غير مصنف

السلاح السري للزنابير (الدبابير) الطفيلية

 

السلاح السري للزنابير (الدبابير) الطفيلية

ينبغي على الزنابير الطفيلية أن تنمو داخل الأساريع(1) الحية.

ويمكنها البقاء على قيد الحياة داخل هذه البيئة العدوانية

بتهريب ڤيروس يكبح الجهاز المناعي للعائل.

<E .N. بكيج>

 

لن يصبح هذا الأسروع (السُّرْفَة) فراشة بالغة على الإطلاق. فهو يمرح عميقا بين أوراق الطماطم (البندورة) اللذيذة المذاق، مختبئا من مفترسيه، ومع ذلك فقد وجد عدوُّه الطريق إليه. ففي أثناء بحث الأنثى عن مربية لذريتها offspring، عثرت الزُّنْبور wasp الطفيلية على الرائحة(2) المميزة لضحيتها من حَرْشَفِيّات الأجنحةlepidopteran وغذائها. حينئذ تحقن (تزرق) الزنبور الضئيلة الحجم حفنة من بيضها في تجويف جسم «الأسروع» من خلال جُلَيْدِه cuticle القاسي، حيث ستتنامى يرقات الزنبور بالتغذي بمقر حضانتها nursery  الحي. وفي لحظة  حرجة من مراحل النمو ستخرج اليرقات في دفقاتٍ من خلال جوانب جسم الأسروع لكي تغزل شرانقها cocoons على سطح جسمه. وفي النهاية ترتحل الزنابير حشراتٍ بالغة بعد أن تتم تحوّلها metamorphosis، ولكن حينئذ يكون مصير عائلها (ثويها) الموت وهو مازال أسروعا.

 

ولو كان الأمر متعلقا بمعركة بين نوع وآخر، لربما سنحت الفرصة للأسروع للنجاة ـ لأن لديه جهازا مناعيا قادرا على ابتلاع بيض الزنبور الغازية وقتله قبل أن يُلحق بالأسروع أذى دائما. بيد أن الزنبور لا تأتي إلى هذه المنازلة بمفردها. فإضافة إلى بيضها، تحقن الأنثى حشودا من الجسيمات الڤيروسية. وسرعان ما تقهر هذه المحارباتُ الڤيروسية الاستجابةَ response المناعية للأسروع، وهذا يقلب ميزان القوى لصالح ذرية الزنبور. فالأسروع، وقد غزاه طفيليان، يكف ببطء عن التغذي ويخفق في التحول إلى طور العذراء (الخادرة) pupate، وتنتهي حياته بموت مبكر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N10_H03_007396.jpg

إن الزنبور والأسروع هما داودُ وجالوت عالَمِ الحشرات. فالجهاز المناعي الهائل للأسروع يهدد بيض الزنبور؛ البيض الذي يجب أن ينضج داخل عائل حي. ولكن الزنبور البالغة الصغر تنتصر مستخدمة سلاحا مميتا هو الڤيروس.

 

إن العلاقات القائمة ما بين العائل والطفيلي، مثل تلك التي تشمل الزنبور والڤيروس والأسروع سيئ الحظ، هي من أشد العلاقات تعقيدا في الطبيعة. فالزنبور طفيلي داخلي endoparasite ـ إذ ينبغي عليها أن تنمو داخل عائلها. فإذا مات الأسروع قبل أن تتغذى يرقات الزنبور على الوجه الصحيح، فستموت الزنابير أيضا. بيد أنه لا يُسمح للأسروع أن يكسب الجولة باستخدام دفاعاته المناعية. ومن المرجح أن معظم المسؤولية في الإبقاء على هذا التوازن الدقيق ترجع إلى تواطؤ ڤيروس الزنبور. وعلى غرار ما فعلت الزنبور، طور الكثير من طفيليات الحشرات علاقات ارتباط بالبكتيريا والڤيروسات لتساعدها على القيام بفعلتها التي غالبا ما تكون مميتة.

 

أسلحة ميكروبية

وكمثال بسيط على هذه الشراكة نذكر ما يحدث في ديدان طفيلية معينة تحمل في قنواتها الهضمية نوعا ضاريا (مفوّعا) virulent من البكتيريا. تتقيأ هذه الديدان البكتيريا داخل عوائلها من الحشرات، مما يؤدي إلى قتل هذه العوائل خلال أيام قليلة من العدوى (الخمج). وتُشكل البكتيريا ذات الانقسام السريع مصدرا غذائيا سريعا للديدان المتنامية؛ كما أنها تؤمن غذاء (قوتا) إضافيا بإفرازها إنزيمات هاضمة تسرع في تحويل جثة العائل إلى حساء غني بالمغذيات (الغذيات). وبالمقابل، تستفيد البكتيريا باستخدام الديدان نواقلَ لغزو عوائل جُدد. إن هؤلاء الشركاء المتفاعلين (المتآثرين) كائناتٌ حية مستقل تماما بعضها عن بعض ـ فهي لا تتشارك في جيناتها.

 

وعلى نقيض ذلك، فإن علاقة التفاعل والتآثر بين الزنابير الداخلية التطفل والڤيروس الذي تستغله هي علاقة وثيقة وحميمة. فليس الأمر مقصورا على أن مصير هذين الشريكين متشابك، بل إن مادتيهما الجينيتين (الوراثيتين) قد امتزجتا أيضا امتزاجا دائما. حتى إن العلاقة بينهما تذهب إلى أبعد من ذلك ـ فالزنبور والڤيروس يمتلكان جينات (مورثات) متقاربة. وتطرح جميع هذه العلائق سؤالا يستثير التفكير: هل الزنبور والڤيروس كيانان مستقلان أم أنهما كيان واحد؟

 

في عام 1965 ظهرت أول إشارة إلى أن الزنابير الداخلية التطفل قد تمتلك في ترسانتها أسلحة غير عادية. فقد ارتاب <G. سولت> (من جامعة كمبردج) أن أنثى الزنبور ڤنتيورا Ventura تحقن داخل يرقة العائل، خلال سيروة وضع البيضoviposition، مواد ضرورية لنماء ذريتها نماء ناجحا. وعلى وجه الخصوص لاحظ سولت أن مبيض أنثى الزنبور يؤوي موادّا تمنع تخريب بيضها بوساطة الخلايا المناعية للأسروع.

 

وفي العادة، يطفو بيض الزنبور المحقون في السائل الشبيه بالدم، الذي يُطلق عليه اللِّمف الدموي hemoplymph ويملأ تجويف جسم الأسروع. ولكن عندما غسل سولت بيض الزنبور قُبَيْل حقنه، استثار استجابة مناعية سريعة: فهذا البيض، الذي جُرِّد من عامل مجهول الهوية، هُوجم بسرعة من قبل الخلايا المناعية للعائل، ثم أُبيد في نهاية الأمر. وفي عام 1973 قَدَّمت صورٌ بالمجهر الإلكتروني، التقطتها <R .S. روثرام> (وهي أيضا من كمبردج)، دالة clue  على  هوية المادة الواقية. فقد أوضحت تلك الصور أن سطح بيض الزنبور ڤنْتيورا يكتسب جسيمات شبيهة بالڤيروسات، وذلك في أثناء مروره عبر قناة المبيض خلال سيرورة وضع البيض.

 

وبعد انقضاء عقد كامل تقريبا، أجرى <B .D. ستولتز> (من جامعة دالهوزي) مسحا تصنيفيا شاملا للزنابير الطفيلية، بالتعاون مع <B .S. ڤنْسون> (من جامعة تكساس M & A). ولقد بيَّنَا أن جسيماتٍ شبيهةً بالڤيروسات توجد على نحو دائم في أنواع معينة من الزنابير وتنمو كطفيليات داخلية ضمن عوائل من حرشفيات الأجنحة. وعلاوة على ذلك، لاحظا أن هذه الڤيروسات يقتصر تضاعفها عند إناث الزنابير على نسيج المبيض. وخلال سيرورة وضع البيض تحقن الزنبور آلافًا من الجسيمات الڤيروسية داخل جسم الأسروع لتصاحب بيضة واحدة أو أكثر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N10_H03_007397.jpg

تحتدم معركة الحشرات بين الأسروع والزنبور. وينجو بيض الزنبور من هجوم الجهاز المناعي للأسروع، وذلك بفضل ڤيروس تحقنه الزنبور مع بيضها داخل الأسروع (A)؛ إذ يُفْقِد الڤيروس الخلايا المناعية للأسروع فاعليتها، متيحا للبيض الذي يطفو بحرية (الصورة المجهرية العلوية)، أن يتنامى إلى يرقات زنابير سوية. والأسروع ليس محظوظا كثيرا. ومع ذلك، في المختبر يخلو بيض الزنبور ـ الذي تم غسله ـ من الڤيروس الواقي (B)، وتبتلعه بسرعة الخلايا المناعية للأسروع (الصورة المجهرية في الوسط)؛ ولا يبقى على قيد الحياة أي من الزنابير نتيجة لهذه المواجهة. وعند حقن الڤيروس النقي في البيض المغسول (C)، فإن ذلك يُتيح لبيض الزنبور (الصورة المجهرية السفلية) أن ينمو إلى يرقات تخرج من الأسروع.

 

ويبدو منطقيًا أن نتوقع أن هذه الڤيروسات هي مواد تنشأ عن المبيض وترافق بيض الزنبور داخل جسم العائل وتكبت الاستجابة المناعية لهذا العائل. وظل ذلك دليلا توحي به القرائن حتى عام 1981، عندما أثبت ستولتز وکنسون ومساعدوهما بأن هذه المهمة يمكن أن يؤديها الڤيروس المُنَقّى. ولكن كيف، على وجه التحقيق، تقوم الڤيروسات ـ التي تُعرف حاليا بالپوليدَناڤيروسات(3) ـ بإضعاف الجهاز المناعي للأسروع؟

 

نقص المناعة

ولكي نُجيب عن هذا التساؤل، قمت وزملائي بدراسة الزنبور الطفيلية كوتيزيا كونگرِگاتا Cotesia congregata التي يمكنها وضع مئات من البيض في الأسروع الواحد. ويفقس هذا البيض إلى يرقات تتغذى باللِّمف الدموي للعائل عوضا عن استهلاك أنسجته، وبذلك تتيح للأسروع المُعْدَى (المخموج) البقاء سليما بعد خروج ذرية الزنبور منه. وقد استعملنا دودة التبغ المقرّنة tobaccohornworm (مانديوكا سكستا Manduca sexta) عائلا نموذجيا. وأي شخص زرع الطماطم صادف على الأرجح هذه الأساريع العملاقة الخضراء اللون كأوراق الشجر، التي تقتات بأوراق نبات الطماطم والتبغ وأعشاب الجيمسونjimsonweed، وغالبا ما تنمو حتى تصل إلى حجم خنصر يد الإنسان. ولا غرو فإن دودة التبغ المقرنة تلائم العمل في المختبر: فالحصول على عينات دمٍ من هذه الأساريع ذات الحجم الهائل أيسر بكثير من الحصول على عينات من الفئران.

 

لقد لاحظنا نتيجة واحدة مباشرة نجمت عن تطفل الزنبور كوتيزيا: فثمة خلايا معينة يطلق عليها الخلايا الدموية hemocytes وتسري في دم الأسروع، تعاني تحولا فيزيائيا سريعا. فقد لاحظ <D .M. لاڤاين> (طالب الدراسات العليا) هذه التأثيرات في غضون ساعات قليلة من سيرورة وضع البيض؛ إذ تتكور الخلايا الدموية وتخفق في الالتصاق بركائز مثل الزجاج أو بيض الطفيلي، كما تعاني هذه الخلايا تكوينَ فقاعات شاملة على سطحها أو انفصال قطع صغيرة من أغشيتها أو محتواها الخلوي. وتتجمع الخلايا الدموية التالفة معا وتُزال من الدورة الدموية. وإجمالا، فإن هذا التحول يُشير إلى تشابه لافت للنظر للانتحار الخلوي cell suicide (أو ما يسمى الاستموات apoptosis) الذي يحدث في خلايا الثدييات [انظر: «انتحار الخلايا في الصحة والمرض»، مجلة العلوم، العددان 6/7(1997)، الصفحة 32].

 

إن المُحَبَّبات (الخلايا الحبيبية) granulocytes والپلازميات (البَلْزَمِيّات)plasmocytes من بين أكثر الخلايا الدموية تضررا بالتطفل. ولقد بين <R .M. ستراند> (من جامعة ويسكونسن) أن المحببات، على وجه الخصوص، هي التي تهلك بالاستموات. وهذه الخلايا هي ذاتها الخلايا المناعية للعائل التي تستجيب للأجسام الغريبة، بما في ذلك بيض الزنبور كوتيزيا. ففي الاستجابة المناعية السوية، تطلق المحببات في البداية حبيبات تكسو البيض الغازي. وعندئذ تلتصق الپلازميات بسطح البيضة في طبقات عديدة، مكونة محفظة سميكة تقتل في النهاية البيضة الموجودة داخلها. إن الإزالة النهائية للمحببات والپلازميات من الدورة الدموية تُعطل الخط الأول لدفاعات الأسروع ضد الطفيلي الداخلي. وتحدث ظاهرة مماثلة في الإنسان في أثناء عدواه (خمجه) بڤيروس عوز المناعة immunodeficiency virus HIV. وفي هذه الحالة يستهدف الڤيروس اللمفاويات (الخلايا اللمفية) lymphocytes، مما يؤدي إلى التصاق هذه الخلايا وهلاكها بالاستموات. وبذلك تصبح العوامل المُعْدية الانتهازية حرة في تخريب الضحية، الأمر الذي يماثل إلى حد بعيد اجتياح ذرية الزنبور لعائلها الأسروع السيئ الحظ.

 

وعندما حقنّا الپوليدَناڤيروس النقي في يرقات دودة التبغ المقرنة الخالية من الطفيلي، عانت الخلايا الدموية للأسروع تغيرات في المظهر والسلوك تضاهي تلك التي لاحظناها في التطفل المعتاد. ولكن إذا عطلنا ـ قبل الحقن ـ فاعلية الڤيروس كيميائيا، تبقى الخلايا الدموية من دون تغيير. وتُوحي هذه النتيجة بأن الڤيروس القادر على توجيه صنع الپروتينات الڤيروسية يكون ضروريا من أجل الكبت المناعي.

 

لقد أوضح <H .S. هاروود> (طالب الدراسات العليا) أن پروتينات الپوليدَناڤيروس تظهر فعلا بسرعة في الأسروع العائل. واكتشفنا أول دليل على أن الجينات الپوليدناڤيروسية تنشط خلال 30 دقيقة من وضع البيض. وخلال هذه الفترة انتشرت الجسيمات (الجزئيات) الڤيروسية في كل مكان من العائل بما فيها الخلايا الدموية. كذلك أوضحنا، في نظامنا المؤلف من دودة التبغ المقرنة، بأن واحدا على الأقل من الپروتينات الپوليدناڤيروسية المكوَّدة يُنْتَج عقب التطفل داخل الخلايا الدموية للعائل. ويطلق على هذا الپروتين «الپروتين المبكر 1» early protein (EP1).

 

تجنيد الحشرات في الحرب ضد الأعشاب الضارة

ليست الزنابير والڤيروسات هي الكائنات الحية الوحيدة القادرة على ابتكار تكتيكات بالغة التأثير: فالبشر هم سادة هذه الحلبة. فقد تمكن العلماء مؤخرا من تحويل الأساريع وطفيلياتها إلى أسلحة فتاكة ضد الأعشاب الضارة. وخصمهم الجدير بالنزال هو الكودزو kudzu، وهو نبات خبيث متسلق سريع النمو يغطي نحو سبعة ملايين فدان(4)  جنوبي  الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد استخدم مؤخرا عالم الحشرات <D. أور> وزملاؤه (من جامعة ولاية نورث كارولينا) أساريع فول الصويا الأنشوطية soyabean loopers caterpillars  لمكافحة نبات الكودزو. ففي  اختبارات حقلية جردت هذه الحشرة العشب من أوراقه، ويعتقد أور أن جهود النبات لتعويض أوراقه المفقودة سيستنزف ببطء جهازه الجذري الهائل (يمكن لنبات واحد أن يكوّن له جذورا يصل وزنها إلى نحو 300 رطل، أو 136 كيلوغراما).

ولأن حشرات فول الصويا الأنشوطية تأكل المحاصيل وكذلك أيضا نبات الكودزو، فكل حشرة تدخل الحقل تكون مجهزة بآلية أمان تمنع هروبها ـ وهي الزنابير الطفيلية التي تنفذ حكم الإعدام في الأسروع في أثناء غزله لشرنقته، وبذلك يضمن عدم خروج فراشات تطير ثم تتوالد. وثمة فائدة إضافية وهي أن الحشرة الأنشوطية المصابة بالطفيلي تأكل كميات أكبر من نبات الكودزو: فالزنابير تطيل الفترة التي تتغذى فيها الأساريع وكذلك تزيد من شهيتها.

وليس من الواضح كيف أن بيض الزنبور كوپيدوسوما ترانكاتلّوم Copidosoma truncatellum  ينجو من هجمة الجهاز المناعي  للأسروع، إذ لا تحمل هذه الزنابير پوليدَناڤيروسات. وقد استُخدمت أعداد كبيرة من الزنابير التي تحمل فعلا الپوليدناڤيروسات في استراتيجيات المكافحة البيولوجية، ولو أنها كانت قد اتخذت ـ في معظم الحالات ـ أسلحة ضد تجمعات(5)  الآفات  الحشرية، بما فيها ذباب الفاكهة والفراش والمن.

<M. شميدسكامپ>

 

وكان حرصنا شديدا على إثبات أن الپروتين EP1 هو في الواقع أحد الپروتينات الپوليدناڤيروسية. ويمكن تحريض إنتاج الپروتين EP1  في دودة التبغ المقرنة بحقن الپوليدناڤيروسية منفردا، مما يوحي أن الجين EP1 يكمن في جينوم(6) الڤيروس، أو قد يكمن ـ بدلا من ذلك ـ في جينوم العائل، ويمكن أن يكون الڤيروس مجرد منشِّط له. وقد استنتجنا جزءا من تسلسل الجين المكوّد للپروتينEP1، وبحثنا عن هذا التسلسل في كائنات حية مختلفة، واكتشفنا أن مثل هذا الجين لا يوجد في دودة التبغ المقرنة مانديوكا Manduca، ولكن بدلا من ذلك تبين لنا أن الجين EP1 يُوجد في جينوم الپوليدناڤيروس. ومن المثير حقا أن صُنْع هذا الپروتين الپوليدناڤيروسي المكوَّد يترابط مؤقتا بالتأثيرات الدرامية للتطفل على الخلايا الدموية للعائل.

 

لقد اكتشفنا مستويات عالية من الپروتين EP1 داخل الخلايا الدموية بعد يوم واحد من وضع البيض، عندما غدت هذه الخلايا معطَّلةً تماما. واستمررنا في العثور على الدليل على وجود الپروتين EP1 في الأسروع طوال ستة أيام، ثم  عادت الخلايا الدموية إلى وظيفتها السوية في اليوم الثامن ـ ولكن كان الوقت متأخرا بالنسبة للأسروع حتى يقتل يرقات الزنبور.

 

ووجد باحثون بإشراف <O. شميت> (من جامعة أدليدا) علاقة مماثلة في ثنائي مختلف من عائل وطفيلي: في البداية أضحت الخلايا الدموية تالفة خلال الفترة الوجيزة اللازمة لإنتاج الپروتين الڤيروسي ـ ثم استجمعت الاستجابة المناعية قواها خلال يومين أو ثلاثة. ونظن أن تلف الخلايا الدموية يحدث مادام وجود مثل هذا الپروتين الڤيروسي مستمرا؛ وبمجرد أن يهبط مستوى الپروتين الڤيروسي تسترد الخلايا الدموية التالفة عافيتها أو أنها تُستبدَل، وذلك لسد النقص في الإمداد الوظيفي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N10_H03_007398.jpg

إن دورات الحياة المتشابكة تكشف عن العلاقات بين كل من الأسروع والزنبور والپوليدناڤيروس. فدورة الحياة السوية للدودة المقرنة (الشكل في اليسار) تنفصم عندما تحقن الزنبور كلا من بيضها والپوليدناڤيروس. فالزنابير تتكاثر طبيعيا (الدائرة الزرقاء في اليمين) في حين أن الدودة المقرنة تتعرض للموت المبكر (الدائرة الصفراء في اليمين). وينسق الپوليدناڤيروس هذا التخريب؛ إذ إنه يدخل خلايا الأسروع ويجعلها عاجزة (الدائرة البنية). وترث الزنابير الڤيروس في صبغياتها (كروموسوماتها). ويتضاعف الڤيروس في مبايض الزنابير المتنامية استعدادًا للجولة التالية من المعركة.

 

إن إحدى النتائج المترتبة على هذا التوقيت هو استئناف الاستجابة المناعية للعائل بكامل قوتها قبل أن تكون الزنابير النامية مستعدة لمغادرة الأسروع. ومع ذلك، خلافا للبيض واليرقات الصغيرة المعرضة للهجوم، فإن يرقات الزنابير الأكبر عمرًا تبدو قادرة على أن تقاوم بمفردها الخلايا المناعية الناشطة. ويؤمن الپوليدَناڤيروس إنقاذها من الهجوم المناعي مدة طويلة ولكنه إلى أجل، سامحا للزنابير أن تصل إلى الطور الذي تنضج فيه بالقدر الكافي لأن تحمي أنفسها.

 

لقد اكتشف <A .B. ويب> ـ من جامعة كنتوكي، والذي يستعمل ديدان التبغ البرعمية tobacco budworms نموذجا للتطفل ـ كيف تملأ الزنابير الصدع الأخير في درع الكبت (التثبيط) المناعي لديها. فعلى الرغم من أن الاستجابة المناعية الخلوية للأسروع هي في جوهرها فورية، فإن هناك تباطؤا يحدث قبل أن تغدو الپروتينات الپوليدَناڤيروسية متاحة لتغيير سلوك الخلايا الدموية للعائل. وأوضح ويب أن جزيئات پروتينية مبيضية ovarian تحقنها الزنبور مباشرة في العائل، تمنح حماية فورية ـ ولكن ضمن فترة قصيرة الأمد ـ من فعل الخلايا المناعية. أما مهمة الحماية الطويلة الأمد فتقع على عاتق الپوليدناڤيروس، من خلال إنتاج پروتينات ڤيروسية إنتاجا مستمرا داخل خلايا الأسروع.

 

إيقاف التنامي

وثمة جانب آخر مهم للعلاقة الثلاثية الأطراف «كوتيزيا-مانديوكا-پوليدناڤيروس» (وهي تلك التي أثارت في البداية اهتمامي بهذا المجال من البحوث)، ألا وهو الكيفية التي يعالج بوساطتها الطفيلي تنامي developmentالعائل. فالطفيلي الداخلي المتنامي يستفيد من إطالة الفترة التي يبقى العائل خلالها يرقة متغذية. ولهذا السبب، طور الكثير من الطفيليات الداخلية استراتيجيات تؤجل تحوّل metamorphosis العائل. وكنت مهتما، على وجه الخصوص، بحالة دودة التبغ المقرنة التي تتطفل عليها الزنبور كوتيزيا، لأن هذا العائل يبقى متوقفا عن التنامي الطبيعي فترة طويلة بعد أن تكون ذرية الزنبور قد غادرت تجويف جسمه؛ فعادة ما تبقى الأساريع على قيد الحياة مدة أسبوعين قبل موتها.

 

وهذا التوقّف في تنامي العوائل الحرشفية الأجنحة يحدث عن طريق جهاز الغدد الصم endocrine system. فلقد درستُ تعطل الغدد الصم الذي يسببه التطفل عندما كنت طالب دراسات عليا في مختبر <M .L. ريديفورد> بجامعة واشنطن. وهناك لاحظت أن تركيز الهرمون الأساسي لتنظيم سيرورة التحوّل يضطرب إثر تطفل الزنبور كوتيزيا كونگرگاتا على دودة التبغ المقرنة؛ إذ يرتفع مستوى هرمون الحداثة juvenile hormone JH ارتفاعا دراميا (مثيرا) في العوائل المصابة بالطفيليات، ولا يهبط إطلاقا إلى المستوى المنخفض الضروري لسيرورة تكوين العذراء pupation. ومن المحتمل أن ينجم هذا المستوى المرتفع للهرمون JH  عن عدم وجود كمية كافية من إستراز esterase الهرمون JH، وهو إنزيم يعمل على إزالة الهرمون JH من الكائن الحي. وعلى ما يبدو يؤدي التطفل إلى انخفاض دائم في مستويات الإستراز، على نحو يمنع حدوث سيرورة تكوين العذراء، حتى بعد ارتحال الزنابير.

 

وقد تبين أن توقف التنامي ينجم بصورة أساسية عن فعل الپوليدناڤيروس، على الرغم من أن وجود الزنبور في حد ذاته يكون ضروريا لإيقاف التنامي كلية. فعندما حقنّا في يرقاتٍ غيرِ مُتطفَّلٍ عليها جرعات منخفضة من الپوليدناڤيروس، أخفقت هذه اليرقات في التحول إلى طور العذراء على نحو سوي. ويبدو أن كمية الڤيروس اللازمة لتأجيل التنامي أقل مما يتطلبه كبت الاستجابة المناعية وتثبيطها. وفي الواقع، أوضح <D .M. دوشي> (زميل فيما بعد الدكتوراه) أن البيض الذي غُسل قبل الحقن يحتفظ بآثار ضئيلة من الجسيمات الڤيروسية أو الپروتينات الڤيروسية التي تكون غير كافية لمنع التمحفظ encapsulation بالخلايا المناعية، ولكنها قد تكون كافية لإيقاف تنامي العائل. وأيضا، قد يسهم الپوليدناڤيروس في تأثيرات نمائية حتى بعد هجر الزنابير للعائل. ونظن أن الڤيروس يبقى عدوى كامنة في الأسروع ـ ومن المحتمل أن تتوسط تأثيرات دائمة في التنامي.

 

من الواضح أن الپوليدناڤيروس مسؤول عن منابلة manipulation العديد من البرامج النمائية والمناعية للأسروع العائل، بحيث يكون ذلك مفيدا للزنبور. ومن نواح عديدة يبدو أن الڤيروس ضروري لحدوث تطفل ناجح. إن القوة المذهلة لهذه العلاقة بين الزنبور والپوليدناڤيروس تصبح أكثر وضوحا أيضا عند دراستنا لوراثة هذين الشريكين.

 

شريكان دائمان

إن حجم الجينومات الپوليدناڤيروسية وتعقيدها يتجاوزان كثيرا تلك التي لدنا DNA الڤيروسات الأخرى: إذْ يحتوي كل پوليدناڤيروس على نحو 288 دائرة (حلقة) مستقلة للدنا ذي الشريطين strands (وبذلك اشتق اسمها من «الڤيروسات ذات الدنا المتعدد الانتشار» polydisperse DNA viruses). ففي عام 1986 اكتشف كل من <G .A-J. فليمنگ> و <D .M. سامرز> (من تكساس M&A) أن جينوم الپوليدناڤيروس الشديد التعقيد يكون متكاملا مع جينوم كل من ذكر وأنثى الزنبور. ويُعتقد أن الدنا الڤيروسي يكون مبعثرا في كل مكان من صبغيات (كروموسومات) الزنبور. ويبدو أن توريث الزنبور يكون مندليا Mendelian  على  نحو صارم ـ فالتسلسلات الڤيروسية تُنسخ وتمرر إلى الأجيال المتعاقبة كجزء من صبغي الزنبور. ولم تُعرف على الإطلاق أفراد خالية من الڤيروس في أنواع الزنابير التي تحمل الپوليدناڤيروسات. ويبدو أن الزنبور والڤيروس شريكان دائمان متكاملان.

 

وخلافا للڤيروسات النمطية المعدية التي تغتصب آلة الانتساخ replicationmachinery الخاصة بعوائلها لتتكاثر على نحو مسعور، فإن النجاح التكاثري للپوليدناڤيروس يتأثر ببقاء الزنابير كلها أفراد وجماعات. فكل زنبور يُنْتَج، تُنْتجُ معه نسخة من الصبغي الڤيروسي. إن هذا الترابط الوثيق للمادة الجينية (الوراثية) للزنبور والڤيروس يفسر ظاهرة الدعم الإيثاري (غير الأناني) للڤيروس في دعم تطفل الزنبور. ويعتمد نجاح الپوليدناڤيروس على التكاثر الجيد للزنبور، الذي يعتمد بدوره على علاقة ضرورية بين العائل والطفيلي. فأي دور يقوم به الڤيروس لنجاح عمل الطفيلي يضمن أيضا نجاح انتقال الڤيروس للجيل التالي.

 

ولأن انتقال الڤيروس من زنبور إلى أخرى يحدث خلال توريث إحدى الڤيروسات المندمجة في الصبغي، فلا بد من وجود سيرورة أخرى معقولة لإنتاج الڤيروس على نطاق واسع في مبيض الزنبور. وفي الحقيقة، فإن رُزَم الڤيروسات المنتجة في هذه المرحلة تبدو عديمة الفائدة من أجل المهمة الڤيروسية النموذجية للعدوى بهدف الانتساخ (التكاثر)، ولكن الڤيروسات أساتذة في فن التعامل مع العائل. فالڤيروسات لها خبرة في الانتشار في العائل بكامله والدخول في خلاياه. ويبدو أن الزنابير المتطفلة قد سخَّرت هذه الموهبة مستهدفة إنتاج پروتين ڤيروسي مفيد لخلايا الأسروع، الأمر الذي يمنح الطفيلي سلطةَ منابلةِ بيولوجية العائل من داخله.

 

يستثير تكامل الپوليدناڤيروسات في صبغيات الزنبور أسئلة عن أصل الڤيروس. وقد تكون الإجابة النموذجية أن الڤيروسات قد نشأت أصلا كمُمْرِضات(7) لعوائل الأساريع أو للزنابير نفسها، ثم التحمت بعد ذلك بدنا الزنبور. أما الاحتمال الأكثر إثارة فيتمثل في الترابط الاستثنائي والظاهري لدنا الڤيروس ودنا الزنبور، وربما لم يكن هناك، بتاتا، كيان ڤيروسي منفصل. وعوضا عن ذلك تكون الزنبور قد اكتسبت انتقائيا المقدرة على نسخ وتكديس مجموعة من الجينات المفيدة من جينومها نفسه، بغية نقلها إلى خلايا الأسروع. ولعل دراسة ويب وسامرز لپروتينات سم الزنبور تنسجم مع هذه الفرضية الأخيرة.

 

لقد وجد هذان الباحثان أن بعض جينات سم الزنبور تماثل الجينات الپوليدناڤيروسية. وعلاوة على ذلك، فإن الأضداد (الأجسام المضادة) لمضادات السم antivenom antibodies المكوَّنة في المختبر تتعرف أيضا الپروتينات الڤيروسية الضرورية للتعامل مع الأسروع. وعليه، فإن جينات سم الزنبور والجينات الپوليدناڤيروسية قد تكون على ما يبدو متقاربة تطوريا. ويبدو هذا الاستنتاج مثيرا؛ لأن پروتينات معينة من پروتينات سم الزنبور معروف أنها تؤدي دورا داعما في منابلة فيزيولوجية الأسروع.

 

ففي أحد السيناريوهات التطورية، التقطت الپوليدناڤيروسات المستقلة جينات سم مفيدة من جينوم الزنبور. وفي مخطط (سيناريو) آخر قد تكون الزنبور وجدت طريقة مذهلة في فاعليتها لاستخدام الپروتينات السمية الخاصة بها، باستنساخ جيناتها وتكديسها (رزمها) ثم توجيهها إلى خلايا الأسروع، حيث يمكنها أن تحتفظ بتأثير مستمر. وينتج من كلا الافتراضين تزايد صلاحية كل من الزنبور والڤيروس للبقاء، ففي كلتا الحالتين تضيع معالم الحدود الجينية بين الزنبور والڤيروس.

 

ومهما يكن أصل الپوليدناڤيروسات، فإن ترابطها بالزنابير والأساريع يقدم فرصا خصبة لدراسة البيولوجيا التطورية. فالنهج الضار للزنبور وشريكها الڤيروسي ضد عائله الأسروع المُغتَصب يتعارض والفرضية الهشة التي تُشير إلى أن أشد الطفيليات تطورا لا تُبْدي إلا ضراوة virulence قليلة تجاه عوائلها.

 

إن الزنابير الداخلية التطفل تقتل عوائلها باستمرار، بيد أن الحدث مبرمج ومتناسق على درجة من العناية تضمن نجاح الزنبور. وفي تناقض ممتع مع هذه التكتيكات الصارمة، فإن العلاقة ذات المنفعة التبادلية بين الزنبور والڤيروس هي من المتانة بحيث تطمس الحدود الجينية بين النوعين. ومع ذلك فإن السؤال المعقد لماذا لا يصبح الأسروع فراشة بالغة، سيشغل ـ على مدى سنوات عديدة قادمة ـ حشدا كبيرا من علماء البيولوجيا التطورية والمختصين بدراسة الغدد الصم.

 

المؤلف

Nancy E. Beckage

أستاذة مساعدة في علم الحشرات بجامعة كاليفورنيا منذ عام 1990. وتشمل اهتماماتها الاستراتيجيات التي تتخذها الطفيليات والمُمْرِضات لإفشال تنامي أنواع العوائل، وكذلك العلاقات التطورية المشتركة بين العوائل وطفيلياتها. وسبق أن شغلت منصبين: في وحدة بحوث حشرات المنتجات الزراعية المخزونة التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية بجامعة ويسكونسن، وفي معهد سياتل لبحوث الطب الحيوي. وفي عام 1980 حصلت على الدكتوراه من جامعة واشنطن.

 

مراجع للاستزادة 

POLYDNAVIRUSES: MUTUALISTS AND PATHOGENS. Jo-Ann G. W Fleming in Annual Review o f Entomology, Vol. 37, pages 401-426;1992. How PARASITIC WASPS FIND THEIR HOSTS. James H. Tumlinson, W Joe Lewis and Louise E. M. Vet in Scientific American, Vol. 268, No. 3, pages 100-106; March 1993.

POLYDNAVIRUSES: POTENT MEDIATORS OF HOST INSECT IMMUNE DYSFUNCTION. M. D. Lavine and N. E. Beckage in Parasitology To¬day, Vol. 11, No. 10, pages 368-378; 1995.

PARASITIC WASPS. Donald L. J. Quicke. Chapman & Hall, 1997.

Scientific American, November 1997

 

(1) واحدتها الأسروع (اليسروع) caterpillar: يرقة الحشرات الحرشفية الأجنحة التي تضم أجناس الفراش والعُثّ.

(2) [انظر: «كيف تجد الزنابير المتطفلة عوائلها»، مجلة العلوم، العددان 10/11(1994)، الصفحة 58].(التحرير)

(3) الپوليدناڤيروسات (ڤيروسات عديدة الدنا) polydnaviruses: مجموعة من الڤيروسات ذات دنا عديد الحلقات، ومبعثرة في صبغيات (كروموسومات) كائن حي آخر (اشتق الاسم من عديد poly ودنا DNA وڤيروس virus). (التحرير)

(4) acre، والفدان مساحته أربعة آلاف متر مربع.

(5) population، ويقال أيضا عشائر وجمهرات. (التحرير)

(6) (مجين) genome: مجموعة جينات الكائن الحي.(التحرير)

(7) pathogens: العوامل المسببة للأمراض. (التحرير)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق