أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم التطبيقيةتكنولوجياوسائل النقل

تهشم السيارة عند اصطدامها

<=”” td=”” style=”font-family: tahoma; font-size: 12px; color: rgb(0, 0, 0);”>  

تهشم السيارة عند اصطدامها

يعتمد صانعو السيارات بشكل متزايد على المحاكاة

الحاسوبية للحوادث بغية تطوير سريع وفعّال لسيارات أكثر أمانا.

<S. ثومكه> ـ <M .هولزنر> ـ <T. گولامي>

 

عندما تعيش في بلد متقدم فإنك عادة تركب كل يوم سيارة من دون أن تفكر كثيرا في الأخطار. ومنذ منتصف الثمانينات أسهمت عوامل كثيرة في جعل السفر بالسيارة أكثر أمانا: فاحتواء المركبات على أكياس (وسائد) هوائية airbags  وإدخال عدد من التحسينات التصميمية على المركبات واستخدام أحزمة المقاعد والزيادة في وعي السائقين أدت جميعها إلى تخفيض عدد الضحايا على الطرقات في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 29% منذ عام 1987.

 

ومع ذلك، مازالت السيارة واسطة نقل خطرة نسبيا. ففي الولايات المتحدة فقط سجلت الشرطة 000 764 6 حادث سير في عام 1997 طبقا لمصادر الإدارة القومية لسلامة الحركة على الطرق السريعة NHTSA، وأدت هذه الحوادث إلى قتل 41967 شخصا وجرح نحو 000 3400. إنها حقيقة محزنة أن تكون حوادث السيارات السببَ الرئيسي في موت صغار السن الذين تتراوح أعمارهم ما بين 6 و 27 عاما. وإضافة إلى هذا الفقدان الهائل للأرواح ثمة تكاليف اقتصادية ضخمة. ففي عام 1994 قدّرت الإدارة NHTSA التكاليف السنوية لتهشم المركبات  بمبلغ يزيد على مئة وخمسين بليون دولار أمريكي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008370.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008371.jpg

إن النتيجة النهائية لصدم جبهي محاكَى لسيارة من السلسلة الخامسة من سيارات الشركة BMW تصدم حاجزا بسرعة 64 كيلومترا في الساعة (في الأسفل) مشابهة للنتيجة النهائية لصدم أمامي لنموذج أولي حقيقي للمركبة نفسها وبالسرعة نفسها (في اليمين). نُفذت الاختبارات في مركز الهندسة والبحوث في الشركة BMW بميونخ.

 

إن السبب الرئيسي لانخفاض معدل الوفيات حاليا عما كان عليه في منتصف الثمانينات هو أن السيارات أصبحت أفضل تصميما لحماية راكبيها أثناء الحوادث. ومع هذا ـ ولسوء الحظ ـ فإن المنافسة الشديدة التي تشهدها صناعة السيارات تجبر معظم الشركات على إنفاق أموال وأوقات أقل لتطوير سيارات جديدة. وباختصار، في الوقت الذي يطلب فيه الزبائن والحكومات سيارات أكثر أمانا فإن الميزانيات المخصصة لتصميم مثل هذه السيارات تتقلص.

 

يجد العديد من صانعي السيارات مخرجا من هذا المأزق باستخدام التقانات الحاسوبية. ولهذا أصبحت الشركات المصنعة تستعيض بشكل متزايد عن اختبارات الاصطدام التقليدية ـ التي يتم فيها التحقق من المفاهيم الهندسية الجديدة بوساطة صدم نماذج أولية prototype من السيارات المزودة بتجهيزات كثيرة مع حواجز خرسانية ـ باصطدام افتراضي virtual crash  يعتمد على  محاكاة التصادم بوساطة حواسيب عالية الأداء. وخلال السنوات العشر الماضية تقدمت عملية المحاكاة نتيجة الزيادة الهائلة في سرعة الحواسيب والتطور في البرمجيات software إلى درجة أدت إلى الوثوق بنتائجها إلى حد بعيد، فأدى الاندفاع الكبير في استخدام الحواسيب إلى ثورة في طرق تصميم المركبات.

 

أصبح الوفر في المال والوقت مؤثرا: فالخطوة الأولى لاختبار اصطدام تقليدي هي بناء النموذج الأولي للمركبة الذي يستغرق عادة ما بين أربعة وستة أشهر ويكلف مئات الآلاف من الدولارات، ثم يحمَّل النموذج بعدة دمى خاصة باختبار الصدم مجهزة بمجسات إلكترونية لتسجيل التسارع. إن تكلفة كل دمية منها قد تصل إلى 65 ألف دولار. يتم تسجيل التصادم بوساطة تشكيلة من التجهيزات من ضمنها آلات تصوير عالية السرعة. ولسوء الحظ فإن الزجاج والحطام غالبا ما يعوقان الرؤية جزئيا، كما تتسارع دمى الاصطدام أحيانا في أماكن داخل المركبة لا تغطيها آلات التصوير. ولهذا لا يفي الفيلم الناتج من تصوير الاصطدام عادة باحتياجات المهندسين إلى المعلومات اللازمة لتحسين تصاميمهم.

 

وبالمقابل فإن اختبار المحاكاة simulated test يمكن أن يصمَّم ويُبرمج على الحاسوب وينفذ في أيام أو أسابيع وتكون المصاريف الرئيسية المترتبة عليه هي رواتب المهندسين الذين يقومون بعملية المحاكاة. صحيح إن الحواسيب المستخدمة هي إما محطات عمل متطورة كلفتها عشرات الآلاف من الدولارات أو حواسيب عملاقة كلفتها عدة ملايين، لكن هذه الحواسيب ـ على عكس النماذج الأولية لسيارات اختبارات الاصطدام ـ ستستخدم مرة تلو أخرى، وأحيانا تستخدم في تطبيقات أخرى في الشركة إضافة إلى التحقق من كفاءة مقاومة التهشم crashworthiness.

 

وربما كان الأمر الأكثر أهمية من ذلك هو أن المحاكاة الحاسوبية تجعل مهندسي التصميم يعملون بطريقة يستحيل اعتماد غيرها. على سبيل المثال، يمكنهم خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا إجراء عدد كبير من الاختبارات بهدف تحسين قطعة إنشائية ما (على سبيل المثال إحدى الدعامتين pillars اللتين تربطان سقف السيارة بهيكلها chassis تحت النوافذ) تؤثر بشكل كبير في كفاءة مقاومة التهشم لكامل المركبة. ويمكنهم أيضا إعادة أية محاكاة بالبطء الذي يرغبون فيه وتكبير أي عنصر إنشائي أو حتى أي جزء صغير منه ليروا كيفية استجابته.

 

إن هذه الإمكانات لا تولد ثراء في التفاصيل المفيدة فقط، وإنما تمكن المهندسين أيضا من الاستفادة القصوى من اختبارات التصادم على النماذج الأولية المكلفة. فمن خلال محاكاة مجموعة جيدة من الاصطدامات الافتراضية يستطيع فريق التطوير خفض عدد اختبارات الاصطدام الحقيقية التي قد لا توفر نتائج جيدة، والتي ستؤدي إلى إجراء جولة أخرى من إعادة التصميم والاختبار المكلفين.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008372.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI_index_99b15N12_H02_008373.jpg

يوضح التسلسل الزمني chronology للاصطدام تصادما محاكى بحاجز قابل للتشوه عند سرعة 64 كيلومترا في الساعة. والفترة الزمنية بين صورتين متتاليتين هي 10 ملي ثوان.

 

عندما تتصادم السيارات

في المستقبل المنظور، ستبقى المحاكاة الحاسوبية مكملة لاختبارات التصادم التقليدية وليست بديلة منها، وذلك على الرغم من تفوق اقتصادياتها ومزاياها الأخرى، والتي أكسبتها نصيبا أكبر في التصميم وعملية التطوير. إن الزيادة المطردة في طاقة المعالجة الحاسوبية مكنت المبرمجين من تحقيق مستوى متميز من الإتقان والتفصيل. ولكن للمحاكاة الحاسوبية حدودها الذاتية. وأحد هذه الحدود هو أن كل عملية محاكاة تستطيع الإجابة عن سؤال محدد واحد، فمثلا ما التأثير المتوقع من تخفيف سماكة إحدى الدعامات بنسبة 7% في صدم جانبي عند سرعة تبلغ خمسين كيلومترا في الساعة؟

 

في الحقيقة إن أنواع الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها بالمحاكاة محدودة بتشكيلة الظاهرات التي يمكن نمذجتها. فعلى سبيل المثال، يصعب حاليا محاكاة أو توقع نتائج حوادث انقلاب السيارة وتدحرجها rollover؛ وذلك بسبب تعقيدها وطول الفترة التي استغرقتها، حيث يمكن أن تستغرق مثل هذه الحوادث ثلاث ثوان كاملة مقارنة بحادث تحطم مثالي يستغرق ما بين 100 و 150 ملي ثانية. وبالتالي يتطلب إجراء أي محاكاة من هذا النوع طاقات حاسوبية هائلة. ومن الصعب أيضا التنبؤ بسلوك أي سيارة أثناء الانقلاب والتدحرج؛ لأنه يعتمد على الاحتكاك بالطريق وعوامل أخرى. ومن المستحيل أيضا استعمال الحاسوب لاكتشاف ما إذا كان أي جزء من السيارة يُشكل مصدر خطر لحدوث حريق أثناء حادث ما: مثل التنبؤ فيما إذا كان خزان الوقود عرضة للانفجار.

 

والسبب الآخر لعدم التخلي عن اختبارات الاصطدام على نماذج أولية في القريب العاجل، هو أن وكالات أمان النقل الحكومية في معظم الدول المتقدمة مازالت تطلب بيانات تستند إلى هذه الاختبارات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تعمل الإدارة NHTSA مع منظمات أخرى على تطوير تعليمات الأمان التي يجب أن يلتزم بها صانعو السيارات حتى يسمح لهم ببيع سياراتهم. وفي أوروبا تختلف القوانين النوعية نوعا ما، غير أن السيرورة التشريعية متشابهة. فاللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لشؤون أوروبا تصدر التعليمات (القوانين) إلى أعضائها، ثم يتبناها الاتحاد الأوروبي بعد ذلك، والعكس بالعكس.

 

تتطلب هذه القوانين من صانعي السيارات أن يسجلوا بيانات من حوادث اصطدام نماذج أولية في فئات الحوادث الرئيسية الثلاث: صدم جبهي (أمامي)، خلفي، جانبي. وتهتم هذه البيانات بالتفاصيل، إذ تحدد ـ على سبيل المثال ـ اصطداما جبهيا بحاجز خرساني بسرعة لا تتجاوز 48 كيلومترا في الساعة. تطبق هذه الاختبارات أولا على نماذج أولية خلال عملية تطوير السيارات ثم تستخدمها لاحقا الوكالات الحكومية لاختبار مدى سلامة المركبات المصنعة. وعادة ما يضيف صانعو السيارات إلى الاختبارات المعيارية على النماذج الأولية اختبارات خاصة بهم أكثر صرامة، أو اختبارات يطلبها معهد تأمين السلامة على الطرق السريعة Insurance Institute for Highway Safety في الولايات المتحدة، مما يسمح لصانعي السيارات بالوصول إلى مستوى من كفاءة مقاومة التهشم يفوق بكثير المستوى الذي تطلبه الحكومة.

 

طُورت المتطلبات الحكومية على أساس إحصائيات الحوادث. ففي عام 1997، بلغت نسبة تهشم سيارات الركاب في الولايات المتحدة نتيجة الصدم الجبهي 45.2%، في حين بلغت النسبة نتيجة الصدم الجانبي 33.9% ونتيجة الصدم الخلفي 19.6%، وذلك طبقا لإحصائيات إدارة سلامة النقل البري. إضافة إلى ذلك كانت الاصطدامات الجبهية مميتة بشكل غير متناسب: فنحو 61.9% من الحوادث المميتة كانت نتيجة صدم جبهي في حين كانت نحو 25.2% نتيجة صدم جانبي، و5.5% نتيجة صدم خلفي. هذه الأرقام كانت نموذجية إلى حد ما، لذا ركّزت وكالات السلامة الحكومية جهودها على الاصطدام وجها لوجه، وذلك بغية تحسين كفاءة مقاومة التهشم، وقد أدى هذا إلى إصدار القوانين المتعلقة بحزام المقاعد والاستخدام المتزايد للأكياس الهوائية. ومع هذا ركّز صانعو السيارات في السنوات الأخيرة اهتماما أكبر على تحسين قدرة المركبات على حماية المسافرين من حوادث الصدم الجانبي، وذلك من خلال استخدام أكياس هوائية لحماية الرأس [انظر الشكل في أسفل هذه الصفحة] ومن خلال إعادة تصميم دعامات السيارة والعناصر الإنشائية المهمة الأخرى في جانبي السيارة.

 

إن فهم كيفية استخدام المصممين لبيانات الاصطدام بهدف صنع سيارات أكثر أمانا يتطلب الإلمام بفيزياء التصادم. إن حادث سيارة ما هو أساسا مجرد تحول للطاقة: من الطاقة الحركية للمركبات المتحركة إلى الطاقة المستخدمة في تشويه أجسامها خلال الاصطدام. إن الخاصية الأكثر تأثيرا عند الصدم هي سرعة المركبة لحظة التصادم؛ لأن الطاقة الممتصة للتهشم تتناسب طردا مع مربع السرعة (طاقة حادث عند سرعة 90 كيلومترا في الساعة أكبر بأربع مرات من مثيلتها لو كانت السرعة 45 كيلومترا في الساعة).

 

ويشكل الوزن عاملا أساسيا آخر. وعلى الرغم من أن الوزن عامل سلبي في حوادث التهشم التي تضم مركبة واحدة، فإنه قد يكون عاملا إيجابيا في حادث يضم عدة سيارات. فعندما تتصادم مركبات ثقيلة بأخرى خفيفة يكون ركاب المركبات الثقيلة أفضل حالا بشكل عام، ما لم تكن المركبات الخفيفة مصنوعة من مواد أكثر صلابة في منطقة الصدم الرئيسية مقارنة بالمركبات الثقيلة. في الواقع، يشير هذا الموضوع إلى وضع غير مرغوب فيه؛ لأن اختبارات التصادم المفروضة من الحكومة على النماذج الأولية تتطلب تقييم كفاءة مقاومة التهشم لكل مركبة بمفردها، على الرغم من أن 63% من الحوادث المميتة تحدث بين مركبتين أو أكثر. على سبيل المثال، إذا كان من الواجب على صانعي السيارات تقليل الأضرار (إلى الحد الأدنى) التي تلحق بجميع المركبات المشتركة في التصادم عن طريق الموازنة بين الوزن والصلابة فإنه يجب صناعة سيارات السباق والخدمات وسيارات نقل الركاب الثقيلة من مواد أكثر مطاوعة. وفي الحقيقة، فقد بدأ عدد من صانعي السيارات باعتماد هذا المبدأ في تصاميمهم.

 

يمكن أن ترد جميع الأضرار التي تطرأ أثناء حادث ما ـ بشكل أساسي ـ إلى أحد سببين: اصطدام جسم الراكب بأشياء مثل مقود السيارة مما يؤدي إلى إصابات خارجية كالكدمات والوخزات، أو تسارع مفاجئ للجسم أثناء الاصطدام مؤديا إلى إصابات داخل الجسم ككسور العظام وتمزق الأعضاء مترافق بنزيف داخلي. وفي اختبارات التصادم على نماذج أولية، تسجل المجسات المركّبة في الدمى القيم العظمى للتسارع، ويدل التسارع الأقل على كفاءة أفضل لمقاومة التهشم، وبالتالي على خفض احتمالات حدوث الوفاة أو الإصابة الجسيمة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008374.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008375.jpg

اختبار اصطدام نموذج أولي سُجل بوساطة آلات تصوير ثابتة عالية السرعة. تُمثل هذه الصور أفضل نتائج أمكن الحصول عليها لصدم جانبي؛ لأن الحطام لم يحجب الرؤية. فُتحت الأكياس الهوائية في منطقة رأس الراكب خلال الاصطدام وبذا حَمت رأس الدمية من الارتطام بجانب السيارة.

 

ينشأ التسارع عن كمية الحركة (الزخم) momentum التي تنتقل بين المركبة والجسم المصدوم خلال التصادم. ولأغراض الأمان يعتبر معدل انتقال كمية الحركة إلى المركبة من أهم العوامل، والذي يعتمد بدوره على عدة متغيرات في السيارة، مثل مقاومة المواد وجساءتها stiffness والمساندات supports الإنشائية وموقع المحرك وجساءة rigidity عمود المقود وغير ذلك من المعالم التصميمية. إن جميع هذه العوامل يمكنها أن تؤثر في درجة الإصابة نتيجة حادث تصادم.

 

قطعة بعد قطعة

إن تصميم البرامج الحاسوبية التي تُنمذج جميع هذه العوامل يعتمد على تقنية خوارزمية algorithmic technique تعرف بتحليل العناصر المنتهية finiteelements. يمثل المبرمج بهذه الطريقة كل قطعة من البنية بمجموعة من العناصر المنتهية، كل منها عبارة عن مضلع ترتبط به صيغة رياضياتية تُعبِّر عن خصائصه الفيزيائية والمادية مثل الجساءة ومقاومة الشد. يتألف النموذج الحاسوبي الكامل لاختبار التصادم عادة من مركِّبات عديدة: جسم السيارة ومقاعدها والمحرك والركاب. يُحلل كل من هذه الأجزاء إلى مركِّبات أصغر، فمثلا تتألف السيارة من أطر الأبواب والنوافذ والدعائم والأعمدة ومخففات الصدمstruts  وأجزاء أخرى، يمثل المبرمجون كلا من هذه الأجزاء كمجموعة من العناصر  المنتهية.

 

كلما زاد عدد العناصر المنتهية في النموذج تم الاقتراب أكثر من محاكاة الحقيقة. ويستخدم المهندسون حاليا محطات عمل حاسوبية متطورة جدا أو حواسيب فائقة الأداء على درجة من القدرة تمكنها من محاكاة نموذج مركبة باستخدام ما بين 000 200 و000 300 عنصر منتهٍ. ويمكن للمقاعد والمحرك والركاب أن تضيف ما بين 100000 و 000 200عنصر آخر. ولكن محدودية قدرة الحواسيب أجبرت المبرمجين على نمذجة الركاب كأجسام جاسئة ذات أجزاء متمفصلة تشبه إلى حد كبير دمى التصادم، ومازالت هذه هي الممارسة المعيارية في الصناعة. وفي النهاية مكنت السرعات العالية للحواسيب عددا من الباحثين في الجامعات من نمذجة الركاب بملامح أكثر واقعية مثل اعتبارهم مكونين من أنسجة طرية وعظام. إن هذا العمل مهم لأنه مع تنامي قدرة الحواسيب فإن المشكلة تصبح فقط مسألة وقت قبل أن يتمكن مهندسو المحاكاة من حساب تسارع أعضاء محددة في الجسم خلال التصادم. سوف تشكل هذه الإمكانية ميزة مهمة أخرى للمحاكاة الحاسوبية؛ لأنه على الرغم من أن دمى اختبار التصادم تحتوي على مقاييس للتسارع فإن هذه المجسات تقيس فقط التزايد في السرعة لأجزاء من الدمية ولا يمكنها التنبؤ بكيفية تحرك عضو معين معلق داخل جسم الإنسان، والذي يمثل إلى حد كبير وسطا سائلا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008376.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI_index_99b15N12_H02_008373.jpg

يستمر التسلسل الزمني للاصطدام في حين تتحطم مقدمة المركبة منضغطة إلى الداخل بنحو 70 سنتيمترا. إن انضغاطا أكبر يمكن أن يدفع المحرك إلى مقصورة الركاب.

 

ولتوليد آلاف العناصر المنتهية في النموذج، يستخدم المهندسون بيانات من برامج التصميم بمساعدة الحاسوب computer-aided design programs التي أُنتجت سابقا في عملية التطوير، ثم يرفقون بكل عنصر خصائصه الفيزيائية (الكتلة والكثافة والجساءة وغيرها) وشروط اتصاله بالنسبة إلى العناصر المحيطة به.

 

عند قيامهم بتشكيل النموذج يربط المهندسون بين العناصر ويوالفونها بما فيها الجزء الخاص بالركاب، ويضبطون كل ذلك ضبطا دقيقا بغية التأكد من أن توزع الكتلة ـ وبالتالي مركز الثقل الناتج ـ أقرب ما يمكن إلى الواقع. ويشكل النموذج النهائي قطعة برمجيات معقدة تحسب كيفية تحول الطاقة الحركية إلى تشوهات وقوى تسارعات ووسائط (حدود) parameters أخرى أثناء التصادم.

 

يهيئ المهندسون قبل المحاكاة ظروف التصادم، وذلك بتحديد سرعة كل من المركبة والجسم قبل الصدم مباشرة. وعند الصدم تتحول الطاقة الحركية إلى طاقة تشويه وفقا لقوانين الفيزياء النيوتونية. يتضمن حساب التحول من طاقة حركية إلى طاقة تشويه تمثيل الحركة في داخل العناصر المنتهية العديدة وبين بعضها البعض باستخدام علاقات بسيطة. وفعليا تقوم البرامج بتجميع القِوى على جميع العناصر المنتهية مما يؤدي إلى منظومة من المعادلات التي تُحل باستخدام طرق رياضياتية وعددية متنوعة. ثم تُحدَّد الإجهادات في داخل العناصر باستخدام المبادئ المعيارية لسلوك المواد. تعتمد المحاكاة على الزمن، أي إنه يجب حل منظومة المعادلات مرارا وتكرارا، وفي كل مرة يتم تحديث موقع كل عنصر ومستوى الإجهادات فيه. يعتمد كل تكرار iteration  جديد على النتائج النهائية للتكرار الذي سبقه كشروط ابتدائية. ويستمر حساب تحول الطاقة تكرارا بعد آخر حتى تستهلك الطاقة الحركية، أي حتى تتوقف جميع القطع عن الحركة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008378.jpg

إن طاقة صدم جبهي لمركبة تصدم حاجزا صلبا بسرعة 64 كيلومترا في الساعة تكاد تكافئ سقوط المركبة شاقوليا من ارتفاع 16 مترا، أي ما يقارب ارتفاع مبنى مؤلف من ستة طوابق.

 

يستطيع المبرمجون خلال عملية المحاكاة تحديد السرع والتشوهات عند رؤوس مضلعات العناصر المنتهية، ومن ثم يستخدمون هذه القيم لتحديد الإجهادات التي يتعرض لها كل عنصر منتهٍ. أما في مكونات النموذج الخاصة بالركاب «برمجيات الدمى» فيتم قياس التسارعات والتحركات والقوى، وليس مستوى الإجهادات.

 

تستخدم شركات السيارات حاليا ثلاثة برامج رئيسية للمحاكاة هيPAMCRASH و LS-DYNA3D وRADIOSS، تستند إلى برامج طورت في الولايات المتحدة في أواخر الستينات لأغراض عسكرية. تعتمد هذه البرامج على مبادئ العناصر المنتهية المذكورة سابقا وتختلف عن بعضها اختلافات دقيقة في تشكيلة المواد التي يمكنها محاكاتها بسهولة، وفي الطريقة التي تتعامل بها مع السطوح المحاكاة التي ستتماس عند الاصطدام وفي الدعم البرمجي الذي توفره أثناء مرحلة بناء النموذج قبل العملية ومرحلة تحليل التهشم (بعد العملية).

 

لقد نشأت البرامج نتيجة للتحالفات بين شركات السيارات وبائعي البرمجيات. فمثلا كان البرنامج PAMCRASH  نتيجة جهد أوروبي شمل شركات فلكسڤاگن وفورد وأوپل مع شركة البرمجيات الفرنسية «النظم الهندسية الدولية» (ESI). ويُستخدم البرنامج PAMCRASH أيضا بشكل واسع في شركات السيارات اليابانية. أما البرنامج LS-DYNA3D  (البرنامج الرئيسي المتداول بين شركات صناعة السيارات في أمريكا) فقد اعتمد على كود code أعد في مختبر لورانس ليفرمور القومي لنمذجة الانفجارات النووية. كما تم تطوير البرنامجRADIOSS من قبل الشركة الفرنسية ميكالوگ التي أسسها موظفون سابقون في الشركة (ESI).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H02_008379.jpg

لحماية الركاب بشكل أفضل أثناء الاصطدام يجب إضعاف منطقة أسفل الدعامة B (اللون الأخضر) وليس تقويتها.

 

استكشاف إمكانات عملية المحاكاة

لقد تم توضيح قدرة عملية المحاكاة بشكل جلي من خلال أحد المشاريع الحديثة للشركة BMW، حيث حاول فريق من المصممين ومهندس محاكاة ومهندس اختبارات تطوير مفاهيم تقنية لتحسين درجة الأمان ضد الصدم الجانبي لجميع مركبات BMW. في عام 1995 بدأ الفريق باستكشاف الإمكانات الكامنة لعملية المحاكاة، واستخدموا البرنامج PAMCRASH بعد أن قرروا سلفا حصر عدد اختبارات الصدم على نماذج أولية في اختبارين اثنين فقط، يتم إجراؤهما في نهاية المطاف للتحقق من صحة المفاهيم التصميمية النهائية للفريق.

 

تم استخدام نموذج منتَج من مركبات السلسلة الخامسة لعام 1995 كنقطة بدء للمشروع. وبعد كل تجربة محاكاة كان الفريق يجتمع ويحلل النتائج ويصمم تجربة أخرى. وكما هو متوقع، حصل الفريق على تغذية راجعة feedbackبسرعة، مكّنت أعضاءه من تجريب أي فكرة وقبولها أو رفضها خلال أيام. لكن المفاجأة كانت عندما بدأت التجارب تتراكم، إذ كان الكل أكبر من مجموع التكرارات iterations، وبالتالي ازداد فهم الفريق لأساسيات علم الميكانيك الأساسي للميكانيكات الفاعلة underlying mechanics.

 

أثمرت هذه التحسينات مثالا واضحا يدعى الدعامة B، وهي واحدة من العناصر الإنشائية الستة التي تصل سقف السيارة بهيكلها تحت النوافذ. [يوجد ثلاث من هذه الدعامات على كل من جانبي السيارة من المقدمة حتى المؤخرة، وسميت A (جهة المقدمة)، B، C (جهة المؤخرة)]. وتبين لمهندسي الفريق بعد تحليل سجلات تهشم بالصدم الجانبي على نماذج أولية لمشاريع تطوير سابقة أن جزءا صغيرا من الدعامة B ينثني بعد كل حادث. ويقع هذا الجزء بجوار الطرف السفلي للدعامة [انظر الشكل في هذه الصفحة]. أربك هذا الثني المهندسين لأنه عندما يلتوي فإن قيمته كحاجز سوف تقل، وسيرتفع احتمال إصابة الركاب.

 

ظن المهندسون أنه يمكن تقوية الطرف السفلي للدعامة بإضافة مزيد من المعدن، مما يجعل السيارة أكثر مقاومة للاختراق من الجانب. ولم يشعر أي منهم بضرورة اختبار هذه الفرضية، إلا أن أحد عناصر فريق التطوير أصر على التأكد من هذا مشيرا إلى أن هذا أمر غير مكلف ويمكن إجراؤه على الحاسوب بسهولة. وعند تنفيذ البرنامج صُدم الفريق، لأنه اكتشف أن تقوية منطقة الثني خفضت في الواقع كفاءة مقاومة التهشم بشكل كبير.

 

في البداية لم يستطع أحد من أعضاء الفريق شرح الظاهرة ولكن بعد تكرار السيرورة عدة مرات وإجراء تحليل دقيق للنتائج تمكنوا من اكتشاف السبب. فتقوية الجزء السفلي من الدعامة B  جعلتها عرضة للثني في موقع يعلو المنطقة المدعمة. ولهذا أصبحت مقصورة الركاب قابلة للاختراق بدرجة أكبر قريبا من جزئها الأوسط حيث منطقة صدر ورأس الركاب. وتبين في النهاية أن محاولة حل مشكلة الدعامة B  جاءت معاكسة تماما للتوقعات، أي إنه ينبغي إضعاف الجزء السفلي منها بدلا من تقويته.

 

بعد توفر هذه المعلومات تولى أعضاء المجموعة إعادة تقييم جميع المناطق المقواة في أجسام مركبات BMW  سواء تلك التي هي قيد الإنتاج أو التي هي قيد التطوير. وبذا رفع المشروع بدرجات مختلفة من كفاءة مقاومة التهشم لجميع هذه السيارات.

 

في عام 1996 أنهى الفريق أعماله بعد أن أنجز 91 حادث تصادم افتراضي على الحاسوب وحادثين حقيقيين على نموذجين أوليين خلال عام تقريبا. ارتفعت كفاءة مقاومة التهشم للصدم الجانبي للمركبات التي هي قيد التطوير والتي أعيد تصميمها بنحو 30% مقارنة بالتصميم الأولي. وقيس هذا التحسن بعدة طرق، مثل حساب ومقارنة تسارع أجزاء جسم دمية حقيقية أو افتراضية (تمت محاكاتها) كالحوض والصدر في حوادث تصادم فعلية وأخرى افتراضية. ومن الجدير الإشارة إلى أن حادثي اصطدام النموذجين الأولين في نهاية المشروع أكدا بقوة تفوّق نتائج المحاكاة الحاسوبية واقتصاديات الاختبارات؛ فقد كانت كلفة السلسلة الكاملة من 91 صدما افتراضيا أقل من كلفة بناء وتجهيز واختبار النموذجين الأولين والتي بلغت 000 300.

 

ركّزت مشاريع مشابهة في الشركة BMW على الاصطدامات الأمامية وكانت ناجحة بما فيه الكفاية لتنال تقدير معهد تأمين السلامة على الطرق السريعة. فمنح المعهد في عام 1997 أعلى تقدير من أجل كفاءة مقاومة التهشم لسيارات السلسلة الخامسة من BMW التي تم تطويرها بشكل كبير اعتمادا على عمليات  المحاكاة.

 

الاصطدامات الافتراضية في الألفية المقبلة

خلال الخمس إلى العشر سنوات القادمة سيقوم مهندسو التصميم والبرمجيات بإنتاج نماذج لمحاكاة الاصطدام تضم عدة ملايين من العناصر المنتهية. وسيستغرق تنفيذ أي كَرّة من سلسلة الاختبارات نصف يوم بدلا من أسبوع كما هي الحال الآن. وسوف يقدم هذا، إلى جانب بعض التحسينات الأخرى جملة من الفوائد المهمة. فمثلا ستصبح الدمى المنمذجة حاسوبيا أكثر تفصيلا، وسوف تحاكي الفيزيولوجيا البشرية، وبالتالي ستقدم بيانات لا يمكن لدمى اختبارات التهشم الحقيقي توفيرها. ومن المحتمل أيضا أن تتمكن شركات السيارات من محاكاة حوادث الانقلاب والدحرجة. وستمكن مثل هذه القدرات الحاسوبية المهندسين من نمذجة سيناريوهات حوادث أكثر واقعية مثل اصطدام عدة سيارات مع بعضها في آن واحد بما فيها تلك التي تحدث بزوايا ورود angles of incidence  مختلفة.

 

إضافة إلى ذلك سيتمكن مهندسو السيارات من استخدام الحاسوب لنمذجة أداء ما يدعى أنظمة الأمان الذكية، مثل الأكياس الهوائية التي تتحرى موقع الراكب ووزنه وارتفاعه ومن ثم استخدام هذه المعلومات لضبط القوة والسرعة التي تتوجه بها نحو الراكب. وتمثل المحاكاة الحاسوبية السريعة وغير المكلفة الأمل الوحيد لتمكين صانعي السيارات من تنفيذ التجارب الكثيرة والضرورية لإيجاد الحل المثالي لتجهيزات الأمان المعقدة هذه.

 

وحديثا، بدأ خبراء سلامة السيارات باستثمار القدرات الحاسوبية البرمجية والمُعدّاتية hardware. فخلال العقد القادم سيستمر التقدم الأساسي بتوسيع دور النمذجة الحاسوبية في عملية التطوير، وعندما ترفع تقانات المحاكاة كفاءة مقاومة التهشم فإن نجاح هذه الثورة سيقاس بعدد الأرواح التي سيتم إنقاذها.

 

 المؤلفون

Stefan Thomke – Michael Holzner – Touraj Gholami

التقوا عام 1996 في مركز الهندسة والبحوث التابع للشركة BMW في ميونخ بألمانيا. كان ثومكه ـ الأستاذ المساعد في التقانة وإدارة العمليات بمدرسة إدارة الأعمال في هارڤارد ـ يجري بحوثا ميدانية في المركز لصالح مشروع أكاديمي. وكان عمله الأساسي بهارڤارد في إدارة البحث والتطوير بصناعات السيارات والإلكترونيات والأدوية. هولزنر هو رئيس قسم محاكاة الاصطدام في مركز الهندسة التابع للشركة BMW، وهو حاصل على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من الجامعة التقنية بميونخ. أما گولامي ـ الحاصل على الماجستير في الهندسة من جامعة برلين ـ فهو رئيس مجموعة بقسم محاكاة الاصطدام.

 

مراجع للاستزادة 

SIMULATION, LEARNING AND R&D PERFORMANCE: EVIDENCE FROM AUTOMOTIVE DEVELOPMENT. Stefan Thornke in Research Policy, Vol. 27, No. 1, pages 55-74; May 1998.

MODES OF EXPERIMENTATION: AN INNOVATION PROCESS-AND COMPETITIVE-VARIABLE. Stefan Thomke, Eric Von Hippel and Roland Franke in Research Policy, Vol. 27, No. 3, pages 315-332; July 1998.

The World Wide Web sites for the National Highway Traffic Safety Association (NHTSA) at www.nhtsa.dot.gov  and the Insurance Institute for Highway Safety at www.hwysafcty.org include searchable databases with information on traffic safety and the crashworthiness of vehicles.

Scientific American, March 1999

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى