أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

علم الآثار في عصر الفضاء

علم الآثار في عصر الفضاء

إن تقانةَ الاستشعار عن بعد تُغيّر وسائلَ الكشف عن الآثار. فقد غدا

 الحفر أقل أهمية لاستكشاف المواقع الأثرية، وأصبح بالإمكان

دراسة الآثار المطمورة من دون استخراجها من تحت سطح الأرض.

 <فاروق الباز>

 

يقع الربع الخالي في جنوب شبه الجزيرة العربية، وهو مكان مهجور تماما يغطي مساحة تُقدر بنحو 777 ألف كم2 من الصحراء العربية. والحرارة العالية والبيئة القاسية لا تسمحان بوجود الحياة في الربع الخالي، ومع ذلك يقال إنه كان يتمتع في الماضي القريب بمناخ معتدل. فقد روى بدو الربع الخالي للرحالة أن مدينة إرم، التي وصفت في القرآن الكريم بأنها «ذات العماد»، كانت منتجعا على «طريق اللبان». كانت إحدى أمنيات <E.T. لورانس> (المعروف باسم لورانس العرب) هي الكشف عن هذه المدينة المندثرة التي سماها «أطلانتس الرمال»، ولكن أمنيته هذه لم تتحقق، لذلك ما زال البحث عن هذه المدينة التاريخية مستمرًّا إلى يومنا هذا.

 

ازداد الاهتمام بالبحث عن «ذات العماد» بين رمال الربع الخالي عندما أوضحت صور التقطها كل من مكوك الفضاء والقمر الصنعي «لاندسات» عدة خطوط مبهمة تتقاطع في نقطة واحدة بين الكثبان الرملية التي يصل ارتفاعها إلى 200 متر في جنوب غرب سلطنة عُمان. لقد اعتقد العلماء أن هذه الخطوط توصِل في غالب الأمر إلى موقع مقابر أو مدينة، وبدأ البحث من جديد عن إرم. ففي عامي 1990 و1991 قامت بعثتان بالبحث عن هذه المدينة. ومع أنهما لم تصلا إلى موقع التقاطع هذا، فإن الدراسات التي قام بها الخبراء على أحد الطرق أبرزت آثارًا لموقع يحيط به سور له أبراج، أي عماد.

 

وعلى الطرف الآخر من العالَم وفي السنوات القليلة الماضية، ساعدت معدات التقانة الحديثة على تقصي آثار من عصور مختلفة تماما. ففي هذه المرة أمكن حلّ اللغز بوساطة الرادار المخترق للأرض، وهو جهاز يبث الموجات الرادارية تحت سطح الأرض ويستقبل صداها المنعكس عن سطح الطبقات المختلفة. فبانعكاس الموجات نتيجة الاختلاف في نوعية طبقات التربة والصخور، يتبين سمك هذه الطبقات وعمقها. في هذه الحالة، تم رصد صدى من طبقة تحتوي على بقايا أحد أنواع الدينوصورات المتحجرة، فاستخرج علماء المستحاثات (الحفريات) هذه البقايا حيث اتضح أنها تمثل حيوانا ضخما كان يعيش في منطقة تسمى الآن صحراء نيومكسيكو، وقد أطلق على هذا الحيوان اسم «السايزموصور»؛ لأن الأرض كانت تهتز تحت حافريه أثناء سيره، وكأنه آلة زلزالية.

 

لقد غدت أجهزة الاستشعار عن بعد معدات أساسية في الكشف عن الآثار سواء استخدمت على متن أقمار صنعية في الفضاء أو على سطح الأرض. وبما أن معظم علماء الآثار اعتادوا في حياتهم المهنية على استخدام المِعْول والمجرفة لاستخراج الآثار ولمسها والتمعن في أشكالها وألوانها، لذا فإن بعضهم لم يقتنع بعد بأهمية الوسائل التي جلبها عصر الفضاء. لكن أولئك الذين تعرّفوا إمكانات التقانة الحديثة بدءوا باستخلاص الكثير من المعلومات التي توفرها الأجهزة المتقدمة. ولهذا الأمر أهمية خاصة في هذا العصر الذي يدعو فيه الجميع إلى ترميم الآثار والحفاظ على البيئة وعلى المواقع الأثرية ومكوناتها. فاستخدام هذه الأجهزة يُمكّن من الحفاظ على المواقع الأثرية من دون الإضرار ببيئتها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007634.jpg

 

صورة رادارية توضح تفاصيل منطقة في جنوب شبه الجزيرة العربية تشتمل على موقع يعتقد البعض أنه موقع مدينة إرم (ذات العماد، كما جاء ذكرها في القرآن الكريم). والموقع المذكور صغير جدا ولا يمكن رؤيته في هذه الصورة التي تغطي منطقة شاسعة؛ ولكنه يقع قريبا من مركزها حيث تلتقي عدة خطوط حمراء يُعتقد أنها طرق صحراوية أو مدقات. تغطي هذه الصورة مساحة 50×85 كيلومترا مربعا، وقد التقطها جهاز التصوير الراداري SIR-C من مكوك الفضاء.

 

*  تَظهر الطرق الصحراوية على شكل خطوط حمراء. وعلى الرغم من أن بعض هذه الطرق ما زال يستخدم حتى الآن، فإن الدراسة الميدانية أثبتت أن بعضها كان يستخدم قبل آلاف السنين.

*وادٍ شاسع (مسار نهر قديم) يبدو باللون الأبيض؛ لأن جلاميد الصخور في باطن الوادي تعكس موجات الرادار بشدة فتبدو باهرة اللون.

*تعرض المساحات الخضراء صخور الحجر الجيري الصلدة التي تشكل أرضًا صحراوية صخرية.

*كثبان رملية هائلة الحجم (اللون القرمزي) تغطي معظم سطح الصحراء في الجزء الأسفل من هذه الصورة الرادارية.

 

تاريخ حديث جدًّا

مع أن التصوير الجوي كان مستخدما منذ أوائل هذا القرن، فقد بدأ الاستشعار عن بعد للأرض في الشهر 12/ 1968 عندما بث رواد رحلة أبولّو 8 أول صورة للأرض أثناء دورانهم حول القمر. وقد راقب الناس بإعجاب شديد الكرة الأرضية الجميلة الزرقاء (من لون المحيطات التي تغطي أكثر من 75% منها) وهي تعلو فوق أفق القمر في سمائه السوداء الداكنة. وقد أعلن رواد الرحلات الفضائية في مدار الأرض أنهم استطاعوا تمييز بعض مظاهر الأنشطة البشرية. فلقد تعرفوا مثلا سور الصين العظيم فوق الجبال والهضاب، والأهرامات المصرية القديمة التي تعتلي هضبة الجيزة في جنوب غرب القاهرة. وهذه الملاحظات حثتنا على البدء باستخدام وسائل متخصصة لدراسة سطح الأرض وتعرّف تضاريسها والكشف عمّا يخفيه سطحها من بعيد، وذلك بالاعتماد على تقانة عصر الفضاء المتقدمة.

 

ففي عام 1972، بدأت وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) برنامج لاندسات لتصوير الأرض. كان الغرض الأساسي من هذا البرنامج هو مسح الغطاء النباتي للأرض وبخاصة المناطق المزروعة منها. وقد تم ذلك بقياس انعكاس الأشعة تحت الحمراء، التي تعكسها المادة الخضراء في النباتات، فشدة انعكاس هذه الأشعة تتناسب مع صحة النبات وجودة المحصول. وهكذا أخذت صور أقمار لاندسات توضح لنا معالم سطح الأرض من خلال الأطياف الكهرمغنطيسية المختلفة التي تدل ألوانها وشداتها على وجود الغطاء النباتي أو عدمه وعلى الاختلافات في التركيب المعدني والكيميائي للتربة والصخور. وتدريجيا، اتضحت أهمية الصور ليس فقط في متابعة الزراعة والمحاصيل، ولكن أيضا في الجيولوجيا والجغرافيا وعلم الآثار. وقد بدأ عدد من العلماء في أواخر السبعينات باستخدام صور لاندسات في تحديد مواقع آثار حضارة «المايا» في أمريكا الوسطى والبنى القديمة في السهل الواقع بين نهري دجلة والفرات بالعراق.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007635.jpg

تعرض هذه الصورة جزءًا من سور الصين العظيم كعصابة برتقالية (في الأسفل). وتعرض الصورُ باللونين الأبيض والأسود المساحة التي حددت بالإطار والتي تمثل القنوات الرادارية الأربع من الجهاز SIR-C. كما تعرض الصورتان في يسار الشكل أوضح منظر لجيلين من هذا السور، حيث الخط المتصل والفاتح اللون هو السور الأحدث، الذي بني قبل نحو 600 سنة؛ والخط الفاتح المتقطع، الذي يظهر فوق الخط الأول مباشرة، هو لبقايا نسخة أقدم للسور (عمرها نحو 1500 سنة). يمكن بسهولة الكشف عن السور من الفضاء بوساطة الرادار؛ لأن أطرافه الناعمة الشديدة الميلان توفر سطحا بارزا من أجل انعكاس أشعة الرادار التي تسقط عليه. والكشف عن السور القديم بوساطة الرادار يسمح للباحثين الصينيين بأن يقتفوا أثر الموقع السابق للبناء عبر مساحات واسعة بعيدة. أخذت هذه الصورة عام 1994 من مكوك الفضاء إنديڤر، وتعرض الصورة السفلى مساحة تقدر بنحو 25×75 مترًا مربعًا.

 

بعد أن تدرب علماء الآثار على استخدام صور لاندسات استطاعوا استخدام الصور الأكثر توضيحا للتضاريس والمأخوذة من أقمار أخرى أو من طائرات مخصصة لهذا الغرض. كان أحد هؤلاء هو<L.T. سيڤر>، يعمل في مركز «ستينس» التابع لناسا في ولاية ميسيسبي)، الذي تدرب على يد أستاذه <D.P. شيتس> (أستاذ الآثار في جامعة كولورادو). لقد طلب هذان الباحثان استخدام جهاز للتصوير بالأشعة تحت الحمراء من إحدى الطائرات التابعة لناسا، حيث أظهرت الصور خطا ملتويا غريبا في منطقة «تلاران» بشمال غرب كوستاريكا.

 

استخدام الأجهزة على سطح الأرض

أجهزة قياس الكهرمغنطيسية: تقيس هذه الأجهزة الفروق بين الصفات الكهرمغنطيسية أو المغنطيسية للطبقات القريبة من سطح الأرض، مما يمكن من الكشف عما تحويه من آثار الإنسان القديم، وفي عمق يصل إلى ستة أمتار. يستخدم الباحثون هذه المعدات لتعرّف طبقات التربة وما قد تخفيه من فجوات أو كهوف.

 

الرادار المخترق للأرض: تستطيع موجات الرادار البطيئة التتابع «رؤية» ما هو تحت سطح الأرض. وهي تختلف عن الموجات المكروية التي تستخدم في الرادار العادي وتخترق سطح التربة عدة سنتيمترات فقط. يَستخدم هذا الرادار موجات يقترب طولها من تلك التي تبثها محطات الراديو والتلفزيون، ويمكنها اختراق سطح التربة إلى 10 أمتار. ينجم عن بث الموجات في الأرض انعكاسها على شكل صدى من كل فاصل بين الطبقات المختلفة مثل الرمال والطَّفَل والصخور أو المواد التي صنعها الإنسان القديم. وكلما ازداد عمق الطبقة ازداد الوقت اللازم لوصول الصدى، وهكذا يتم تحديد عمق الآثار المطمورة.

 

أجهزة قياس المغنطيسية: تستطيع هذه الأجهزة تحديد الأشياء التي تختلف في صفاتها المغنطيسية عمّا حولها من تربة. يحدد المغنطيس البروتوني – وهو الصنف الذي يستخدم بكثرة في البحث عن الآثار – الاختلافات البسيطة جدا في المجال المغنطيسي للمواد. وعلى وجه الخصوص يكشف هذا الجهاز عن التغيرات في المغنطيسية التي تنجم عن وجود أفران كانت تُحرق فيها الأخشاب في العصور القديمة.

 

أجهزة قياس المقاومة: يتم استخدام هذه الأجهزة بدفن «إلكترود» في التربة وقياس مقاومة المواد بينه وبين إلكترود في موقع آخر، ومع نقل واحد منهما من مكان إلى آخر يمكن تحديد التغيرات في المقاومة التي تشير إلى وجود مواد مختلفة ومنها آثار الإنسان القديم.

 

أجهزة الرصد الزلزالي: يستخدم علماء الآثار أجهزة الرصد الزلزالي تماما كما يستخدمها علماء الجيولوجيا في رصد الزلازل. لكن أجهزة الرصد الزلزالي التي يستخدمها علماء الآثار تقيس الذبذبات التي تنتج من موجات صوتية صنعية، ويتم رسم حركة وشكل صدى الموجات الصوتية هذه على ورق يسجل سرعة وصولها. ويحددُ زمنُ وصولها عمقَ طبقات سطح الأرض التي ينبعث منها الصدى. وهناك عدة أصناف من هذه الأجهزة يمكنها رصد أعماق مختلفة تحت سطح الأرض.

 

أقمار لاندسات: أطلقت وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) أول ثلاثة أقمار من النوع لاندسات في مدار قطبي تقريبا، وذلك ابتداء من عام 1972. وقاست أجهزتها الضوء المنعكس عن سطح الأرض في أربعة أطياف، ثم بثتها إلى محطات استقبال أرضية لتحليلها.

 

الماسح المتخصص Thematic Mapper: في منتصف الثمانينات، حمل لاندسات 4 ولاندسات 5 هذا الجهاز، وهو جهاز أكثر تقدما من أجهزة الأقمار الأولى. وتوضح صوره أي شيء على سطح الأرض لا يقل قياسه عن 30 مترا وذلك في سبعة نطاقات طيفية spectral bands: ثلاثة في الضوء المرئي (أزرق – أحمر – أخضر)، واحد بالقرب من الأشعة تحت الحمراء، اثنان في منتصف الأشعة تحت الحمراء، وواحد في الطيف الحراري. لذلك يمكن باستخدام هذه الصور تحديد مدار سطح الأرض بدقة وتفصيل.

 

سپوت Spot: أقمار تجارية وليست بحثية مثل أقمار لاندسات. وبدلا من مرآة المسح الطيفي التي تستخدمها أقمار لاندسات، يتم التصوير من أقمار سپوت من خلال الجهاز الحساس مباشرة إلى ضوء الشمس المنعكس عن سطح الأرض. وتزيد هذه الوسيلة من دقة تحديد مواقع التضاريس جغرافيا. إضافة إلى ذلك يمكن تغيير زاوية التصوير لدراسة الصور بطريقة مجسمة.

 

الرادار: يبث جهاز التصوير الراداري من الفضاء موجات باتجاه الأرض ويقيس ما ينعكس منها وكأنه صدى. ومن سطح الصخور الصلدة يتولد صدى شديد فتظهر في الصورة باللون الأبيض. أما التربة المستوية التي تتكون من حبيبات دقيقة وغير متماسكة، فإن صدى الموجات الرادارية منها ضعيف، فتظهر في الصورة بلون داكن. ومن الممكن توضيح الفارق بين شدة صدى الموجات المنعكسة عن المواد المختلفة على سطح الأرض بالألوان، وذلك بدمج موجات الرادار المتذبذبة رأسيا وأفقيا. وإحدى خصائص الصور الرادارية هي توضيح الفوالق والشقوق والنتوءات الأرضية، فمثلا أظهرت تلك الصور أجزاء من سور الصين العظيم لم تُظهرها وسائل التصوير الأخرى. وأهم خصائصها بالنسبة للعالم العربي أنها تبين مسارات الوديان القديمة المغطاة حاليا برمال الصحراء.

 

أقمار التجسس: في الآونة الأخيرة سمحت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية للمدنيين باستخدام الصور التي التقطتها أقمار التجسس العسكرية من النوع كورونا في الفترة ما بين 1960 و 1972. ويسمح ميز (قدرة تمييز) resolution هذه الصور (الأبيض – أسود) في بعض الأحيان بتوضيح ما قياسه متر واحد. كما أنها تمكّن من قياس ارتفاع التضاريس لأنها تؤخذ بطريقة مجسمة، وهذه خاصية مهمة في أبحاث الآثار. وقد قامت روسيا بعد ذلك ببيع صور أقمارها التي كانت مخصصة للتجسس العسكري. إضافة إلى هذا، فإن أقمارا تقوم بإعدادها شركات القطاع الخاص سوف تأخذ صورا بنفس الميز (الدقة التعبيرية)، فهناك أربع شركات تعد لذلك حاليا. وفي المستقبل القريب ستساعد مثل هذه المعلومات على زيادة استخدام الصور الفضائية في دراسة الآثار.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007636.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007637.jpg
ازدهرت حضارة بناء التلال، التي قامت بدراستها <A. روزفلت> عند مصب نهر الأمازون في البرازيل (أعلى اليسار). إن أجهزة الاستشعار عن بعد الممكن حملها (توضح الصور في اليمين ثلاثة منها) أتاحت لروزفلت تحديد مواقع وأشكال التلال. وأمكن بذلك إعداد رسم توضيحي لما كانت عليه مجموعات التلال قبل اندثارها تحت التربة (أسفل اليسار).

 

وقد أوضحت هذه الصور أن الخط يعلو التلال ويسير في الوديان. فاستخلص الباحثان أن الخط لا يمثل تضاريس طبيعية ولكنه من عمل الإنسان، وكان تفسيرهما صحيحا. وقد بينت الدراسة الميدانية أن ذلك الخط يمثل طريقا قديما كان يربط – قبل 1000 أو 2000 سنة – بين مقابر وقرى ومقالع أحجار.

 

ومع أن الصور الفضائية تُمكّن من ملاحظة الطرق القديمة، لما سبق ذكره في حالة الربع الخالي، إلا أن الصور الجوية بالأشعة تحت الحمراء توضح الكثير من التفاصيل لأنها تُلتقط من ارتفاعات أقل؛ لذا فقد تمكن كل من سيڤر وشيتس من اكتشاف بقايا المنشآت على نفس الطريق القديم أثناء الدراسة الميدانية. ومن هذه الخبرة استطاع سيڤر أن يحدد آثارا للطرق التي ترجع إلى ما قبل التاريخ في وادي تشاكو بولاية نيومكسيكو، موضحا أن حضارة تشاكو لم تكن منفصلة عمّا حولها، فقد كانت متصلة بحضارة أجناس أخرى من خلال شبكة طرق تشعبت في جنوب غرب أمريكا الشمالية. وبهذه الوسيلة أصبح تعرّف مسارات الطرق ومواقع المدن القديمة ممكنا بالنسبة لعلماء الآثار.

 

في عام 1986 خطا المركز القومي لدراسات الفضاء في فرنسا الخطوة التالية في التصوير الفضائي عندما أطلق القمر «سپوت»؛ الذي تتميز صوره المتعددة الأطياف بأنها توضح الأجسام والمساحات على سطح الأرض إذا كان قدها أكبر من 20 مترا. كما أن صوره المأخوذة باللونين الأبيض والأسود تستطيع توضيح ما قده 10 أمتار أو أكثر. (وبالمقابل، فإن صور الأقمار لاندسات الثلاثة الأولى كانت توضح ما قياسه 80 مترا أو أكثر، أما ميز (دقة تمييز) resolution القمرين لاندسات 4 و 5 فهو 30 مترا في مساحة 170×185 كيلومترا مربعا). وبطبيعة الحال، لا توضح صور القمر الصنعي سپوت التفاصيل التي تظهرها الصور الجوية ولكن الأولى تغطي مساحة أكبر (نحو 60×60 كيلومترا مربعا)، لذا فإنها  تمكّن من دراسة منطقة شاسعة في الصورة الواحدة. وكان <J. وايزمان> (من جامعة بوسطن) من أوائل علماء الآثار الذين استخدموا صور القمر سپوت في أبحاثهم. وقد درست مجموعته العلمية صورا تغطي شمال غرب اليونان واكتشفت فيها حدود ساحل خليج «أموديه» الذي كان موقعا لميناء هام في العصور القديمة. واستطاعت المجموعة العلمية هذه أن تحدد التغيّرات التي طرأت على الحد الفاصل بين اليابسة والمياه نتيجة للمد والجزر والتغيرات الطبيعية في مستوى سطح البحر.

 

اكتشاف فريد وعلاقته بالحضارة المصرية

ربما يمثل التصوير الراداري في يومنا هذا أكثر الوسائل الواعدة بالنسبة لدراسة آثار الإنسان القديم. تنفرد موجات الرادار بخاصية تمكِّنها من اختراق رمال الصحراء وتوضيح التضاريس المطمورة منذ العصور القديمة. وهذه الخاصية لم يتوقعها أحد بمن في ذلك أصحاب فكرة جهاز التصوير الراداري من الفضاء، <Ch. العشي> وزملاؤه في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا بباسادينا في ولاية كاليفورنيا. وقد استُخْدِم أول جهاز للتصوير الراداري من الفضاء لأول مرة خلال أولى رحلات مكوك الفضاء في الشهر 11/1981. وإحدى المناطق التي غطتها هذه الصور، بناء على طلبي، شملت الجزء الشرقي من الصحراء الكبرى، وخصوصا منطقة جنوب غرب الصحراء الغربية في مصر. واستُخْدِم الجهاز الثاني في عام 1984، وقد أوضح تضاريس في أماكن عدة منها شبه الجزيرة العربية. بعد عشر سنوات استُخدم الجهاز الثالث والأكثر تقدما من الناحية التقانية، في رحلتين لمكوك الفضاء في الشهرين 4 و 10/ 1994. تبث أجهزة الرادار المعلومات رقميا digital. كما تقوم أجهزة على الأرض باستقبال المعلومات الرقمية المجمعة أفقيا ورأسيا ليتم مباشرة تحليلها حاسوبيا.

 

لقد أوضحت صور الجهاز الراداري الأول تضاريس مهمة كانت مجهولة في منطقة أقوم بدراستها في شرق الصحراء الكبرى بالقرب من الحدود المشتركة بين مصر والسودان. وتقع هذه المنطقة شمال غرب واحة سليمة في أقصى شمال غرب السودان، وتغطيها طبقة مستوية من الرمال لا يظهر فيها إلا بعض التلال القليلة الارتفاع. لكن الرادار أوضح تضاريس قديمة مطمورة أهمها مسارات لعدة أنهار يتراوح عرضها بين 8 و 20 كيلومترا تقريبا. وقد اتضح من هذه الصور الفريدة أن التلال التي تظهر على سطح الصحراء كانت جُزُرا في أنهار تكونت بفعل التحات والانجراف . وقد أثبت المسح الميداني أن أشعة الرادار اخترقت طبقة الرمال السطحية بعمق خمسة أمتار لتكشف ضفاف مسارات الوديان المطمورة. واستخرج علماء الآثار من تحت الأرض فؤوسا من الصخر، مما يدل على أن الإنسان القديم قد عاش في هذه المنطقة في حقب مطيرة قبل نحو 000 200 سنة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007638.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007639.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N3_H01_007640.jpg
استخدام تقانة الاستشعار عن بعد في دراسة البيئة المحيطة بمركب مفكك مدفون في مخزن بالقرب من الهرم الأكبر الذي بناه الملك خوفو على هضبة الجيزة (الصورة العليا). تم الكشف عن المرْكب الأول عام 1954. لقد استخرجت الأخشاب المفككة وأعيد تركيبها، ثم وضعت في متحف المركب (الصورة السفلى) الذي أنشئ فوق موقع الاكتشاف وافتتح للزوار عام 1982. واتضح لاحقا أن بيئة المتحف غير مناسبة للحفاظ على المركب، حيث بدأت الأخشاب بالانكماش قليلا. كان ذلك هو السبب الأساسي لدراسة بيئة المركب الآخر الذي أُبقي عليه في مكانه الأصلي من دون أي تغيير في بيئته، وتمت دراسته باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد. توضح الصورة (في أعلى اليمين) أحد أفراد المجموعة العلمية وهو يعد سطح غطاء المخزن المكون من كتل من الحجر الجيري، وذلك لتثبيت الجهاز الحابس للهواء الذي أتاح إدخال معدات البحث من دون أن يختلط الهواء الداخلي والخارجي للمخزن. لقد تم تثبيت حلقة من الحديد الصلب على سطح الغطاء الحجري، ثم رُكِّبت حلقة ثانية فوقها تسمح بدورة بمقدار 90 درجة؛ وذلك لتغطية الفتحة بالحلقة السفلى، وبذا أمكن منع تسرب الهواء من الخارج إلى الداخل وبالعكس، أثناء عمليات الحفر أو إدخال وإخراج معدات الاستكشاف. وقد عرضت الصور التي التقطتها آلة تصوير تم إدخالها في الحفرة، أخشاب المركب الآخر كما وضعها قدماء المصريين قبل 4600 سنة (في أسفل اليسار).

 

لقد أضاف هذا الاكتشاف معلومات قيمة لعلماء الآثار والجيولوجيا والنبات عززت نظرية أصل وتاريخ تطور هذا الجزء من الصحراء الكبرى غرب وادي النيل. ومن المعروف أن أكثر مناطق العالم جفافا في الوقت الحالي هي الصحراء في مصر وليبيا والسودان؛ فطاقة الشمس التي تصلها قادرة على تبخير 200 مرة كمية الأمطار التي تهطل عليها. إلا أن الحال لم تكن هكذا في الماضي، فالدلالات العلمية تشير إلى أن المنطقة كانت معرَّضة لهطول أمطار غزيرة في الفترة ما بين 5000 و11000 عام مضت. وقبل هذه الفترة طغت على المنطقة حقبة جافة، سبقتها حقبة عاشت فيها المنطقة تحت ظروف ممطرة، وتوالت الحقب الجافة والممطرة إلى ما قبل 000 320 سنة. لقد أكدت الصور الرادارية وجود المياه تحت سطح الصحراء في تلك المنطقة؛ وذلك بكشفها عن مسارات واسعة لأنهار كانت تجري فيها.

 

إن تعرّف تاريخ تطور المنطقة أضاف الكثير إلى علم الآثار وخصوصا إلى الحقبة ما قبل الحضارة المصرية القديمة، وخاصة ما يتعلق ببيئة تلك المنطقة في قديم الزمن. على سبيل المثال، فإن <F. وندورف> (من جامعة ساذرن ميثودست في تكساس، والذي قام بأبحاث مستفيضة في غرب وادي النيل) قدّر أن معدل كمية الأمطار التي كانت تهطل على تلك المنطقة، يتراوح بين 100 و200 ملّيمتر في العام أثناء الحقبة المطيرة التي بدأت قبل 11000 عام، علما بأن هذه المنطقة لا تهطل عليها حاليا أية كمية من الأمطار. نتج من المناخ الممطر آنذاك نمو الحشائش والأشجار في بيئة تشبه ما يسمى «وادي الموت» في ولاية كاليفورنيا. يعتقد وندورف أن الاهتمام الأساسي لإنسان تلك الحقبة كان يتركز على تربية الحيوانات الأليفة مثل الأبقار.

 

لقد انتهت آخر حقبة مطيرة منذ 5000 عام حيث بدأ القحط الذي ما زال يسيطر على المنطقة. ومن المعروف أن هذا التاريخ يتزامن مع بزوغ الحضارة المصرية القديمة، وفي نظري إن للحدثين علاقة وطيدة؛ إذ إني أعتقد أن التغيير المناخي قلل كمية الأمطار رويدا رويدا قبل أن يسود القحط المنطقة. ومع بدء الجفاف من الطبيعي أن تبدأ هجرة الإنسان من المكان الذي أصابه الجفاف إلى مكان آخر تتوافر فيه المياه العذبة، وفي هذه الحالة كان وادي النيل، الذي كانت ضفافه تكتظ بسكان لا رغبة لديهم في التنقل، وساعدتهم الظروف البيئية على التكاثر. وفي نظري ثمة احتمال بأن الاختلاط والتفاعل بين هؤلاء وبين الوافدين من الصحراء غربي النيل كان عاملا أساسيا في بزوغ الحضارة المصرية القديمة.

 

لقد تمتع سكان وادي النيل بما أسميه «تقانة النهر» وهي خبرة أزلية في التعامل مع المياه في مجرى النهر. فقد كانت حياتهم تعتمد على فهم مستفيض للبيئة وخصوصا ارتفاع وانخفاض مستوى النهر. كما أنهم كانوا على معرفة دقيقة بموعد الفيضان السنوي، وقد اخترعوا سبلا ذكية لرفع منسوب النيل ليصل إلى سطح التربة على ضفتيه، مما مكنهم من زرع ما لذ وطاب بعد حفر قنوات للري وأخرى للصرف. لذلك كانت أفكارهم تتركز على الأرض وزراعتها التي كانت تمثل أساس الحياة بالنسبة لهم. وقد كان لدى الذين نزحوا شرقا من المناطق التي أصابها الجفاف، ما أسميه «حكمة الصحراء». فقد تعلموا التعايش مع بيئة متغيرة، حيث تهطل الأمطار في آونة وتشح في آونة تليها، وكان عليهم والحالة هذه الترحال والتنقل من مكان إلى آخر سعيا وراء الماء والكلأ. ولكي لا تؤذيهم حرارة الشمس الحارقة أثناء النهار كان ترحالهم يتم ليلا، لذلك تعرّفوا مواقع النجوم وأوقات ظهور القمر وصعود الكواكب السيارة وبزوغ الشمس في الأفق. لذا تكوَّنت لديهم خبرة فريدة في علوم الفلك، فأنظارهم كانت تتجه دائما إلى السماء، وهم يتفكرون في موقع الإنسان في هذا الكون وعظمة الخلق وسر الحياة وماذا يحدث بعد الممات – وهذا التوجه الفلسفي هو إحدى الصفات المميزة للحضارة المصرية القديمة المعروفة.

 

علاوة على ذلك فإن هجرة جموع غفيرة من بدو الصحراء إلى ضفاف النيل أدت إلى اكتظاظها بالسكان، الأمر الذي استوجب إنتاج ما يكفي الجميع من الغذاء، واستوجب بالتالي تنظيما كاملا للمجتمع. يمثل هذا التنظيم أحد أسس الحضارة، لذا فإني أعتقد أن التفاعل بين المجموعتين، أهل النيل وأبناء الصحراء، أنتج خامة إنسانية مبدعة كانت مبعثا للحضارة المصرية القديمة.

 

عودة إلى سطح الأرض وما يخفيه

لم يستخدم علماء الآثار بكثرة – كما ينبغي – أجهزة الاستشعار عن بعد لكشف ما هو مطمور تحت سطح الأرض، تلك الأجهزة التي يجب استعمالها قبيل التنقيب عن الآثار. ومنذ مطلع القرن الحالي، يقوم علماء الآثار بتقسيم الموقع المختار للدراسة والبحث إلى مربعات لتحديد أماكن الحفر، وفي هذه الطريقة يلعب الحظ دورا كبيرا. أما أجهزة الاستشعار عن بعد، فتمكّن من تحديد الأماكن التي تختفي فيها الآثار من دون الحاجة إلى الحفر. وهذا يقلل الجهد والمال اللازمين للكشف عن الآثار؛ والأهم من ذلك أنه يحافظ على بيئة المكان لأن بيئة الموقع لا تقل أهمية في بعض الأحيان عما يحويه من آثار.

 

لقد أثبتت <A. روزفلت> (التي تعمل في متحف «فيلد» بمدينة شيكاغو) جدارتها في استخدام هذه الأجهزة؛ ولأنها تستخدم العديد منها في الوقت نفسه، فقد أصبحت روزفلت من رواد التعامل مع التقانة المتقدمة في البحث عن الآثار. هكذا استطاعت مع مجموعتها العلمية اكتشاف الكثير عن طرق معيشة إنسان ما قبل التاريخ في غابات الأمازون بالبرازيل.

 

درست هذه المجموعة آثارا لقبيلة تميزت ببناء القباب وكانت تعيش على الصيد وجمع النباتات في جزيرة «ماراخو» بمصب نهر الأمازون. استخدمت المجموعة في هذه الدراسة معدات يسهل حملها ونقلها من موقع إلى آخر للكشف عن مواقع القباب وشكلها وعمقها. وقد شملت المعدات جهازا يقيس المغنطيسية في حقل للقباب مساحته قرابة ثلاثة أفدنة، حيث يتراوح ارتفاع القباب ما بين سبعة إلى عشرة أمتار. لقد أثبت الجهاز المغنطيسي وجود عدة أفران مغلَّفة بالطين بين المنازل. كما كشف جهاز آخر يبث الموجات الرادارية إلى باطن الأرض عن آثار في طبقات التربة. كذلك كشف جهاز كهرمغنطيسي توزّع طبقات التربة المختلفة نتيجة للتغيرات في النفاذية التي تتصف بها مواد كل طبقة. إضافة إلى هذا، فإن الجهاز الذي يقيس نفاذية الموجات الكهربائية في التربة والصخور-أفقيا ورأسيا- كشف مواقع مصطبات وأكوام قمامة وأفران مطمورة تحت سطح الأرض. كما أن معدات أخرى تقيس الموجات الزلزالية (كالأجهزة التي تستخدم في رصد الزلازل) أوضحت مراحل بناء القباب وحددت الأرض الأصلية التي تم البناء عليها.

 

أدمجت روزفلت نتائج استخدام هذه الأجهزة مع ما توافر لديها من معلومات مستقاة من الحفائر، لتوضح لنا صورة لحياة الإنسان على ضفاف الأمازون في الفترة من نحو 500 إلى 1500 ميلادية وهي تاريخ قدوم الأوروبيين إلى هذه المنطقة. وتَبيَّن من ذلك أن من نعرفهم باسم «مراخوران» هم أناس من فصائل مختلفة تحاربوا فيما بينهم وعاشوا على جمع الفواكه والمحاصيل الغذائية الأخرى. وقد اعتمدت حضارتهم على بناء القباب ليرفعوا مأواهم فوق منسوب مياه المستنقعات، وبمرور مئات السنين بنوا منازل فوق أنقاض القباب القديمة. استنتجت روزفلت أن حضارة المراخوران انبثقت عن البيئة المحلية البدائية. وبهذا الاستنتاج غيّرت روزفلت النظرية السائدة بين علماء الآثار المتخصصين في هذه المنطقة، حيث كانوا يعتقدون أن الغابات الكثيفة حالت دون التطور الاجتماعي لسكان الأمازون القدماء.

 

كما اكتشفت روزفلت معلومات أخرى بالقرب من «سانتاريم» في شمال البرازيل يتعارض تفسيرها مع فكر علماء الآثار السائد عن تواجد الإنسان في وادي الأمازون. فقد ساد الاعتقاد بأن من أدخل صناعة الخزف إلى منطقة الأمازون هم هنود جاءوا من المكسيك أو البيرو. لكن روزفلت ومجموعتها العلمية استنتجت وجود فصيلة من أهل الأمازون كانت تصنع الخزف وتعيش على صيد الأسماك وذلك قبل 7000 عام. وقد أوضح جهاز الرادار المخترق للأرض معالم كثيرة عن معيشة الإنسان، كما كشف جهازا قياس المقاومة وذبذبات الأرض، السطح الأصلي لبدء البناء في المستوطنات، حيث تم الكشف عن بقايا الخزف التي تم تحديد عمرها بقياس كل من الكربون المشع واللمعان الحراري. ولأن عينات الخزف هذه أقدم بآلاف السنوات من مثيلاتها في أماكن أخرى في كل من أمريكا الشمالية والجنوبية، فقد غيرت نتائج هذه الأبحاث من صورة تطور معيشة الإنسان بالأمريكتين في قديم الزمن.

 

الترميم والحفاظ على البيئة

تتدهور المواقع الأثرية بشكل ملحوظ بعد تعرضها إلى عوامل التعرية الطبيعية، مثل المطر والرياح، وعوامل أخرى مثل كثرة الزوار، وفي بعض الأحيان تتعرض الآثار للسرقة والتخريب. لقد اتضحت خطورة الموقف في بعض مواقع الآثار الفريدة التي بدأت تتداعى، ويشمل ذلك «أنكور» في كامبوديا و«ماتشو بيتشو» في البيرو. ويجب أن يضع الباحثون عن الآثار في اعتبارهم أهمية الحفاظ على المواقع الأثرية وحمايتها من تأثيرات العوامل المؤذية بعد كشفها، أو محاولة جمع المعلومات الهامة عنها من دون إخراج الآثار من موقعها أو حتى لمسها.

 

لقد واتتني فرصة فريدة لاستخدام الاستشعار عن بعد بهذه الطريقة، وكان ذلك أثناء دراسة موقع أثري في عام 1987 بالقرب من الهرم الأكبر على هضبة الجيزة جنوب غرب القاهرة. من المعروف أن الملك خوفو أنشأ أكبر أهرامات الجيزة قبل نحو 4600 سنة. في عام 1954 بدأ علماء الآثار بإزالة تلّ من الركام الذي كان قد تجمَّع مع مرور الزمن على سفح الهرم الجنوبي بارتفاع 60 مترا. واتضح بعد إزالة الركام وجود مجموعتين من الأحجار المستوية على بعد 18 مترا من جدار الهرم. وعندما أزيلت المجموعة الشرقية من هذه الأحجار (وعددها 40 حجرا) كشفت عن مقبرة شاسعة طولها 30 مترا استخدمها قدماء المصريين لخزن أخشاب مَرْكَب مفكك طوله 43.4 متر وعرض وسطه 5.9 متر. وقد استمر العمل 18 عاما لإعادة بناء هذا المركب ثم وضعه في «متحف المركب» الذي أقيم في موقع الاكتشاف نفسه، وسمح للجمهور بزيارته في عام 1982. منذ ذلك التاريخ أصبح هذا المتحف مزارا مشهورا بين السائحين، فهو يحتوي على أقدم سفينة عرفها العالم. تعرف هذه السفينة عامة باسم «مركب الشمس»؛ لأن الاعتقاد السائد هو أن غرضها الأساسي كان نقل جثمان الملك من شرق النيل حيث عاش، إلى غرب النيل حيث دُفن، ممثلا ذلك رحلة الشمس في السماء.

 

ترتب على عرض المركب بالمتحف أن أخذت أخشابه بالتقلص قليلا، وقد قدّر بعض الخبراء أنها انكمشت نحو نصف متر. تبين أن هذا التقلص كان نتيجة للظروف البيئية داخل المتحف واختلافها عن البيئة التي حافظت على الأخشاب في مخزنها الأصلي نحو خمسة آلاف عام. وأهم دليل على أن أخشاب المركب كانت محفوظة في بيئة محكمة هو انتشار رائحة خشب الصنوبر فور إزالة أول حجر من أحجار المخزن، الأمر الذي أذهل علماء الآثار أثناء الكشف الأصلي. وكان متوقعا أن تغطي مجموعة الأحجار الغربية مركبا مفككا آخر؛ لأن هذه المجموعة تقع بالقرب من المجموعة الأولى وتتكون أيضا من 40 حجرا بنفس الحجم الهائل للمجموعة الشرقية. لذا طلب إليّ الزملاء في هيئة الآثار المصرية أن أعد خطة لاستخدام تقانة الاستشعار عن بعد في دراسة المخزن من دون أي تغيير في بيئته أو الإضرار بمحتوياته. وكان الهدف الأساسي للدراسة هو تعرّف مواصفات البيئة في داخل المخزن الذي ما زال مغلقا لتحديد ما يلزم من تغيير في بيئة متحف المركب للحفاظ على أخشابه مع عدم المساس بالمركب الآخر.

 

وقد تم الاتفاق في عام 1987 على استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد في برنامج بحثي مشترك بين هيئة الآثار المصرية والجمعية الجغرافية الأمريكية ومركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن. ولأننا نعتقد أن مخزن المركب الأول كان مغلقا بإحكام تام، فقد اقترحت أن نخطط لأخذ عينة من الهواء الموجود داخله لتحليله. والهدف من هذا كان الكشف عن نسبة المكونات المختلفة لهواء الغلاف الجوي للأرض التي كانت موجودة قبل 000 46 عام لتعرّف التغيرات التي طرأت على تركيب الهواء حتى يومنا هذا. وللوصول إلى هذا الهدف، طلبت إلى <R. مورز> (المهندس في مؤسسة «بلاك آند ديكر») تصميم حفّار لأخذ عينة من هواء المخزن المغلق من دون الإضرار ببيئته. (كان المهندس مورز قد شارك في تصميم الحفّار الذي استخدمه رواد رحلات أبولّو لأخذ عينات من تربة القمر.) بناء على هذا تم تصنيع حفار بحاجز هوائي لا يسمح بخلط الهواء داخل المخزن وخارجه. بعد ذلك استخدمنا جهاز الرادار المخترق للأرض لتعرّف حجم المخزن وشكل محتوياته لاختيار موقع للحفر لا يؤثر في المركب المفكك بداخله. وأصبح كل شيء جاهزا لبدء الاستكشاف في الشهر 10/1987. كان الحفر يتوقف قليلا بعد كل سنتيمتر تقريبا حتى لا ينجم عنه أي تسخين للحجر الجيري أو ازدياد درجة الحرارة داخل المخزن، وكذلك لتنظيف موقع الحفر من فتات وبودرة الحجارة.

 

لقد استمرت عملية الحفر يومين ونصف اليوم لاختراق الحجر المختار الذي وصلت سماكته إلى 109 سنتيمترات. ثم أنزلنا خرطوما في المخزن لسحب عينات من الهواء في داخله من ثلاثة مستويات. بعد ذلك جاء دور التصوير، حيث أدخلنا آلة تصوير متطورة أظهرت علامات هيروغليفية على جدار المخزن الذي اتضح أنه يحتوي على مَرْكب مفكك تشبه أجزاؤه المركب الأول لكنه بدا أصغر منه بعض الشيء. لقد أثبت تحليل العينات أن عمر الهواء في المخزن 2000 سنة. كذلك أظهرت الصور وجود آثار لرطوبة على جدار المخزن ولخنفساء الصحراء فوق الأخشاب، مما يدل على أن البيئة الخارجية الحديثة وصلت إلى داخل المخزن، وربما تم ذلك أثناء وضع أساس وبناء «متحف المَرْكب». بعد جمع المعلومات عن درجة الحرارة والضغط الجوي ونسبة الرطوبة بداخل المخزن، تم إغلاق الفتحة وتركت محتويات المخزن في الحالة نفسها قبل بدء الاستكشاف. هكذا أثبت المشروع إمكانية دراسة موقع أثري من دون الإضرار ببيئته.

 

وحديثا، قامت مجموعة علمية في المملكة المتحدة بدراسة مشابهة، حيث استخدمت هذه المجموعة أجهزة الاستشعار عن بعد المتطورة في تعرّف قرية رومانية مندثرة بالقرب من بلدة «روكستر». وقد أعدت المجموعة خريطة للطرق والمحلات التجارية ولمكانٍ ربما كان يستخدم للعبادة. وتم كل ذلك من دون حفائر أو إلحاق ضرر بطبيعة المنطقة التي تقع عليها الآن قرية حديثة العهد. وأُدخلت المعلومات في حاسوب لإعداد رسمٍ مجسَّمٍ للمدينة المندثرة يوضح صفاتها عندما كانت تعجّ بالسكان.

 

وفي اعتقادي إن القرن القادم سيشهد استمرار استخدام الاستشعار عن بعد وغيره من وسائل عصر الفضاء المتقدمة لدراسة الآثار دراسة مستفيضة وجمع ما يهم من معلومات من دون الإخلال ببيئة المواقع الأثرية. وأثناء الكشف عما نجهله تحت أقدامنا، ربما نتعلم مما توضحه الأجهزة العلمية الحديثة أكثر مما تلمسه أيدينا.

 

 المؤلف

فاروق الباز

مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن. حصل على البكالوريوس في العلوم من جامعة عين شمس وعلى الماجستير والدكتوراه في الجيولوجيا من جامعة ميزوري بالولايات المتحدة الأمريكية. درّس في كل من قسم الجيولوجيا بجامعة أسيوط في مصر وجامعة هايدلبرگ في ألمانيا. كما شغل عدة وظائف في مؤسسة بيلكوم – التي عملت مع الوكالة ناسا – والمتحف القومي للطيران والفضاء التابع للمعهد السميثوني (حيث أدار مركز دراسات الأرض والكواكب)، ومؤسسة آيتك لتصنيع آلات التصوير المتقدمة. وتركز أبحاثه حاليا على تفسير الصور الفضائية وتطبيقات ذلك في دراسة الصحراء واستخدام الاستشعار عن بعد في الجيولوجيا وعلم الآثار.

 

مراجع للاستزادة 

GROUND-PENETRATING RADAR SIMULATION IN ENGINEERING AND ARCHAEOLOGY. D. Goodman in Geophysics, Vol. 59, No. 2, pages 224-232; February 1994.

REMOTE SENSING AND THE ARCHAEOLOGY OF THE SILK ROAD. E. Pendleton Banks in Current Anthropology; Vol. 36, No. 3, page 520; June 1995.

HIGH-RESOLUTION SATELLITE IMAGERY IN ARCHAEOLOGICAL APPLICATION; WITH A PHOTOGRAPH OF THE STONEHENGE REGION. Martin J. F. Fowler in Antiquity, Vol. 70, No. 269, pages 667-670; September 1996.

THE USE OF SATELLITE IMAGERY AND DIGITAL IMAGE PROCESSING IN LANDSCAPE ARCHAEOLOGY: A CASE STUDY FROM THE ISLAND OF MALLORCA, SPAIN. A. M. Montufo in Geonrchaeology, Vol. 12, No. 1, pages 71-92; January 1997.

Scientific American, August 1997

http://oloommagazine.com/Images/none.gif

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى