أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
قضايا

لماذا لن يكتب النجاح لنظام الدفاع

لماذا لن يكتب النجاح لنظام الدفاع

الأمريكي ضد الصواريخ(*)؟

إن المخطط الحالي للدفاع عن التراب الأمريكي ضد الصواريخ الباليستية يواجه كثيرا

من المشكلات التي أحبطت مخططا مماثلا قبل ثلاثة عقود.

<N.G. لويس> ـ <A.Th. پوستول> ـ <J. پايك>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002069.jpg

تُميز المعترضات التي تُدمِّر بالتصادمات المباشرة، نظام الدفاع الوطني الأمريكي ضد الصواريخ الذي يجري تطويره حاليا لحماية الأراضي الأمريكية من الصواريخ العابرة للقارات. تحصل المواجهة بين الرأس الحربي وكبسولة التدمير المناورة التي تطلَق من مقدمة صاروخ الاعتراض عاليا فوق جو الأرض. ويعتمد نجاح كبسولة التدمير على إصابتها الهدف مباشرة، ويجادل منتقدو النظام بأن إجراءات مضادة من مثل إخفاء الرأس الحربي ضمن بالون من مجموعة من البالونات ذات أغشية معدنية قد تؤدي إلى إرباك حساسات توجيه الكبسولة، الأمر الذي يجعل الإصابة المباشرة مستحيلة تقريبا.

 

  في عام 1968، وعندما دفع التهديد بهجمات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تطوير نظام دفاع وطني مضاد للصواريخ، وصفت مقالة نُشرت في مجلة ساينتفيك أمريكان(1) كيف أن الصين أو الاتحاد السوڤييتي يستطيعان خداع الدرع الصاروخي الأمريكي «الخفيف» الذي كان قيد التطوير حينذاك. وكانت تلك الحجة بأن أي نظام دفاع وطني لن يكون فعالا تقانيا من الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي يوقعان عام 1972 «المعاهدة المضادة للصواريخ الباليستية» Anti-Ballistic Missile Treaty (ABM) كذلك فإن التخوف من أن مثل هذا النظام قد يستفز الاتحاد السوڤييتي ويؤدي إلى تصاعد سباق التسلح أسهم في حث الولايات المتحدة على توقيع المعاهدة التي تمثل مَعْلَما في الرقابة على التسلح. ومازالت هذه المعاهدة حتى يومنا هذا تمنع كلا من الولايات المتحدة وروسيا من نشر نظم دفاعية صاروخية فيهما.

 

ولاتزال الولايات المتحدة اليوم، وبعد ما يزيد على ثلاثين عاما، دون نظام دفاع وطني ضد الصواريخ. صحيح إن تهديدات الحرب الباردة بهجمات صاروخية سوڤييتية كثيفة قد تلاشت، إلا أن تقانة الصواريخ الباليستية تتطور باطراد، وهذا ما يجعل الولايات المتحدة تركز اهتمامها حاليا على إمكانية حيازة إحدى الدول النامية المعادية المقدرة، في نهاية المطاف، على تهديد الولايات المتحدة أو مهاجمتها بصواريخ بعيدة المدى. أما الإطلاق العرضي للصواريخ الروسية أو الصواريخ الصينية الصغيرة الفعالة، فينظر إليه على أنه تهديد ثانوي.

 

وتطورت تقانة الدفاع ضد الصواريخ أيضا؛ إذ يبدو أن الحواسيب ذات الطاقات الحسابية الكبيرة والرادارات المتطورة والحساسات sensors الأخرى أوجدت بديلا للمعترضات interceptors المزودة بالطاقة النووية التي تم التفكير  بها في ستينات القرن العشرين. وقد وفرت هذه التطورات للولايات المتحدة إمكانية مقبولة من الناحية السياسية تتجلى باستخدام صواريخ مصممة لتدمير أهدافها بالتصادمات المباشرة العالية السرعة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002070.jpg

منذ أول اختبار عام 1983، أحبطت إخفاقات الاعتراض تقانة التدمير بالتصادمات المباشرة على ارتفاعات عالية. وعلى الرغم من أن تدمير الهدف لم يحصل إلا في ثلاثة اختبارات اعتراض فقط من أصل 17 اختبارا، يسعى المسؤولون إلى اتخاذ القرار حول ما إذا كان نظام الدفاع الوطني جاهزا خلال مدة تقل عن سنة.

 

 ويجادل أنصار النظام الوطني للدفاع ضد الصواريخ بأن وجود التهديدات الصاروخية تلك إلى جانب التقانة المتطورة يجعلان نشر درع صاروخي فعال «على أرض الوطن» أمرا ممكنا، وقد بدأت جهودهم المبذولة لتحقيق ذلك تؤتي ثمارها. فمنذ أن سيطر المشرعون الجمهوريون على زعامة الكونگرس الأمريكي عام 1994، أخذوا يدفعون البيت الأبيض، دون كلل أو ملل، نحو الالتزام بنشر النظام. وقد أعلنت الإدارة الأمريكية عام 1996 أنها سوف تبدأ بتطوير نظام قادر على تغطية الولايات المتحدة برمتها، لكنها لم تحدد موعدا لنشره.

 

التهديدات الصاروخية(**)

لقد خطط البنتاگون الأمريكي للقيام باستخدام المكونات الرئيسية لنظام الدفاع الوطني في الاختبار الأول لمقدرة النظام على اعتراض صاروخ بعيد المدى خارج جو الأرض؛ وذلك لتقرر الإدارة الأمريكية، بعد بضعة اختبارات أخرى، ما إذا كانت المتطلبات التقانية جاهزة. فإن كانت كذلك، يمكن لنظام الدفاع الوطني أن يكون قيد الاستخدام مع حلول عام 2003، على الرغم من أن الحكومة ترى أن عام 2005 هو موعد أكثر واقعية.

 

 ويبدو أن الحكومة الأمريكية مستعدة أكثر من أي وقت مضى للالتزام بنظام دفاع وطني ضد الصواريخ خلال الأعوام القليلة القادمة. ففي عام 1998، حينما كان <J. گانسلر> نائبا لوزير الدفاع الأمريكي لشؤون اكتساب التقانة، أخبر الكونگرس بأن المسألة ليست ما إذا كانت الحكومة سوف تنشر نظام دفاع وطني، بل متى ستفعل ذلك. ومنذئذ، أصبحت مسألة نشر النظام أكثر احتمالا من أي وقت مضى: ففي الشهر 12/1999 أعلن البنتاگون إضافة 6.6 بليون دولار إلى ميزانيات الدفاع في المستقبل لصالح النظام الوطني للدفاع ضد الصواريخ، وفي الشهر 2/1999 سحبت الحكومة معارضتها لمذكرة في مجلس الشيوخ تُشرِّع لنشر النظام «في أقرب فرصة يصبح فيها مجديا تقانيا.» وقد اعتُمدت المذكرة بعد فترة وجيزة بأكثرية واضحة.

 

 لكن وعلى غرار ما آل إليه مصير النظام «سيفگارد» Safeguard الذي جرى تحليله في مقالة عام 19688 المشار إليها آنفا، قد يكون من الممكن للنظام الوطني للدفاع ضد الصواريخ الذي تسلط الأضواء عليه حاليا أن يكون عرضة للهزيمة بسهولة عن طريق إجراءات مضادة معادية بسيطة. ففي الواقع، يعتبر النظام القائم على أساس معترضات التدمير بالتصادمات المباشرة أقل مناعة للإجراءات المضادة من النظام الذي يستخدم صواريخ نووية. وعلاوة على ذلك، وكما كان يُخشى قبل ما يزيد على 30 سنة، فإن نشر مثل هذا النظام قد يحمل دولا أخرى على اتخاذ إجراءات تهدد أمن الولايات المتحدة.

 

إن عدد الدول التي تمتلك صواريخ باليستية حاليا يزيد كثيرا على ما كان عليه عام 1968؛ وأكثرية تلك الصواريخ ذات مدى قصير، وليس هناك من هذه الصواريخ ما هو منصوب في أمكنة يمكن منها مهاجمة الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك أن معظم الدول التي تمتلك تلك الصواريخ غير معادية للولايات لمتحدة. لكن الصواريخ القصيرة المدى يمكن أن تستخدم ضد مدن حليفة وضد القوات الأمريكية خارج بلادها. وتقوم الولايات المتحدة بتطوير عدد من نظم الدفاع للتغلب على الصواريخ القصيرة المدى [انظر الإطار في هذه الصفحة].

 

الأخطار بين ظهرانينا(***)

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002071.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002072.jpg

أعاقت المداورات والتبددات غير المتوقعة لصواريخ سكود العراقية (الصورة السفلى) في حرب الخليج قدرة صواريخ پاتريوت الأمريكية على تدميرها. لقد كانت صواريخ پاتريوت (الصورة العليا) قبل الحرب ناجحة في جميع الاختبارات ضد الأهداف الصاروخية الباليستية التي كانت تحلق في مسارات مستقرة وسلسة.

 

<G.D. دوپونت>

إن النقاشات ذات الصلة بالدفاع ضد الصواريخ تتمحور عادة حول النظم الوطنية، أي التي تُنشر على أرض الولايات المتحدة والتي تصمم لحمايتها من الصواريخ العابرة للقارات. لكن الولايات المتحدة تطور أيضا عددا من نظم الدفاع الميدانية بغرض حماية جنودها ومصالحها في الدول الأخرى من الصواريخ الأقصر مدى، التي يتراوح مداها ما بين 30 و 3000 كيلومتر. ويعتبر نظام الدفاع الميداني عموما سهل التحقيق مقارنة بنظام الدفاع الوطني؛ لأنه يتطلب حماية مساحات أصغر من صواريخ أبطأ. لكن حتى نظم المدى القصير ليست حصينة تجاه الإجراءات المضادة المشابهة لتلك التي تجعل الدفاع الوطني أمرا معقدا عويصا. ويبين سجل الاختبارات الأمريكية لنظم الدفاع الميدانية أن إصابة صاروخ بصاروخ آخر أمر أبعد ما يكون عن السهولة.

إن أشهر نظم الدفاع الميدانية هو نظام پاتريوت العسكري المصمم أصلا لإسقاط الطائرات، وقد كان أول استخدام له في حرب الخليج الثانية لمواجهة صواريخ سكود العراقية. لقد كان الغرض من الجيل الأول من پاتريوت ـ وهو نظام الدفاع الميداني الوحيد الذي تم اللجوء إليه في حرب ـ تدمير أو تغيير وجهة الصاروخ الآتي بتفجير معترض بالقرب منه.

يدَّعي الجيش الأمريكي أنه حقق نجاحا بنسبة 60 في المئة، لكن النقاد يردون بأن پاتريوت أخفق في جميع هجماته ضد سكود على الرغم من أن الرؤوس الحربية المعادية لم تستخدم أي إجراءات مضادة واضحة. ويجري حاليا تحديث نظام پاتريوت بتزويده بصاروخ جديد يستخدم مفهوم التدمير بالتصادمات المباشرة نفسه المعتمد في نظام الدفاع الوطني.

يصوَّر نظام الدفاع الميداني (HAAD (2 الخاص بالجيش الأمريكي على أنه نظام التدمير بالتصادمات المباشرة المستخدم الأكثر غنى وتعقيدا. ومع أنه أقل تطورا من پاتريوت، فقد قُصد منه اعتراض الصواريخ الميدانية الباليستية الأبعد مدى خارج جو الأرض وداخله. ومع ذلك فقد بين النظام THAAD  خلال  تاريخه القصير أكثر من أي نظام آخر الصعوبات الكامنة في تطوير نظم دفاع فعالة ضد الصواريخ: فلم يحقق هذا النظام سوى إصابة هدف صاروخي واحد فقط في اختبارات الاعتراض السبعة الأولى التي أجريت عليه ابتداء من عام 1995.

إن النظام المشابه من الناحية التصميمية للنظام THAAD هو النظام الميداني Theater Wide system  التابع للبحرية الأمريكية التي  تخطط لنشر سفن تحمل صواريخ اعتراض بعيدة المدى بالقرب من الدول التي يتعرض فيها جنود الولايات المتحدة أو المدن الحليفة لها إلى تهديد بالصواريخ الباليستية. وتنوي البحرية الأمريكية أيضا نشر النظام Area Defense، وهو نظام أقصر مدى محمول على السفن. أما البرامج الأقل تطورا فتتضمن نظام دفاع ميدانيا يتحرك مع الجنود على أرض المعركة.

وبعد تقانة معترضات التدمير بالتصادمات المباشرة، المثيرة للجدل، تأتي الأسلحة الليزرية. إن خطط القوى الجوية الأمريكية الحالية للدفاع ضد الصواريخ تتضمن الليزر المحمول Airborne Laser على طائرة بوينگ  747 والمصمم لاعتراض الصواريخ الباليستية في مراحل تحليقها المبكرة. كما تقوم القوى الجوية بتطوير نظام ليزري فضائي يمكنه يوما ما اعتراض الصواريخ أثناء قيام صاروخها الرافع بدفعها نحو الفضاء.

<G.D. دوپونت>، محرر الصحيفة الإخبارية المستقلة داخل البنتاگون Inside the Pentagon

 

 تختلف الصواريخ القصيرة المدى كثيرا عن الصواريخ التي يمكنها مهاجمة الولايات المتحدة. فالأخيرة تعرف بأنها صواريخ باليستية عابرة للقاراتintercontinental ballistic missiles  ICBMs  وهي تحمل دائما أسلحة نووية. وتخشى الولايات المتحدة من أن تلك الصواريخ قد تزوَّد يوما ما بأسلحة دمار شامل أخرى من مثل ذخائر تحوي مواد كيميائية أو بيولوجية مميتة. ويجري تطوير النظام الوطني المضاد للصواريخ لاعتراض تلك الصواريخ العابرة للقارات.

 

تمتلك روسيا العدد الأكبر من تلك الصواريخ، لكن المنادين بنظام دفاع وطني محدود يرون أن هجوما روسيا واسع النطاق على الولايات المتحدة أمر احتماله ضئيل للغاية؛ لذا يجري تصميم نظام الدفاع الأمريكي بحيث يمكنه في وقت واحد مواجهة بضعة فقط من الصواريخ العابرة للقارات.

 

  َتمَثَّلُ المُسَوِّغ الأكثر استشهادا به لصالح النظام الأمريكي للدفاع ضد الصواريخ في أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات يمكن أن تُصنّع أو تمتلك من قبل دولة ذات نوايا عدوانية تجاه الولايات المتحدة، مثل إيران أو العراق أو كوريا الشمالية. ففي الشهر 2/1998، خلصت لجنة خبراء رأسَها وزير الدفاع الأسبق <D. رامسفلد> إلى أن كوريا الشمالية أو إيران يمكن أن تطورا، دون ضجة، صاروخا عابرا للقارات خلال خمس سنوات من قرارها فعل ذلك. وقد عززت نتيجة البحث تلك موقف أنصار النظام الأمريكي للدفاع ضد الصواريخ ومثلت عاملا في قرار الحكومة الأمريكية إضافة بلايين الدولارات إلى ميزانية البنتاگون لتغطية نفقات المرحلة الأولى من نشر النظام. وكان من العوامل الأخرى إطلاق كوريا الشمالية في الشهر 8/1998 صاروخا ذا ثلاث مراحل عرف باسم تيپو-دونگ 1 Taepo-dong، إضافة إلى تقارير حول وجود صاروخ آخر أبعد مدى يسمى تيپو-دونگ Taepo-dong 2 قيد التطوير. فإن صحت تلك التقارير، يمكن لكوريا الشمالية يوما ما أن تكون قادرة على استخدام تيپو-دونگ  2 لمهاجمة ألاسكا أو على تعديله لإيصال كمية من المتفجرات تخزن في رأسه إلى مناطق أخرى في الولايات المتحدة [انظر الخريطة في الصفحة المقابلة].

 

 وهناك أيضا مسوِّغ ثانوي لنظام دفاع محدود هو إمكانية حدوث إطلاق عرضي أو غير مخوَّل لصواريخ روسية. وربما لا يكون في الهجوم المفترض سوى رأس حربي واحد أو بضعة فقط منها، لكن، وبسبب الطريقة التي تم بها تنظيم القوات الصاروخية النووية الروسية، فإن حدوث انقطاع في سلسلة القيادة والأوامر الروسية يزيد من احتمال زج جميع الرؤوس الحربية المحمولة على الصواريخ الباليستية الموجودة على غواصة ـ نحو 200 رأس حربي ـ أو زج جزء كبير من القوات الصاروخية الروسية العابرة للقارات في الهجوم. ويقول مؤيدو النظام أيضا إن امتلاك الصين لما لا يزيد على دستتين من الصواريخ العابرة للقارات القادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة يوفر مسوغا آخر لنظام الدفاع الوطني المحدود.

 

تصميم نظام دفاع(****)

لم يجرِ حتى الآن إقرار مفردات نظام الدفاع الأمريكي ضد الصواريخ على نحو تام، إلا أن معظم مكوناته الأساسية قطعت شوطا بعيدا في تطويرها، والتفاصيل العامة حول كيفية عملها معروفة تماما. فالصاروخ العابر للقارات الذي يُطلق نحو الولايات المتحدة يمكن أن يُكتشف أولا من قبل الأقمار الصنعية للإنذار المبكر التي تتحسس أشعته تحت الحمراء، ثم بواسطة واحد أو أكثر من رادارات الإنذار المبكر الضخمة ذات الهوائيات المصفوفية المنشورة في ماساتشوستس وكاليفورنيا وألاسكا وبريطانيا وگرينلاند. وتعمل هذه الرادارات عند ترددات منخفضة نسبيا، وعلى الرغم من أن دقة قياسها للمدى والزاوية ليست عالية، فإنها تستطيع توفير بيانات عن مسارات عدد صغير من الأهداف الباليستية تفصل بينها مسافات كافية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002073.jpg

إن احتمال وقوع هجوم صاروخي من قبل دولة ذات نوايا عدوانية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، مثل كوريا الشمالية، يمثل القوة المحركة التي تقف وراء خطط الولايات المتحدة الدفاعية الحالية. ففي عام 1998 اختبرت كوريا الشمالية تحليق صاروخها تيپو-دونگ 1، الذي يُفترض أنه يستطيع حمل قنبلة نووية وزنها 1000 كيلوغرام لمسافة 2500 كيلومتر تقريبا. ويستطيع الصاروخ نفسه حمل رأس كيميائي أو بيولوجي أقل وزنا لمسافة 4100 كيلومتر، أي إنه يكاد يطال القسمين الأقرب من الولايات المتحدة (يقع رأس جزر أليوتيان Aleutian في ألاسكا والطرف الغربي من جزر هاواي على بعد 4500 كيلومتر من كوريا الشمالية.) ويُعتقد أن للصاروخ تيپو-دونگ 2 الذي لم يُختبر بعد، مدى يصل حتى 6000 كيلومتر. وتستطيع كوريا الشمالية أيضا إطلاق صواريخ أقصر مدى من السفن، وهذا تكتيك قد يُفقد مخطط الدفاع الأمريكي قيمته.

 

 ويمكن للبيانات عن مسار الصاروخ التي يتم الحصول عليها بواسطة الأقمار الصنعية ورادارات الإنذار المبكر أن تُستخدم في تشغيل الحساس الرئيسي لنظام الدفاع الوطني، أي الرادار الأرضي، حيث تجعله يزيد من مدى كشفه وذلك بتركيز بحثه عن الصاروخ على منطقة صغيرة. فقد تم تصميم هذا الرادار ذي الهوائي المصفوفي والذي يعمل في المجال الترددي X لتوفير كشفٍ بعيد المدى وملاحقةٍ لأهداف من قبيل الصواريخ الباليستية. وهناك نموذج أولي من هذا الرادار قيد الاستخدام في ميدان التدريب على العمليات المتعلقة بالصواريخ التابع للجيش الأمريكي في المحيط الهادئ.

 

ترسل بيانات الحساس والرادار بعدئذ إلى مقر إدارة العمليات الحربية الذي يحدد نقاط الاعتراض المحتملة ويصدر أوامر الإطلاق والتوجيه إلى صاروخ اعتراض منصوب على الأرض. يتكون كل صاروخ اعتراض من محرك دفع صاروخي ومن كبسولة تدمير تعمل خارج جو الأرض مهمتها تنفيذ عملية الاعتراض في الفضاء فور انفصالها عن كتلة المحرك الصاروخي.

 

ومن أجل جعل مساحة المنطقة المدافَعِ عنها وعدد فرص تدمير الصاروخ القادم أعظميين، يجب إطلاق صاروخ الاعتراض فور كشف الهجوم. ويجب أن يكون صاروخ الاعتراض سريعا جدا بحيث تزيد سرعته في مرحلة الدفع على سبعة كيلومترات في الثانية، كما يجب أن يستقبل أوامر توجيه محدَّثة أثناء التحليق اعتمادا على معلومات يجري تحصيلها من حساسات مختلفة. ومن أجل رفع احتمال تدمير الهدف، يمكن إطلاق عدد من صواريخ الاعتراض على هدف واحد. وتدعو الخطط الحالية إلى ضرورة وجود عدد يصل حتى 100 صاروخ اعتراض في الموقع الواحد.

 

لقد صممت كبسولة التدمير لاعتراض الرؤوس الحربية المهاجمة بعيدا خارج نطاق جو الأرض (إذ إن الصواريخ المعادية تُطلق من مسافات بعيدة أكثر مما يجب لاعتراضها في وقت أبكر.) وتستخدم كبسولة التدمير رأس توجيه حراريا خاصا بها، إضافة إلى معلومات تستقبلها من الرادار الأرضي ومن حساسات أخرى في محاولة تمييز الرأس الحربي المهاجم عن شظايا الصواريخ المنتشرة في الفضاء وعن الأهداف الخداعية المستخدمة لتضليلها. ثم تستخدم دافعات نفاثة من أجل المناورة بغية تحقيق الاصطدام بالرأس الحربي المهاجم بسرعة عالية. إن عملية الاعتراض تؤدي في الحالة المثالية إلى تدمير كل من الرأس الحربي وكبسولة التدمير معا.

 

 يمكن لبضعة أنواع من الحساسات الجديدة أو المحسنة أن تؤدي أدوارا رئيسية في نظام الدفاع الوطني الموسع أيضا؛ إذ يمكن تحسين أداء رادارات الإنذار المبكر الموجودة حاليا لتتمكن من ملاحقة الأهداف وتوجيه صواريخ الاعتراض على نحو أفضل. ويمكن استخدام رادارات حديثة ذات هوائيات مصفوفية تعمل في المجال الترددي X، حيث ينشر بعضها إلى جانب رادارات الإنذار المبكر. وأخيرا، يجري حاليا بناء نظام لملاحقة الصواريخ يُقام في مدار منخفض حول الأرض ويستخدم الأشعة تحت الحمراء(3). وقد صمم هذا النظام الفضائي المعروف باسم العيون الذكية Brilliant Eyes، لملاحقة الصواريخ ورؤوسها الحربية مبكرا بعد إطلاقها، وذلك باستخدام حساسات الأشعة تحت الحمراء ذات الموجة القصيرة أو المتوسطة أو الطويلة، إضافة إلى حساسات الضوء المرئي.

 

تبين تقديرات حديثة أعدها مكتب تدقيق الحسابات العام في الولايات المتحدة الأمريكية أن نشر نظام دفاع وطني محدود وتشغيله سيكلفان ما بين 18 و 28 بليون دولار. إلا أن هناك احتمالا لتجاوز التكاليف تلك التقديرات، وقد حذر مدققون من الكونگرس أيضا من أن خطة البرنامج متفائلة مقارنة بخطط نظم التسلح الرئيسية السابقة. ومن ناحية أخرى، فقد جرى تصميم نظام الدفاع الذي خططت له الحكومة ليكون قابلا للتوسيع؛ فما إن يكتمل نشره، سيكون من الممكن تزويده بصواريخ اعتراض ومواقع إطلاق إضافية، الأمر الذي يزيد مقدرة النظام وتكاليفه.

 

الإجراءات الممكنة المضادة للدفاع ضد الصواريخ(*****)

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002074.jpg

الرؤوس الحربية المغلفة (في الأعلى) واحدة من طرائق تعمية نظام الدفاع ضد الصواريخ. تَستخدم كبسولات الاعتراض مصفوفة حساسات الأشعة تحت الحمراء لملاحقة أهداف تساوي درجة حرارتها درجة حرارة الغرفة (300 كلڤن)، ويصل مداها إلى نحو 200 كيلومتر. أما الرأس الحربي المغلف بالنتروجين السائل البارد (77 كلڤن) فيصدر أشعة تحت حمراء كثافتها تقل عن جزء واحد من المليون، الأمر الذي يجعل هذا الرأس غير مرئي إلى أن يصبح على بعد بضع مئات من الأمتار من المعترض.

قَهْر نظام الدفاع

• بناء صواريخ يفوق عددها ما يستطيع نظام الدفاع اعتراضه

• تحميل كل صاروخ برؤوس نووية عديدة

• نشر المواد الكيميائية أو البيولوجية على

شكل عبوات ذخيرة صغيرة وكثيرة

إعاقة تحديد هوية الرأس الحربي

• نشر نسخ طبق الأصل وأهداف خداعية

• إخفاء الرؤوس الحربية في بالون من بين الكثير من البالونات ذات أغشية معدنية

• إحاطة الرأس الحربي بآلاف القصاصات المعدنية الصغيرة العاكسة راداريا

• تخبئة الرأس الحربي ضمن شظايا ومخلفات محركات الدفع المنفجرة

إعاقة كشف الرؤوس الحربية

• التشويش على الرادارات

• استهلال الهجوم بتفجيرات نووية لتعمية مكاشيف الأشعة تحت الحمراء

• تغليف الرأس الحربي بغلاف مبرد ليصبح غير مرئي من قبل مكاشيف الأشعة تحت الحمراء

• تشكيل الرأس الحربي والغلاف على نحو يجعله يعكس طاقة رادارية أقل

• تغطية الرأس الحربي بمواد ماصة للإشارة الرادارية

• مهاجمة رادارات السواحل والأقمار الصنعية التي تلاحق الصواريخ راداريا

منع المعترض من إصابة الرأس الحربي

• إخفاء الرأس الحربي خلف ستائر أو بالونات كبيرة

• إطلاق صواريخ جوالة cruise missiles على  ارتفاعات منخفضة وصواريخ باليستية قصيرة المدى من السفن

• إضافة دافعات نفاثة إلى الرأس الحربي لتمكينه من المناورة

 

 لكن معدل نجاح الولايات المتحدة في اختبارات نظم التدمير بالتصادمات المباشرة العالية السرعة على ارتفاعات عالية مخيب للآمال، فهو لم يحقق سوى ثلاثة نجاحات خلال السبع عشرة محاولة الأولى. ويبين سجل تلك الاختبارات مدى التحدي الذي يواجه معترضات هذا النوع من التدمير، ويوحي بأن تقانته غير ناضجة للاستخدام حتى الآن. وحتى لو كانت جميع الاختبارات ناجحة، فإنها لا تثبت أن نظام الدفاع سيكون فعالا في التطبيق الواقعي. انظر في أمر نظام پاتريوت Patriot الصاروخي، وهو السلاح الدفاعي الصاروخي الوحيد الذي استُخدم في عمليات حربية؛ إن پاتريوت نظام دفاعي مخصص لمسرح العمليات، وقد تميز بسجل اختبارات مثالي يتضمن 17 نجاحا في 17 اختبار اعتراض. ومع ذلك، وخلافا لمعظم التقارير الإخبارية، فقد فشل في حرب الخليج عام 1991 في معظم أو جميع محاولاته الأربع والأربعين لتدمير صواريخ سكودScud العراقية التي سلكت سلوكا مختلفا عن سلوك الأهداف في ميدان الاختبار.

 

هزيمة النظام(******)

بافتراض إمكانية تشغيل المكونات الرئيسية لنظام الدفاع الأمريكي ضد الصواريخ، فإن فعاليته في التطبيق العملي ستعتمد بشكل رئيسي على قابليته للتلاؤم مع ظروف مشابهة غير متوقعة، وعلى وجه الخصوص، مع الإجراءات المضادة التي يتخذها العدو [انظر الإطار في هذه الصفحة]. وتتمثل إحدى طرق هزيمة النظام بإطلاق عدد كاف من الصواريخ العابرة للقارات الأمر الذي يؤدي إلى إرباكه. وهناك طريقة أقل تكلفة وأكثر جدوى تتمثل في تخصيص جزء من حمولة الصاروخ لوسائل مضادة خفيفة الوزن تصمم خصيصا لإرباك نظم الدفاع الصاروخية.

 

لقد طورت الولايات المتحدة منذ البداية وسائل مضادة يمكن استخدامها في الصواريخ الاستراتيجية، وكل دولة قادرة على إنتاج صواريخ عابرة للقارات أو على اقتنائها ستكون قادرة على إنتاج وسائل مضادة فعالة أو اقتنائها. لذلك، وإذا قامت الولايات المتحدة بنشر نظام دفاع وطني، فإن عليها أن تتوقع أن أي صاروخ عابر للقارات يطلق عليها سوف يكون مزودا بوسائل مضادة.

 

ويمكن استخدام أنواع كثيرة من الوسائل المضادة في الفضاء الذي صُمِّم النظام الأمريكي لاعتراض الصواريخ المهاجمة فيه. إذ لما كانت الأجسام كافة تتبع مسارات متماثلة في الفضاء بغض النظر عن وزنها، على سبيل المثال، يمكن للصاروخ العابر للقارات أن يصمم لينشر هدفا خداعيا خفيفا إلى جانب الرأس الحربي الحقيقي، الأمر الذي يعني أن على كبسولة التدمير الأمريكية أن تتخذ قرارا حول الهدف الذي سوف تلاحقه. صحيح إن الحساسات تستطيع التمييز بين الرأس الحربي الحقيقي والهدف الخداعي عندما يدخلان جو الأرض بسبب تباطؤ حركة الأخف منهما، لكن ذلك التمييز يتم متأخرا وبعد فوات أوان الاعتراض.

 

هناك ثلاثة أنواع بسيطة من الإجراءات المضادة تجدر الإشارة إليها:

 

الذخيرة الخفيفة: يمكن لمهاجم ينوي إيصال أسلحة بيولوجية أو كيميائية إلى الولايات المتحدة أن يُحمِّل الصاروخ العابر للقارات بعشرات أو حتى بمئات من الذخائر الخفيفة الوزن المحتوية على مواد غازية أو بيولوجية قاتلة. يُصمم كل من تلك الذخائر على نحو يتحمل العودة ثانية إلى جو الأرض، وتقوم الذخائر الصغيرة مجتمعة، بإحباط نظام الدفاع الأمريكي وذلك بمجرد اكتساحه، حيث يكون هناك عدد كبير من الأهداف التي يجب اعتراضها. وهذه الطريقة فعالة أيضا في نشر المواد الكيميائية والبيولوجية أكثر من وضع هذه المواد في رأس حربي واحد.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002075.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N1_H03_002076.jpg

إن المَيز resolution المحدود لدى حساسات الملاحقة في كبسولة التدمير يمكن أن يجعل اختيار الهدف الصحيح أمرا صعبا. فالرأس الحربي ومحرك دفع الصاروخ والبالونات الخداعية المسخنة السابحة في الفضاء (الصورة اليسرى) قد تَظهر غير متمايزة بعضا عن بعض تقريبا بالنسبة إلى كبسولة التدمير قبل التصادم بنحو ثانية واحدة (الصورة اليمنى).

 

 الأهداف الخداعية: يمكن جعل الصاروخ المهاجم يطلق عشرات الأهداف الخداعية الخفيفة الوزن من أجل أن تتفوق عدديا على نظام الدفاع الأمريكي. ويمكن جعل تمييز الأهداف الخداعية التي تشابه الرؤوس الحربية الحقيقية من قبل الرادارات الأمريكية صعبا إن لم يكن مستحيلا. إلا أن الأسهل من ذلك والأكثر فعالية هو استخدام طرائق المحاكاة المضادة، أي جعل الرؤوس الحربية تبدو وكأنها أهداف خداعية. يمكن للرؤوس الحربية المغلَّفة ببالونات ميلارMylar المطلية بطبقة معدنية، على سبيل المثال، أن تُنشر جنبا إلى جنب مع عدد كبير من البالونات الفارغة. تقوم الطبقة المعدنية الرقيقة لكل بالون بعكس إشارات الرادار مؤدية بذلك إلى منع تمييز الرؤوس الحربية. ويمكن تجهيز كل بالون بمسخِّن صغير لمنع تمييزه بواسطة حساسات الأشعة تحت الحمراء. وكإجراء بديل، وبدلا من جعل البالونات جميعا متماثلة، يمكن للمهاجم استخدام بالونات ذات أشكال وأحجام مختلفة وتزويدها بمسخنات لها استطاعات متباينة. عندئذ، سيواجه نظام الدفاع الأمريكي مهمة مؤرقة تتجلى في ضرورة اتخاذ القرار حول الهدف الحقيقي بين العدد الكبير من الأهداف المختلفة التي لا يشابه أي منها رأسا حربيا.

 

 الأغلفة المبرَّدة: يمكن للرأس الحربي للصاروخ العابر للقارات المزود بغلاف مبرَّد بالنتروجين السائل أن يكون غير مرئي من قِبَل معترض يلاحق أشعته تحت الحمراء. يمكن صنع مثل هذا الغلاف من خلائط الألومنيوم، ويُعزل حراريا عن الرأس الحربي بواسطة عازل متعدد الطبقات [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. يحتاج الغلاف الذي يتراوح وزنه ما بين 15 و 20 كيلوغراما إلى وزن مساوٍ تقريبا من المادة المبرِّدة من أجل الوصول إلى حرارة النتروجين السائل، وإلى نحو 300 غرام في الدقيقة من أجل الحفاظ على تلك الدرجة من الحرارة. وبذلك يتراوح الوزن الكلي للغلاف والمادة المبرِّدة ما بين 40 و 50 كيلوغراما؛ وهذا لا يمثل سوى جزء صغير من وزن الرأس النووي من الجيل الأول البالغ 1000 كيلوغرام. وبافتراض الالتزام ببعض الحذر في تشكيل الرأس الحربي وتوجيهه لتلافي عكس الضوء نحو المعترض، يمكن لمثل هذا الغلاف أن يجعل الرأس الحربي غير مرئي من قبل حساس الأشعة تحت الحمراء الذي يقود المعترض.

 

يمكن لأي من الإجراءات المضادة هذه إبطال الدفاع الأمريكي، وإلى جانبها هناك الكثير من الإمكانات الأخرى: التشويش الراداري ووسائط المعاكسة الإلكترونية الأخرى، مناورات الرأس الحربي، القصاصات المعدنية وغيرها من مواد التشكيل أو المواد الماصة للأشعة الرادارية من أجل تخفيض إمكانية رؤية الرأس الحربي من قِبَل رادارات نظام الدفاع. ويمكن استخدام هذه الإجراءات المضادة إفراديا أو مجتمعة في تراكيب عديدة.

 

إن الطبيعة المفتوحة للنظام السياسي للولايات المتحدة، إلى جانب الجدل القائم حول نظم الدفاع الوطني، تجعل أي عدو يعرف الخصائص العامة لنظام الدفاع الوطني ضد الصواريخ. وعلى الرغم من أن إجراء مضادا واحدا يكفي للتغلب على نظام الدفاع الأمريكي، فإن على هذا النظام أن يكون قادرا على هزيمة كل مجموعة محتملة من الإجراءات المضادة. والأكثر من ذلك، إذا كان من اللازم اعتراض أسلحة التدمير الشامل، فعلى نظام الدفاع الأمريكي ضد الصواريخ أن يعمل بنجاح من أول مرة يستخدم فيها؛ ولا يبدو أن النظام المقترح حتى على مقربة من تحقيق تلك الأهداف.

 

مشكلات ضبط التسلح(*******)

إذا وضعنا مشكلات التقانة جانبا، فإن إقامة نظام دفاع أمريكي محدود مضاد للصواريخ سوف تعطي روسيا والصين شيئا جديدا تفكران به. فالإدارة الأمريكية تأخذ في الاعتبار سلفا إمكانية إضافة مواقع اعتراض إضافية إلى النظام. ومع أن الولايات المتحدة تقول إنها تحتاج إلى النظام فقط من أجل مواجهة إطلاقات عرضية أو هجمات من دولة ذات نوايا عدوانية، فإنها ترسم معالم معظم البنية التحتية اللازمة لنظام أكثر مناعة. وعلى وجه الخصوص، فما إن يتم نشر نظام ملاحقة الصواريخ الفضائي SBIRS-Low أو رادارات المجال الترددي X المنصوبة في مواقع متقدمة، ستكون الحساسات التي تدعم التوسع في مكانها الملائم. إن الزمن اللازم لتطوير تلك الحساسات طويل نسبيا، لذلك نجدها تمثل مفتاح النشر السريع لنظام الدفاع الاستراتيجي أو لتوسيعه، وهذا هو السبب عينه في أن المعاهدة المضادة للصواريخ الباليستية ABM تحد  منها بشكل قاطع.

 

إضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة تقوم بتطوير نظامي دفاع متطورين مضادين للصواريخ، من المرجح أن تكون لصواريخ الاعتراض فيهما مقدرة استراتيجية محدودة على الأقل إذا جرى توجيهها بواسطة حساسات كحساسات نظام ملاحقة الصواريخ الفضائي SBIRS-Low. وفي وقت قصير، يمكن للولايات المتحدة ربط تلك المعترضات بنظام الدفاع الوطني ليصبح بين يديها 1000 معترض أو أكثر. وفي الواقع، يشن الكثير من المشرعين الجمهوريين حملة لتحديث نظام دفاع المسرح العملياتي المحمول على سفن البحرية الأمريكية(4) وجعله جزءا من نظام الدفاع المقام على الأراضي الأمريكية؛ الأمر الذي سيفرض على مخططي العمليات الهجومية في روسيا والصين أخذه في الاعتبار تماما.

 

كيف ستكون ردة الفعل المحتملة لروسيا والصين تجاه قرار الولايات المتحدة إقامة نظام الدفاع الأمريكي؟ مع أن المثقفين تقانيا في روسيا قد يرون أن الإجراءات المضادة الفعالة متوافرة، فإن القادة السياسيين الروس ربما لا يدركون ذلك. ولن يجد هؤلاء القادة في فكرة أن الأمريكيين ينفقون بلايين الدولارات من أجل إقامة نظام دفاع تمكن مقاومته بسهولة أمرا ذا مغزى. وفي الواقع، لقد قال صانعو السياسة الروس إنهم يقفون ضد إقامة نظام الدفاع الأمريكي وضد اقتراح تعديل المعاهدة المضادة للصواريخ الباليستية ABM لكي  تسمح بمثل هذا النظام.

 

إذا مضت الولايات المتحدة قُدُما في خططها، فقد ترفض روسيا الدخول في مفاوضات لتخفيض قواتها النووية. فقد ربطت روسيا تطبيقها لمعاهدتي ستارت START 1 وستارت START 22 حول تخفيض الأسلحة النووية باستمرار التزام الولايات المتحدة بالمعاهدة المضادة للصواريخ الباليستية ABM. فالصعوبات الاقتصادية تجعل من غير المحتمل على أي حال احتفاظ روسيا بأكثر من 2000 رأس حربي عابر للقارات، لكن نظام الدفاع الوطني الأمريكي قد يُعقِّد الجهود المبذولة لتخفيض المخزون النووي إلى ما دون ذلك. يضاف إلى هذا أن روسيا قد تضع مزيدا من قواتها النووية في حالة جاهزية للإطلاق السريع من أجل زيادة عدد الصواريخ التي قد تنجو من الاعتراض وقد يمكنها الانتقام. وسوف تزيد هذه الاستراتيجية أيضا من أخطار الإطلاق غير المقصود نحو الولايات المتحدة، وهذا واحد من الأسباب الرئيسية التي تقف وراء الدفع باتجاه نظام الدفاع الوطني الأمريكي.

 

كذلك فإن ردّ فعل الصين تجاه نظام الدفاع الوطني الأمريكي يمكن أيضا أن يكون معضلة. فقد اكتفت الصين حتى الآن بالاحتفاظ بقوة رادعة صغيرة من الصواريخ العابرة للقارات التي يمكنها الوصول إلى الولايات المتحدة. لكن الصين قد ترى حتى في نظام الدفاع الأمريكي المحدود جدا أو غير الفعال تهديدا لقوتها الصغيرة هذه، وقد يحفزها ذلك إلى تحسين قدراتها في مجال الصواريخ البعيدة المدى. وتوسيع الصين لقوتها من الصواريخ العابرة للقارات يزيد من الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها أمن الولايات المتحدة.

 

ومادامت روسيا والصين تسعيان إلى إقامة علاقات مع الولايات المتحدة تقوم على مفهوم الردع النووي، فمن المحتمل جدا أن نظام الدفاع الوطني الأمريكي سوف يعيق الجهود المبذولة لتخفيض حجم القوى النووية. كذلك فإن نشر النظام قد يحول دون التعاون الروسي الأمريكي في مجال الحد من أخطار الإطلاقات العرضية، وذلك بإخراج الصواريخ من حالة التأهب وإبعاد الرؤوس الحربية عن قواذفها، والتعاون في مجال الإنذار المبكر وتركيب أدوات تدمير بعد الإطلاق(5). وسوف يؤدي نشر النظام أيضا إلى زيادة الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في محاولاتها ضمان تعاون روسيا والصين معها في المسائل الحيوية الأخرى من قبيل الحد من نقل مواد الأسلحة والخبرة إلى دول أخرى والسماح برقابة أعلى على المواد الروسية القابلة للانشطار.

 

لقد مثلت مشكلات ضبط التسلح، والشكوك التقانية وفواتير التكاليف الباهظة وغيرها من المشكلات عوائق حقيقية لأكثر من ثلاثة عقود، في وجه محاولات الولايات المتحدة إقامة نظم دفاعية تغطي الولايات المتحدة كلها. واليوم، وكما كانت الحال دائما، تبدو مشكلة الإجراءات المضادة البسيطة والفعالة التحديَ الأكثر تثبيطا. فكما أشار كاتبا مقالة عام 1968، التي سبق الإشارة إليها، فإن الدولة التي تصرف الوقت وتتحمل الأخطار من أجل تطوير قدرات باهظة التكاليف لمهاجمة الولايات المتحدة بصواريخ عابرة للقارات مزودة بأسلحة دمار شامل، لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي لترى تلك القدرات تُبطَل بواسطة نظام الدفاع الوطني الأمريكي إذا كانت قادرة على اتخاذ إجراءات سهلة لهزيمته.

 

ومع أن أنصار النظام مازالوا يجادلون بأن إمكانية مهاجمة الولايات المتحدة حتى بصاروخ واحد فقط تمثل سببا كافيا للدفع من أجل إقامة نظام الدفاع الوطني الأمريكي، فإن نظاما محدودا ذا قصورات تقانية أساسية ربما لا يكون ذا جدوى في رفع سوية الأمن الوطني. وفي الواقع، قد يكون له أثر عكسي. لذلك، فإن النظام الذي يجب السعي إليه هو الذي يستطيع التصدي لأي تهديد حقيقي لأمن الولايات المتحدة على نحو موثوق، لكن نظام الدفاع الوطني ضد الصواريخ الذي تعمل الولايات المتحدة على إقامته لا يحقق ذلك.

 

  المؤلفون

George N. Lewis – Theodore A. Postol – John Pike

محللون قدامى لبرامج الدفاع الصاروخي. لويس هو مدير مشارك في برنامج الدراسات الأمنية بمعهد ماساتشوستس للتقانة MIT، وخلال الاثنتي عشرة سنة الماضية تركزت أبحاثه على التحليل الفني لضبط التسلح وعلى قضايا الأمن الدولية. وپوستول هو أستاذ العلوم والتقانة وسياسة الأمن القومي في المعهد MIT، كان يعمل في السابق بمكتب الكونگرس لتقييم التقانة، كما عمل مستشارا علميا لرئيس هيئة العمليات البحرية. تتضمن اهتماماته البحثية الدفاع ضد الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والمعاهدة المضادة للصواريخ الباليستية. أما پايك فهو مدير مشروع السياسة الفضائية التابع لاتحاد العلميين الأمريكيين FAS، وقد بدأ المشروع عام 1983 استجابة لمبادرة الدفاع الاستراتيجي Strategic Defense Initiative التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق ريگان.

 

مراجع للاستزادة 

FUTURE CHALLENGES TO BALLISTIC MISSILE DEFENSES. George N. Lewis and Theodore A. Postol in IEEE Spectrum, Vol. 34, No. 9, pages 60-68; September 1997.

More information is available on the World Wide Web:

The Ballistic Missile Defense Organization: www.acq.osd.mil/bmdo/bmdolink/html

The Carnegie Endowment for International Peace Non-Proliferation Project:

 www.ceip.org/programs/npp/missiledefense.htm

The Coalition to Reduce Nuclear Dangers: c1w.org/coalition/ libbmd.htm

Union of Concerned Scientists: www.ucsusa.org/arms

Federation of American Scientists: www.fas.org/spp/starwars

Scientific American, August 1999

 

(*) Why National Missile Defense Won’t Work

(**) Missile Threats

(***) Dangers Close at Hand

(****) Designing a Defense

(*****) Potential Missile Defense Countermeasures

(******) Beating the System

(*******) Arms- Control Concerns

 

(1) [انظر: ‘Anti-Ballistic-Missile”Systems” by R. L. Garwin-H.A. Bethe, Scientific American, March 1968].

(2) Theater High Altitude Area Defense System

(3) (space -based infrared system-low earth orbit)

SBIRS-Low

(4) the navy’s ship-based theater defense system

(5) destruct-after- launch devices

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى