غير مصنف

استعدادات لمواجهة وباء عالمي

استعدادات لمواجهة وباء عالمي(*)

يوما ما ستتسلل سلالة شديدة العدوى والفتك من ڤيروسات الإنفلونزا إلى جميع البشر

لتحصد ملايين الأرواح. وقد تصل هذه السلالة خلال شهور

أو تتأخر لسنوات، ولكن الوباء العالمي قادم لا محالة، فهل نحن مستعدون؟

<W.W. گيبس> ـ <Ch. سواريس>

 

عندما انهارت الحواجز الواقية في نيوأورليانز انهارت معها ثقة الأمريكيين بقدرة حكومتهم على حمايتهم من الكوارث الطبيعية أيضا، وهذا دعا <M. شيتروف> [وزير الأمن الوطني، الذي قاد عملية التصدي للإعصار على الصعيد الفدرالي] إلى وصف إعصار كاترينا والفيضان الذي رافقه «بالطامة الكبرى التي فاقت توقعات المخططين.»

 

إلا أن الفشل في الحقيقة لا يعود إلى فقدان البصيرة، فقد كان لدى السلطات المحلية والفدرالية وسلطات الولايات خطة توضح الكيفية التي ستتصرف وفقها الحكومات إذا ما اجتاح نيوأورليانز إعصار برياح تتجاوز سرعتها 120 ميلا في الساعة، وبموجات عاتية تكتسح الحواجز الطبيعية وتتجاوز قدرات مضخات المياه وتحتبس الآلاف من السكان داخل المدينة التي استباحتها مياه الفيضان، بل لقد طبقت هذه السلطات تلك الخطة عام 2004، ومع ذلك كان تنفيذ هذه الخطة في غاية السوء عندما ضرب إعصار كاترينا المدينة.

 

وقد أثارت الاستجابة المتخاذلة والسيئة التنسيق والتي لا ترقى إلى حجم الكارثة القلق حول كيفية تصدي الأمة، في الوقت الحاضر، لكارثة طبيعية أكثر شراسة وتدميرا مما حذر منه العلماء في كاترينا، وربما تحدث قريبا ونعني بها وباء الإنفلونزا العالمي. فالتهديد الذى يشكله وباء الإنفلونزا أكثر خطورة، ومقارنته بإعصار كاترينا تجعله أخطر كثيرا مما يبدو. فالاجتياحات السنوية المعتادة للإنفلونزا وللأعاصير كانت مصدرا للاعتياد عليها، وهذا يغذي الشعور بالاسترخاء والتحضير غير الكافي لمواجهة الخطر الأكبر حجما والذي يحذر الخبراء من أنه قادم لا محالة.

 

ولعل أهم ما ينبغي أن نفهمه حول الوباء الخطير للإنفلونزا، باستثناء ما هو على الصعيد الجزيئي، أن هذا المرض يحمل شبها ضئيلا بالإنفلونزا التي أُصبنا بها جميعا أحيانا؛ فأي وباء للإنفلونزا وفقا لتعريفه، لا يحدث إلا إذا تحور (تطفّر) الجهاز المناعي لڤيروس الإنفلونزا بدرجة كبيرة غير مألوفة تجعله قادرا على أن ينتقل من إنسان إلى آخر مع السعال أو العطاس أو الملامسة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001027.jpg

ويحدث وباء الإنفلونزا على نحو غير متوقع كل جيل تقريبا، وكانت الأوبئة الثلاثة الأخيرة منها قد حدثت في الأعوام 1918 و 1957 و 1968. وقد انطلقت عندما تطورت إحدى سلالاتها العديدة التي تسري باستمرار في الطيور البرية والمنزلية إلى شكل يصيب الناس بالعدوى، إذ ما يلبث هذا الڤيروس أن يتحور(1) أكثر فأكثر أو يبادل ببعض جيناته جينات سلالات ڤيروسات الإنفلونزا التي تصيب البشر لتنشأ ڤيروسات جديدة شديدة العدوى بين الناس.

 

نظرة إجمالية/ خطة مكافحة الإنفلونزا المستجدة(**)

• يحذِّر العلماء من أن وباء عالميا ناجما عن بعض سلالات الإنفلونزا المستجدة قادم لا محالة، ويمثل تهديدا خطيرا على الصحة العامة.

•  قد ينتشر الوباء حالا وقد يتأخر لعدة سنوات، فقد قتلت إنفلونزا الطيور H5N1  أكثر من 600 شخصا في آسيا، وهذا يدعو للحذر؛ فحتى لو توقفت هذه  الفاشية(2) ينبغي  الاستمرار بشبكة عالمية للترصد للتحذير من السلالات المهددة الأخرى.

•  ستصل حُقَن اللقاحات المتوافقة مع الڤيروس الجديد متأخرة جدا، وذلك للوقاية من الوباء أو لإبطاء المراحل المبكرة منه. ولكن الاستجابة السريعة بإعطاء الأدوية المضادة للڤيروسات يمكنها احتواء سلالات الإنفلونزا المستجدة في مواقع اندلاعها، ولو على نحو مؤقت، وهذا يؤدي إلى كسب بعض الوقت للاستعداد على الصعيد الدولي.

•  تعتمد شدة المرض على السلالة المسببة للوباء والاستعدادات الصحية المتوافرة.

 

وإذا كان بعض الأوبئة خفيف الوطأة فإن بعضها الآخر يتسم بالشراسة، وبخاصة عندما يتكاثر الڤيروس بطريقة أسرع من تعلم الجهاز المناعي لطريقة الدفاع عن نفسه تجاهه، وعندئذ فإنه يسبب أمراضا وخيمة، وقد يكون مميتا، وقد يؤدي إلى وباء عالمي ربما يهدد حياة أعداد من الناس في عام واحد تزيد على ما سببه الإيدز في 25 عاما. وقد حذر المختصون بالوبائيات أن الجائحة القادمة قد تصيب واحدا من بين كل ثلاثة من سكان هذا الكوكب، ما يؤدي إلى إدخال الكثير من هؤلاء المصابين إلى المستشفيات، وقتل ما بين عشرات الملايين إلى مئات الملايين منهم. ولن يفلت من شر هذا المرض بلد أو عرق أو مجموعة ذات دخل معين، ولن يكون هناك طريقة محددة لتجنب الإصابة به.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_00131.gif

 

ولا يستطيع العلماء التنبؤ أي سلالات ڤيروس الإنفلونزا هي التي ستسبب الوباء أو متى سيحدث الوباء القادم، ولكنهم يستطيعون فقط التحذير بأن ثمة وباء قادما وأن الظروف مهيأة لسلالة شرسة من سلالات الإنفلونزا تقتل الناس في آسيا وتنقل العدوى للطيور وتقترب بسرعة باتجاه أوروبا. ومع أن السلالةH5N1 من ڤيروس الإنفلونزا لم تنتقل بعد من شخص إلى آخر، فإن الڤيروس في طريقه للتطور في الوقت الذي بدأت فيه بعض أنواع الطيور المصابة هجرتها الشتوية.

 

وبتنامي الشعور بمدى إلحاح القضية، تعمل الحكومات والخبراء الصحيون على تدعيم أربعة خطوط دفاعية في وجه الوباء، هي: التقصي واللقاحات وإجراءات الاحتواء والعلاج الطبي (الدوائي). وتخطط الولايات المتحدة للإعلان عن خطة الاستعداد لمواجهة الوباء بحلول الشهر 10/2005. وتتضمن الخطة دراسة مسحية لكل خط من هذه الخطوط الدفاعية. ومع أن بعض حالات الفشل لا يمكن تجنبها، فإنه كلما كانت الاستعدادات المتخذة أكثر قوة كانت معاناة الناس أقل. وقد طرح إعصار كاترينا هذا السؤال: هل سيكون باستطاعة السلطات الالتزام بخططها حتى عندما تعطل الإنفلونزا جزءا كبيرا من القوى العاملة فيها؟

 

التقصي: ما هي الإنفلونزا حتى الآن؟(***)

يتمثل خط الدفاع الأول لمواجهة الإنفلونزا الجديدة في القدرة على توقع حدوثها. وتعمل ثلاث منظمات دولية على تنسيق الجهود المتخذة على الصعيد العالمي لاقتفاء السلالة H5N1 وغيرها من سلالات ڤيروس الإنفلونزا؛ إذ ترصد منظمة الصحة العالمية (WHO) الحالات البشرية عبر 110 مراكز مخصصة للإنفلونزا، وتتوزع هذه المراكز في 83 بلدًا؛ فيما تجمع كل من منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والمنظمة العالمية للصحة الحيوانية (OIE) [وكانت تسمى من قبل المكتب الدولي للأوبئة الحيوانية] التقارير والبلاغات حول فاشِيات الإنفلونزا بين الطيور والحيوانات الأخرى. ولكن القائمين على إدارة شبكات الترصد هذه يعترفون بأنهم مازالوا يعانون الكثير من الثغرات والبطء الشديد في عملهم.

 

وتعد السرعة أمرا جوهريا عند التعامل مع ڤيروس سريع التحرك وينتقل عن طريق الهواء، مثل ڤيروس الإنفلونزا. وقد لا يكون أمام السلطات أي فرصة للحيلولة دون انتشار الوباء المخيف ما لم تنجح في احتوائه خلال 30 يوما (انظر «الاستجابة السريعة»، في الصفحة 11). وقد بدأت دقات الساعة بالاقتراب من اللحظة التي تصبح فيها أولى ضحايا سلالات الڤيروسات الوبائية قادرة على نقل العدوى إلى غيرها.

 

ولعل الطريقة الوحيدة لاقتناص بزوغ الوباء في الوقت المناسب هي الترصد المستمر لانتشار كل فاشية ولتطور قدرات الڤيروسات. وتعمل منظمة الصحة العالمية على تقييم هذين العاملين لمعرفة أين يقع العالم حاليا ضمن دورة الوباء. ويقسِّم أحد الدلائل الإرشادية التي صدرت في الشهر 4/2005 دورة الوباء إلى ست مراحل.

 

إن فاشيات إنفلونزا البشر المحدودة والناجمة عن السلالة H5N1 التي شوهدت حتى اليوم قد رفعت مستوى التيقُّظ والحذر إلى المرحلة الثالثة، فلا يفصلها عن المرحلة السادسة التي تمثل الوباء الحقيقي سوى خطوتين. ويحاول المختصون بالڤيروسات الحصول على عينات من كل مريض جديد يصاب بالإنفلونزا الناجمة عن السلالة H5N1  لكشف علامات التحوّر في ڤيروسات الطيور، وهل أصبحت أكثر فعالية في نقل العدوى إلى البشر. فهذه السلالة تتطور في شكلين، أحدهما تطور تدريجي عبر طفرات عشوائية، والآخر تطور أكثر سرعة على شكل سلالات تبادلت جيناتها مع غيرها من السلالات ضمن أحد الطيور أو أحد البشر (انظر الإطار في الصفحة المقابلة).

 

كيف تستجد سلالات الأوبئة(****)

سلالات الطيور من الإنفلونزا A، مثل H5N1، يمكن أن تتطور عبر طريقتين إلى ڤيروس قادر على إحداث الوباء (يستطيع أن يرتبط بسهولة بحمض السياليك على سطح الخلايا البشرية): الطفرات الجينية والانتقاء الطبيعي يمكنهما أن يجعلا الڤيروس أكثر كفاءة في سعيه إلى دخول الخلية (الطريقة الأولى ـ المسار الوردي). أما الطريقة الأخرى (المسار الأصفر) فتوضح كيف يمكن لسلالتين من ڤيروس الإنفلونزا أن تصيبا بالعدوى الخلية نفسها (a)، فتطلق كلٌّ منهما ما يخصها من حمض الرنا RNA، ثم يُسْتَنْسَخ رنا كلتا السلالتين الڤيروسيتَيْن داخل نواة الخلية (b)؛ ثم يمكن للرنا من كلتا السلالتين أن يمتزجا معا، بحيث تظهر مجموعة من الجينات المتحورة (c)، وينتج من ذلك ظهور سلالة وبائية جديدة شديدة العدوى.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001028.jpg

 

وفي الولايات المتحدة نظام معقد لترصد الإنفلونزا بتجميع المعلومات حول زيارات المستشفيات بسبب أمراض شبيهة بالإنفلونزا وبسبب الوفيات الناجمة عن أمراض تنفسية وعن سلالات الإنفلونزا التي تكتشف في مختبرات الصحة العامة وتجميعها لدى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في أتلانتا. وقد قالت <L.J. جيربيردينگ> [مديرة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها] في مؤتمر عُقِد في الشهر 2/2005: «لما كان النظام لا يتمتع بسرعة كافية لعزل السلالات الڤيروسية وإجراء الحجر الصحي اللازم لمعالجة إنفلونزا الطيور، فقد وسّعنا نطاق شبكاتنا من الأطباء البشريين والبيطريين.»

 

وفي عشرات الحالات التي أصيب فيها مسافرون قدموا إلى الولايات المتحدة من بلدان آسيوية حدثت فيها إصابات بالڤيروس H5N1 بأعراض شديدة شبيهة بالإنفلونزا، أرسلت العينات على وجه السرعة إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. ويقول <A. كليموف> [الذي يعمل في الفرع المهتم بالإنفلونزا في هذه المراكز] «خلال 40 ساعة من دخول المريض إلى المستشفى نستطيع تحديد فيما إذا كان مصابا بالڤيروس H5N1 أو لا. وخلال 66 ساعات أخرى يمكننا تقدير مدى قدرة السلالة على إحداث العدوى (عبر تحليل المتتاليات الجينية في جينة المادة الراصة للدم «الهيماگلوتنين»، إذ إن الڤيروس يستخدم المادة الراصة للدم «الهيماگلوتنين» ليشق طريقه إلى داخل الخلايا). كما يمكن خلال يومين إجراء اختبار للكشف عن مقاومة الڤيروس للأدوية المضادة له.

 

يمكن للوباء العالمي القادم أن يهاجم في أي مكان، ويشمل ذلك الولايات المتحدة، إلا أن الخبراء يعتقدون أنه يغلب أن يظهر أولا في آسيا، وهو ما فعلته معظم السلالات التي سببت الأوبئة السنوية المعتادة. ڤلطيور المائية، مثل البط والوز، هي الحيوانات العائلة (المضيفة) الطبيعية للإنفلونزا. وفي آسيا يخالط معظم الفلاحين هذه الحيوانات مخالطة وثيقة، ولايزال الترصد في تلك المنطقة ضعيفا على الرغم من المساعدة البطيئة التي تقدمها منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، وغيرهما من المنظمات.

 

وقد أوضحت فاشية الڤيروس H5N1 التي حدثت مؤخرا في إندونيسيا المشكلات التي سببتها، كما أظهرت مدى التقدم المحرز لمواجهتها. ففي إحدى الضواحي الغنية نسبيا في جاكرتا، شعرت ابنة أحد المفتشين الحكوميين، التي تبلغ من العمر ثمانية أعوام بالمرض في نهاية الشهر 6/2005، وقد أعطاها أحد الأطباء المضادات الحيوية، إلا أن حرارتها تفاقمت، وهذا أدى إلى إدخالها للمستشفى في 28/6. وبعد مضي أسبوع أُدخِل كل من والدها وأختها، التي تبلغ من العمر ست سنوات، إلى المستشفى لإصابتهما بالحُمّى والسعال. وما لبثت الطفلة أن ماتت في 9/7/2005، فيما مات الوالد في الثاني عشر من الشهر نفسه.

 

وفي اليوم التالي أبلغ أحد الأطباء الفطنين السلطات الصحية بذلك، وأرسلت عينات من الدم والنُّسُج إلى وحدة الأبحاث الطبية في البحرية الأمريكية في جاكرتا. وما لبثت الفتاة أن ماتت في 14/7. وأوضح تقرير داخلي صدر في ذلك اليوم أن الفنيين الإندونيسيين في مختبرات البحرية كشفوا عن اثنين من أفراد العائلة مصابَيْن بالإنفلونزا الناجمة عن الڤيروس H5N1، ولم تعترف الحكومة بهذه الحقيقة حتى 22/7/2005، وذلك بعد أن قام أحد مختبرات منظمة الصحة العالمية في هونگ كونگ بعزل الڤيروس وتحديده على نحو قاطع.

 

وسارعت الإدارة الصحية حينذاك لتجهيز عنابر المستشفى لاستقبال المزيد من مرضى الإنفلونزا، فيما طلب <N.I. كاندان> [رئيس قسم مكافحة الأمراض في إندونيسيا] إلى العاملين في منظمة الصحة العالمية تقديم المساعدة على تقصي الفاشية. ولو اعتبرنا ذلك بداية للوباء فقد انغلقت نافذة الاحتواء لها، التي دامت ثلاثين يوما؛ ثم طلب <كاندان> إيقاف التقصيات بعد أسبوعين، قائلا: «لم نستطع تحديد المصدر الذي أصاب الناس بالعدوى.»

 

وقد حالت التقاليد دون إجراء الفحص التشريحي على جثث هؤلاء الضحايا الثلاث، وقد شكا <C. شتور> [الذي يعمل في برنامج منظمة الصحة العالمية المعني بالإنفلونزا] أن الانعدام الذي يكاد يكون تاما لتشريح الجثث المصابة بالڤيروس H5N1  قد ترك الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى الإجابات. فأي الأعضاء يصاب بعدوى الڤيروس H5N1؟ وأي هذه الأعضاء عرضة لأشد درجات التلف؟ وإلى أي مدى من القوة تتسم به الاستجابة المناعية؟

 

وقد ساور القلق المختصين بالڤيروسات لقلة ما لديهم من معلومات حول دور الطيور المهاجرة في نقل المرض عبر الحدود، ففي الشهر 7/2005 بدأت الطيور الداجنة المصابة بعدوى الڤيروس H5N1  بالظهور في سيبريا، ثم في كازاخستان، ثم في روسيا. أما كيف تصاب هذه الطيور بالعدوى بالڤيروسH5N1 فمازال سرا.

 

اللقاحات، من الذي سيحصل عليها وبأي سرعة؟(*****)

وبدافع من الإحباط بسبب غياب الأجوبة عن الكثير من الأسئلة، حث <شتور> وغيره من العلماء على تشكيل فريق عمل عالمي للإشراف على التحضيرات لمواجهة الوباء العالمي. وما لبثت المنظمة الدولية للصحة الحيوانية أن طلبت في الشهر 8/2005 المزيد من الأموال لتقديم الدعم لبرامج الترصد التي أقامتها بالاشتراك مع كل من منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة.

 

ويقول <G.B. گلين> [الذي ينسق التخطيط لمواجهة الأوبئة في الولايات المتحدة من موقعه رئيسا لمكتب البرنامج الوطني للقاحات في وزارة الصحة والخدمات البشرية]: «من الواضح أننا بحاجة إلى تحسين قدراتنا على كشف الڤيروس، ونحتاج إلى الاستثمار في تلك البلدان التي ظهر فيها المرض لمساعدتها، فذلك من شأنه أن يساعد جميع الناس.»

 

لقد سبق أن هدد البشريةَ كلٌّ من الجدري وشلل الأطفال، إلا أن التمنيع(3)المعمم على نطاق واسع قد دفع بهما إلى حافة الاستئصال. ولسوء الحظ فإن هذه الاستراتيجية لن تجدي نفعا مع الإنفلونزا ما لم يحدث تقدم كبير في تقانة اللقاحات على الأقل.

 

وفي الحقيقة، إذا حدث وباء الإنفلونزا في القريب العاجل فإن اللقاحات المضادة للسلالات المستجدة ستكون بطيئة جدا في وصولها وشحيحة جدا في إمداداتها؛ ويسهم في ذلك كل من البيولوجيا والاقتصاديات والرضا عن النفس.

 

في وقت واحد ينتشر العديد من سلالات ڤيروسات الإنفلونزا، وكل واحدة منها تتطور باستمرار. ويشرح .گلين> ذلك بقوله: «كلما كان التوافق بين اللقاح والڤيروس أفضل، كان دفاع الجهاز المناعي عن نفسه تجاه ذلك الڤيروس أفضل.» وهكذا فإن المصانع تُنتج كل عام لقاحا جديدا وتستخدم فيه مضادات لأكثر ثلاث من سلالات الڤيروس تهديدا، إذ يقوم المختصون بالبيولوجيا بعزل الڤيروس ثم تحويره باستخدام عملية تسمى الوراثيات المعكوسة(4) تؤدي إلى صنع ڤيروس يعرف باسم «الڤيروس البذرة»(5). وفي مصانع اللقاحات تحقن الإنسالات (الروبوتات) تلك الڤيروسات البذرية في بويضات مخصبة وضعتها دجاجات رُبِّيَت تحت ظروف صحية، ولا يلبث الڤيروس المُمْرِض أن يتكاثر على نطاق واسع داخل البويضات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001029.jpg

لقاحات الإنفلونزا التي تعتمد في إنتاجها على البيض تعتبر عنق الزجاجة الذي يؤخر إنتاج اللقاح المضاد للوباء لفترة قد تزيد على ستة أشهر، وهذا سيؤدي إلى نقص إمدادات اللقاح، ومن ثم تأخرها عن تلبية الاحتياجات.

 

وتصنع حُقَن لقاحات الإنفلونزا بتشريح كيميائي للڤيروس واستخلاص الپروتينات الرئيسية منه، والتي يطلق عليها المستضدات(6). والمستضدات تستثير الجهاز المناعي للإنسان لصناعة الأضداد المناسبة. وهناك نوع مختلف من اللقاحات، يمكن استنشاقه بدلا من حقنه، ويتضمن ڤيروسا حيا عُرِّض للإتلاف لدرجة أصبح معها قادرا على أن يسبب العدوى ولكن من دون أن يسبب المرض. وتتطلب هذه العملية ستة أشهر لتحويل الڤيروسات المعزولة إلى قنانٍ زجاجية في داخلها اللقاحات.

 

وبسبب عدم تعرض الناس من قَبل لسلالة من سلالات الإنفلونزا التي تسبب الأوبئة، يحتاج كل واحد منهم إلى جرعتين من اللقاح: الأولى أولية والأخرى معزِّزة وداعمة تعطى بعد الأولى بأربعة أسابيع. وهكذا، لن تتطور المناعة لدى الناس، وحتى لدى الذين سيتلقون اللقاح في اللحظات الأولى للوباء، إلا بعد سبعة أو ثمانية أشهر من بدئه.

 

ومن دون شك، لن تكون هناك طريقة ما لتدارك ذلك. فالكميات المنتجة من لقاح الإنفلونزا على الصعيد العالمي تبلغ ما يقرب من 300 مليون جرعة سنويا، ومعظم هذه الكمية تنتج في أوروبا، وهناك مصنعان فقط يعملان في الولايات المتحدة. ففي شتاء 2005، عندما أدى التلوث إلى إغلاق مصنع شيرون في بريطانيا، بذلت معامل سانوفيك باستور وميداميون كل ما في وسعها لتدارك الوضع عبر خطوط الإنتاج الأمريكية، فأنتجت 61 مليون جرعة. وتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها باللقاح السنوي ضد الإنفلونزا لكل المجموعات المهددة بخطر كبير في الولايات المتحدة والتي تضم 185 مليون شخص.

 

الأساليب التقنية الجديدة لإنتاج اللقاحات(******)

يعكف الباحثون في المؤسسات الصناعية والأكاديمية على اختبار الطرق الجديدة للتمنيع بهدف توسعة نطاق الإمدادات المحدودة باللقاحات لتغطي أعدادا متزايدة من الناس. وهم منهمكون أيضا في ابتكار أساليب تقنية يمكن من خلالها زيادة إنتاج اللقاحات بسرعة أثناء الطوارئ.

 

الأسلوب التقني المنافعالجاهزيةالشركات
الحقن بين طبقات الجلد (في الأدمة).إعطاء لقاح الإنفلونزا في الجلد بدلا من العضلات يقلل من الجرعة المطلوبة في كل حقنة بمقدار الخُمُس.أوضحت الدراسات السريرية (الإكلينيكية) أنها مبشِّرة، ولكن يوجد نقص في عدد الأطباء والممرضات المدربين عليها.لوماي، گلاسكو سميث كلاين.
مواد (أدوية) مُساعفة(7).يمكن لهذه المواد أن تزيد من الاستجابة المناعية، وهذا يقلل من كمية الپروتين اللازمة في كل حقنة.تم منح ترخيص لأحد هذه اللقاحات في أوروبا، فيما يتواصل تطوير لقاحات أخرى على نحو فعال.لوماي، شيرون، گلاسكو سميث كلاين.
اللقاحات المُسْتَنْبَتة في الخلايا.تكثير ڤيروس الإنفلونزا واستنباته في مفاعلات حيوية مملوءة بالخلايا بدلا من تكثيرها في البيض، وهذا يحقق زيادة سريعة في الإنتاج عند اندلاع وباء الإنفلونزا.تجري الشركة شيرون دراسة واسعة النطاق في أوروبا. فيما تعمل الشركتان سانوفي باستور وكروسيل على ابتكار طريقة خاصة للولايات المتحدة.شيرون، باكستر، سانوفي باستور، كروسيل، پروتين سيانس.
اللقاحات باستخدام الدنا DNA.يمكن حقن جسيمات الذهب المطلية بدنا الڤيروس داخل الجلد بوساطة النفث الهوائي. ويمكن معه أن يبدأ إنتاج هذه اللقاحات المضادة للسلالة المستجدة خلال أسابيع بدلا من شهور، كما أن المخزون قد يحفظ لسنوات من دون تجميد.لم يثبت حتى الآن فيما إذا كان أي لقاح دناوي فعالا لدى البشر. وتتوقع الشركة بودرميد الحصول على نتائج دراسة ضيقة النطاق حول اللقاح الدناوي المضاد للسلالة H5N1 في نهاية عام 2006.باودرميد، فيكال.
اللقاحات الشاملة لجميع السلالات.إنتاج لقاح عن طريق تعزيز المناعة ضد الپروتين الڤيروسي الذي

لا يتحور، بحيث يمكن لهذا اللقاح أن يقمع جميع سلالات الإنفلونزا. وهكذا يمكن للمخزون من اللقاح أن يصد الوباء على نحو موثوق.

خلال الصيف الماضى بدأت الأوساط الأكاديمية بتطوير لقاح مضاد للمستضد M2eأكامبيس

 

وتواصل الشركة سانوفي العمل في خطتها طوال أيام السنة الـ 365 وبطاقتها القصوى، وفي الشهر 7 وضعت حجر الأساس لمصنع جديد في پنسلڤانيا سيضاعف من إنتاجها عام 2009. يقول <T.J. ماثيوز> [المسؤول عن مجموعة العمل المعنية بالتخطيط لمواجهة الوباء في الشركة سانوفي]: «وحتى عند مواجهة حالة طارئة، سيكون من العسير جدا تقصير هذه الفترة من الوقت،» ويتابع القول بأنه سيتعذر تحويل المصانع المعدة لإنتاج الأنواع الأخرى من اللقاحات لتنتج لقاحات الإنفلونزا.

 

وقد أثار <B. ورتلي> [من البرنامج الوطني للتمنيع في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها] قضية أخرى، فالوباء في غالب الأحيان يتوافق مع الموسم المعتاد للإنفلونزا. وقد لاحظ أنه لن يكون بمقدور المصانع التي تنتج حُقَن لقاحات الإنفلونزا إنتاج أكثر من سلالة واحدة في الوقت نفسه. ويوافق المتحدث باسم الشركة سانوفي <L. لافندا> على ذلك قائلا: «قد نواجه اختيارا مبالغا فيه، وسيكون علينا أن نوقف إنتاج اللقاحات السنوية لكي نبدأ إنتاج اللقاحات اللازمة لمواجهة الوباء العالمي.»

 

وتهدف الشركة ميدايميون لزيادة إنتاجها من اللقاحات التي تؤخذ عن طريق الاستنشاق لتصبح 40 مليون جرعة بحلول عام 2007 بعد أن كانت مليوني جرعة تقريبا، إلا أن ما يخشى منه <گلين> هو أن توزيع اللقاح الحي المشتق من السلالة المسببة للوباء قد يكون مصدر خطر كبيرا؛ إذ ستكون هناك فرصة ضئيلة، كما يقول، يستطيع فيها الڤيروس تبادل الجينات مع ڤيروسات الإنفلونزا «الطبيعية» لدى شخص ما، وهذا يولد سلالة أكثر شراسة وخطورة من سلالات الإنفلونزا.

 

ولأن التأخير والنقص في إنتاج اللقاحات المضادة للوباء لا يمكن تجنبهما، فإن من أهم الوظائف في الخطط الوطنية لمواجهة الوباء تتمثل بدفع القادة السياسيين لاتخاذ قرارات مسبقة حول تحديد المجموعة الأولى من الناس التي ستكون هي أول من يتلقى اللقاحات، وحول الكيفية التي تعلل فيها الحكومة هذا التوزيع وتنفذه. لقد أوصت اللجنة الاستشارية الوطنية المَعْنِية باللقاحات في الولايات المتحدة في الشهر 7/2005 أن أولى الحُقَن التي ستنتج من خطوط الإنتاج ستعطى لكبار القادة الحكوميين وللعاملين في مرافق الرعاية الصحية، وللعاملين في مجال لقاحات الإنفلونزا وفي مصانع الأدوية، وللحوامل وللرضع، وللفئات المعرضة للمخاطر والتي تم تحديدها من قَبل وتعتبر من المجموعات ذات الأولوية في أخذ حقنة سنوية من لقاح الإنفلونزا، مثل الشيوخ والمصابين، وتشتمل هذه الشريحة المرتفعة الأولوية على 46 مليونا من الأمريكيين.

 

ويقول <وورتلي> [وهو أحد القائمين على التخطيط في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها] «هناك شعور قوي بأنه ينبغي لنا القول وفي وقت مسبق أن الحكومة سوف تشتري كمية مناسبة من اللقاحات لتضمن التوزيع العادل لها.» ومع أن أستراليا وبريطانيا وفرنسا والحكومات الأوروبية الأخرى تعمل على عقد صفقات مسبقة مع الشركات المنتجة للقاحات للتزود بها، فإن الولايات المتحدة لم تقم بذلك حتى الآن.

 

ومن حيث المبدأ، يمكن للحكومات أن تتجاوز هذه الصعوبات في الإمدادات بتخزين اللقاح، ويصبح لزاما عليها تحديث ما لديها من مخزون باستمرار عندما تهدد سلالات جديدة للإنفلونزا بالانتشار على الصعيد العالمي، وحتى إذا ما فعلت الحكومات ذلك فإن الاحتياطي قد يتخلف بمقدار خطوة أو خطوتين عن المرض، ومن هنا يقول <ورتلي>: «من المنطقي امتلاك لقاح مضاد للڤيروسH5N1، لأنه حتى إذا لم يكن متوافقا توافقا تاما مع الڤيروس المحتمل، فقد يقدم درجة ما من الحماية،» وذلك إذا ما تسبب الڤيروس H5N1 في إحداث الوباء.

 

ومن هذا المنطلق وزع المعهد الوطني للحسّاسية (الأرجية) والأمراض المعدية في الولايات المتحدة ڤيروسات بَذْرية من النمط H5N1 أعدها علماء من مستشفى سانت جود لأبحاث الأطفال في ممفيس، سبق أن عزلت من إحدى الضحايا الڤيتناميين؛ ثم قدمت الخدمات الصحية والبشرية طلبا إلى الشركة سانوفي لإنتاج مليوني جرعة من اللقاح المضاد لتلك السلالة. وقد بدأت الأبحاث على البشر في الشهر 3 يقول  <S.A. فاوسي> [مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية]: «تشير النتائج الأولية للدراسات السريرية (الإكلينيكية) إلى أن اللقاح قد يكون واقيا. ويحاول <M. ليفيت> [وزير الخدمات الصحية والبشرية] التفاوض للحصول على 20 مليون جرعة،» (وقد أعلن <ليفيت> في الشهر 9/2005 أن الخدمات الصحية والبشرية قد زادت عدد جرعات اللقاحات المضادة للڤيروس H5N1 التي طلبتها لتصل قيمتها إلى 1000 مليون دولار). ووفقا لما ذهب إليه .گلين> فإن الشركات المنتجة للقاحات في الوقت الحاضر قد لا تستطيع تقديم كمية تزيد على 20-15 مليون جرعة كل عام إلى مخزون الولايات المتحدة.

 

ومع ذلك قد تكون هذه الأرقام مفرطة في التفاؤل. فقد اختبرت الدراسة أربعة تراكيز مختلفة من المستضدات؛ فالحقنة النمطية السنوية المضادة للإنفلونزا تتضمن 45 ميكروغراما من الپروتين وتغطي ثلاث سلالات من ڤيروسات الإنفلونزا. ويتوقع المسؤولون أن إعطاء 30 ميكروغراما من المستضد الخاص بالسلالة H5N1 على جرعتين، تتضمن كل جرعة منها 15 ميكروغراما، سيكون كافيا لتحريض المناعة، إلاّ أن النتائج الأولية للدراسة تشير إلى أن لقاح شخص واحد قد يحتاج إلى 180 ميكروغراما من المستضد.

 

وهكذا فإن طلب 20 مليون جرعة معتادة قد لا يكفي أكثر من 3.3 مليون شخص من اللقاح المضاد للڤيروس H5N1، بل إن العدد الحقيقي لهؤلاء الأشخاص قد يكون أقل من ذلك، لأن السلالة H5 ضعيفة النمو في البيض، وهذا يؤدي إلى أن كل تشغيلة(8) ستنتج كمية أقل من المعتاد من المستضد الفعال. ولكن هذه الصورة الكالحة قد تكتسب قدرا من الإشراق عندما يقوم المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بتحليل النتائج النهائية للدراسة، فقد يكون من المحتمل أيضا أن يتسع نطاق الإمدادات باللقاحات باستخدام المواد المُساعفة (وهي مواد تضاف إلى اللقاحات لتزيد من الاستجابة المناعية التي تحرضها) أو باتباع أساليب جديدة للتمنيع مثل حَقْن اللقاح في الجلد بدلا من حَقْنه في العضل.

 

وباء الإنفلونزا يضرب الولايات المتحدة(*******)

نموذج محاكاة حاسوبية أعده باحثون من المختبرات الوطنية في لوس ألاموس وجامعة إيموري يُظهر الموجة الأولى من الانتشار السريع للوباء من دون استخدام لقاح أو معالجة مضادة للڤيروسات لإبطاء ذلك الانتشار. وتمثل الألوان عدد حالات الإنفلونزا المترافقة بالأعراض لكل 1000 من الناس (انظر سلم الألوان). فبدءا من 40 حالة عدوى في اليوم الأول، تبلغ الحالات في سائر أنحاء البلاد أشدها في اليوم 60 تقريبًا، ثم تنحسر الموجة بعد أربعة أشهر مخلِّفة وراءها 33% من السكان مرضى. ويواصل العلماء أيضا إعداد نماذج أخرى للتداخلات المحتملة بالأدوية واللقاحات للتأكد فيما إذا كان من الممكن تجنب تحديد السفر أو الحجر الصحي للمسافرين أو غيرهما من الاستراتيجيات الأخرى المربكة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001030.jpg

 

 

ومن الواضح أن تخزين كميات كبيرة من اللقاحات قبل حلول الوباء أمر ليس مستحيلا؛ ولكنه يشكل تحديا؛ فصلاحية اللقاحات تنتهي بعد مرور سنوات قليلة. وإذا أخذنا بالحسبان معدل الإنتاج في الوقت الحاضر فإن من المتعذر تخزين كمية تصل إلى 228 مليون جرعة، وهي الكمية اللازمة لتغطية احتياجات المجموعات الثلاث الأكثر أولوية واحتياجًا للقاحات، وذلك بغض النظر عما يقرب من 600 مليون جرعة قد تمسّ الحاجة إليها لتلقيح جميع الناس في الولايات المتحدة، كما تواجه الأمم الأخرى نفس أوجه القصور هذه.

 

ولعل السبب الأولي الذي يحد من القدرات إلى هذه الدرجة، كما يقول <ماثيو>، هو أن القائمين على صناعة اللقاحات بدوافع اقتصادية يهدفون فقط إلى تلبية الطلب على التمنيع السنوي عندما يتخذون قراراتهم حول أعمالهم، ويتابع بقوله: «فنحن لا نرى في الوباء نفسه فرصة للتسويق.»

 

ولاستثارة اهتمام القائمين على تصنيع اللقاحات، يقرّ <فوسي> بأنه: «لابد من تقديم عدد من الحوافز، بدءا من ضمان الشراء وتسديد الاستحقاقات المالية وانتهاء بتوفير هوامش ربح أفضل.» ويتوقع <گلين> حلولا طويلة الأمد قد تأتي من أساليب تقنية جديدة تجعل اللقاحات أكثر نجاعة، بجرعات أقل بكثير، وذات تأثير في جميع سلالات الإنفلونزا على نحو متعادل.

 

الاستجابة السريعة: هل يمكن وقف الوباء؟(********)

وحديثا وضعت منظمة الصحة العالمية (في عام 1999) تعريفا بسيطا حول متى يبدأ وباء الإنفلونزا، وهو أنه: يبدأ حين نتأكد من انتشار ڤيروس جديد بين الناس في بلد واحد على الأقل، إذ منذ ذلك الوقت يصبح إيقاف الانتشار الذي يضاهي في سرعته البرق أمرا بعيد الاحتمال، أو يبدو على الأقل كذلك. ولكن الإصدارات الأخيرة من الدلائل الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية، وبسبب التقدم المحرز في ترصد حالة المرض وتوافر الأدوية المضادة للڤيروسات، أقرت بوجود فترة زمنية في ذروة الوباء. وعندما يكون الڤيروس على أهبة الاستعداد للانفجار في العالم، يمكن عندها صد الڤيروس وكبح جماحه، بل والقضاء عليه.

 

وتشير النماذج الحاسوبية والحس السليم إلى أن الجهود التي تبذل لاحتواء الوباء ينبغي أن تتمتع بالسرعة والكفاءة الخارقتين؛ إذ تنتشر الإنفلونزا بسرعة غير عادية لما تتسم به من فترة حضانة قصيرة لا تتعدى يومين بعد انتقال العدوى بالڤيروس، إذ سرعان ما تنتثر الڤيروسات التي تستطيع نقل العدوى للآخرين مع بدء ظهور الأعراض. وقد يصبح بعض الناس مصدرا للعدوى قبل ظهور الأعراض لديهم بيوم واحد. وعلى العكس من ذلك، فقد أمضى المصابون بالالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (السارس) الناجم عن الڤيروسات المكللة coronavirus والذين أصيبوا بالڤيروس الوافد من الصين عام 20033 عشرة أيام قبل أن يصبحوا مصدرا للعدوى، وهو وقت يكفي لإعطاء العاملين الصحيين الفرصة لتعقب الڤيروس وعزل المخالطين للمصابين به قبل أن ينتقل المرض عن طريقهم أيضا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001031.jpg

سوف يُستخدم مركز القيادة فى وزارة الصحة والخدمات البشرية بواشنطن العاصمة لاقتفاء انتشار وباء الإنفلونزا العالمي. ومن هذا الموقع ستقوم الوزارة بالتنسيق بين مختلف أقسامها بما فيها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والمعهد الوطني للصحة. كما ستقوم بتبادل المعلومات مع الوكالات في الولايات ومع الوكالات الحكومية الفدرالية، مثل وزارة الأمن الوطني.

 

ويقول الخبراء في الصحة العامة إن اقتفاء المخالطين وعزلهم لن يكون كافيا لاحتواء الإنفلونزا، إلاّ أن نتائج المحاكاة الحاسوبية التي نشرت في الشهر 8/2005أوضحت أنه إذا أضيفت إلى التدخلات 30 مليون جرعة من الأدوية المضادة للڤيروسات ووجد لقاح ضعيف النجاعة، عندئذ تتوافر فرصة للحيلولة دون وقوع وباء محتمل.

 

ولابد أن تكون الظروف مثالية تقريبا. فبإعداد نموذج لمجموعة من السكان الذين يبلغ عددهم 85 مليون، وبالاستناد إلى الوقائع الديموغرافية والجغرافية لتايلند، وجد <M.N. فيرگسون> [الذي يعمل في كلية أمبريال بلندن] أن العاملين الصحيين، في غالب الأحيان، يستغرقون 30 يوما بحد أقصى من بدء انتشار الڤيروس من شخص لآخر حتى يعطوا الأدوية المضادة للڤيروسات سواء للمعالجة أو للوقاية في جميع الأمكنة التي تندلع فيها الفاشيات.

 

ولكن العاملين في منظمة الصحة العالمية بعد أن رأوا نتائج هذا النموذج في مطلع هذا العام (2005) أعربوا عن شكوكهم بأن يكون الترصد في بعض أجزاء آسيا موثوقًا بدرجة تكفي لاكتشاف الوباء المتنامي في الوقت المناسب. «أما من الناحية العملية، فقد يستغرق التأكد من بعض حالات العدوى البشرية بالڤيروس H5N1ما يزيد على عشرين يوما، وهذا لا يعطي فرصة من الوقت سوى نافذة ضئيلة يمكن معها تقديم الأدوية للمناطق النائية وتوزيعها على عدد يقرب من مليون شخص،» وذلك طبقا للتحذير الذى أصدره في الشهر 4/2005 <شتور> [كبير الموظفين المَعْنيين بالإنفلونزا في منظمة الصحة العالمية] في تجمع للخبراء في العاصمة واشنطن.

 

ويمكن للتمنيع الجزئي partial immunity للسكان أن يكسبنا المزيد من الوقت، حسب ما يرى <M.I. لونجيني جونير> [من جامعة إيموري] الذي وضع أيضا نموذجا للتدخلات بالأدوية المضادة للڤيروسات في مجتمع صغير مستندا في ذلك إلى البيانات الديموغرافية التايلندية، حيث حصل على نتائج شبيهة بما حصل عليه <فيرگسون>. ولكن <لونجيني> أضاف سيناريوهات يتم وفقها تلقيح الناس في وقت مسبق، وقد افترض أن اللقاح المتوافر باستخدام الطور التقليدي(9) الذي سبق لبعض البلدان أن أعدته للڤيروس H5N1، لن يتوافق توافقا كاملا مع السلالة الجديدة للڤيروس؛ وهكذا فإنه لن يُنقص من أعداد المصابين إلا بنسبة تقل عن 30%. ومع ذلك، فإن ما أحرز من نقص في قابلية الإصابة بالعدوى لدى الملقحين في نموذج المحاكاة هذا سيحول دون حدوث العدوى بسلالات أشد خطورة وأشد قدرة على إحداث العدوى. ولذلك فقد صرح <فاوسي> [مدير المعهد الوطني للصحة الحيوانية] أن الولايات المتحدة والأمم الأخرى التي لديها اللقاح المضاد للڤيروس H5N1 لاتزال تفكر فيما إذا كانت ستوجه هذا اللقاح للوقاية في المنطقة التي يحتمل أن تندلع فيها السلالة المحورة بشريا من الڤيروس، حتى لو كان ذلك يعني أن كمية أقل من اللقاح ستبقى لمواطنيهم. ويقول <لونجيني>: «سنعمل ذلك إذا كنا نتمتع بالمهارة الكافية.»

 

واستنادا إلى نماذج مستمدة من نمط انتشار الأوبئة السابقة، يتوقع الخبراء أنه ما إن تتسرب سلالة جديدة حتى تنتشر في سائر أرجاء المعمورة على موجتين أو ثلاث موجات، تستمر كل موجة منها شهورا عدة (انظر الإطار في الصفحة 10)، ولكنها تبلغ ذروتها في كل مجتمع على حدة بعد خمسة أسابيع من وصولها إليه. وقد تفصل بين كل موجة والتي تليها فترة تطول حتى تبلغ فصلا كاملا، فإذا هاجمت الموجة الأولى المجتمع في وقت الربيع فقد لا تهاجم الموجة التي تتلوها قبل نهاية الصيف أو بداية الخريف. وبسبب أن الكميات المناسبة من اللقاحات التي تصمم خصيصا للتوافق مع السلالة المسببة للوباء لن تكون متوافرة لدى الشركات المصنعة إلا بعد مضي فترة ستة أشهر، فإن القائمين على التخطيط في الحكومات سيعانون القلق على نحو خاص من اقتحام الموجة الأولى.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001032.jpg

مرضى بإنفلونزا الطيور في أحد مستشفيات هانوي بڤيتنام فى الشهر 3/2005، حيث كان أحد الرجال (في اليسار) الذي يبلغ 21 من عمره مع أخته التي تبلغ 14 عاما في حالة حرجة. إن الكثير من الوفيات والإصابات الشديدة نتيجة للعدوى بالڤيروس H5N1 كانت بين الاطفال والشباب الذين كانوا أصحاء قبل إصابتهم بالعدوى.

 

وما إن يستشري الوباء في أرجاء المعمورة حتى تختلف الاستجابة على الصعيد المحلي فى كل بلد، فكل بلد سيتخذ اختيارات ترتكز على موارده وأولوياته السياسية بقدر ما ترتكز على الاعتبارات العلمية. ويعد الاستخدام الوقائي للأدوية المضادة للڤيروسات أحد الاختيارات المتاحة أمام عدد قليل من البلدان التي يمكنها شراء المخزون الكافي من تلك الأدوية، ومع هذا فهو اختيار غير عملي إلى حد بعيد. وفي الوقت الحاضر لا تمتلك أي دولة كمية كافية من الأدوية لحماية عدد كبير من أبنائها على مدار شهور عديدة. وإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا الاستخدام الطويل الأمد لم يكن يوما ما موضوعا للدراسة والاختبار، وقد يسبب مشكلات يصعب التنبؤ بها. ولهذه الأسباب، فقد أعلنت المملكة المتحدة في الشهر 7/2005 أنها ستستخدم ما لديها من مخزون معدّ لمواجهة الوباء على نحو رئيسي لمعالجة المرضى بدلا من وقاية غير المصابين. ولاتزال الولايات المتحدة وكندا وعدد آخر من البلدان تواصل العمل في إعداد أولوياتها حول من سيتلقى الأدوية المضادة للڤيروسات، ومتى سيتم ذلك.

 

ولن يكون أمام معظم البلدان أي خيار؛ إلا ما تطلق عليه منظمة الصحة العالمية بالتداخلات غير المعتمدة على الأدوية واللقاحات، حيث ينبغي أن يكون خط الدفاع الرئيسي. ومع أن مدى فعالية مثل هذه الإجراءات لم يكن موضوعا للأبحاث المُعَمَّقة من قبل، فقد جمعت منظمة الصحة العالمية الخبراء المَعْنيين بالإنفلونزا في جنيف في الشهر 3/2004 في محاولة لتعرّف الأنشطة التي تستند إلى البراهين الطبية، وقد استنتج الخبراء، على سبيل المثال، أن فحص المسافرين القادمين لكشف الإنفلونزا لديهم «ينقصه الدليل الطبي المؤكد على فوائده الصحية،» ومع ذلك أقروا بإمكانية إجراء ذلك في البلدان لتعزيز الثقة لدى الناس. وينطبق مثل ذلك على الشكوك التي انتابتهم حول تحرّي الحُمّى (ارتفاع درجة الحرارة) لدى الناس وفتح خطوط هاتفية ساخنة للإبلاغ عن الحُمّى أو فتح عيادات للحُمّى وفيما إذا كان لأي من ذلك دور مهم في إبطاء انتشار المرض أو لا.

 

الأدوية الجديدة لمعالجة الإنفلونزا(*********)

تعمل الأدوية المضادة لڤيروسات الإنفلونزا المتوافرة هذه الأيام، على تعطيل بعض الپروتينات النوعية الموجودة على سطح الڤيروسات. وهذه الپروتينات هي إما M2  (الأدوية التي تسمى مركبات الأمانيتيدين) أو النورأمينيداز (الزاناميفير والأوسيليتاميفير). وحاليا يتم ابتكار أدوية حديثة هي المثبطات المحسَّنة لإنزيم النورأمينيداز. كما توجد أساليب جديدة تشمل إحصار(10) دخول الڤيروس إلى الخلايا العائلة (المضيفة) أو عرقلة وظائفه داخل الخلية.

 

طريقة التأثيرالأدويةالمنافعالجاهزية
تثبيط پروتين النورأمينيداز الذي يستخدمه الڤيروس لينفصل من خلية ما حتى يعدي خلية أخرى.بيراميفير (الشركة بيوكريست للمستحضرات الصيدلانية). CS-8958 (الشركة بيوتارسانكيو).مثبطات إنزيم النورأمينيداز لها تأثيرات جانبية أقل. كما ان احتمال ظهور مقاومة من الڤيروس للدواء أقل مما تحدثه المركبات الأمانتيدية القديمة. إن المستحضرCS-8958  له مفعول طويل الأمد و يرتبط داخل الرئتين لفترة قد تصل إلى أسبوع.تصل أقراص البيراميفير إلى الرئتين على نحو غير كاف في التجارب السريرية. وقد تُجرى عام 2006 تجارب لإعطائه عن طريق الحقن بالوريد. وقد استُكملت التجارب الرئيسية حول سلامة المستحضر CS-8958.
تثبيط التصاق الڤيروس بالخلية.فلوداز (NexBio).يحصر الفولداز مستقبلات حمض السياليك الذي يستخدمه ڤيروس الإنفلونزا للدخول إلى الخلايا العائلة، ولذلك من المنتظر أن يكون هذا الدواء على نفس الدرجة من الفعالية بالنسبة إلى جميع سلالات ڤيروس الإنفلونزا.يخطط للقيام بتجارب على الحيوانات عام 2006.
تنبيه آلية تداخل الرنا RNA.G00101 (الشركة گالينيا) ـ من دون اسم (الشركة ألنينلام للمستحضرات الصيدلانية)يستخدم المستحضرG001498 الدناDNA لتفعيل الآليات الدفاعية الأصيلة داخل الخلايا، ووضع علامات على الڤيروسات تمهيدا لتدميرها. وقد أثبت المستحضر G001498 نجاعته ضد ڤيروسات إنفلونزا الطيور من نوعي H5  وH7 على الفئران.يتوقع القيام بتجارب سريرية خلال 18 شهرا.
استخدام پروتين صنعي من الدنا DNA لإحصار الجينات الڤيروسية.نيوجين (الشركة آفي بيوفارما).ترتبط خيوط صنعية من الدنا DNA بالرنا الڤيروسي، الذي يحمل تعليمات للخلية لبناء المزيد من نسخ الڤيروسات. ومن المتوقع أن تكون هذه الاستراتيجية فعالة تجاه معظم سلالات الإنفلونزا.

 

يخطط للقيام بتجارب سريرية عام 2006.

 

وأوصى الخبراء باستخدام مرضى الإنفلونزا والعاملين الصحيين المُعَرَّضين لمخالطتهم للأقنعة الجراحية (الكمّامات)(11)، فيما يوفر غسل الأيدي للأَصِحّاء حماية أفضل من تلك التي يوفرها ارتداء الكمّامات، لاحتمال أن يتعرض الناس للڤيروس في بيوتهم وأثناء عملهم وبملامستهم سطوح الأشياء الملوثة ومنها سطح الكمّامة نفسها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/21/SCI2005b21N10-11_H01_001033.jpg

يصنع مستحضر الأوسيلتاميڤير الذي يباع باسم تاميفلو Tamiflu ، وفق عملية معقدة ومتعددة المراحل تستغرق ما يقرب من السنة. وستحتاج تلبية الطلبات إلى تخزين هذا الدواء سنوات عدة، وسيصعب إنتاج أدوية صيدلانية جنيسة generic لمواجهة حالة طارئة.

 

أما الإجراءات التقليدية للمحافظة على مسافات فاصلة كافية بين الناس في المجتمع (الفصل الاجتماعي)(12)، مثل حظر التجمعات العامة أو إغلاق طرق العبور ووسائل النقل الجماعية، فستتحَدَّد تبعا لما سيقوله المختصون بالوبائيات أثناء تقدم الوباء. فإذا كان الأطفال، على سبيل المثال، أكثر عرضة للإصابة بالڤيروس من غيرهم، كما كانت عليه الحال في كلٍ من عامي 1957 و 1968، أو إذا وُجِد أن الأطفال سيكونون مصدرا لا يُستَهان به لانتشار الڤيروس في المجتمع، فقد تأخذ الحكومات إغلاق المدارس بعين الاعتبار.

 

المعالجة: ما الذي يمكن عمله للمرضى؟(**********)

إذا ما أصيب بليونان من الناس بالمرض فهل سيموت منهم عشرة ملايين؟ أم مئة مليون؟ ويبذل المختصون في الصحة العامة كل ما بوسعهم في جميع أنحاء العالم لمعرفة مقدار الخسائر البشرية إذا ما انتشر وباء الإنفلونزا في المستقبل. وستختلف أعداد الإصابات اختلافا كبيرا، إذ لا يعرف أحد قبل أن يندلع الوباء فيما إذا كانت السلالة الڤيروسية التي ستسبب هذا الوباء ضعيفة مثل السلالة الڤيروسية التي سببت وباء عام 1968 والتي وصفها بعض الباحثين في الإنفلونزا بأنها «خائرة القوى»، أم إن تلك السلالة متوسطة الشدة مثل السلالة الڤيروسية التي سببت وباء عام 1957، أم إن تلك السلالة الڤيروسية شديدة الفتك مثل السلالة الڤيروسية المسببة «للإنفلونزا الخطيرة» التي ضربت العالم عام 1918.

 

وفي الوقت الحالي يتلمّس القائمون على التخطيط طريقهم باتباع قواعد تقديرية عملية rules of thumb. فبسبب عدم امتلاك أي إنسان للمناعة تجاه السلالة الجديدة أو المرتقبة من الڤيروس المسبب للإنفلونزا، فإنهم يتوقعون إصابة نصف عدد السكان بالعدوى الڤيروسية. وتبعا لشدة الڤيروس وضراوته، سيصبح ثلث عدد هؤلاء أو ثلثاهم مرضى بالفعل، وهذا يؤدي إلى أن معدل الهجمات السريرية سيراوح بين 15 و 35 في المئة من مجمل السكان، وهذا دفع الكثير من الحكومات لبناء خططها واستعداداتها وفقا للمتوسط بين التقديرين، أي نحو 25% من مجمل السكان في الدولة.

 

ليس ثمة حكومة على استعداد الآن. ففي الولايات المتحدة، حيث تكون الولايات هي المسؤولة على نحو رئيسي عن صحة سكانها، يفترض مجلس أمناء الصحة الأمريكية (TFAH) أن ڤيروسا وبائيا فاتكا سوف يسبب وقوع ربع عدد السكان في براثن المرض، وهو ما يعني أن 4.7 مليون أمريكي سيحتاجون إلى إدخالهم المستشفى لتلقي العلاج. وقد لاحظت مؤسسة الصحة الأمريكية أن الولايات المتحدة في الوقت الحالي لديها أقل من مليون سرير في المستشفيات المجهزة بالعاملين الصحيين.

 

أما بالنسبة إلى العاملين الصحيين الذين يعتبرون خط الدفاع الأول ضد المرض، فإن شدة الوباء ستقتصر بالنسبة إليهم على عدد المرضى وعلى أنماط الأمراض التي يعانونها، وهذا يعتمد بدوره على كل من الخصائص الأصلية للڤيروس وعلى مدى قابلية المجموعات السكانية المختلفة للإصابة به، وهذا ما تعتقده <J. تايلور> [القائمة على التخطيط لمواجهة الأوبئة في مؤسسة ماريلاند]. وبناء على هذا فإن ما يمكن أن يطلق عليه الوباء الخفيف الوطأة، على سبيل المثال، قد يشابه الإنفلونزا الفصلية مع ازدياد كبير في عدد المصابين.

 

وبالنسبة إلى الإنفلونزا العادية السنوية فإن الناس الذين سيصابون بأشد حالاتها هم الذين يعانون مضاعفات الأمراض المزمنة، والصغار جدا في العمر، والمتقدمون جدا في العمر، وغيرهم ممن لديه جهاز مناعي ضعيف. ولعل أهم أسباب الوفيات المرتبطة بهذه الإنفلونزا الموسمية هو الالتهاب الرئوي الناجم عن البكتيرات التي تغزو الرئتين بعد أن تستنضب الإنفلونزا القدرات الدفاعية للجسم، وليس الالتهاب الرئوي الناجم عن ڤيروس الإنفلونزا نفسه. وقد اكتشف الباحثون في الوكالة الصحية الوطنية الهولندية، من خلال بناء نماذج لوباء ذات مواصفات مشابهة، أنه يمكن إنقاص الإدخال إلى المستشفيات بمقدار 31 في المئة بمجرد تلقيح المجموعات المعتادة المُعَرَّضة للأخطار لتمنيعها في وقت مسبق ضد الالتهاب الرئوي البكتيري.

 

وعلى العكس من ذلك، فإن سلالة الڤيروس المسبب لوباء عام 1918 كانت أكثر فتكا بالشباب في الثلاثينات والعشرينات من أعمارهم، ممن كانوا ـ قبل إصابتهم بالڤيروس ـ أصحاء ويتمتعون بجهاز مناعة قوي وفعال. وقد اكتشف الباحثون الذين درسوا ذلك الڤيروس أنه يثبط الاستجابات المناعية المبكرة، مثل إطلاق الجسم للإنترفيرون، الذي يهيئ في الحالة السوية الخلايا لمقاومة الهجمة، ولكن في الوقت نفسه فإن الڤيروس يحرض على رد فعل مناعي مفرط يعرف بعاصفة السيتوكين cytokine storm، التي تستدعي خلالها جزيئات مولِّدة للعلامات يُطلَق عليها اسم السيتوكينات، تؤدي إلى قيام الخلايا المناعية باعتداء شرس على الرئتين.

 

وقد حاول الأطباء الذين واجهوا الظاهرة نفسها لدى مرضى متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (السارس) قمع هذه العاصفة بإعطاء الإنترفيرون والمركبات الكورتيكوستيرويدية المثبطة للسيتوكين. وكما كتب أحد الأطباء في هونگ كونگ، فإنه إذا تعذر إيقاف هذا الشلال المدمر من الأحداث في الوقت المناسب فإن الالتهاب سيتفاقم في رئتي المريض، حتى تغصّان بالنسج الميتة، ويصبح من الضروري اللجوء إلى التهوية بالضغط لإيصال الأكسجين بكمية كافية إلى مجرى الدم.

 

وليس لدينا من الأسباب ما يدفعنا للأمل بأن الڤيروس H5N1 بشكله الحالي سيؤدي إلى وباء خفيف الوطأة، وذلك وفقال<G.F. هايدن> [المختص بالڤيروسات في جامعة فيرجينيا والذي يقدم المشورة إلى منظمة الصحة العالمية حول معالجة ضحايا إنفلونزا الطيور]. وهو يؤكد أنه «ما لم تتغير قدرة الڤيروس على إحداث المرض تغيرا شديدا، فإن سلالة قاتلة ستداهمنا،» وقد عانى الكثير من المصابين بالڤيروس H5N1 الالتهابَ الرئوي في مناطق عميقة من الرئتين، ونجم ذلك عن الڤيروس نفسه، كما يقول <هايدن>. وفي بعض الحالات أشارت بعض فحوص الدم إلى وجود نشاط غير معتاد في السيتوكين، ولكن الڤيروس نفسه قد لا يكون ثابتا على نهج واحد؛ ففي بعض الحالات يبدو أن الڤيروس يتكاثر في الأمعاء، وهذا يؤدي إلى إسهال شديد. كما يعتقد أن الڤيروس قد أصاب الدماغ لدى طفلين ڤيتناميين ماتا بسبب التهاب الدماغ من دون ظهور أي أعراض تنفسية.

 

تعد الأدوية المضادة للڤيروسات والتي تكافح الڤيروس على نحو مباشر، العلاج المفضل؛ إلاّ أن الكثير من المصابين بالڤيروس H5N1 يصلون إلى عيادات الأطباء متأخرين، حين تفوت فرصة تأثير الدواء في تحقيق نتائج فعالة. كما أن الطفرة من سلالة الڤيروس التي تصيب معظم ضحاياها من البشر مقاومة أيضا للأصناف القديمة من الأدوية المضادة للڤيروسات والتي تسمى مركبات الأمانتيدين amantidines، وقد يعود ذلك إلى أن تلك الأدوية قد أعطيت للدواجن في بعض أرجاء آسيا. وتشير التجارب المختبرية إلى أن الڤيروس H5N1 لايزال عرضة للتأثر بالأصناف الجديدة من الأدوية المضادة للڤيروسات التي تسمى مثبطات إنزيم النورأمينيداز neuraminedas inhibitors والتي تشتمل على منتجَيْن هما أوسيلتاميڤير Oseltamivir وزاناميڤير Zanamivir، وهما متوافران حاليا في الأسواق تحت اسمين تجاريين هما تاميفلو Tamifln وريلينزا Relenza. ويتوافر تاميفلو على شكل أقراص فيما يتوافر ريلينزا على شكل مسحوق يُستنشَق بوساطة مِنْشَقة. وينبغي أخذ أحد الدواءين خلال فترة 48 ساعة من ظهور الأعراض حتى يكون الدواء ناجعا ضد الإنفلونزا البشرية الفصلية.

 

وقد أجري الاختبار الرسمي الوحيد حول الأدوية المضادة للعدوى بالڤيروسH5N1 على الفئران. وقد أعلن <G.R. ويبستر> [من مستشفى أبحاث الأطفال في سانت جود] في الشهر 7/2005 أن الجرعة المكافئة عند الفئران لجرعة الإنسان السوي، وهي قرصان من مستحضر التاميفلو كل يوم، أدت في النهاية إلى قَمْع الڤيروس، إلا أن الفئران احتاجت إلى معالجة لفترة ثمانية أيام بدلا من الفترة المعتادة التي تمتد لخمسة أيام. و تواصل منظمة الصحة العالمية تنظيم الدراسات حول الضحايا الذين سيصابون في المستقبل بالعدوى بالڤيروسH5N1 لتحديد الكمية اللازمة لدى الإنسان.

 

وحتى عند إعطاء الجرعة المعتادة، فإن معالجة ربع عدد سكان الولايات المتحدة سيتطلب كمية كبيرة من مستحضر التاميفلو أو المستحضرات المكافئة له، وهي كمية تزيد على 22 مليون دورة (كورس) علاجية، تخطط وزارة الصحة والخدمات البشرية الأمريكية لتخزينها بحلول الشهر 9/2005. وقد اقترحت إحدى اللجان الاستشارية أن يُخزن 40 مليون «دورة» علاجية على الأقل (400 مليون قرص). كما أشارت اللجنة إلى أن 90 مليون دورة علاجية ستكفي لتغطية ثلث عدد السكان، وإلى أن 130 مليون دورة علاجية ستكفي، إضافة إلى ما سبق، لوقاية العاملين الصحيين وغيرهم من العاملين في الخدمات الأساسية.

 

ويأمل <هايدن> أن يُنتج قبل حدوث الوباء دواء ثالث من مثبطات إنزيم النورأمينيداز ويسمى پيراميڤير Peramivir، قد يحظى بالموافقة على إعطائه حقنا بالوريد لمرضى الإنفلونزا الذين يعالجون داخل المستشفيات. أما الأدوية الطويلة الأمد المثبطة لإنزيم النورأمينيداز فقد تصبح يومًا مثالية للتخزين، إذ إن جرعة واحدة قد تكفي للمعالجة أو تقدم حماية تكفي لأسابيع.

 

هذه الأدوية الإضافية، مثل العديد من الأدوية الأحدث لمعالجة الإنفلونزا (انظر الإطار في الصفحة 13) يجب أن تجتاز الاختبارات السريرية (الإكلينيكية) قبل أن يصبح بالإمكان الاعتماد عليها لمكافحة الوباء. ويود الباحثون دراسة المعالجات الأخرى التي تؤثر على نحو مباشر في استجابة الجهاز المناعي لدى المصابين بالإنفلونزا. وسيحتاج العاملون الصحيون إلى جميع ما يمكنهم الحصول عليه من الأسلحة إذا كان عليهم مواجهة مرض مميت مثل العدوى بالڤيروس H5N1.

 

ويبلغ معدل الوفيات بين ضحايا العدوى بالڤيروس H5N1 نحو 50% تقريبًا. ويحذر <هايدن> بأنه حتى عندما تقل معدلات الوفيات إلى 55% بسبب ضعف فوعة الڤيروس على حساب سرعة انتشاره بين الناس، «فإنه سيبقى سببا لمعدل وفيات يزيد بمقدار الضعف على معدل الوفيات التي حدثت عام 1918، وذلك على الرغم من توافر الأساليب التقنية، مثل المضادات الحيوية وأجهزة التنفس الصنعية؛» ثم يعبر عن القلق الذي ينتاب معظم الخبراء في الإنفلونزا في هذه اللحظات المصيرية للصحة العامة، فيحذر من «أننا سنتخلف عن المنحنى البياني كثيرا بالنسبة إلى وضع الخطط موضع التنفيذ وتوافر مختلف الطرق العلاجية.»

 

وللمرة الأولى سيكون بوسع العالم رؤية تطور وباء عالمي للإنفلونزا وهو يلوح في الأفق، ولديه أدوات كثيرة قد تخفف من وطأة تأثيرات هذا الوباء بمجرد حدوثها. وإذا كان هناك بعض الأسرار التي لاتزال تواجه العلماء وهم يراقبون لأول مرة تطور الڤيروس إلى وباء عالمي محتمل، فإن الماضي يؤكد أمرا واحدا وهو أنه حتى وإن لم يتحول الڤيروس المرعب H5N1 إلى صورة وبائية يمكنه معها الانتشار بسهولة بين الناس، فإن بعض ڤيروسات الإنفلونزا الأخرى ستصبح كذلك. وكلما كانت دفاعاتنا أقوى استطاعت مواجهة العاصفة عندما تهب. ومما يبعث فى نفوسنا الشعور بالرضا هو أنه «لدينا عدو واحد فقط،» كما تقول <J. بيرنگ> [مديرة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها]. ▪

 

 المؤلف

W. Wayt Gibbs – Christine Soares

<گيبس> كبير الكتاب في ساينتفيك أمريكان، أما <سواريس> فهي كاتبة ومحررة.

مراجع للاستزادة 

The Great Influenza. Revised edition. John M. Barry. Penguin Books, 2005.

John R. LaMontagne Memorial Symposium on Pandemic Influenza Research: Meeting Proceedings. Institute of Medicine. National Academies Press, 2005.

WHO Global Influenza Preparedness Plan. WHO Department of Communicable Disease Surveillance and Response Global Influenza Program, 2005. www.who.int/csr/resources/

 publications/influenza/WHO_CD5_C5R_GIP_2005_5/en/index.html

Pandemic influenza Web site of the U.S. Department of Health and Human Services, National Vaccine Program Office: www.hhs.gov/nvpo/pandemics/index.html

Scientific American, November 2005

 

(*) PREPARING FOR A PANDEMIC

(**) Overview/ The Plan to Fight a New Flu

(***) Surveillance: What Is Influenza Up to Now?

(****) How A Pandemic Strain Emerges

(*****)Vaccines: Who Will Get Them – and How Quickly?

(******) New Vaccine Technologies

(*******) Pandemic Flu Hits the U.S.

(********) Rapid Response: Could a Pandemic Be Stopped?

(*********) New Flu Drugs

(**********) Treatment: What Can Be Done for the Sick?

 

(reassorted (1 

(outbreak(2 

(3)immunization

(4) reverse genetics

(5) seed virus

(6) antigen

(7) adjuvants

(8) batch

(9) prototype version

(10) blocking

(11) masks

(12) social distancing

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق