أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

حياة تركيبية

حياة تركيبية(*)

يُشيّد البيولوجيون الآن مكتبات من أجزاء الدنا القابلة للتبادل

ويجمِّعونها داخل ميكروبات بقصد تكوين آلات حية قابلة للبرمجة.

<W.W. گِبْس>

 

يُعد التطور ينبوع إبداع. فثمة 3.6 بليون من سِنِي الطفور mutationوالمنافسة وهبت الكائنات الحية مدى واسعا من المهارات المفيدة. ولكن لا تزال هناك فسحة رحبة للتحسين. فعلى سبيل المثال، توجد ميكروبات معينة تستطيع هضم المادة الكيماوية المتفجرة والمسرطنة المعروفة بالصيغة “TNT”. ولكن ألا يكون مفيدا لو أن هذه الميكروبات وَمَضَتْ وهي تفعل هذا، ومن ثم تُرْشد إلى مكان وجود الألغام الأرضية المدفونة أو التربة المشوبة بتلك المادة؟ وكذلك تولِّد جَنَبات (شجيرات) الأرتيميزيا (الشيح الرومي)(1) worm wood دواء فعالا ضد الملاريا (البُرَداء) ولكن بكميات بالغة الصِّغر تجعل استخلاصه باهظ الثمن. وهنا نتساءل: كم من ملايين الأرواح يمكن إنقاذها لو أمكن صنع مركب الأرتيميزينين artemisinin هذا، بأسلوب رخيص بوساطة قِزانات لإنماء البكتيرات(2) vats of bacteria؟ والعديد من باحثي السرطان مستعدون لفعل أي شيء للحصول على خلية ذات عدّاد بداخلها سهل القراءة ويَدُق على نحو موثوق به في كل مرة تنقسم فيه الخلية، ولكن يبدو أن الطبيعة لم تَرَ مثل هذا الأمر صالحا بما فيه الكفاية للانتخاب والبقاء في الحياة البرية.

 

قد تبدو مسألةً بسيطة في الهندسة الوراثية إعادةُ تشبيك rewire الخلايا بحيث تُومِض في حال وجود ذيفان toxin خاص، أو تُصَنِّع عقارا معقدا، أو تحفظ سجلا كاملا لعمر الخلايا. بيد أن تكوين مثل هذه الأدوات البيولوجية بعيد عن أن يكون سهلا. ولئن كان البيولوجيون قد دأبوا منذ ثلاثين سنة على اغتراس جينات تنتمي إلى أحد الأنواع الحية في نوع حي آخر، إلا أن الهندسة الوراثية لا تزال حرفة أكثر منها منهجا هندسيا مكتملا.

 

يقول <D. إندي> [وهو بيولوجي في معهد ماساتشوستس للتقانة MIT]: «فلنفترض أنني آمل تحوير نباتٍ ما بحيث يُغيِّر لونه في وجود المادة TNT، أستطيع البدء باستحثاث مسارات جينية في النبات لفعل ذلك. وإذا حالفني الحظ يمكنني أن أحصل بعد سنة أو اثنتين على «أداة» (نبيطة) device ـ مجرد منظومة واحدة. ولكن إذا صح ذلك مرة فإنه لا يُعينني على بناء خلية تسبح هنا وهناك وتأكل الصفائح المترسبة على جُدُر الشرايين، ولا هو يُعينني على إنماء عدسة ميكروية. وعلى نحو أساسي، إن الخبرة العملية الحالية تنتج قطعا فنية وحسب.»

 

ويُعَد <إندي> واحدا من عدد صغير، ولكنه يتنامى سريعا، من علماء شرعوا في السنوات الحالية في تدعيم مؤسسة الهندسة الوراثية بما يسمونه البيولوجيا التركيبية synthetic biology. إنهم يصممون ويبنون منظومات حية تسلك سلوكا يمكن التنبؤ به، وتستخدم قطعا قابلة للتبادل interchangeable، وتعمل في بعض الحالات بكود code  جيني موسّع يسمح لها بأن تعمل أشياء لا تستطيعها أي متعضية (كائن) organism طبيعية.

 

ثمة ثلاثة أهداف رئيسية لهذا الحقل الناشئ. يتمثل أولها في معرفة الحياة عبر القيام ببنائها وليس عبر تجزيئها. ويتمثل ثانيها في جعل الهندسة الوراثية تستحق اسمها، بحسبانها فرعا من المعرفة يتقدم باستمرار عبر تقييسstandardizing إبداعاته السابقة وإعادة توحيدها لعمل منظومات جديدة أكثر تطورا. ويتمثل ثالثها في مد كلٍّ من حدود الحياة والآلات حتى يتداخلا، بحيث يعطيان متعضيات (كائنات) قابلة للبرمجة بحق. واليوم تبدو الميكروبات الكاشفة للمادة TNT وكذلك المولدة للأرتيميزينين في متناول اليد. صحيح إن الأنماط الأولية الحالية بدائية نسبيا، بيد أن التطلع كبير بقدر لا يمكن نكرانه: فكِّر في الأمر على أنه صورة ثانية للحياة.

 

ضوء يومض على هذا الحقل(**)

تمتد جذور البيولوجيا التركيبية إلى خمسة عشر عاما مضت، حيث البحث الرائد الذي أجراه <S. بِنَر> و <P. شولتز>. ففي عام 1989 قاد < بِنَر> فريقا في زوريخ، وأوجد دنا DNA يحتوي على حرفين جينيين صنعيين artificial geneticletters، إضافة إلى الأحرف الأربعة التي تظهر في الحياة حسبما نعرفها. ومنذئذ ابتكر هو وآخرون بضعة ضروب varieties من دنا محسن صنعيا. وحتى الآن لم يتمكن أحد من صنع جينات عاملة وظيفيا من الدنا المعدَّل altered  DNA(بمعنى أنه يُنتسخ إلى رنا RNA ثم يُترجم إلى شكل پروتيني) داخل خلايا حية. ولكن في السنة الماضية فقط أوجدت مجموعة <شولتز> [في معهد أبحاث سكرپس (SRI)] خلايا (ذات دنا معتاد) تولِّد حموضا أمينية غير طبيعية، ثم تَسْلُكُها معا لتصنع منها پروتينات غير مسبوقة (انظر الإطار في الصفحة 18).

 

ويرى < بِنَر>وآخرون من «المدرسة القديمة» للبيولوجيا التركيبية أن الوراثيات الصُّنْعية artificial genetics هي طريق لتقصي أسئلة أساسية، مثل: كيف بدأت الحياة على الأرض؟ وما الأشكال التي يمكن أن تأخذها في جهات أخرى من الكون؟ وليس أقل من ذلك أهمية ما يثار من طنين حديث يتنامى حول البيولوجيا التركيبية كونها تقانة واعدة كأسلوب لتصميم وبناء آلات تعمل داخل الخلايا. وقد تم ذكر اثنتين من مثل هذه الأدوات في وقت واحد من عام 2000 أوحتا بكثير من الأبحاث التي أجريت منذ ذلك الوقت.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003057.jpg

إن الڤيروسات المعاد تصميمها ستساعد البيولوجيين على أن يعرفوا كيف يصنعون آلات جينية يعول عليها. ويصور هذا الرسم كيف أعادت مجموعة في معهد ماساتشوستس للتقانة (MIT) تشكيل جينومِ لاقمة البكتيرات T7.

 

لقد تم إنشاء كلتا الأداتين عبر إدخال متتاليات دناوية DNA sequences إلى الإشريكية القولونية E. coli، وهي بكتيرة غير مؤذية في مِعَى الإنسان. ولكن الأداتين أديتا وظائف مختلفة جدا. أما <M. إلويتْز> و <S. ليبلَر> [اللذان كانا حينذاك في جامعة پرنستون] فقد جمّعا assembled ثلاث جينات متآثرة على  نحو جعل الإشريكية القولونية تومض بصورة يمكن التنبؤ بها على شاكلة أضواء شجرة عيد ميلاد مجهرية (انظر الإطار في الصفحة 15). وفي الوقت نفسه، صنع <J.كولِنْز> و<Ch. كانتور> و<T. گاردنَر> [من جامعة بوسطن] مفتاحا (قاطعا) مفصليا جينيا(3) genetic toggle switch. وهنا تسمح عروة تغذية راجعة سالبة (وهي جينتان تتدخل كل منهما في عمل الأخرى) للدارة المِفْصلية بالتقلب بين حالتين ثابتتين. وهذا يَهَب على نحو فعال كل بكتيرة معدَّلةٍ ذاكرةً رقمية بدئية rudimentary digital memory.

 

كانت هذه التجارب حافزة للبيولوجيين ذوي الأفكار الهندسية، ولكنها كانت محبِطة لهم أيضا. فقد استغرق تكوين «المفتاح المفصلي» ما يقرب من سنة، وتطلب الأمر ما يقرب من ضعف ذلك لإنشاء الميكروبات الوامضة. وما من أحد كان يستطيع، مثلا، التماس طريقة لوصل هاتين الأداتين تضمن صنع بكتيرات وامضة يمكن تشغيلها أو إطفاؤها.

 

وينوه <إندي> قائلا: «إننا نتمنى أن نكون قادرين بصورة روتينية على تركيب منظومات انطلاقا من قطع جيدة التوصيف والتعامل. وعندها، إذا طلب إلي أحد ما في المستقبل، مثلا، صنع متعضية حية (كائن حي) تقوم بالعد حتى 3000 ثم تتجه يسارا، فإنني أستطيع أخذ الأجزاء التي أحتاج إليها من فوق الرّف ثم أشبك بعضها ببعض وأتنبأ بكيفية أدائها.» لقد كانت مثل هذه الأجزاء مجرد حلم منذ أربع سنوات، أما اليوم فإنها تملأ صندوقا على مكتب <إندي>.

 

البناء باستخدام لَبِنات حيوية(***)

يقول <إندي>، وهو يحمل وعاء تملؤه خمسون قنينة زجاجية صغيرة تحتوي على سائل عصيري صاف: «هذه أجزاء جينية. فكلٌ من هذه الزجاجات يحوي نسخا من مقطع متميز من الدنا، إما أنه يؤدي وظيفة ما بمفرده وإما يمكن أن تستخدمه خلية ما في صنع پروتين يفعل شيئا مفيدا. وما هو مهم هنا يتمثل في أن كل جزء جيني تم تصميمه بعناية ليتآثر interact  جيدا مع أجزاء  أخرى، وعلى مستويين.» فعلى المستوى الميكانيكي، يمكن تصنيع لبنات بيولوجية BioBricks (حسبما تسميها مجموعة MIT) فُرادى، ثم خزنها على نحو منفصل، ومن ثم خياطتها معا لتشكل نُتفا bits من الدنا. وعلى المستوى  الوظيفي، يرسل كل جزء من هذه الأجزاء إشارات كيميائية حيوية ومعيارية ويستقبلها. وبهذا يستطيع العالِم أن يغير سلوك تجميعةٍ assembly ما بمجرد  إحلال جزء محل جزء آخر في بقعة معينة.

 

نظرة إجمالية/ البيولوجيا التركيبية(****)

• كانت البيولوجيا الجزيئية ولاتزال إلى حد كبير علما مختزِلا يتقصى عمل المنظومات الحية عن طريق تجزئة هذه المنظومات إلى مكوناتها.

•  وثمة عدد متنام من البيولوجيين التركيبيين ينتهجون مقاربة مختلفة، فهم يبنون آلات حيوية من أجزاء دنا DNA  قابلة للتبادلInterchangeable. وتعمل هذه الآلات داخل الخلايا الحية التي تزودها بالطاقة والمواد الخام وبالقدرة على التحرك والتكاثر.

•  لقد أنتجت البيولوجيا التركيبية حتى الآن ميكروبات ذات تشكيلة منوعة من قدرات غير طبيعية. فبعضها يُنتج مكونات كيماوية معقدة تدخل في صناعة العقاقير، وبعضها الآخر يبني حموضا أمينية صنعية، أو يزيل الفلزات الثقيلة من مياه النفايات، أو يؤدي عمليات بسيطة من المنطق الثنائي.

 

ويضيف <إندي> قائلا: «إن المكونات القابلة للتبادل interchangeable أشياء مسلم بها في أنواع الهندسة الأخرى،» أما الهندسة الوراثية فمازالت في بداية الإفادة من قوة هذا المفهوم، ويُعدّ التجريد abstraction إحدى مزاياه. فكما أن مهندسي الكهرباء لا يحتاجون إلى معرفة ما يوجد داخل مكثفة capacitor قبل استخدامها في دارة ما، فإن المهندسين البيولوجيين يتمنون أن يكونوا قادرين على استعمال مفتاح مفصلي جيني ما مع بقائهم سعداء بجهلهم معامِلات الوصل binding coefficients والتراكيب الكيمياحيوية للحاضّات promotersوالكابتات repressors والمفعِّلات activators والمحرِّضات inducers والعناصر الجينية الأخرى التي تشغّل المفتاح. فعلى سبيل المثال، تحتوي إحدى الزجاجات في صندوق <إندي>على لَبِنة حيوية محوِّلة inverter (تدعى أيضا: مُشغِّلة لائيةNOT operator). فحينما تكون إشارة دَخْل تلك المشغّلة عالية المقدار تكون إشارة خَرْجها منخفضة المقدار، والعكس بالعكس. وثمة لبنة حيوية أخرى تؤدي وظيفة «و» بوليانية(4) Boolean AND بحيث لا تبث إشارة خرج إلا حينما تستقبل مستويات عالية من كلا دَخْليها. ولأن الجزأين يتعاملان مع إشارات متوافقة، فإن ربطهما ينشئ مُشغِّلة «لا ـ و» NAND operator. ومن الناحية الافتراضية، فإن أي حوسبة ثنائية binary computation يمكن إجراؤها بمشغلات من النمط «لا ـ و»NAND.

 

وأبعد من التجريد، تقدم هذه الأجزاء العيارية مزية قوية أخرى تتمثل في قابلية تصميم منظومة جينية وظيفية بدون معرفة دقيقة بكيفية صنعها. ففي أوائل العام 2003 استطاع صف من 16 طالبا أن يوصّف في شهر واحد أربعة برامج جينية لجعل مجموعات من خلايا الإشريكية القولونية تومض بتناغم واحد مثلما تفعل حشرات اليراعة fireflies أحيانا. لم يكن الطلبة يعرفون كيف ينشئون متتاليات الدنا ولكنهم لم يكونوا بحاجة إلى ذلك. هذا وقد استأجر <إندي> شركة لتركيب الدنا بغية تصنيع 58 جزءا مطلوبا في تصاميم الطلبة. وأضيفت هذه اللبنات الجديدة بعدئذ إلى سجل MIT  للأجزاء البيولوجية العيارية. واليوم، تُدْرِج قاعدة البيانات المباشرة هذه ما يزيد على 1400 جزءا، علما أن هذا العدد يتنامى كل شهر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003058.jpg

لقد صمم وكوَّن <D. إندي > (المصوَّرِ هنا) وآخرون غيره [في معهد ماساتشوستس للتقانة] ما ينوف على 140 لَبِنة بيولوجية BioBricks [في القوارير الزجاجية]. وكل لبنة بيولوجية هي قطعة من الدنا تؤدي وظيفة جيدة التوصيف تتآثر على نحو جيد مع الأجزاء الجينية الأخرى.

 

اختطاف الخلايا(*****)

ومثلما كان من المفيد تطبيق دروس المجالات الأخرى للهندسة على علم الوراثة، فإن التناظر analogy  يختل بعد حد معين. فالآلات الكهربائية والميكانيكية عادة ما تكون وحدات قائمة بذاتها self contained، وذلك لا يصح إلا لنخبة قليلة من الأدوات (النبائط) devices. ففي أوائل العام 2004، على سبيل المثال، استنبط <M. ستوجانوڤيتش> [من جامعة كولومبيا] أنابيب اختبار ذات جزيئات حيوية شبيهة تمثل الصورة الكيميائية للعبة الأصفار وعلامات التصالب tic-tac-toe. ولكن البيولوجيين التركيبيين synthetic biologists مهتمون على نحو رئيسي ببناء أدوات جينية داخل الخلايا الحية، بحيث تستطيع هذه المنظومات أن تتنقل وتتكاثر وتتآثر interact مع العالم الحقيقي. فمن وجهة نظر الخلية تُعَد هذه الأداة التي بداخلها طفيليا تقوم الخلية بتزويده بالطاقة والمواد الخام والبنية التحتية الكيمياحيوية التي تحل (تفك) كود decode الدنا إلى رنا مِرسال  ثم إلى پروتين.

 

ولكن الخلية العائلة (الثَّويّة) host cell تضيف كذلك قدرا كبيرا من التعقيد. فقد أمضى البيولوجيون سنوات من العمل في النماذج الحاسوبية للإشريكية القولونية ومتعضيات أخرى وحيدة الخلية(5). ومع ذلك يعترف <R.ڤايس> [من پرنستون] قائلا: «إذا أعطيتني متوالية الدنا الخاصة بمنظومتك الجينية، فإنني لا أستطيع أن أخبرك بالذي ستفعله البكتيرات بها.» وفي الواقع يستذكر <إندي>قائلا: «لم يكن من المستطاع مبدئيا تركيب نحو نصف الأجزاء الستين التي صممناها في عام 2003، وذلك بسبب قتلها الخلايا التي كانت تنسخها. فكان علينا أن نستنبط طريقة لتقليل العبء الذي يفرضه حمل الخلايا للدنا المركب واستنساخه.» (ونذكر أن 58 جزءا من أصل الأجزاء الستين قد تم، في النهاية، إنتاجها بنجاح).

 

كيف يعمل جزء جيني(******)

يمكن لتجميعات assemblies من الجينات والدنا المنظِّمregulatory  أن تعمل كمكافئ كيمياحيوي للمكونات الإلكترونية التي تؤدي المنطق البولياني Boolean logic.

دارة

تربط دارة جينية واحدة بين ثلاث محوِّلات، تحتوي كل واحدة منها على جينة مختلفة (الجينات: 1 أو 2 أو 3). وتتذبذب هذه الجينات بين حالتي التشغيل والإيقاف في أثناء سريان الإشارة عبر الدارة. ويتم ضبط السلوك عبر جينة (في أقصى اليمين)

 توقف بعض پروتين الخرج الذي تولده جينات المحولة (الجينة 3) وتسبب الفلورة استجابة لذلك.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003059.jpg

مكوِّن

محوِّلة كيمياحيوية تنفذ عملية «لا» بوليانية Boolean NOT operation  استجابة لإشارة دَخْل على شكل پروتين تكوده  جينة أخرى.

في حالة إيقاف

عند توافر پروتين الدخل (الدخل 1=) تنطفئ جينة المحولة  (الخرج 0 =).

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003060.jpg

في حالة تشغيل

عند غياب پروتين الدخل (الدخل 0 =) تكون جينة المحوِّلة  شغالة، فتولد پروتينها المكوَّد (الخرج 1 =).

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003061.jpg

دارة في حالة عمل

تومض الخلايا المحتوية على مثل هذه الدارة وتنطفئ على نحو متكرر (الرسم البياني). ولكن من الناحية العملية، تومض الخلايا (التي جرى تعديلها على نحو مطابق) في المستنبَت (الصورة) بمعدلات متفاوتة، لأن الدارات الجينية أكثر ضجة وأقل قابلية للتحكم من الدارات الإلكترونية.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003062.jpg

 

ثمة طريقة للتعامل مع التعقيد الذي يضيفه الجينوم الطبيعي للخلايا، تتمثل في تنحيته جانبا؛ إذ يمكن عزل الأداة الجينية داخل عروة الدنا الخاصة بها مفصولة عن صبغي (كروموسوم) المتعضية الحية. ولكن هذا الفصل الفيزيائي لا يشكل إلا نصف الحل فقط، بسبب عدم وجود أسلاك في الخلايا. فالحياة تجري في «شيء رطب» wet-ware  ذي إشارات پروتينية تطوف عشوائيا من جانب إلى آخر. ويشرح <إندي> الأمر قائلا: «وهكذا إذا كان لدي هنا محوِّلة ما مصنوعة من پروتينات ودنا، فإن إشارة پروتينية موجَّهة إلى ذلك الجزء سوف تعمل أيضا على أي مثال آخر لتلك المحوِّلة في أي مكان آخر في الخلية،» سواء كان واقعا في العروة الصنعية أو في الصبغي الطبيعي.

 

وهناك طريقة للحيلولة دون الإشارات المتصالبة crossed signals تتمثل في  تجنب استخدام الجزء نفسه مرتين. وقد أخذ <ڤايس> بهذا الأسلوب في إنشاء دارة «حَوْذان»(6) جينية Goldilocks genetic circuit، وهي دارة تضيء في وجود مادة كيماوية مستهدفة، ولكن فقط إذا كان تركيزها غير بالغ الارتفاع أو الانخفاض [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. وتندس داخل أجزاء الدارة المختلفة أربع محوِّلات تستجيب كل منها لإشارة پروتينية مختلفة. بيد أن هذه الاستراتيجية تجعل من الصعب تصميم أجزاء قابلة للتبادل ويستطاع إعادة ترتيبها حقا.

 

ويقوم <إندي>حاليا باختبار محلول قد يفوق غيره بالنسبة إلى بعض المنظومات. ويقول في هذا الشأن: «تَستخدم محوِّلتنا inverter المكونات نفسها [التي في إحدى محولات <ڤايس>] ولكن بترتيب مختلف. وهنا يكون الدَّخْل ليس پروتينا بل يكون إلى حد ما معدَّلا rate، وبالتحديد يتمثل في مُعدل انتساخ transcription جينة ما. فالمحولة تستجيب لكمية الرناوات المرساليةmessenger RNAs التي يتم إنتاجها في كل ثانية. إنها تصنع پروتينا، وهذا الپروتين يحدد سرعة الانتساخ الصادر [عن طريق تشغيل جينة ثانية]. وهكذا أبعث معلومات أحداث الانتساخ في الثانية الواحدة transcription events persecond  TIPS ، وأستقبل خَرْجا بمعلومات TIPS أيضا. إنها العملة الشائعة، وهي تشبه تيارا في دارة كهربائية.» ومن حيث المبدأ، يمكن إزالة المحوِّلة والاستعاضة عنها بأي لَبِنة حيوية تعالج دفقات المعلومات (TIPS). ونشير إلى أن إشارات «التيپات» TIPS هذه متخصصة الموقع، بحيث يمكن استخدام الجزء نفسه في  بضعة مواقع في الدارة دون تداخل.

 

وقد جرى اختبار تقنية التيپات (TIPS) هذه بوساطة طقم جديد من المنظومات الجينية صممه طلبة حضروا مقررا دراسيا شتويا في المعهد M.I.Tفي الشهر 1/2004. وكان الهدف في هذا العام برمجة خلايا تعمل متعاونة على تشكيل نماذج، مثل نقاط النقش في طبق پتري. ولفعل ذلك يجب على الخلايا أن تتخاطب فيما بينها عبر إفرازها غاذِيات nutrients كيماوية واستشعارها.

 

ويقول <إندي>: «إن منظومات هذه السنة (2004) تعادل نحو ضعفيْ مقدار مشروعات عام 2003.» ونذكر أن الأمر استغرق ثلاثة عشر شهرا لبناء تصاميم الإشريكية القولونية الوامضة ثم إدخالها في الخلايا. ولكن في أثناء السنة المنقضية ازدادت حصيلتنا من اللبنات الحيوية، وقفز تركيب الدنا DNA عاليا، واكتسب المهندسون خبرة تجميع الدارات الجينية. وهكذا توقع <إندي>أن تكون تصاميم عام 2004 جاهزة للاختبار لعرضها في مؤتمر البيولوجيا التركيبية في الشهر 6/2004.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003063.jpg

تتكاثر الآلات الحية، ولكنها تطفر في أثناء تكاثرها.

إعادة تأليف كتاب الحياة(*******)

لا شك أن العلماء الذين حضروا ذلك المؤتمر يقدرون الصعوبة الحقيقية الكامنة في كيفية جعل قطعة ضئيلة نسبيا من الدنا تعمل على نحو موثوق به داخل خلية تتغير باستمرار. فالآلات الحية تتكاثر، ولكنها تطفُر في أثناء تكاثرها.

 

ويذكر <ڤايس>في هذا الصدد أن: «نَسْخ replication الخلايا أبعد ما يكون عن الكمال. فقد أنشأنا دارات وشاهدناها تطفر في نصف عدد الخلايا خلال خمس ساعات. وكلما كانت الدارة كبيرة، كان ميلها للطفور أسرع.» وقد أوجد <ڤايس> و<F. أرنولد> [من معهد كاليفورنيا للتقانة] دارات ذات أداء متطور باستخدام جولات متعددة من التطفر يليها اصطفاء الخلايا الأكثر لياقة للمهمة المنشودة. ولكن إذا تُرك الأمر بدون إشراف، فإن هذا التطور سوف يميل إلى تحطيم الآلات الجينية.

 

ويقترح <إندي> قائلا: «أود أن أصنع أداة مكوَّدة جينيا، بحيث تقبل إشارة دَخْل input signal، ثم تعد الأرقام: 3,2,1 … حتى الرقم 256. وهذا الأمر ليس أعقد كثيرا مما نفعله نحن الآن، وسيتيح لك ذلك أن تكتشف، بسرعة ودقة، أنماطا معينة من خلايا فقدت السيطرة على تكاثرها وصارت سرطانية. ولكن كيف أقوم بتصميم عدّاد، بحيث يدوم تصميمه حين تصنع هذه الآلة نسخا عن نفسها تحوي أخطاء؟ ليس لدي فكرة أو حل لذلك. قد يجب علينا أن نبني عددا وفيرا منها يزيد على حاجتنا redundant، أو لعلنا نحتاج إلى أن نجعل وظيفة العدّاد نافعة للخلية بطريقة ما.»

 

بل ربما سيكون على المهندسين أن يفهموا على نحو أفضل كيف حلت أشكال الحياة البسيطة (مثل الڤيروسات) مشكلة الديمومة persistence. وهنا أيضا يمكن أن تساعد البيولوجيا التركيبية على ذلك، فقد أعلن <H. سميثو> <J  .كريگ ڤِنْتَر> في الشهر 11/ 2003أن مجموعتهما، في معهد بدائل الطاقة البيولوجية، أعادت تخليق لاقمة بكتيرات bacteriophage (أي ڤيروس يصيب البكتيرات(7)) تدعى phiX174 من العدم في ظرف أسبوعين فقط. ويمتلك هذا الڤيروس التركيبي، بحسب قول <ڤنتر>، أزواج (أشفاع) قواعد(8) الدنا (البالغ عددها 5386) نفسها التي يمتلكها الڤيروس الطبيعي وكذلك نشاطه نفسه.

 

بناء آلة جينية(********)

يمكن صنع مكشاف حي للمادة TNT يستطيع كشف الألغام الأرضية المدفونة، وذلك باستخدام دارات حَوْذان Goldilocks  جينية لا تتفلور إلا حينما يكون تركيز المادة TNT بالقدر الصحيح.

بناء مكشاف جيني للمادة TNT

بالتزود بأجزاء دناوية قابلة للتبادل، يستطيع المهندسون تجميع دارات مختلفة اختلافا طفيفا. فإحدى هذه الدارات تتألق بلون أحمر ولكن فقط حينما يكون تركيز المادة TNT  عاليا، في حين يمكن أن تتفلور دارة أخرى بلون أصفر مع التركيزات المتوسطة من المادة TNT، وتتوهج دارة ثالثة بلون أخضر عند التركيزات المنخفضة من تلك المادة. ولهذه الغاية يقوم المهندسون بإدخال هذه الدارات داخل ثلاثة مستنبتات بكتيرية منفصلة. وفي التربة التي تعلو اللَّغَم (في الأسفل) تتناقص مادة TNT  بتدرج دائري. وهكذا فإن مزيج الخلايا المعدَّلة altered سيولِّد شكل عين ثور  متفلورة تتمركز فوق اللغم.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003064.jpg

مِكشاف TNT قيد العمل

يستخدم أحد تصاميم دارة الحَوْذان الجينية أربعة أجزاء متآثرة وهي: محس sensor وعتبة عليا upper threshold وعتبة دنيا lower thresholdومحوِّلة inverter. ولكل جزء من هذه الأجزاء سلوكه المتميز؛ إذ إن كمية الخَرْج الپروتيني الذي يولده تختلف باختلاف كمية پروتين الدَّخْل الذي يستقبله. وفي الرسم التخطيطي (في الأسفل) الذي يخص دارة حمراء التألق، توضح الرسوم البيانية كيف يعدل كل جزء خَرْجه فوق المدى الكامل لتراكيز المادة TNT. [ونشير إلى أن الأشكال الهندسية في هذا الرسم تعكس مستويات الخَرْج حينما يكون تركيز المادة TNT  في مستواه «الحلو»، ولنقل 44 في المئة].

المحوِّلة

تحتوي على الجينات التي لا تعبر عن الپروتينات المتفلورة إلا حينما تكون إشارات الدَّخْل الصادر عن العتبتين (الواردتين في الأعلى) منخفضة، ويكون دَخْلها (المُخَمَّسات) هو مجموع الإشارة الپروتينية المتولدة من العتبة الدنيا ومعها الإشارة المتولدة من الجزء الأخير من العتبة العليا. ولا يكون خرج المحوِّلة (أي الپروتين الأحمر المتفلور) عاليا إلا حينما يكون دَخْلها منخفضا (عند تراكيز للمادة TNT حول 44 في المئة).

العتبة العليا

تستقبل من المحس الإشارة الأضعف، ويبدأ الخَرْج الصادر عن الجينة الأولى في هذا الجزء بالانخفاض على نحو مثير ولكنه يظل عاليا حينما تكون مستويات المادة TNT 4 في المئة. أما الجينة التالية في هذه السلسلة فإنها ببساطة تقلب أي إشارة تولِّدها الجينة الأولى مهما كان نوعها. وهكذا، فعند تركيز 4 في المئة من المادة TNT  ترسل العتبة العليا كمية قليلة جدا من الپروتين نحو الجزء التالي لها (وهو المحوِّلة).

المِحَس

يبعث إشارتين تتناسبان طردا مع كمية المادة TNT داخل الخلية على وجه التقريب. ومن المهم أن الإشارتين غير متساويتين؛ فعند مستوى 44 في المئة من المادة TNT لا تولِّد إحدى جينات المحس (باللون الأرجواني القاتم) إلا نصف كمية الپروتين (المربعات) التي تولدها الجينة الأخرى (باللون الأرجواني الخفيف).

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003065.jpg

العتبة الدنيا

تبث نقيض إشارة دَخْلها (المثلثات)، الذي هو الپروتين الذي يولده المحسُّ على نحو وفير. ويبدأ خرج هذا الجزء بالتناقص الشديد عند مستويات للدنا TNT تراوح حول 1 في المئة. أما عند مستوى 44 في المئة من المادةTNT، فإن هذا الجزء لا يكاد يولد أي پروتين يرسله إلى المحوِّلة.

 

الحياة، ولكن ليس تماما كما نعرفها(*********)

لقد أخذت الحياة على الأرض كمّاً هائلا من الأشكال، ولكن جميع أنواعها الحية تنبعث من المكونات الجزيئية ذاتها، التي تتمثل في: خمسة نيوكليوتيدات تُشكل لبنات بناء الدنا DNA والرنا RNA، إضافة إلى الحموض الأمينية العشرين التي هي لبنات بناء الپروتينات. [وثمة حمضان أمينيان إضافيان على الأقل تصنعهما قلة من الأنواع الحية الشاذة]. وتحدد هذه المكونات التفاعلات الكيميائية التي يمكن أن تحدث داخل الخلايا، ومن ثم فهي تقيد ما يمكن أن تفعله الحياة.

لقد تم تخفيف ذلك القيد في عام 2001، ربما لأول مرة خلال أكثر من ثلاثة بلايين سنة. فبعد سنوات من المحاولة استطاع أخيرا <L. وانگ> و<P. شولتز> ومعاونوهما [في معهد سكرپس للأبحاث في لاهويا بكاليفورنيا] أن يضيفوا إلى بكتيرة الإشريكية القولونية (E. coli) جميع المكونات الجينية التي تحل كود decode  التتالي الثلاثي النيوكليوتيدي(TAG)(9) للدنا وصولا إلى أنواع مختلفة من حموض أمينية غير طبيعية.

لقد كانت هذه خطوة فاصلة ولكنها مرحلية، لأن الحموض الأمينية نفسها ذات استخدامات قليلة نسبيا. فالهدف الحقيقي يتمثل في تحوير الخلايا بحيث لا تكتفي بتركيب حموض أمينية صنعية فحسب، بل كذلك بحبكها مع الحموض الأمينية الطبيعية من أجل صنع پروتينات لا يستطيع صناعتها أي شكل آخر من أشكال الحياة. وقد أعلنت مجموعة <شولتز> في عام 2003 أنها حققت ذلك تماما مع الإشريكية القولونية. كما ذكرت المجموعة ذاتها في الشهر 8 من ذلك العام تخليقها شكلا من الخميرة يحمل قُدرات مشابهة.

ويشير <T. كروپ> [وهو بيولوجي من مختبر <شولتز>] إلى أن «آلية الترجمة [التي تقرأ الرنا لتصنع پروتينات] في الخميرة تشبه جدا آلية الترجمة لدى البشر. لقد أنتجنا حتى الآن ستة أصناف من حموض أمينية غير طبيعية في الخميرة.» وقد شرع العلماء في تكييف هذه المنظومات لتعمل في خلايا كلية الإنسان وفي الديدان الحلقيةroundworms. ويضيف <كروپ>: «إننا قريبون جدا من الحصول على منظومة تستطيع أن تصنع حمضيْن غير طبيعيين مختلفين، ثم تدخلهما في الپروتين ذاته، وهذا أمر بالغ الصعوبة، لأن الخلية كي تفعل ذلك يجب عليها أن تحل كود متتالية للدنا مؤلفة من أربعة نيوكليوتيدات،» وهذا شأن، كما يعرف، الجميع لم تفعله بعد خلية على الإطلاق.

ويقترح <B. ديڤيز> [من مؤسسة جنوب كاليفورنيا للأبحاث في لاهويا] قائلا: «قد يستحث هذا الإنجاز تطويرات ذات إمكانات حيوية طبية نفيسة جدا.» فهو يتصور كريات دم بيضاء تستطيع صنع پروتينات مستحدثة لتدمير المُمْرِضات (العوامل الممرضة) pathogens  أو الخلايا السرطانية بسرعة كبيرة. ويقول <كروپ> إن هذه التقانة تقوم الآن بإنتاج أدوات بحثية، مثل الپروتينات التي تتضمن حموضا أمينية متفلورة، أو تلك التي تغير سلوكها حين تعرضها للضوء؛ ثم يعلق <كروپ>: «إنها تسمح لنا بربط پوليمرات بپروتينات علاجية تجعلها أفضل عملا كعقاقير.»

وكذلك انخرط البيولوجيون التركيبيون، بكل همة ونشاط، في «العبث» بأشكال غير طبيعية من الدنا. فقد أوجد <S. بينَر> ورفاقه [في جامعة فلوريدا] ألفبائية جينية ذات ستة أحرف منذ ما ينوف على عقد من الزمن، وقد استُخدمت مؤخرا لإيجاد اختبار سريع لڤيروس السارس SARS. ويقول

<J. زوستاك> [من مستشفى ماساتشوستس العام] «إننا نتعامل الآن مع ضرب من الدنا يدعى TNA  (حيث حل محل الريبوز سكرٌ أبسط منه بقليل).» ويعد هذا الضرب من الدنا، وكذلك الxDNA الذي كوّنه  <E. كول> [من جامعة ستانفورد]، أكثر استقرارا من الدنا، الأمر الذي يجعلهما أكثر ملاءمة كوسط لإعادة برمجة الخلايا. ولكن سيكون على العلماء بادئ ذي بدء أن يجعلوهما صالحيْن للعمل داخل المُتَعَضِّيات (الكائنات) الحية.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003066.jpg

السُلم اللولبي للدنا DNA [فوق، إلى اليسار ـ كما يُرى في منظر جانبي ومن أعلاه] قد لا يكون هو الجزيء العملاق macromolecule الوحيد القادر على اختزان الصور الأصلية blueprints للمتعضيات الحية. فالعلماء يُجرون تجاربهم على حموض نووية شبه صُنعية، من قبيل xDNA [في اليمين]، تكون أكثر ثباتا من الدنا، ومن ثم أقل تعرضا للطفور.

 

 

يقول <ڤنتر>، الذي قاد لبضع سنين مشروعا لتحديد أصغر مجموعة جينات مطلوبة لِبُقْيا(10) البكتيرة Mycoplasma genitalium: «أصبح تركيب صبغي (كروموسوم) كبير أمرا ممكنا. أما ما لا نعرفه فيتمثل فيما إذا كنا نستطيع أن نُدخل ذلك الصبغي إلى خلية وأن نحوّل منظومة تشغيل هذه الخلية لتعمل بحسب تعليمات الصبغي الجديد. سيكون علينا فهم الحياة عند أعمق مستوياتها الأساسية، وما أبعدنا عن بلوغ ذلك.»

 

إن تخليق ڤيروسٍ ما حرفا بحرف لا يكشف الكثير عن ماهيته، ولكن ماذا لو تم تحليل الجينوم إلى جيناته المكوِّنة له، ثم أعيد تجميعها على نحو منهجي يفهمه مهندسو البيولوجيا التركيبية؟ وهذا بالذات ما يفعله <إندي>وزملاؤه فيما يخص لاقمة البكتيرات T7. ويروي <إندي>قائلا: «لقد أعدنا بناء اللاقمةT7؛ لا بإعادة تركيبها فحسب، بل بإعادة هندسة جينومها ثم تركيبه.» وها هم العلماء يفصلون الجينات المتراكبة ويستبعدون الفوائض الزائدة عن الحاجة وهلم جرا. ولقد استكملت المجموعة نحو 11500 من القواعد حتى الآن، وتتوقع إنجاز القواعد المتبقية، البالغة 30 000 زوج (شفع) مع نهاية هذا العام (2004).

 

آخر مراحل اختبار الحياة التركيبية(**********)

لقد نجح البيولوجيون التركيبيون حتى الآن في بناء منظومات جينية حية تصلح كتجارب مختبرية أو تحضيرات للعرض. بيد أن عددا من مختبرات الأبحاث شرع يعمل في المجالات التطبيقية؛ فقد تحول <M. فوسينگر> وزملاؤه [في ETH Zurich] من العمل على البكتيرات إلى العمل على الثدييات، فهم قد عمدوا في عام 2003 إلى تشريب خلايا الهامستر بشبكات من جينات ذات نوع من التحكم الحجمي؛ بمعنى أن إضافة كميات صغيرة من مضادات حيوية (صادَّات) antibiotics مختلفة قد جعل مقدار إنتاج الجينات التركيبية فيها قليلا أو متوسطا أو كثيرا. ويمكن للتحكم في التعبير الجيني gene expression  بهذه  الطريقة أن يثبت فائدته في العلاجات الجينية وفي تصنيع الپروتينات الصيدلانية.

 

من المحتمل أن تحظى الآلات الحية بأول استخداماتها في المهمات التي تتطلب كيمياء حاذقة، مثل استكشاف الذيفانات (التوكسينات) أو تركيب العقاقير. ففي عام 2003 ابتكر <H. هيلينگا> [من جامعة ديوك] طريقة لإعادة تصميم redesign پروتينات محساسية sensor طبيعية في الإشريكية القولونية، بحيث تستطيع هذه الپروتينات أن تعلق بالمادة TNT أو بأي مركب آخر يعنينا بدلا من أهدافها targets الطبيعية. ويقول <ڤايس>إنه ناقش مع <هيلينگا> موضوع دمج دارة حَوْذانٍ جينية Goldilocks genetic circuit مع محس <هيلينكا> بغية صنع مِكْشافات للألغام الأرضية.

 

«الناس في هذا الصف سعداء، ويقيمون أشياء جيدة بنّاءة بدلا من أنواع جديدة

من الڤيروسات أو الأسلحة البيولوجية.»

<D. إندي> المعهد [M.I.T]

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N10-11_H02_003067.jpg

 

ويذكر <J. كيسلنگ> ـ الذي أنشأ مؤخرا قسما للبيولوجيا التركيبية في مختبر لورانس بيركلي الوطني (LBNL) ـ أن مجموعته هندست شبكة كبيرة من جينات نبات الأرتيميزيا (الشّيح الرومي) والخميرة داخل الإشريكية القولونية. وهذه الدارة تمكن البكتيرة من صنع طليعة كيماوية للأرتيميزينين artemisinin، وهو عقار مضاد للملاريا من الجيل التالي، باهظ الثمن حاليا بالنسبة إلى دول العالم النامي التي هي في أمس الحاجة إليه.

 

ويقول <كيسلنگ> إن ثلاث سنوات من العمل قد زادت الحصيلة مليون مرة. وبزيادتها من 25 إلى 50 ضعفا آخر سنكون، حسبما يقول، «قادرين على إنتاج كوكتيلات عقاقير ثنائية مبنية على الأرتيميزينين لصالح العالم الثالث وبعُشْر السعر الحالي.» هذا ويمكن بتحويرات بسيطة نسبيا تغيير البكتيرات المهندَسة، بحيث تنتج كيماويات غالية الثمن تستخدم في العطور والمنكِّهات وعقار السرطان المعروف باسم تاكسول Taxol.

 

واليوم يستخدم علماء آخرون في المختبر LBNL الإشريكية القولونية للمساعدة على التخلص من النفايات النووية ومن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية كذلك. فثمة فريق يقوم بتحوير حس «الشم» لدى البكتيرات، بحيث تسعى نحو عامِل أعصابٍ ما مثل VX وتهضمه. ويقول <كيسلنگ>: «لقد هندسْنا الإشريكية القولونية والپسودوموناس أيروجينوسا (الزائفة الزنجارية) Pseudomonas aeruginosa، بحيث ترسِّب الفلزات الثقيلة واليورانيوم والپلوتونيوم على جُدُرها الخلوية. وحالما تُراكم هذه الخلايا تلك الفلزات، تترسب تاركة مياه صرف صحي معالجة.»

 

إنها جميعا أهداف قيمة، ولكن إذا ما انتابك شيء من الانزعاج حينما تفكر في أن طلبة لم يتخرجوا بعد يُخلِّقون أنواعا جديدة من الجراثيم، وأن مختبرات خاصة تركّب ڤيروسات، وأن بعض العلماء ينشرون أبحاثا عن كيفية استخدام البكتيرات في جمع الپلوتونيوم، فإنك لن تكون وحيدا في الميدان.

 

في عام 1975 طالب بيولوجيون بارزون بفرض حظر مؤقت على استخدام تقانة الدنا المؤشب recombinant-DNA، وعقدوا مؤتمرا في قاعة مؤتمرات أسيلومار بكاليفورنيا لمناقشة كيفية تنظيم استخدام تلك التقانة. ويبدو أن الرقابة الذاتية قد نجحت؛ إذ لم يحدث عارض رئيسي واحد من استخدام المتعضيات (الكائنات) الحية المهندسة وراثيا، ولكن <إندي> يستدرك قائلا: «لقد ظهرت ثلاثة أشياء غيَّرت المشهد: أولا، أصبح الآن بإمكان أي فرد أن ينسخdownload متتاليات الدنا الخاصة بجينات ذيفان الجمرة الخبيثة (الأنثراكس) أو تلك الخاصة بأي عدد من الأشياء السيئة. وثانيا، غدا باستطاعة أي فرد شراء الدنا التركيبي من شركات تعمل عبر الساحل off-shore، وثالثا، أصبحنا اليوم أشد خشية من ذي قبل من سوء التطبيق المتعمد.»

 

إذًا، كيف يواجه المجتمع بطريقة ما أخطار كل تقانة جديدة بدون حرمان نفسه من جميع فوائدها؟ ويوحي <إندي>بهذا الصدد بأن «الإنترنت شاهد على ذلك، إذ توجد أعداد من الناس ممن يريدون استمرار هذه التقانة تفوق أعداد من يريدون زوالها.» وهو يبرز صورة فوتوگرافية لصف الطلبة الذين كان يعلمهم في عام 2003، ثم يتابع قائلا: «انظروا كيف أن الناس في هذا الصف سعداء، ويقيمون أشياء جيدة بناءة بدلا من أنواع جديدة من الڤيروسات أو الأسلحة البيولوجية. وفي النهاية، نحن نتعامل مع أخطار التقانة البيولوجية عن طريق خلق مجتمع يستطيع استخدام هذه التقانة على نحو بنّاء.»

 

ولكن <إندي> يعتقد كذلك أن عقد اجتماع يتصدى لمشكلات محتملة أمر معقول. فهو يقول: «أظن أنه من المناسب تماما عقد اجتماع مثل اجتماع أسيلومار لمناقشة الحالة الراهنة والمستقبلية للتقانة البيولوجية.» وفي الشهر 6 / 2004 يُفترض أن زعماء هذا الميدان ـ في أثناء اجتماعهم لتبادل أحدث الأفكار في شأن ما يمكن تكوينه ـ كرسوا كذلك بعض فكرهم فيما لا يجوز تكوينه.

 

المؤلف

W. Wayt Gibbs

كاتب رئيسي في ساينتفيك أمريكان.

مراجع للاستزادة 

An Expanded Eukaryotic Genetic Code. Jason W. Chin et al. in Science, Vol. 301, pages 964-967; August 15, 2003.

Genetic Circuit Building Blocks for Cellular Computation, Communications, and Signal Processing. Ron Weiss et al. in Natural Computing, Vol. 2, No. 1, pages 47-84; 2003.

The M. I. T. Synthetic Biology Working Group: syntheticblology.org

The M. I. T. Registry of Standard Biological Parts: pares.mit.edu

Scientific American, May 2004

 

(*) SYNTHETIC LIFE أو حياة صنعية.

(**) A Light Blinks On

(***) Building with BioBricks

(****) Overview/ Synthetic Biology

(*****) Hijacking Cells

(******) How A Genetic Part Works

(*******) Rewriting the Book of Life

(********) Building A Genetic Machine

(*********) Life, but Not [Exactly] as We Know It

(**********) Beta-Testing Life 2.0

 

(1) نبات عشبي معمَّر، من الفصيلة المركبة، شديد المرارة، كان يستعمل طاردا للديدان وخافضا للحرارة ومدرا للبول، ولإكساب بعض المشروبات الكحولية نكهة مرة. اسمه العلمي Artemisia absinthium، ويعرف في العربية بأسماء أخرى، منها: عشبة مريم، والأَفْسنتين، وشيح الربيع (وخطأ باسم: دَمْسيسة).

(2) جمع بكتيرة bacterium. (التحرير)

(3) toggle switch: مفتاح (قاطع) صغير يُشَغِّله ذراع بارز يساعده نابض ليؤمن فتح الدارة (الكهربائية) أو غلقها بسرعة. (التحرير)

(4) من الجبر البولياني، وثيق الارتباط بالمنطق ـ وفيه لا تدل الرموز على قيم حسابية. وهو منسوب إلى عالم الرياضيات البريطاني <جورج بول> (1864 – 1815). (التحرير)

(5) [انظر: “Cybernetic Cells” Scientific American, August 2001].

(6) يطلق اسم goldilocks على نوعين مختلفين تماما من النبات، أحدهما ينتمي إلى جنس «أسطير» Aster من الفصيلة المركبة، والآخر إلى جنس «الشقائق» Ranunculus من فصيلة الRanunculaceae، وكلاهما يحمل نورات أو أزهارا صفراء. كما يطلق وصف goldilocks على ذوي الشعر الذهبي.

(7) ڤيروس يتطفل على بعض البكتيرات ويؤدي إلى تخريب غشائها الخلوي، ومن ثم موتها.

(8) bases أو أسس. (التحرير)

(9) القواعد الثلاث: الثيمين (T)، الأدينين (A)، الگوانين (G).

(10) البقاء على قيد الحياة. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى