أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

دقات الساعة البيولوجية

دقات الساعة البيولوجية(*)

في معظم أنماط الحياة تُعيّن الساعات البيولوجية أربعا وعشرين فاصلة زمنية متساوية.

وقد كشف علم الجينات وجود ساعات جزيئية ذات صلة بذلك تعمل في

ذباب الفاكهة والفئران والبشر وكائنات حية أخرى.

<W .M. يونگ>

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001325.jpg

 

عليك أن تقاوم إلحاح النوم عند الساعة السابعة مساءً. وإنك تتوق للأكل عند الثالثة بعد الظهر، ولكنك تفقد الشهية للأكل حينما يحين وقت العشاء. ثم إنك تستيقظ عند الرابعة صباحا ولا تستطيع معاودة النوم بعدئذ. ويُعَد هذا السيناريو أمرا مألوفا لدى العديد ممن يسافرون بالطائرة من الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة إلى كاليفورنيا في رحلة تقتضي «القفز» على فارق زمني قدره ثلاث ساعات. وأثناء رحلة عمل أو إجازة تمتد أسبوعا، فإن جسمك لا يكاد يتأقلم مع البرنامج الجديد حتى يحين موعد عودتك إلى محل إقامتك، حيث يكون عليك أن تعتاد الروتين القديم مرة أخرى.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001326.jpg

في كل يوم تقريبا كنت وزملائي نُخْضِع مجموعة من ذباب الفاكهة (دروسوفيلا) إلى تأثير «إعياء الفارق الزمني»(1) Jet lag بما يحاكي ما يحدث  خلال الرحلة من نيويورك إلى سان فرنسِسْكو أو العكس. فقد كان لدينا في المختبر بضعة أجهزة حاضنة بحجم الثلاجة: كتب على إحدى تلك الحاضنات «نيويورك» وعلى حاضنة أخرى «سان فرنسِسْكو». وكنا نضيء الأنوار ونطفئها داخل هاتين الحاضنتين على غرار شروق الشمس وغروبها في هاتين المدينتين (ومن أجل ضمان الاتساق، كنا نُجَدْوِل شروق الشمس عند الساعة السادسة صباحا وغروبها عند الساعة السادسة مساء بالنسبة إلى كلا الموقعين). أما درجة الحرارة في الحاضنتين فكانت معتدلة ثابتة عند 77 درجة فرنهايتية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001327.jpg

إن تعريض ذباب الفاكهة إلى تأثير «إعياء الفارق الزمني» jet lag يساعد الباحثين (وضمنهم المؤلف ـ في الأعلى) على فهم الأسس الجزيئية لطبيعة عمل الساعات البيولوجية في مجموعة متنوعة من الكائنات الأخرى، بما فيها الإنسان. يوضع الذباب الدقيق في أنابيب زجاجية (الصورة في اليمين)، وترص الأنابيب فوق صينيات مزودة بمحسات sensors تسجل نشاط الحشرات. وحينما تنقل صينية من حاضنة تتبع توقيت نيويورك، حيث يسود الظلام في الساعة السابعة والنصف مساء، إلى حاضنة أخرى تحاكي توقيت سان فرنسسكو، حيث تكون الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر ومازال الضياء سائدا، فإن مستويات الپروتينات الرئيسية في أدمغة الحشرات تنخفض بشدة.

 

يقوم الذباب برحلته المحاكاة simulated داخل أنابيب زجاجية صغيرة موضوعة في صينيات خاصة تَرْصد حركاته عبر حزمة ضيقة من الأشعة تحت الحمراء. وفي كل مرة تجتاز الذبابة الحزمة تلقي بظلها على ترانزِستور ضوئيphototransistor  في الصينية الموصولة بحاسوب يسجل الفعالية (النشاط). ونشير إلى أن زمن الرحلة من نيويورك إلى سان فرنسِسْكو لا يتضمن طيران ذبابنا خمس ساعات: وإنما يقتصر على فصل إحدى الصينيات التي تحتوي على الذباب في إحدى الحاضنتين ونقلها إلى الحاضنة الأخرى ووصلها بالحاسوب.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001328.jpg

لقد استعملنا «قطارنا السريع العابر للقارة» هذا لغرض تحديد ودراسة وظائف عدة جينات يبدو أنها تمثل بحق دواليب ومسننات عمل الساعة البيولوجية التي تتحكم في الدورات النهارية-الليلية لمجموعة واسعة من الكائنات الحية التي لا تشمل فقط ذباب الفاكهة، بل الفئران والبشر كذلك. ويتيح لنا تعرف هذه الجينات أن نحدد البروتينات التي تكودها encode، وهي بروتينات يمكن أن تفيد في اقتراح معالجاتٍ لطيفٍ واسع من الاعتلالات التي تتراوح من اضطرابات النوم إلى الاكتئاب الموسمي.

 

إن المسنَّن الرئيسي في الساعة البيولوجية البشرية هو النواة فوق التصالبية suprachiasmatic nucleus (SCN)) التي تتألف من مجموعة خلايا عصبية في منطقة تقع عند قاعدة الدماغ يطلق عليها اسم الوطاء hypothalamus. فعندما يقع الضوء على شبكيات العيون كل صباح، تبعث أعصاب متخصصة إشارات إلى النواة فوق التصالبية التي تتحكم بدورها في دورة لإنتاج العديد من المواد الفعالة بيولوجيا. هذا وتنبه (تنشط) النواة فوق التصالبية منطقة دماغية قريبة منها تدعى الغدة الصنوبرية، على سبيل المثال، فتقوم هذه الأخيرة بإنتاج الميلاتونين بطريقة إيقاعية طبقا لإرشادات النواة فوق التصالبية. ويدعى الميلاتونين هرمون النوم، وهو متاح الآن على شكل أقراص لدى العديد من مخازن بيع الأطعمة المفيدة للصحة health food. وفيما يتراجع النهار ويتقدم المساء تبدأ الغدة الصنوبرية تدريجيا بإنتاج المزيد من الميلاتونين. وحينما ترتفع مستويات هذا الهرمون في الدم، يحدث انخفاض طفيف في درجة حرارة الجسم ويزداد الميل إلى النوم.

 

الساعة البشرية

ومع ما يبدو من أن الضوء يعيد ترتيب (ضبط) الساعة البيولوجية كل يوم، فإن الإيقاع اليومي(2) circadian rhythm يتواصل في إحداث تأثيره حتى لدى الأفراد الذين يكونون محرومين من الضوء، مما يشير إلى أن فعالية (نشاط) النواة فوق التصالبية هي فعالية فطرية. ففي أوائل الستينات من القرن الماضي أظهر <J  . أشوف> [الذي كان حينذاك في معهد ماكس پلانك للفيزيولوجيا السلوكية في ألمانيا] وزملاؤه أن المتطوعين الذين عاشوا في سرداب معزول، لا يدخله ضوء طبيعي ولا يحتوي أي ساعات أو دالات على الزمن، ظلوا مع ذلك يحتفظون بدورة نوم واستيقاظ سوية تقريبا مدتها 25 ساعة.

 

وحديثا توصل <Ch. تشيسلر> و<R. كروناور> وزملاؤهما [في جامعة هارڤارد] إلى أن الإيقاع اليومي البشري قريب في الواقع من 24 ساعة، ويبلغ تحديدا أربعا وعشرين ساعة وثماني عشرة دقيقة. فقد أجرى هؤلاء العلماء دراسة شملت أربعة وعشرين رجلا وامرأة (كان أحد عشر منهم في العشرينات من العمر، وثلاثة عشر منهم في الستينات) عاشوا أكثر من ثلاثة أسابيع في بيئة تخلو من دالات للزمن فيما عدا دورة اصطناعية ضعيفة للضياء والظلام تمتد 28 ساعة وتُوفر للمجموعة موضع الدراسة الإشارة بموعد نومهم.

 

لقد قاسوا درجات حرارة المشاركين والتي تهبط طبيعيا في الليل، كما قاسوا تراكيز الميلاتونين في الدم وتراكيز هرمون الكرب (الإجهاد) ويدعى الكورتيزول، مع العلم بأن هذا الأخير ينخفض مقداره في المساء. وهنا لاحظ الباحثون أنه على الرغم من أن أيام الأشخاص الخاضعين للدراسة امتدت أربع ساعات على غير المعتاد، فإن درجة حرارة الجسم ومستويات الميلاتونين والكورتيزول استمرت على حالها طبقا لساعتهم اليومية الداخلية الخاصة بهم على أساس 24 ساعة. وأكثر من ذلك، فقد تبين لهم أن العمر لا يبدو ذا تأثير في دقات هذه الساعة: فخلافا لنتائج الدراسات السابقة التي كانت قد أوحت بأن التقدم في السن يعطل الإيقاع اليومي، فإن تقلبات درجة حرارة الجسم وتراكيز الهرمون لدى الأشخاص المتقدمين بالسن في دراسة هارڤارد بدت منتظمة مثل نظائرها لدى المجموعة الأصغر سنا.

 

الأساسيات

الساعة البيولوجية

يجيب المؤلف عن بعض الأسئلة الرئيسية 

أين تقع الساعة البيولوجية؟ في الثدييات، تقع الساعة المسيطرة ـ التي تُملي دورة النشاط النهاري-الليلي والمعروفة باسم الإيقاع اليومي circadian rhythm  ـ في جزء من الدماغ يدعى النواة فوق التصالبية (SCN). ولكن خلايا موجودة في أماكن أخرى تبدي نشاطا ساعيًّا كذلك.

ما الذي يدير الساعة؟ توجد داخل خلايا فُرادى من النواة فوق التصالبية جينات ساعيّة متخصصة يقوم على تشغيلها وإيقافها پروتينات تكودها هذه الجينات في عروة للتلقيم الراجع (للتغذية الراجعة) ذات إيقاع مدته أربع وعشرون ساعة.

هل تعتمد الساعة البيولوجية على دورة الظلام والضياء المعتادة والبالغة 24 ساعة؟ لا، فالإيقاعات الجزيئية لنشاط الجينة الساعيّ فطرية innate  وذاتية التعزيز. إنها تستديم في غياب الدورات البيئية للنهار والليل.

ما الدور الذي يؤديه الضوء في تنظيم الساعة البيولوجية وإعادة ترتيبها؟ يساعد الضوء الساطع الذي تمتصه شبكية العين أثناء النهار على مزامنة synchronize  إيقاعات نشاط  الجينات الساعيّة مع الدورة البيئية السائدة. فالتعرض للضوء الساطع ليلا يعيد ترتيب الإيقاعات اليومية عن طريق إحداث تغيير حاد في كميات بعض المنتجات الجينية الساعيّة.

كيف تنظم الساعة الجزيئية النشاط النهاري-الليلي لفرد ما؟ تتحكم الپروتينات المتقلبةfluctuating  التي تصنعها الجينات الساعيّة في مسارات جينية إضافية تربط الساعة الجزيئية بتغيرات محددة الوقت في فيزيولوجية الحيوان وسلوكه.

 

لقد كان على العلماء أن يعودوا إلى ذباب الفاكهة من أجل تقصّي الجينات المسؤولة عن الساعة البيولوجية، وذلك على الرغم من أهمية المعلومات التي وفرتها دراسات السرداب. فهذا الذباب يعد مثاليا لغرض الدراسات الجينية لكونه صغير القدّ (الحجم) وقصير العمر، مما يعني إمكانية قيام الباحثين بتربيته واستيلاد الآلاف منه في المختبر إلى أن تبرز طفرات مهمة بالمصادفة. وبغية تسريع سيرورة التطفر mutation process، يقوم العلماء عادة بتعريض الذباب لكيماويات مسببة للتطفر تدعى مطفرات mutagens.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001329.jpg

عندما يقع الضوء على العين فإنه يؤثر في الغدة الصنوبرية في الدماغ بحيث تخفف تدريجيا من إنتاجها للميلاتونين (الصور الصغيرة الثلاث)، وهو هرمون يبدو أنه يؤدي دورا في أحداث النوم. وتُنقل الإشارة (التي تحثّ على خفض إفراز الميلاتونين) من الشبكية، عبر العصب البصري، إلى بنية تدعى النواة فوق التصالبية (SCN). وهذا الارتباط بين النواة SCN والغدة الصنوبرية ارتباط غير مباشر.

 

لقد جرى تحديد أولى الطفرات التي تضمنت تغيير الإيقاع اليومي لدى ذبابة الفاكهة في أوائل السبعينات من القرن العشرين على يد <R. كونوپكا> و<.S  بنزر> [من معهد كاليفورنيا للتقانة]. فقد أطعم هذان الباحثان عددا من ذباب الفاكهة مادة مطفِّرة، ثم رصدوا حركة ألفين من ذريته باستعمال شكل معدل من الجهاز نفسه الذي نستعمله الآن في تجربتي نيويورك وسان فرنسِسْكو. وتبين أن معظم الذباب اتصف بإيقاع يومي سَوي (24 ساعة)، وكان ناشطا مدة 12 ساعة في اليوم تقريبا مقابل استراحته خلال الـ 12 ساعة الأخرى. ولكن ثلاثا من الذباب اكتسبت طفرات جعلتها تكسر هذا النمط. فأبدت إحداها دورة طولها 19 ساعة، والثانية دورة طولها 28 ساعة، في حين لم تبد الثالثة أي إحساس بالإيقاع اليومي على الإطلاق: إذ بدا نشاطها واستراحتها عشوائيين.

 

الزمن يمضي

في عام 1986 وجدَت مجموعتي البحثية [في جامعة روكفلر] ومجموعة أخرى بقيادة كل من <J. هول> [من جامعة برانديز] و<M. روزباش> [من معهد هوارد هيوز الطبي في برانديز] أن هذه الثلاث من الذباب الطافر حدثت فيها ثلاثة تعديلات alterations مختلفة في جينة واحدة سميت period أو اختصاراper. (وقبل عامين من ذلك كانت مجموعتانا قد تمكنتا ـ كل على حدة ـ من عزل تلك الجينة). وبالنظر إلى أن طفرات مختلفة في الجينة نفسها قد سببت السلوكات الثلاثة، فقد استنتجنا أن الجينة per مسؤولة، على نحو ما، عن إحداث الإيقاع اليومي لدى الذباب وفي تحديد وتيرة الإيقاع rhythm’s pace هذا.

 

الساعات في كل مكان

إنها ليست في الدماغ فحسب

إن معظم البحوث التي أجريت على الساعات البيولوجية لدى الحيوانات ركزت على الدماغ، ولكنه ليس العضو الوحيد الذي يلحظ إيقاعا نهاريا-ليليا.

فلقد حددت <J. گيبولتوڤيتش> [من جامعة ولاية أريگون] الپروتينين PER و TIM  (وهما  مكوِّنان رئيسيان للساعة البيولوجية) في الأنيبيبات المالپيگية الشبيهة بالكلية kidneylike malpigan tubules  لدى ذباب الفاكهة. كما  لاحظتْ أن هذين الپروتينين يجري إنتاجهما طبقا لدورة يومية؛ إذ يزدادان ليلا ويقلان أثناء النهار. هذا وتستديم الدورة حتى في الذباب المقطوع الرأس، مما يشير إلى أن الخلايا المالپيگية لا تستجيب للإشارات الواردة إليها من أدمغة الحشرات فحسب.

وإضافة إلى ذلك، كشفت مجموعة أبحاث <S. كاي> [في معهد أبحاث سكرپس بكاليفورنيا] دليلا على وجود ساعات بيولوجية في أجنحة ذباب الفاكهة وأرجله وفي مناطقه الفموية وقرون استشعاره كذلك. وقد بين كاي وزملاؤه ـ عبر نقل الجينات، التي توجه إنتاج پروتيناتPER  المتفلورة، إلى داخل ذباب حي ـ أن كل نسيج يحمل ساعة مستقلة مستقبلة للضياء. وأكثر من ذلك، فإن هذه الساعات تواصل وظيفتها واستجابتها للضوء حينما يُستأصل كل نسيج من جسم الحشرة.

ولا تقتصر الساعات البيولوجية خارج الدماغية على ذباب الفاكهة. فقد لاحظ <U. شيبلر> [من جامعة جنيڤ] في عام 1998 أن الجينات per  الخاصة بخلايا النسيج الضام في الفأر (المسماة الأرومات الليفية fibroblasts) تنشط طبقا لدورة يومية.

يوحي تنوع الأنماط الخلوية المختلفة التي تُبدي نشاطا ساعيا يوميا بأن التوقيت الصحيح للعديد من الأنسجة أمر مهم إلى درجة تكفي لتبرير تتبع سيره محليا. ويمكن لهذه النتائج أن تضفي مغزى جديدا على مصطلح «الساعة الجسدية» body clock.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001330.jpg

يحتوي رأس ذبابة الفاكهة على عدة ساعات بيولوجية. فالخلايا المأخوذة من المناطق الفموية وقرني الاستشعار (وهي بنى كائنة بين العينين) تبدي الاستجابة نفسها لدورات الضياء والظلام التي تبديها الخلايا المأخوذة من الدماغ.

 

 

وبعد عزل الجينة per، بدأنا نتقصى ما إذا كانت تعمل بمفردها في التحكم في دورة النهار والليل. ومن أجل ذلك، قام زميلان لما بعد الدكتوراه في مختبري، وهما <A. سيهگال> و<J. پرايس>، بفحص ما ينوف على سبعة آلاف ذبابة بحثا عن طفرات إيقاعية أخرى. وأخيرا عثرا على ذبابة تشبه الذبابة الحاملة للجينة per في أنها لا تتصف بإيقاع يومي واضح. وقد تبين أن هذه الطفرة الجديدة تقع على الصبغي (الكروموزوم) 2، في حين كانت الجينة per قد حدد مكانها على الصبغي X. فعرفنا أن الأمر يتعلق بجينة جديدة سمّيناها timeless، أو tim  اختصارا.

 

ولكن هل من قرابة بين الجينة الجديدة والجينة per؟ إن الجينات تتألف من الدنا DNA الذي يحتوي على تعليمات إنتاج البروتينات. ولا يغادر الدنا أبدا نواة الخلية، بل يعطي وصفته recipe بشكل رنا مرسال messenger RNA، يغادر بدوره النواة ويدخل إلى السيتوپلازم حيث يجري تصنيع الپروتينات. لقد استعملنا الجينتين per وtim لصنع الپروتينين PER و TIM في المختبر. فلاحظنا، بالتعاون مع <Ch. وايتز> [من كلية طب هارڤارد]، أننا حينما مزجنا الپروتينين التصق أحدهما بالآخر، مما يوحي بأنهما قد يتآثران interact  داخل الخلايا.

 

لقد وجدنا في سلسلة من التجارب أن إنتاج الپروتينين PER و TIM يتضمن عروة للتلقيم الراجع (للتغذية الراجعة) شبيهة بالساعة [انظر الشكل في الصفحتين 8 و9 ]. وتبقى الجينتان per و tim نشطيتين إلى أن يصبح تركيزا پروتينيهما عاليين بالقدر الذي يسمح لهما بالشروع في الترابط أحدهما بالآخر. وحينما يحدث ذلك يشكلان معقدات complexes تدخل إلى النواة وتوقف عمل الجينتين اللتين صنعاها. وبعد ساعات قليلة تفكك الإنزيمات تلك المعقدات، وتبدأ الجينتان في العمل مرة أخرى، وتبدأ الدورة من جديد.

 

تحريك عقارب الساعة

حالما عثرنا على جينتين تعملان بانسجام فيما بينهما لصنع ساعة جزيئية، بدأنا نتساءل كيف يمكن إعادة ترتيب (ضبط) هذه الساعة. ففي نهاية المطاف، تتكيف دورات نومنا واستيقاظنا تكيفا تاما مع السفر عبر أي عدد من المناطق الزمنية time zones حتى لو تطلب إعادة الضبط يومين أو أسبوعين.

 

هذا ما كان حينما شرعنا بنقل صينيات الذباب جيئة وذهابا بين الحاضنتين «نيويورك» و«سان فرنسسكو». وكان أول ما لاحظناه، ولاحظه آخرون غيرنا، أنه كلما نقلت ذبابة من حاضنة مظلمة إلى أخرى ساطعة الضوء تحاكي ضوء النهار، فإن البروتينات TIM في دماغ الذبابة تختفي في غضون دقائق.

 

يوم في حياة الساعة البيولوجية لذبابة

خلايا من دماغ ذبابة تمتلك ساعات جزيئية شبيهة جدا بنظيراتها لدى البشر

1 لدى تعريض ذبابة للضوء، تبدأ معقدات مكونة من پروتينين يدعيانPER (وهي اختصار PERIOD) وTIM (وهي اختصار TIMELESS) بالتفكك في الخلايا الدماغية للذبابة. وتشكل المعقدات PER/TIM  جزءا من عروة للتلقيم الراجع تتحكم في نشاط الجينتين per وtim  اللتين تحتويان على التعليمات المسؤولة عن صناعة الپروتينين PER و TIM.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001331.jpg

2 عند الظهيرة يكون كلا الپروتينين PER و TIM قد تفككا، ويرتبط پروتينان آخران يدعيان CYCLE و CLOCK  أحدهما بالآخر ليشكلا معقدات ترتبط بدورها بالجينتين per و tim  بقصد تشغيلهما. وحينما تتنشط الجينتان per و tim  تصنعان وسائط جينية تدعى رناوات مرساليةmessenger RNAs  تدخل إلى السيتوپلازم

3 ما إن تصبح الرناوات المرسالية للجينتين per و tim داخل السيتوپلازم، حتى يتم قَطْرُها مع بنى تدعى الريبوزومات. وتبدأ هذه الأخيرة بقراءة أو ترجمة المعلومات الواردة في الرناوات المرسالية بغية صناعة خيوط من الحموض الأمينية. ثم تتطوى هذه الخيوط على شكل پروتينين PER  وTIM ناضجين يرتبط أحدهما بالآخر ليشكلا معقدات PER/TIM  عند  الغسق.

 4 أثناء الليل تدخل المعقدات PER/TIM الجديدة إلى النواة حيث توقف نشاط كل من الپروتينين CYCLE و CLOCK  عن طريق إيقاف إنتاجهما ذاتهما. وحينما تبزغ الشمس في صبيحة اليوم التالي تتفكك المعقداتPER/TIM  وتبدأ الدورة من جديد.

 

والأمر الأكثر إثارة هو أننا لاحظنا أن جهة «سفر» travel الذباب تؤثر في مستويات الپروتينات TIM لديها. فإذا نقلنا الذباب من الحاضنة نيويورك عند  الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي (حينما كانت الدنيا ظلاما) ووضعناه داخل الحاضنة سان فرنسسكو حيث مازالت الدنيا ضياء عند الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي، فإن مستويات الپروتينات TIM  لديه تضاءلت كثيرا. ولكن بعد مضي ساعة من الزمن، حينما غابت الأضواء في سان فرنسسكو شرعت الپروتينات TIM بالتراكم مجددا. فمن الواضح أن الساعات الجزيئية للذباب كانت قد أُوقفت مبدئيا بفعل النقل، ولكنها بعد فترة تأخير استعادت دقاتها حسب نسق المنطقة الزمنية الجديدة.

 

وبالمقابل، فإن الذباب الذي نقل من حاضنة سان فرنسسكو عند الساعة الرابعة صباحا، تعرض لشروق الشمس قبل أوانه لدى وضعه في حاضنة نيويورك حيث كانت الساعة السابعة صباحا. وقد سبب هذا الانتقال أيضا هبوط مستويات الپروتينات TIM، ولكن في هذه المرة لم يبدأ هذا الپروتين بالازدياد مجددا لأن الساعة الجزيئية كانت متقدمة advanced بفعل تحول المنطقة الزمنية time-zone switch.

 

تبدلات تحدث في جسم الإنسان

طوال 24 ساعة

الساعة 1:00 صباحا

 أكثر ما تكون النساء الحوامل احتمالا للدخول في المخاض.

 تكون الخلايا المناعية التي تسمى (اللمفاويات التائية المساعدة) في ذروتها.

الساعة 2:00 صباحا

  تكون مستويات هرمون النمو في أعلى تركيزاتها.

الساعة 4:00 صباحا

 أكثر ما تكون هجمات الربو احتمالا للحدوث.

الساعة 6:00 صباحا

 أكثر ما يكون بدء الطمث احتمالا.

  تكون مستويات الأنسولين في المجرى الدموي في أدنى تركيزاتها.

 يبدأ الضغط الدموي ومعدل ضربات القلب بالارتفاع.

 تزداد تركيزات هرمون الكرب: الكورتيزول.

 تبدأ تركيزات الميلاتونين بالهبوط.

الساعة 7:00 صباحا

 تكون أعراض حمى الطلع  hay fever في أسوأ حالاتها.

الساعة 8:00 صباحا

 يكون خطر النوبة القلبية والسكتة الدماغية في أشدّه.

 تكون أعراض التهاب المفاصل الرثيانيrheumatoid في أسوأ حالاتها.

 تكون اللمفاويات التائية المساعدة في أدنى مستوياتها النهارية.

عند الظهر

 يكون مستوى الهيموگلوبين في الدم في ذروته.

الساعة 3:00 بعد الظهر

  تكون القوة العضلية  grip strength وسرعة التنفس والحساسية الانعكاسية في أعلى درجاتها.

الساعة 4:00 بعد الظهر

 تبلغ درجة حرارة الجسم وسرعة النبض ومقدار الضغط الدموي ذراها.

الساعة 6:00 بعد الظهر

 يكون الجريان البولي في أعلى حدوده.

الساعة 9:00 ليلا

 تكون عتبة الألم في أدنى حدودها.

الساعة 11:00 ليلا

 أكثر ما تكون الاستجابات الأَرَجِيّة احتمالا.

 

لقد عرفنا المزيد عن الآلية الباعثة للاستجابات الجزيئية المختلفة، وذلك عن طريق فحصنا توقيت إنتاج رنا الجينة tim. فمستويات هذا الرنا تبلغ ذروتها في نحو الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي، وتبلغ أدناها ما بين السادسة والثامنة صباحا. فالذبابة المنقولة عند الثامنة مساء من حاضنة نيويورك إلى حاضنة سان فرنسسكو تنتج أعلى مستويات رنا الجينة tim. وبالتالي فإن الپروتين الضائع بفعل التعرض للضوء في حاضنة سان فرنسسكو يتم تعويضه بسهولة بعد غروب الشمس في الموقع الجديد. ولكن الذبابة التي «تسافر» في الساعة الرابعة صباحا من سان فرنسسكو إلى نيويورك كانت تنتج القليل القليل من رنا الجينة tim قبل مغادرتها. فما تتعرض له الذبابة من شروق للشمس قبل أوانه يزيل الپروتين TIM  ويسمح ببدء الدورة التالية من  الإنتاج وفق جدول زمني أكثر تبكيرا.

 

ليست الحشرات فحسب

لقد تبين أن تعريض الذباب لإعياء الفارق الزمني jet lag، له تضمينات مباشرة تفيد في فهم الإيقاع اليومي لدى الثدييات (بما في ذلك البشر). ففي عام 1997 استطاع باحثون بقيادة <H. تاي> [من جامعة طوكيو] و<H . أوكامورا> [من جامعة كوبي في اليابان]، وكذلك بصورة مستقلة عنهما، <Ch. شي لي> [من كلية طب بايلور]، عزلَ النظيريْن الفأري والبشري للجينة per. كما اكتشفتْ فورةٌ أخرى من البحوث (شملت عدة مختبرات) أشكالا فأرية وبشرية من الجينة tim في عام 19988. وكانت هذه الجينات ناشطة في النواة فوق  التصالبية.

 

إن الدراسات التي شملت الفئران ساعدت أيضا على الإجابة عن سؤال رئيسي هو: ما الذي يثير نشاط الجينتين per و tim في المقام الأول؟ لقد عزل <J. تاكاهاشي> [من معهد هوارد هيوز الطبي في جامعة نورث وسترن] وزملاؤه جينة (أطلقوا عليها اسم كلوك Clock) أعطى تطفيرها فئرانا تبدو من دون إحساس بالإيقاع اليومي. فهذه الجينة تكود عامل نسخ transcription factor يتمثل في پروتين يرتبط في هذه الحالة بالدنا ويسمح بقراءته كرنا مرسال.

 

وبعد ذلك بوقت قصير جرى عزل نسخة ذبابية للجينة الفأرية كلوك Clock، وبدأت مجموعات بحثية مختلفة تُدخل توافقيات combinations من جينات per وtim و Clock في خلايا للثدييات وخلايا من ذبابة الفاكهة. وقد كشفت هذه التجارب أن الپروتين CLOCK يستهدف الجينة per في الفئران وكذلك الجينتينper و tim في الذباب. وبذلك اكتملت دورة المنظومة: ففي الذباب، الذي حظينا بالفهم الأوضح لساعاته، يرتبط الپروتين CLOCK (بالاشتراك مع پروتين تكوده جينة تدعى cycle) بالجينتين per و tim  وينشطهما، ولكن فقط في حال عدم وجود الپروتينات PER و TIM في النواة. وتؤلف هذه الجينات الأربع وپروتيناتها لب الساعة البيولوجية في الذباب، ويبدو أنها (مع بعض التحويرات) تشكل آلية تحكم الإيقاع اليومي في جميع المملكة الحيوانية، بدءا من الأسماك ومرورا بالضفادع والفئران وانتهاء بالبشر.

 

ومؤخرا، بدأت مجموعة <S.ريپيرت> [في هارڤارد] و<J. بلاو> [في مختبري] باستكشاف الإشارات النوعية التي تربط الساعات البيولوجية لدى الفئران وذباب الفاكهة بتوقيت timing السلوكيات المختلفة والتقلبات الهرمونية والوظائف الأخرى. ويبدو أن هناك بعض جينات خَرْجية output genes تنشط عن طريق تآثر مباشر مع الپروتين CLOCK. فالپروتينان PER و TIM  يوقفان مقدرة الپروتين CLOCK على تنشيط هذه الجينات في الوقت نفسه الذي يولّدان تذبذبات عروة التلقيم الراجع feedback loop  المركزية بحيث يؤسسان أنماطا مطوَّلة لتدوير cycling  النشاط الجيني.

 

رصد الإيقاع اليومي للذباب

جهاز لمتابعة مسير نشاط الذبابة

من أجل تحديد الجينات التي تسهم في دورة النشاط النهاري-الليلي للذباب، يعرّض الباحثون ذباب الفاكهة لكيماويات مسببة للتطفر تؤثر في جينات نسلها. فعندما تصبح الأنسال بالغة يوضع كل منها في أنبوب زجاجي صغير. وتحتوي الأنابيب على طعام للحشرة في إحدى نهايتيها وقطعة قطن في النهاية الأخرى للسماح بدخول الهواء.

توضع أنابيب الذباب داخل صينيات خاصة مزودة بأشعة تحت حمراء ومكاشيف لها. ويستريح ذباب الفاكهة عادة في الليل، في حين يكون ناشطا في النهار. وترصد هذه الصينيات، الموصولة بحاسوب، حركات كل ذبابة عبر تسجيل عدد المرات التي تجتاز بها الذبابة حزمة من الأشعة تحت الحمراء. وبتحليل آلاف من الذباب الطافر بهذه الطريقة نحصل في نهاية المطاف على بعض منها ذي إيقاعات يومية غير طبيعية.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H01_001332.jpg

 

 

إن أحد الآفاق المستقبلية المثيرة يتضمن استخلاص منظومة كاملة للجينات المنظمة للساعة في كائنات حية مثل ذباب الفاكهة والفئران. ومن المحتمل أن يتم اكتشاف منتجات جينية (لم يسبق توصيفها وذات تأثيرات مثيرة في السلوك) داخل هذه الشبكات. وربما يصبح أحدها، أو أحد مكونات الساعة الجزيئية نفسها، هدفا مفضلا لعقاقير تخفف من إعياء الفارق الزمني أو من التأثيرات الجانبية لتغيير نوبات العمل shift work أو من اضطرابات النوم وحالات الاكتئاب ذات الصلة. وهكذا يمكن أن يغدو التأقلم مع رحلة من نيويورك إلى سان فرنسسكو أكثر سهولة مما هي عليه الحال الآن.

 

 المؤلف

Michael W. Young

أستاذ ورئيس مختبر علم الوراثة في جامعة روكفلر. وهو يدير كذلك وحدة روكفلر التابعة لمركز العلوم والتقانة المسؤول عن دراسات التوقيت البيولوجي، والذي يتبع المؤسسة القومية للعلوم. وهذه الوحدة هي اتحاد يربط بين مختبرات في جامعة براندايز وجامعة نورث وسترن وجامعة روكفلر ومعهد أبحاث سكرپس (في كاليفورنيا) وجامعة ڤيرجينيا. وبعد نيله الدكتوراه من جامعة تكساس في عام 1975 حصل يونگ على منحة زمالة لما بعد الدكتوراه في كلية طب جامعة ستانفورد لدراسة بنية الجينات والصبغيات (الكروموزومات). وفي عام 1978 التحق بالهيئة التدريسية بجامعة روكفلر، حيث قام أفراد مجموعته البحثية بعزل واستجلاء وظائف أربع من الجينات السبع التي ارتبطت بالساعة البيولوجية لذبابة الفاكهة.

مراجع للاستزادة 

THE MOLECULAR CONTROL OF CIRCADIAN BEHAVIORAL RHYTHMS AND THEIR ENTRAINMENT IN DROSOPHILA. Michael W Young in Annual Review of Biochemistry, Vol. 67, pages 135-152;1998.

MOLECULAR BASES FOR CIRCADIAN CLOCKS. Jay C. Dunlap in Cell, Vol. 96, No. 2, pages 271-290; January 22, 1999.

TIME, LOVE, MEMORY: A GREAT BIOLOGIST AND HIS QUEST FOR THE ORIGINS OF BEHAVIOR. J. Weiner; Alfred Knopf,1999.

A tutorial on biological clocks-including ideas for home and classroom activities-can be found on the National Science Foundation’s Science and Technology Center for Biological Timing’s site at http://cbt4pc.bio.virginia.edu/tutorial/TUTORIALMAIN.html  on the World Wide Web.

Scientific American, March 2000

 

(*) The Tick-Tock of the Biological Clock

 

(1) إعياء يصيب الحيوان والإنسان نتيجة السفر الجوي عبر عدة مناطق زمنية time zones، ويتمثل في الإرهاق العام بسبب خلل مؤقت في الإيقاعات البيولوجية المعتادة. (التحرير)

(2) هو عملية إيقاعية تحدث في الكائن الحي وتتكرر مرة كل 24 ساعة تقريبا، مثل دورة النوم والاستيقاظ في الإنسان البالغ. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى