أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

فصيلة الخيليات البرية المهدَّدة بالانقراض

فصيلة الخيليات البرية المهدَّدة بالانقراض(*)

يجري قتل الخيليات البرية (الحمير والأفراس وحمير الزَّرَد)

من أجل اللحم والدواء والمال. ومع تلاشي مواطنها البيئية

وبطء تكاثرها فإن هذا القتل يهدد الجماعات المتبقية منها.

<D .P. مولمان>

 

منذ الزمن الذي رسم فيه أسلافنا على جُدُر الكهوف، فإن جمال الأفراس وسرعتها قد أسرتا خيالنا. ففي هذه الفترة منذ نحو 000 20 – 000 25 سنة كانت فصيلة الخيليات(1) من أكثر الحيوانات العاشبة وفرة وأهمها بيئيا في مناطق الحشائش بإفريقيا وآسيا والأمريكتين. واليوم لم يتبق سوى سبعة أنواع؛ ثلاثة من الحمير وثلاثة من الزرد (الحمير الوحشية) وفرس بري واحد. وفي الوقت الحالي، يصنف الاتحاد الدولي لصيانة الطبيعة والموارد الطبيعية (IUCN) معظم هذه الأنواع ضمن الأنواع المهدَّدة (انظر الإطار في الصفحة 29).

 

يقوم البيولوجيون المختصون بالحياة البرية، بمن فيهم المجموعة التي أرأسها، والتي تختص بالخيليات ضمن الاتحاد الدولي IUCN، بدراسة الجماعات المتضائلة لمعرفة أكثر ما يمكن معرفته عن هذه الحيوانات المهمة تاريخيا، في حين أنها لاتزال تتجول بحرية. كما أننا نبحث عن وسائل لوقف اختفائها. وقد طورنا حديثا خطة تحدد أولويات الفعاليات التي ينبغي اتخاذها.

 

أسلوبان للحياة(**)

تميز دراستنا، المبنية على دراسة باحث قديم هو <H. كلنگل> [من جامعة براونشڤايگ بألمانيا] طرازين واضحين للتنظيم الاجتماعي في الخيول البرية. فالحيوانات جميعها تعيش في أراض مفتوحة، إلا أن مواطنها البيئية تراوح بين صحراء جافة وسهول تكسوها الحشائش تزودها أمطار متوسطة المعدل. إن سهولة الحصول على الغذاء والماء هي التي تحدد كيفية تنظيم هذه الحيوانات الاجتماعية لنفسها من أجل التماس الكلأ والتزاوج وتربية الصغار.

 

في مناطق الحشائش grasslands، مثل سهول سرنگيتي بتنزانيا، تسمح وفرة الكلأ والماء للإناث بالاغتذاء مع بعضها، ومن ثم تكوين مجموعات ثابتة. ويحتفظ الذَّكَر الذي يستطيع منع الذكور الأخرى من الدخول إلى هذه المجموعة بحقه المطلق في التزاوج مع جميع الإناث. ويطلق على هذا النظام اسم «الحريم» أو «الأسرة». أما في البيئات الجافة، كما في صحراء داناكيل بأثيوبيا وأريتريا، فإن إمدادات الغذاء المبعثرة والماء المحدود لا يسمحان للإناث بأن تغتذي بالقرب من بعضها أو أن تكوِّن مجموعات ثابتة، ويقوم كل حيوان يافع بالبحث عن الغذاء بمفرده، ويؤسس الذكر منطقة نفوذه بالقرب من مصدر الماء أو الغذاء ويحتفظ بحقوقه في التزاوج مع جميع الإناث التي تتردد على منطقته للشرب أو الاغتذاء.

 

في نظام «الحريم» تتكون المجموعات عادة من ذكر واحد يافع وأنثى أو أكثر وصغارهما، وتعيش الذكور الأخرى في مجموعات «عزابية» bachelor. وغالبا ما تبقى الإناث اليافعة مع بعضها طوال عمرها، غير أن فحل الحريم يمكن طرده بوساطة ذكر آخر، ويتوقف ذلك على عمره وقدرته القتالية وعدد منافسيه. وتبقى ولائد كل مجموعة معها لمدة سنتين أو ثلاث سنوات قبل أن تتركها وتتفرق، وعادة ما تترك الإناث الصغيرة أسرتها أثناد الوِداق الأول(2) first estrusلتلتحق بأسر أخرى، في حين تبقى الذكور الصغيرة عدة سنوات أخرى قبل أن ترحل بحثا عن مجموعات عزابية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003944.jpg

حمير برية إفريقية تقف على منحدر صخري في إريتريا. إن هذه الذكور الفتية تبدي

نمطًا فريدًا من الخطوط على أرجلهآ يمكّن الباحثين من تعرف أفرادها.

 

إن استراتيجية «الحريم» التي تتبعها عادة زرد السهول والجبال، والأفراس البرية feral horses، غالبا ما توفر بيئة آمنة نسبيا يمكن أن تزدهر فيها الأمهات وصغارها. ويقلل وجود الفحل السائد كثيرا من التحرشات التي تمارسها الذكور العزاب التي تطارد الإناث وتحاول التزاوج معها. إن هذه التحرشات قد تكون مميتة، فهي تعوق قدرة الإناث على الاغتذاء، وقد تؤدي إلى إجهاضها وقتل الصغار. إن المجموعات المستقرة الثابتة ووجود الفحل يساعدان أيضا على الدفاع ضد الضواري من الذئاب والأسود والضباع.

 

وعلى النقيض من ذلك، ففي البيئات الجافة تنحصر التجمعات الطويلة الأجل في أنثى واحدة مع صغارها التي قد لا تتجاوز مُهرا foal واحدا، أو مهرا وحيوانا حوليا yearling. ولا توجد روابط دائمة بين الأفراد اليافعة، وإن كانت تشكل أحيانا مجموعات مؤقتة. وتنظم الحمير البرية والوحشية الإفريقية وزرد گريڤي Grevy’s Zebra والحمير البرية الآسيوية نفسها بهذا الأسلوب الاجتماعي القصير الأجل في وجود ذكر سائد يتحكم في منطقة نفوذ قريبة من مورد بيئي مهم. ويمكن أن يسيطر فحل المنطقة على منطقة نفوذه عدة سنوات، وأن يسمح بوجود الذكور والإناث على أرضه، ولكنه الوحيد الذي يمكن أن يتزاوج مع أي أنثى تغامر بالدخول إلى مملكته.

 

إن التحكم في الوصول إلى الماء أمر حاسم، فالإناث المرضعة تحتاج إلى شرب الماء مرة في اليوم على الأقل، ولذلك فهي تبقى قريبة جدا من برك وجداول الماء قدر الإمكان. وتصل الأنثى إلى وداقها (دورتها النزوية) بعد أسبوع أو أسبوعين من الإنجاب، وإذا لم يتم إخصابها في هذه الفترة فإنها تصل إلى هذه الدورة بعد نحو شهر آخر. وعلى ذلك فإن ذكر المنطقة تكون لديه عدة فرص ليكون أبا لأبناء جدد. وتستفيد الإناث بدورها، ليس فقط من الوصول إلى الماء، بل أيضا من الحد من تحرش الذكور العزاب بها، وتوفير حماية أفضل من الضواري.

 

وأيا كان نظام التزاوج، سواء بنظام المنطقة أو بنظام الحريم، فإن الخيليات البرية جميعها لا تنجب أول نسلها إلا بعد أن تبلغ السنة الرابعة أو الخامسة من عمرها، وبعد ذلك تتكاثر مرة كل سنتين حتى نهاية عمرها الذي يصل إلى نحو 16 سنة. وعلى الرغم من قدرتها البيولوجية على إنتاج مهر كل سنة فإنها نادرا ما تفعل ذلك، حيث يحدّ الكفاح من أجل الحصول على الغذاء والماء من التكاثر. وتقوم الخيليات البرية بتربية نسلها القليل وإحاطته بالرعاية الأبوية ـ اللبن وتوفير الماء والغذاء والحماية من الضواري. إن هذا النوع من المقايضة يمكن أن يشكل استراتيجية تكاثرية جيدة، وقد أثبتت نجاحا بالنسبة إلى الخيليات لقرون طويلة، إلا أنها تخذل الحيوانات عندما تؤدي الظروف إلى معدلات وفيات عالية، مثل تلك الهجمات التي يشنها الصيادون حاليا على الخيليات بحثا عن الطعام والدواء وتجارة الجلود.

 

واليوم تتأثر معدلات الوفيات أيضا بفقد المواطن البيئية وقلة المتاح من العلف والماء. وغالبا ما تضطر الإناث وولائدها الصغار الآن إلى العيش بعيدا عن الماء، وهذا يعني أن القليل من الولائد هو الذي تكتب له البقيا ليعوض النقص في التعداد. وجدير بالذكر أن الجماعة القليلة العدد أقل مَنَعة من الجماعة الكبيرة، حيث إن التعرض لظروف جوية أو مَرَضية قاسية يمكن أن يقضي تماما على مجموعة معزولة جغرافيا.

 

إن الذين يحاولون منا رصد الاتجاهات لدى الجماعات يواجهون مهمة معقدة، ليس فقط لأن الأعداد ـ القليلة عادة ـ من الخيليات التي تعيش في منطقة ما تجعل التقنيات المألوفة لأخذ العينات أقل فاعلية، ولكن أيضا لأن أنواعا كثيرة تعيش في مناطق صعبة تجعل الوصول إليها تحديا كبيرا. ويقدم بحثي عن الحمار البري الإفريقي (إكيوس أفريكانوس Equus africanus) مثالا على ذلك.

 

نظرة إجمالية/ الحفاظ على فصيلة الخيليات(***)

▪ يوما ما كانت الخيول والحمير والزرد البرية من أكثر الحيوانات العاشبة عددا في إفريقيا وآسيا. والآن لم يتبق منها سوى سبعة أنواع ومعظمها مهدد.

▪ ربما تكون الجماعات البشرية ـ التي تصارع هي أيضا من أجل البقيا ـ أكبر تهديد للخيليات بالقتل المباشر والتعدي على مواطنها البيئية.

▪ الاندثار هو احتمال حقيقي يمكن أن يلحق بهذه الحيوانات المهددة، لأن الخيليات البرية بطيئة التكاثر.

▪ يضاعف الباحثون جهودهم لمعرفة أسلوب حياة هذه الحيوانات، ويبحثون عن وسائل للحفاظ عليها في مواطنها الطبيعية.

 

نوع الخيليات الأكثر تعرضا للتهديد في العالم(****)

تمثل صحراء داناكيل في القرن الإفريقي بيئة رهيبة قاسية، حتى إنها بمقاييس الصحراء شديدة الجفاف؛ إذ يصل متوسط سقوط الأمطار بها في أحسن السنوات إلى أربع بوصات فقط. وتتخلل جبالها وتلالها المكونة من الحمم البركانية الخشنة أوديةٌ ضيقة ذات تربة قلوية تؤوي القليل من الحشائش والجنبات.

 

وعندما بدأت بالبحث عن الحمار البري الإفريقي في صحراء داناكيل عام 1994 لم تكن هناك أي مشاهد سُجلت على مدار 20 عاما سابقة. ومنذ بحثي المبكر في كاليفورنيا خلال السبعينات عن الحمار الوحشي في وادي الموت، كنت شغوفة بدراسة أسلافه التي تعيش في الجبال الصحراوية بإفريقيا. وأخيرا، فأنا الآن في سبيلي إلى البحث عنها، أو بمعنى أدق في معرفة ما إذا ظلت باقية.

 

لقد عملت مع الأفراد المحليين المسؤولين عن الحفاظ على الأحياء البرية ـ <F. كيبيدي> [من المنظمة الأثيوبية للحفاظ على الأحياء البرية] و<H. يوهانيس> [من الوحدة الأريترية للحفاظ على الأحياء البرية]. وسرعان ما تبين لنا بوضوح أنه على الرغم من أن عددا قليلا جدا من الحمير البرية مازال باقيا، فإن الرعاة العَفَاريين المحليين كانوا يعلمون أين يمكننا العثور على هذه الحيوانات المراوغة. وفي أريتريا، وبصحبة مرشد من عفار اسمه عمر، قمنا برحلات صعبة دامت أياما طويلة في ظروف شديدة الحرارة والجفاف. وأخيرا قادنا عمر في صبيحة أحد الأيام خلال التلال البازلتية إلى هضبة مسير Messir Plateau. وهناك عثرنا على أنثى ومُهرها (فِلْوها) وذكر واحد، وكانت جميعها ترعى بالقرب من رعاة عفاريين إلى جانب أغنامهم ومعزهم.

 

أخر فصيلة الخيليات البرية (*****)

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003945.jpg

ستة أنواع فقط من الخيليات هي المتبقية في البرية: ثلاثة حمير، وثلاثة حمير زرد. وهناك نوع سابع هو فرس پرزِيوَالسكي (أو التاخي) اندثر من الحياة البرية. ولكن هناك برامج جادة تسعى إلى إعادة إدخال هذه الحيوانات، التي حفظت في حدائق الحيوان والمتنزهات العامة، إلى مواطنها الأصلية في منغوليا. وتشير المساحات الملونة إلى أمكنة وجودها الحالية.

 

منذ ذلك اليوم المثير، تعرفتُ وزملائي على 45 حمارا على الأقل تقطن الهضبة، تدين في استمرار بقائها وكثافتها العالية بدرجة كبيرة إلى الرعاة العفاريين في أريتريا. فهؤلاء الناس يتقاسمون تقليديا أرضهم ومواردهم مع الأحياء البرية ولا يؤذونها. وبمجرد علمهم بما أقوم به وزملائي من عمل بدؤوا بالمساعدة. والآن عندما نصل إلى قريتهم لرحلة بحثية يقومون بجمع ثلاثة إبل لحمل أمتعتنا، ومعداتنا للمخيم، والغذاء والماء، ونسير معا إلى قمة الهضبة لنقيم مخيمنا؛ ثم يأتي إلينا مرة كل يومين رجل يقود جملا ليزودنا بأربعة «جراكن» پلاستيكية تحتوي على 160 لترا من الماء. وتسمح لنا هذه المساعدات بالقيام بدراستنا الحقلية سيرا على الأقدام في وسط أفضل المناطق التي تؤوي الحمار البري الإفريقي.

 

إن مجرد العثور على هذا الحيوان النادر والمراوغ يعتبر إنجازا. فخلال العشرين عاما التي انقضت منذ بدء تسجيل جماعات الحمير البرية في داناكيل، تشير تقاريرنا إلى أن أعدادها قد انخفضت بأكثر من 90 في المئة ويصنفها الاتحاد الدولي IUCN بأنها مهددة لدرجة حرجة، إذ لم يبق منها في البرية سوى أقل من 1000 (بما فيها ال45 التي رصدناها). ويمكننا القول بأن الحمير الخمسة والأربعين التي رصدناها كانت أفرادا متباينة، لأن كل حيوان منها له نمطه الفريد في الخطوط الموجودة على أرجله. وهكذا كان بإمكاننا تتبع تحركاتها وتآثراتها الاجتماعية وبقياها، كما أمكننا اقتفاء ومتابعة الحالة التكاثرية للأنثى وعدد مرات ولادتها ومصير صغارها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003946.jpg

جماعة من الحمير البرية الإفريقية المهددة بدرجة حرجة، بدأت حاليا بالتزايد في أريتريا نتيجة الدعم الحكومي وتحلي السكان العفاريين المحليين بأخلاقيات الحفاظ على البيئة، ومشاركتهم مواردهم مع الأحياء البرية.

 

إن ما كشفنا عنه حتى الآن هو أن سلوك هذه الحيوانات سلوك نمطي لفصيلة الخيليات التي تعيش في المواطن البيئية الجافة. فالذكور السائدة تحافظ على مناطق تزاوجها، والمجموعة الوحيدة الثابتة اجتماعيا هي الأم وصغارها. وأحيانا ما تشكل مجموعات صغيرة مؤقتة تضم أقل من خمسة أفراد يافعة. وتختلف هذه المجموعات في تركيبها اختلافا كبيرا، فهي تراوح بين مجموعات تضم أفرادا يافعة من جنس واحد وبين مجموعات مختلطة من ذكور وإناث من جميع الأعمار. وقد تتحرك إناث تنتمي إلى المرحلة التكاثرية نفسها ـ أمهات مرضعة مع صغارها على سبيل المثال ـ وذلك بصفة مؤقتة للبحث معا عن الكلأ. ولكن التنافس بين الإناث على الكلأ القليل ربما يحد من قدرتها على تكوين ارتباطات طويلة الأمد.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003947.jpg

يعيش نوع مختلف من الحمار البري، وهو الكيانگ، في إقليم الحشائش القصيرة في هضبة التبت، على ارتفاعات لا تبلغها أي خيليات أخرى.

 

عندما تصل الذكور إلى عمر سنتين أو ثلاث سنوات لا نراها مرة أخرى في منطقة الدراسة. ويفترض أنها تنتشر في مناطق أخرى، وهذا يشير إلى أن تزاوج المجموعة فيما بينها أمر غير محتمل، أما الإناث الصغيرة فإنها تبقى مع أمهاتها إلى أن تبدأ بإنتاج ولائدها.

 

أما عن نتائج بحثنا عن بيولوجية التكاثر فهي مازالت محددة، ولكنها تشير إلى أن الإناث تنتج أول ولائدها وهي في عمر خمس أو ست سنوات، بدلا من الشائع بأنها تفعل ذلك في عمر أربع أو خمس سنوات، ثم بعد ذلك تلد مرة واحدة كل سنتين. وفي أثناء فترات الجفاف الطويلة قد يتأخر العمر الذي تنجب فيه الأنثى أول ولائدها. وبالمثل بالنسبة إلى الإناث الناضجة؛ ففي السنوات التي يندر فيها الكلأ تقل الولادات ويقل معدل بقيا الولائد. كما أنه في حالة زيادة معدل الوفيات بين الأفراد اليافعة لأي سبب من الأسباب كعدم كفاية التغذية أو قلة الماء أو الصيد الجائر، فإن تعداد الجماعة ينحدر لدرجة يصعب، وربما يستحيل، معها استعادته.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003948.jpg

زرد گريڤي: أم وصغيرها يمثلان الوحدة الاجتماعية الثابتة الوحيدة بين هذه الخيليات المهددة التي تعيش في المناطق الجافة شمال كينيا وأثيوبيا.

 

قدمت السنتان 1997 و 1998 دليلا حيا على الارتباط الوثيق بين التكاثر وسقوط الأمطار. فقد أدى جفاف شديد ضرب هضبة مسير عام 1997 إلى عدم إنجاب أي من الإناث أي صغار. وفي العام التالي جلب إعصار النينيو الأمطار الوفيرة لهذه المنطقة الظمأى، وأنجبت جميع الإناث صغارا بقي منها 80 في المئة على الأقل. إن إمكانية حدوث مثل هذه المعدلات العالية من الولادات وبقيا الصغار في السنوات الجيدة تشير إلى أن هضبة مسير ربما تشكل موطنا حرجا بالنسبة إلى التكاثر. وفي الحقيقة فإن هذه المنطقة تحظى بأعلى معدل كثافة عددية سجل لهذا النوع ـ نحو 50 حمارا في كل 100 كيلومتر مربع. ولكن سقوط الأمطار المتقطع يعني أن استمرار بقاء هذه الجماعة أمر مشكوك فيه.

 

خطة للبقيا(******)

على النقيض من قيام الحمار البري الإفريقي بالبحث عن غذائه في مواطنه البيئية الجافة، فإن زرد السهول(3) يجول في مناطق الحشائش الغنية في كينيا وتنزانيا وفي الجنوب حتى الطرف الإفريقي. وهو أكثر الخيليات وفرة وأوسعها انتشارا في العالم الآن، غير أن ذلك يعتمد على برامج تهدف إلى المحافظة على مواطنه البيئية وحظر صيده الجائر. وكما يتوقع المرء، فإن نظامه الاجتماعي يتبع نموذج الحريم بدلا من نموذج منطقة النفوذ. ويعيش نوع آخر من هذه الخيليات المخططة وهو زرد گريڤي(4) في موطن بيئي أشد جفافا، ويتبع في نظامه الاجتماعي والتزاوجي نموذج منطقة النفوذ الذي يميز تلك المواطن. إن زرد گريڤي نوع مهدد، لم يتبق منه سوى 2500-3000 فرد في شمال كينيا وأثيوبيا.

 

هل يمكننا إذًا أن نستنتج أن أحد النظامين الاجتماعيين يفيد البقيا أكثر من الآخر؟ ليس بالضرورة. إن فرس پرزيوالسكي أو التاخي(5) شارك زرد السهول في نظام الحريم الاجتماعي، ومع ذلك فإن هذه الأفراس اندثرت الآن من الحياة البرية (انظر الإطار في الصفحة 32).

 

لقد تبين أن تقويض الموطن البيئي وضغوط الصيد هما العاملان الأكثر أهمية في تحديد البقيا. وفي إطار خطة أعمالها لمجابهة هذه المشكلات، تعطي مجموعة خبراء الخيليات ضمن الاتحاد الدولي IUCN أولوية قصوى لمعرفة المزيد عن الحيوانات نفسها ـ بيولوجيتها الأساسية، وتحركاتها الموسمية، وتآثرها مع بقية الدواب والمواشي والدواجن، ودينامية النظم البيئية الجافة التي تعيش فيها. كما أنه من الأهمية حماية الإمدادات المائية والحد من الانتهاكات وتحسين وسائل رصد جماعات الخيليات.

 

عودة التاخي(*******)

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003949.jpg

رسم لفرس مبكر من كهف لاسكو بفرنسا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003950.jpg

يُجمّع فحل التاخي الإناث في مجموعته.

في يوم ما انتشرت الأفراس البرية في ربوع أوروبا ووسط آسيا والصين ومنغوليا، أما اليوم فلم يتبق منها سوى أعداد مبعثرة لنوع واحد هو التاخي (أكيوس فيروس پرزِيوالسكي) أو فرس پرزيوالسكي، كما يسمى في الغرب. وفي الواقع فإن هذا النوع مندثر من الحياة البرية، وكانت آخر مشاهدة مؤكدة له في صحراء جوبي جنوب غرب منغوليا في عام 1969. وأفراد التاخي التي مازالت على قيد الحياة، والتي يبلغ تعدادها 1500 وتوجد في حدائق الحيوان والمتنزهات الخاصة في أنحاء العالم، قد جرى استيلادها في الأَسْر وتنحدر من 12 سلفا تم صيدها في أوائل القرن العشرين. والآن تبذل جهود لإعادة إدخال هذه الأفراس الرائعة إلى الحياة البرية.

في عام 1992 تم نقل عدد من التاخي الحبيس، اختير ليمثل تنوعا وراثيا كبيرا قدر الإمكان (لتجنب مخاطر التزاوج الداخلي)، بطائرة نقل من أوروبا إلى موقعين في منغوليا هما تاخين تال وهوستين نورو. وتم وضعها مبدئيا في حظائر مسورة حتى تتأقلم مع ظروف شبيهة بالحياة البرية، وهي الآن تعتلف وتتزاوج على أرضها المحلية. وقد أدى نقل مجموعات تالية من هذه الأفراس وتوالدها، إضافة إلى إدخالها إلى موقع جديد تم تأسيسه عام 2004 في خومين تال، إلى زيادة العدد الكلي للتاخي في منغوليا إلى 250. ومنذ زمن <جنكيز خان> أدى الفرس دورا أساسيا في حضارة البلاد. واليوم رحب المنگوليون بهذه الرموز الحية لتراثهم، وأسهموا بدور فعال في نجاح هذه البرامج.

ومع أن التاخي يشبه الأفراس البرية التي بدأ الناس باستئناسها منذ 6000 سنة، فقد أثبتت البحوث الحديثة على الدنا DNA  أنه ليس سلفا للفرس المستأنس الحديث. ففرس پرزيوالسكي يمتلك صِبْغِيَّيْن (كروموسومين) أكثر مما في الأفراس المستأنسة الحديثة، ومع ذلك يستطيع الفَرَسان التزاوج فيما بينهما وإنتاج صغار خصيبة. ولذلك فإن برامج إعادة الإدخال تحتاج إلى شدة الحذر من جهة هذا الاحتمال.

لقد علمتنا برامج إعادة الإدخال الأهمية الحاسمة لتعليم الحيوانات التي جرى احتجازها في السابق تجنب الضواري كالذئاب. كما نبهتنا هذه الحيوانات إلى المشكلات غير المتوقعة مثل التعرض للأمراض التي يحملها القراد. والأمر الأكثر أهمية أننا تعلمنا كم يكلف نقل وإعادة تأسيس جماعات جديدة. إن إنقاذ أي نوع قبل أن يندثر من الحياة البرية أمر معقول جدا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003951.jpg

ترعى أمهات التاخي والصغار في <تاخين تال> بمنغوليا، وهو أحد المواقع التي أحضرت إليها هذه الأفراس لتعود إلى بلدها الأصلية. وقد قضى الشتاء القاسي والتعرض للأمراض التي ينقلها القراد والذئاب الضارية على الكثير من صغارها.

 

يقدم الرعاة العفاريون في أريتريا، بخبرتهم الطويلة في تقاسم الموارد مع الحياة البرية، نموذجا إضافيا وضروريا، ولن تنجح أي محاولة للحفاظ على الأحياء البرية من دون مشاركة السكان المحليين. فإذا كان لهم مصلحة حيوية في حماية مواردهم والاستفادة منها ـ من الأرض والماء والكساء الخضري والأحياء البرية ـ فسيكون لديهم سبب منطقي للاستثمار في الإدارة الطويلة الأمد لهذا الموطن البيئي. وربما يتحول الدخل المتحصل من السياح، القادمين لمشاهدة هذه الحيوانات في أمكنتها الطبيعية، ليقدم الحافز المادي الأعظم للحفاظ على البيئة. ولكن يبقى على كل موقع أن يحدد أفضل استراتيجية لمجموعة موارده واحتياجاته. هذا ويمكن استثمار عائدات هذه البرامج في النهوض بالتعليم والصحة والرعاية البيطرية.

 

إن التحديات هائلة، إلا أن هذه الخطوات تقدم أفضل الفرص لبقيا هذه الحيوانات الرائعة التي ملأت قلوبنا روعة لآلاف السنين.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N3-4_H04_003952.jpg

تعيش حمير زرد السهول في مجموعات أسرية ثابتة تتكون من ذكر وعدة إناث وصغارها. وتوفر السڤانا

الإفريقية العلف الوفير الذي يسمح بتكوين مجموعات طويلة الأمد.

 

المؤلفة

Patricia D. Moehlman

حصلت على الدكتوراه من جامعة وسكونسن ـ ماديسون. درست علم البيئة السلوكية وتطور نظم التزاوج لدى الفصيلتين الخيلية والكلبية في الخمس والثلاثين سنة الماضية. وقد عملت منذ عام 1989 مع أفراد قسم الأحياء البرية والرعاة المحليين في الصومال وأثيوپيا وأريتريا للعثور على الحمار البري الإفريقي المهدد بدرجة حرجة والحفاظ عليه. وقد تضمن جزء مهم من عملها القيام بتدريب زملائها الأثيوبيين والأريتريين ـ والإشراف على دراساتهم العليا. وكعضو في الاتحاد الاستئماني للأحياء، رأست منذ العام 1997 ـ مجموعة خبراء الخيليات التابعة للجنة بقيا الأنواع ضمن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية. وقد قدمت <ماري پيرل>والصندوق الاستئماني للأحياء البرية دعما حاسما للحفاظ على الخيليات البرية. كما قدمت مؤسسة <وايتلي لاينگ> وحديقة حيوان سانت لويس وجمعية الحفاظ على الأحياء البرية والمؤسسة الإفريقية للأحياء البرية دعما ماليا مهما لحماية هذه الأنواع المهددة.

 

مراجع للاستزادة 

Horses, Asses, and Zebras in the Wild. C. P. Groves. R. Curtis Books, Hollywood, Fla., 1974.
The African Wild Ass (Equus africanus): Conservation Status in the Horn of Africa. P. D. Moehlman, F. Kebede and H. Yohannes in Applied Animal Behavior Science, Vol. 60, Nos. 2-3, pages 115-124; November 15, 1998.

Feral Asses (Equus africanus): Intraspecific Variation In Social Organization in Arid and Mesic Habitats. P. D. Moehlman in Applied Animal Behavior Science, Vol. 60, Nos. 2-3, pages 171-195; November 15, 1998.

Equids: Zebras, Asses and Horses: Status Survey and Conservation Action Plan. Edited by P. D. Moehlman. IUCN-The World Conservation Union, Gland, Switzerland, 2002.

Natural and Sexual Selection and the Evolution of Multi-level Societies: Insights from Zebras with Comparisons to Primates. D. I. Rubenstein and M. Hack in Sexual Selection in Primates: New and Comparative Perspectives. Edited by P. M. Kappeler and C. P. van Schaik. Cambridge University Press, 2004.

Equid Specialist Group at the IUCN; www.iucn.arg/themes/ssc/sgs/equid/

Scientific American, March 2005

 

(*) ENDANGERED WILD EQUIDS

(**) )Two Styles of Life

(***) Overview / Equid Conservation

(****) The World’s Most Endangered Equid

(*****) The Last Wild Equids

(******)A Plan for Survival

(*******) The Return of the Takhi

 

(1) Equids: فصيلة تشمل الحصان والحمار الوحشي (الزَّرَد) والحمار. (التحرير)

(2) وتسمى أيضا الوَدَق أو الدورة النزوية، وهي الفترة التي تحدث فيها الإباضة لدى أنثى الثدييات وتكون فيها متقبلة للجماع. (التحرير)

(3) إكيوس بورشيلّي The plains Zebra, Equus burchellii

(4) Grevy’s zebra, Equus grevyi

(5) إكيوس فيروس برزِيوَالكسي Przewalski’s horse, Equus ferus przewalskii

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى