعرف بالأصابع الزنكية. ويمثل نصفا الدائرتين البرتقاليتين نقاط التماس مع الدنا DNA. وبعد أن ينطبق البروتين Sp1 على الدنا فإنه يستخدم منطقة غنية بالحمض الأميني «الگلوتامين» (البني المخطط) ليوصل إشارات تحريض الانتساخ إلى تميم المنشط النوعي (الشكل الأخضر).

وفي عام 1982 أكد <W. داينان> الذي كان يتمتع بمنحة زمالة ما بعد الدكتوراه في مختبري، أن أحد البروتينات في مزيج من البروتينات النووية يلائم تحقيق جميع متطلبات عامل الانتساخ؛ فهو يرتبط بعنصر منظِّم يشيع في مجموعة مُنْتقاة من الجينات ـ إنه تتالٍ معزِّز enhancer sequence يعرف باسم«العُلبةGC » GC box، وذلك لوفرة ما فيه من النكليوتيدات G و C. والأهم من ذلك، أنه إذا ما أُضيفت هذه المادة إلى مُحَضَّر ما من البروتينات النووية التي تضم پوليميراز الرنا فإنها تزيد إلى حد كبير انتساخ الجينات الحاملة للعلبةGC دون غيرها. وهكذا حددنا أول عامل انتساخ بشري قادر على  تعرّف تتالٍ تنظيمي نوعي. وقد أطلقنا على هذا التتالي اسم بروتين النوعية 1 specificity protein [(Sp1) اختصارا].

ثم انطلقنا على الفور لتنقية الجزيء. وقد برزت ناحية مثبطة للهمة في هذا العمل، وهي كون عوامل الانتساخ تميل إلى الظهور في الخلايا بكميات صغيرة جدا فقط، فتكون من الناحية النموذجية أقل من واحد في الألف في المئة من المحتوى الإجمالي للبروتين في الخلية البشرية التي تحتوي على عامل معين. وفي عام 1985 عثر <T .J. كادوناگا>، في مختبري، على طريقة للتغلب على هذا الحاجز التقني الجوهري. وأدخل في السيرورة أداة جديدة قوية استُعملت في وقتها لتنقية عدد لا يحصى من عوامل الانتساخ وعدد قليل من بروتينات الارتباط الأخرى بالدنا.

وبما أن البروتين Sp1 يتعرّف العلبة GC بشكل انتقائي (انتخابي)، فقد اصطنع كادوناگا  جزيئات دنا مؤلفة كليا من تلك العلبة، ثم أرْساها كيميائيا على حبّات beads صلبة.  وبعد ذلك مرَّر خليطا معقدا من بروتينات نووية بشرية فوق الدنا متوقعا أن البروتين Sp1 هو الوحيد الذي يلتصق بها. ووفقا للخطة، فإنه حينما فَصَل البروتينات المرتبطة bourd proteins عن الدنا المصطنع، حصل على البروتين Sp1 النقي.

ومن الدراسات التي قام بها <M. بتاشين> وزملاؤه (في جامعة هارڤارد)، عرفنا أن منظِّمات الانتساخ البكتيرية هي بروتينات قياسية تؤدي فيها مناطق منفصلة مهمّات مستقلة. وما إن عرفنا تتالي الحموض (الحوامض)الأمينية في البروتين Sp1، حتى شرعنا بناء على ذلك بالتفتيش عن أدلة لوحدات القياسmodules المستقلة، وسجلنا وجود اثنتين مهمتين منها  على الأقل.

لقد احتوت إحدى نهايتي الجزيء على منطقة تَطَوَّت بوضوح في ثلاث «أصابع زنكية»zinc fingers. ونحن نعرف اليوم أن البنى الإصبعية الزنكية التي تتطوّى فيها أجزاء من البروتين حول ذرة من الزنك، تعمل«كخطّافات (كلاليب)»hooks، وتقوم بربط عدة بروتينات منشِّطة بالدنا. ولكن حينذاك كان البروتين Sp1هو البروتين الثاني الوحيد الذي عُرف عنه أنه يستعملها. وقد اكتشف <A. كلوگ> وزملاؤه (في مجلس البحوث الطبية بإنكلترا)أصابع زنكية في عامل الانتساخ الضفدعي قبل وقت قصير من ذلك [انظر: «أصابع الزنك»، مجلة العلوم، العدد 5/6 (1993)، ص 13].

لقد احتوت النهاية الأخرى للبروتين Sp1 على قطاع domain مؤلف من قطعتين منفصلتين  ممتلئتين بأكثرية من الحمض (الحامض)الأميني «الگلوتامين». وقد اشتبهنا بقوة في أن هذه المنطقة تؤدي دورًا مهما خلال الانتساخ بسبب أحد المكتشفات الرائعة. ففي تجارب أنبوب الاختبار أمكن لجزيئات Sp1 الطافرة المفتقرة إلى ذلك القطاع أن ترتبط بالدنا  بشكل جيد تماما، ولكنها فشلت في تحفيز انتساخ الجين. وتدل هذه النتيجة على أن البروتين Sp1 لم يؤثر في الانتساخ خلال ارتباطه فقط بالدنا، بل تم ذلك باستخدام  قطعته الغنية بالگلوتامين، المعروفة الآن بأنها قطاع للتنشيط activation domain على  نحو يتآثر (يتبادل التأثير) مع جزء آخر من ماكينة الانتساخ. ولكن بقي السؤال  القائم: أي جزء هو هذا؟

في عام 1988 حينما بدأنا بالبحث عن هدف البروتين Sp1، كانت لدينا فكرة عن مكان وجوده، وكان تخمينا مبنيا على فهم واضح لما يسمى معقد الانتساخ الأساسي basal transcription complex الذي يبدو أنّ جزءا منه يمكن أن يكون هدفا  محتملا.

اقتراب من الهدف

في منتصف الثمانينات من هذا القرن، أظهر <R. رودر> وزملاؤه (في جامعة روكفلر)أن پوليميراز الرنا لا يستطيع انتساخ جيناتِ حقيقيات النوى ما لم تتجمع كذلك عوامل انتساخ عديدة أخرى على المحضض المركزي، يطلق عليها اليوم اسم «العوامل الأساسية»basal factors . وعلى مدى عقد الثمانينات هذا حدّد مختبر رودر وغيره ما لا يقل عن ستة عوامل أساسية أعطيت رموز الحروفA،B،D،E،F،H.

وفي أنبوب الاختبار مكَّنت تركيبةُ العوامل هذه پوليميراز الرنا من انتساخ جين مرتبط، وذلك بمعدل سرعة أساسي يتميّز بانخفاضه وعدم تغيره، ولكنها لم تستطع بنفسها تحوير تلك السرعة. فكان الأمر كما لو أن شخصا ركّب محرك سيارة وشغّله، ولكنه لم يستطع استخدام عجلة القيادة والمسرِّع والفرامل. فعلى سبيل المثال، عندما مزجتْ مجموعتي البحثية مكونات المعقد (بما في ذلك پوليميراز الرنا)بجين يحتوي على العلبة GC حصلنا على مستوى منخفض وغير متبدل من الانتساخ. ولم نلاحظ زيادة ملموسة في  الانتساخ إلا حينما أدخلنا البروتين Sp1 في المزيج.

وكان واضحا في أواخر الثمانينات أن الخلايا البشرية تُؤوي صنفين منفصلين من عوامل الانتساخ على الأقل. وتلزم العوامل الأساسية من أجل استهلال الانتساخ في جميع الجينات؛ في حين تُملي بروتينات أخرى (هي المنشطات والكاظمات) معدل السرعة التي يستهل فيها المعقد الأساسي الانتساخ. وتتحكم تركيبات متميزة من المنشطات والكاظمات في الجينات المختلفة. وإننا نشتبه الآن في كون المعقد الأساسي في الجسم لا ينشأ عفويا إلا بشكل نادر، بل تعتمد الخلايا في معظم الأوقات على المنشطات في استهلال بنائه.

هذا وقد أوحت الاكتشافات المختلفة بأن القطاع الغني بالگلوتامين من البروتين Sp1  كان يعزز الانتساخ باتصاله بعامل أساسي. وبتحديد أكبر، إننا نشتبه في أن البروتين Sp1 تثبت على العامل D وسهل ارتباطه بالمحضض. وقد ركّزنا على هذه الوحدة الفرعية (الجزئية) subunit؛ لأن <Ph. شارب> و<S. بوراتوفسكي> (في معهد ماساتشوستس للتقانة)أظهرا أنّها يمكن أن تَحُطَّ على المحضض المركزي قبل جميع العوامل الأساسية الأخرى. كما يمكن أن تسهِّل تجميع (إنشاز)assembly الآلة الأساسية بكاملها. وفي الحقيقة، يُعد العامل D المكوِّن الأساسي الوحيد القادر على تعرف الدنا. وهو يرتبط انتقائيا (انتخابيا)بتتال، يسمى العلبة تاتا TATA box، موجود في المحضضات المركزية للعديد من جيناتِ حقيقيات النوى.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006349.jpg

تستطيع المنشطات التخاطب، أو الاتصال، كل واحد مع الآخر وليس فقط مع الدنا وتمائم المنشطات، وذلك على نحو ما هو مبين في التجربة المحتوية على البروتين Sp1. وهناك نسخ من البروتين (النقط السوداء) يتم تعرف كل منها ويرتبط بالعلبتين GC في طرفي خيط الدنا. وبعد الارتباط تقوم هذه النسخ بالاتصال معا على نحو يؤدي إلى التفاف الدنا في هذه السيرورة.

ولمتابعة فرضيتنا، كان يلزمنا معرفة المزيد عن تركيب العامل D الذي افترضنا أنه كان  بروتينا وحيدًا. كما رغب باحثون آخرون في أن يعرفوا تكوينه، وهكذا بدأ سباق الحصول على نسخ نقية. ولقد برهن العزل من الخلايا البشرية أنه أكثر تحديا مما توقعه أحد ما. ونتيجة لذلك فقد جربتْ أخيرا مجموعات عديدة حظها في التعامل مع خلايا الخميرة yeast. ونجحت عدة مختبرات عام 1989 وبشكل مستقل في عزل أحد بروتينات الخميرة الذي أظهر الخصائص المتوقعة للعاملD. فالبروتين المسمىTBP (لكونه البروتين  الذي يربط تاتا)تعرّف العلبة تاتا وارتبط بها انتقائيا وأدّى إلى مستوى منخفض في  الانتساخ لدى ارتباطه بالمحضض المركزي بفعل پوليميراز الرنا والمكونات الأخرى للماكينة الأساسية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006350.jpg

يعتبر بروتين الربط تاتا (الأزرق) جزيئا له شكل سرج رائع التناسق، ويركب جانبه السفلي على الدنا (الأصفر) ويبدو أنه يثنيه. ويمكن أن يسهل هذا الانثناء تجميع المعقد الذي يستهل الانتساخ. أما تمائم المنشطات التي لم تُصَوَّر، أو ترسم، فإنه يعتقد بأنها ترتبط بقوة بالوجه العلوي.

 

ولقناعتنا أن البروتين TBP كان هو العامل D نفسه، فقد تَعَهَّدْنا اختبار هذه  الفكرة في دراسات إضافية. وعندما قمنا بذلك قَصَدْنا تحديد أي مناطق البروتينTBP بالضبط تلك التي يتصل بها البروتين Sp1 وغيره من المنظِّمات. ولم نكن نعرف حينذاك  أننا على شفا إحباط كامل (وأننا سنتوصل إلى اكتشاف حاسم).

مشكلة غير متوقعة

عندما استعاض <F. پو> في مختبرنا عن المستحضرات غير النقية للعامل Dالتي استخدمناها  في تفاعلات أنبوب الاختبار، واستعمل محلها جزيئات نقية من البروتين TBP، فإنه لم يتعرض لأي مشكلة في تكرار ما توصّل إليه سابقا من أن تلك الاستعاضة لا تعطل الانتساخ الأساسي على الإطلاق. ولكننا دُهشنا وذعرنا لاكتشافه أن البروتين Sp1 لم  يعد قادرا على التأثير في الماكينة الأساسية. وكان علينا أن نستنتج أن العاملينْ D و TBP لم يكونا في الواقع متكافئينequivalent، وأن العامل D يتألف في الحقيقة من البروتين TBP إلى جانب وحدات فرعية (جزئية)أخرى. (ومن المعروف الآن أن كثيرا من  عوامل الانتساخ تتألف من أكثر من بروتين واحد). ومن الواضح أن تلك الوحدات الفرعية لم تكن ضرورية لقيام الماكينة الأساسية بعملها، بل كانت ضرورية لقيام المنشِّطات بتنظيم تلك الماكينة.

وبعبارة أخرى، لم تكن هذه المكونات الإضافية نفسها منشطات، لأنها لم ترتبط بتتاليات نوعية في الدنا. كما أنها لم تكن عوامل أساسية، لأن المستويات المتدنية وغير المنتظمة للانتساخ يمكن تحقيقها من دون تلك المكونات. ويبدو أنها تؤلف صنفا ثالثا من عوامل الانتساخ أطلقنا عليه اسم تمائم المنشطات(2)(المنشطات المساعدة)coactivators. وقد اقترحنا فيما بعد أن تمائم المنشطات هذه وليس البروتين TBP، هي أهداف القطاعات الرابطة للبروتين الموجودة في المنشِّطات. كما تصورنا أن المنشطات سترتبط بتمائم منشطات منتقاة بهدف زيادة معدل السرعة التي يشغل بها المعقد الأساسي جزيئات پوليميراز الرنا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006351.jpg

يتم إيقاف تكاثر الخلايا النامية في المُسْتَنْبت (في اليسار) ثم تبدأ بالموت (في اليمين) حينما تُمنع من صناعة تميم المنشط. فهي تفشل لأنها لا تعود قادرة على إنتاج البروتينات الضرورية للحياة. وهذه النتيجة هي واحدة من النتائج العديدة التي تشير إلى أن تمائم المنشطات تكون أساسية لسيرورة الانتساخ في معظم الجينات، إن لم يكن في جميعها.

 

لقد شدَّنا هذا السيناريو، لأنه كان يصعب علينا تصور كيف يمكن لبروتين واحد (هوTBP)أن يمتلك مواقع ارتباط كافية لإيواء كل المنشطات التي تصنعها الخلايا البشرية. ولكن إذا حملتْ تمائم المنشطات الموصولة بإحكام بالبروتينTBP قطاعاتِ ارتباطٍ متعددة، فإن تمائم  المنشطات تستطيع جماعيا تأمين مواقع التحميل اللازمة لترحيل الرسائل من مئات أو  آلاف المنشطات إلى آلة الانتساخ.

لقد كان پو أول من اقترح إمكانية قيام تمائم المنشطات بوظيفة جزيئاتِ تكييفٍ كهذه، وسرعان ما أقنعتني بياناته باحتمال كونه على حق. ولكن الجميع في مختبرنا لم يوافقوا على هذا الرأي. وفي الحقيقة، كثيرا ما اصطبغت اجتماعاتنا الأسبوعية في أوائل التسعينات بالمناقشات الحادة. وليس ذلك مستغربا؛ إذ إنه حين تمّ تقديم مفهوم تمائم المنشطات للعاملين الآخرين في هذا الميدان، أعرب هؤلاء أيضا عن تشكيكهم الكبير. وربما كان هذا الارتكاس تجاهَ نتيجة غير متوقعة ومربكة له ما يبرره في تلك المرحلة، لأن بياناتنا كانت مجرد اقتراحات غير حاسمة ولم نكن بعد قد عزلنا أيّ تميم منشط وحيد.

تمائم المنشطات:الحلقات المفقودة

ولإقناع أنفسنا وإقناع المجتمع العلمي بأننا على صواب، كان يجب أن نبتكر إجراءً تجريبيا يقيم الدليل من دون غموض بشأن ما إذا كانت تمائم المنشطات موجودة فعلا وتعمل كمُرَحِّلات relays حسبما تصورنا. وعلى مدى عامين تقريبا من صياغة پو فرضية  تمائم المنشطات، بقينا نناضل لتنقيةِ معقدٍ وظيفيٍّ وسليم يحتوي على البروتين TBP وجميع المكونات المشاركة الأخرى للعامل D. ويجب أن أعترف بلحظات قاتمة بدا فيها أن فرضية تميم المنشط غير المألوفة ربما تكون قد بنيت على خطأ ما في دراساتنا.

وجاء الاختراق أخيرا عام 1991 حينما توصل <B. داينلاخت> و<T. هوي> و <N. نانسي>و<R. وينزيرل>، وهم طلبة جامعيون ودراسات عليا في مختبرنا، إلى طريقة فذة لعزلِ نسخٍ نقية من العامل D. وقد كشفت التحاليل الكيميائية الحيوية اللاحقة أنه فضلا عن البروتين TBP تضمنت الوحدة الكاملة ثمانية بروتينات غير معروفة  سابقا. وبما أنه لم يكن لدينا بعد برهان على أن تلك البروتينات تستطيع أن تعمل كتمائم منشطات، فقد أشرنا لها باسم فيه الكثير من العمومية وهو العوامل المشاركة للبروتين TBP (أو اختصارا TAFs).

لقد غدونا مقتنعين بأن العوامل TAFs تنقل بالفعل إشارات جزيئية من المنشطات إلى  جهاز الانتساخ الأساسي، وذلك بعد أن فصلنا البروتينات المرتبطة bound proteins عن البروتين TBP وأتممنا بضع تجارب أخرى. فعلى سبيل المثال، استطعنا أن نوضح بأن مزج المنشِّط Sp1 بالعوامل الأساسية وبپوليميراز الرنا عزز إنتاج الرنا المرسال من جين يحتوي على العلبة GC، وذلك لدى إضافة العوامل TAFs حصرا. وفيما بعد، جَمَعَ <J. شن> (وهو طالب جامعي) البروتين TBP المنقّى مع العوامل TAFs الثمانية  المعزولة في أنبوب اختبار، إضافة إلى جين بشري وبقية ماكينة الانتساخ الأساسية.  وهنا تجمعت البروتينات المختلفة على الجين وبرهنت على قدرتها على الاستجابة لأنماط متعددة من البروتينات المنشِّطة. وقد أظهرنا فيما بعد أن هذه المنشطات كانت تحقق تأثيراتها بتقارنها المباشر بالعوامل TAFs المنتقاة. وبالفعل تؤلف تمائم المنشطات في العامل D بعضها مع بعض نوعا من وحدةِ معالجةٍ مركزية تُكامِل الإشارات المنظِّمة  الصادرة عن المنشطات المرتبطة بالدنا.

موضوع شامل

تبدو المعقَّدات المتشكلة بوساطة المنشطات وتمائم المنشطات والماكينة الأساسية كمكافئات بشرية لعوامل سيگما، فهي أيضا تجرُّ پوليميراز الرنا إلى جينات نوعية بمعدلات سرعة نوعية. وبشكل ما، يمكن اعتبار هذه المعقدات عوامل سيگما تطورت إلى عدة وحدات فرعية. وبكل سرور، يوحي الدليل الحالي الذي قدمتْه مجموعتنا البحثية وغيرها أننا أمطنا اللثام عن أسلوب شامل لتنظيم الجين لدى حقيقيات النوى. وتؤكد تلك الدراسات أن تمائم المنشطات موجودة أيضا في الخميرة، وأن العامل D يتألف من وحدات  فرعية متعددة عند الفطور fungi وكذلك عند البشر.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N10_H04_006352.jpg

وصل طول إحدى أطول نساء العالم المسجَّل رسميا إلى سبع أقدام وسبع بوصات وربع البوصة، لأن غدتها النخامية أنتجت كمية مفرطة من هرمون النمو. ويأمل الباحثون فعليا معالجة هذا الاضطراب وغيره من الاضطرابات الأخرى بزيادة أو إنقاص انتساخ جينات معينة.

وبقدر ما تُعَدُّ هذه النتائج مُرْضية، فإنها لا تفسر تماما كيف يؤثر ارتباط المنشطات بالمعززات وبتمائم المنشطات في معدل السرعة الذي يَنسخ بها پوليميراز الرنا الجيناتِ في الخلايا الحية. وقد يسبب ارتباط المنشطات بالمعززات التواء الدنا على نحو يُقَرِّب المعززات بعضها من بعض، مثلما يُقَرِّبها كذلك من المحضض المركزي. وقد يساعد هذا الترتيب المنشطات (منفردة أو متجمعة الواحد مع الآخر) على الاصطفاف مع تمائم المنشطات ووَضْع العامل Dعلى المحضض. وستساعد هذه الخطوة بدورها على  تجميع (إنشاز) المعقد الأساسي بتمامه. وقد يؤدي تشكل هذا المعقد إلى فتل ما يخصه من الدنا على نحوٍ يمكّن پوليميراز الرنا من أن يبتدئ رحلته على طول المنطقة المكوِّدة.

إن ما يعرفه الباحثون عن عمل الكاظمات هو شيء قليل. وعلى الرغم من ذلك، فإن كثيرا منا يعتقد أن الكاظمات قد ترتبط كذلك بتمائم المنشطات أحيانا، وأن هذا الارتباط قد يثبط الانتساخ عن طريق منع ارتباط المنشطات بمواقعها المعتادة على تمائم المنشطات. وفي أحيان أخرى، قد تتجاوز الكاظمات الماكينة الأساسية فتوقف الانتساخ عن طريق منع المنشطات من الارتباط بالمعززات.

وعلى الرغم من وجود ثغرات في معرفتنا، فإننا نستطيع الآن البدء بوضع تصور لتفسير سبب قيام الخلايا المختلفة بصنع مزائج مختلفة من البروتينات خلال التشكل الجنيني وفي المتعضيات المكتملة mature organisms. ولن يتم انتساخ جينٍ ما بمعدل سرعةٍ قياسي إلا في حال وجود المنشطات المختلفة التي يحتاج إليها واستطاعتِها التغلب بنجاح على التأثيرات المثبطة للكاظمات. وتختلف الخلايا فيما تصنعه من بروتينات لأنها تحتوي على بطاريات (مدخرات) batteries متميزة من المنشطات والكاظمات. وبالطبع  يستدعي هذا السيناريو أن نسأل: كيف تُقرِّر الخلايا أي عوامل الانتساخ ينبغي  إنتاجُها في المقام الأول؛ بيد أن تقدما في هذا المضمار يشق هو أيضا طريقه هذه الأيام.

معالجات قد تغدو ممكنة

كيف سيتمكّن الباحثون من استخدام معارفنا المكتسبة حديثا عن تنظيم الجين وذلك من أجل تطوير عقاقير لمكافحة أمراض مهدِّدة للحياة يحدث فيها انتساخ زائد أو ناقص لأحد الجينات؟ فمن الناحية النظرية، لا بد أن يؤدي حصارُ ارتباطِ منشطاتٍ منتقاة بالمعززات أو بتمائم المنشطات إلى الإقلال من الانتساخ غير المطلوب. كما لا بد أن يؤدي ترسيخ ماكينة الانتساخ في جين ما إلى إبطال الانتساخ الضعيف غير المرغوب فيه.

 

ويمكن تحقيق هذا الحصار بوضع «سدادة» plug جزيئية داخل المنشط بحيث تمنع تآثرها interaction مع تميم المنشط، أو بإغواء أحد المنشطات على الارتباط بِشَرَك يشبه  تميم المنشط. أما ترسيخ معقد ما فيمكن تحقيقه بتجنيد جزيئات من شأنها أن تقوّي التآثر بين المنشطات والدنا أو بين المنشطات وتمائمها. إن مثل تلك الطرائق تعد بعيدة المنال حاليا، بيد أنه من المفيد دراسة نماذج من تطبيقات قد تغدو ممكنة في نهاية المطاف.

لنأخذ مثلا ڤيروس نقص المناعة البشري (HIV) الذي يسبب الإيدز AIDS. فهو يحتاج من أجل إكثار نفسه في الخلايا البشرية إلى عامل الانتساخ الڤيروسي تات TAT اللازم لتعزيز الانتساخ في جينات الڤيروس HIV. وإذا ما أمكن تثبيط العامل تات بعاملٍ ما يستطيع تعرّف العامل تات ويتجاهل عوامل الانتساخ البشرية، فإن تضاعف الڤيروس يمكن أن يتوقف من دون المساس بإنتاج البروتينات التي يحتاج إليها المريض.

وعلى النقيض من ذلك، فإن معالجة بعض الاضطرابات (مثال فرط الكولِسْتيرولية) قد تتضمن تعزيز انتساخ جينات منتقاة. ونشير هنا إلى أن فرط الكولستيرولية يزيد من خطورة إصابة الشخص بمرض القلب، فالكولستيرول يتراكم حتى مستويات مدمرة في الدم إذا لم تتحقق إزالة الليپوپروتين (البروتين الشحمي) المنخفض الكثافة LDL بشكل فعال.  ولهذا يُعرف هذا الصنف من الليپوبروتين بأنه الكولستيرول السيئbad cholesterol. ومن الناحية النظرية يمكن تصحيح هذا المرض بتحويل انتساخ الجين لصالح إنتاج مستقبِلة البروتين LDLفي خلايا الكبد، فهذه المستقبلة تساعد على إزالة البروتين LDL من  الدم. وسرعان ما قد تصبح هذه الفكرة قابلة للاختبار، لأن الدراسات التي قام بها <M. براون> و <J. گولدشتاين> (من مركز العلوم الصحية في جامعة تكساس بمدينة دالاس)تقوم بتفصيص teasing apart المكونات الجزيئية النوعية للجهاز، الذي ينظِّم  انتساخ جين المستقبلة، بعضها عن بعض.

وحتى الوقت الحاضر، لم يبذل أي شخص جهدا كافيا لاستقصاء المستحضرات الطبيعية ذات الجزيئات الصغيرة أو المركبات الأخرى بحثا عن قدرتها على تعديل الانتساخ. ولكن مع ذلك، فقد تمّ بالصدفة اكتشاف عدد من العقاقير المتداولة في الأسواق، ووجدت قادرة على تعديل نشاط عوامل الانتساخ. ونذكر هنا أحدها، وهو العقار المسمى (حبة «الإجهاض» الفرنسية RU 486) الذي يعمل على كبت وظيفة مستقبلات ستيرويدية معينة تؤلف صنفا من منشطات توجه التشكل الجنيني. وعلى نحو مماثل فإن الكابتتين المناعيتين السيكلوسبورين cyclosporine و FK 506 تكبتان انتساخ جين يعد ناتجه البروتيني ضروريا  لخلايا معينة في الجهاز المناعي. وعلى كل حال، فإن هذه العقاقير تمارس تأثيرها بشكل غير مباشر؛ إنها تنشط الإنزيم (الإنظيم) الذي يعيق وظيفة عامل انتساخ الجين.

وفيما يمر الوقت، تتأكد إمكانية تحديد التجميعة الدقيقة لعوامل الانتساخ التي تنظم الجينات الفرادى. ولربما يكون في مقدور مطوِّري الأدوية مستقبلا استخدام هذه المعلومات في ابتكار مركَّبات فذة لمحاربة السرطان وأمراض القلب والإصابات (الأخماج) الڤيروسية والاضطرابات المناعية ومرض ألزايمر، وربما حتى سيرورة الشيخوخة. إنه ليس بمقدور أحد أن يخمِّن درجة نجاح هذه المواد مستقبلا، ولكن يحتمل أن تستفيد المعالجات في المستقبل بطريقة أو بأخرى من البحوث العلمية الأساسية في موضوع الانتساخ؛ تلك البحوث التي تنطلق لا من مجرد الرغبة في تصميم الأدوية، بل من الرغبة البسيطة في الوصول إلى جوهر الماكينة الجزيئية التي تتحكم في نشاط جيناتنا.

 

 المؤلف

Robert Tijan

ولد في هونگ كونگ، وهو باحث في معهد هوارد هيوز الطبي وأستاذ علم الحياة الخلوي والجزيئي في جامعة كاليفورنيا ببيركلي. حصل على الدكتوراه في الكيمياء الحيوية وعلم الحياة الجزيئية من جامعة هارڤارد عام 1976 وأجرى بحوثا في مختبر (كولد سبرينگ-هاربر) بولاية نيويورك قبل التحاقه بعضوية هيئة التدريس في بيركلي عام 1979.

 

مراجع للاستزادة 

TRANSCRIPT70NAL SELECTIVITY OF VIRAL GENES IN MAMMALIAN Cell. Steven McKnight and Robert Tjian in Cell, Vol. 46, No. 6, pages 795-805; September 12, 1986.

TRANSCRIPTIONAL REGULATION IN MAMMALIAN CELLS BY SEQUENCE-SPECIFIC DNA BINDING PROTEINS. Pamela J. Mitchell and Robert Tjian in Science, Vol. 245, pages 371-378; July 28, 1989.

EUKARYOTIC COACTIVATORS ASSOCIATED WITH THE TATA BOX BINDING PROTEIN. G. Gill and R Tjian in Current Opinion in Genetics and Development, Vol. 2, No. 2, pages 236-242; April 1992.

TRANSCRIPTIONAL ACTIVATION: A COMPLEX PUZZLE WIIH FEW EASY PIECES. R Tjian and T. Maniatis in Cell, Vol. 77, No. 1, pages 5-8; April 8, 1994.

Scientific American, February 1995

 

(1) nuclear proteins نسبة إلى النواة.

(2) مفرد: تميم المنشط coactivator

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى