أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم التطبيقيةبشرهندسة

الهندسة الهدروليكية

الهندسة الهدروليكية

في المكسيك ما قبل التاريخ(*)

قبل ثلاثة آلاف سنة، شيد أسلاف الأزتكس في العالم الجديد المنظوماتِ الأولى لإدارة المياه على نطاق واسع

 <Ch.كاران > ـ< A.J.نيلي>

 

 

كان المزارعون في جنوب المكسيك ما قبل التاريخ يتوقون حتما إلى حدوث أعجوبة، فبفضل المناخ المداري تكاد تكون أوديتهم الخصبة نموذجية للزراعة على الرغم من ارتفاعاتها التي تصل إلى 2000 متر، فالأمطار الغزيرة تضمن محاصيل وافرة خلال موسم المونسون monsoon الذي يدوم ستة أشهر. فتحت هذه الظروف المواتية أصبحت هذه المنطقة مهد الزراعة في العالم الجديد ومكان ولادة الذرة. ومع ذلك واجه المزارعون الأوائل أحد المحددات التي تعيق الزراعة خلال نصف عام يسود خلاله المناخ الجاف. فحقولهم المحروثة يدويا يمكن أن تعطي محصولين، أو حتى ثلاثة محاصيل، فيما إذا توافرت لهم إمدادات مائية على مدار السنة، ولكن كيف يمكن أن يحصل المزارعون على المزيد من المياه؟

 

لم يكن الحل أعجوبة، بل عبقرية بشرية مدهشة تتمثل في مشروعات هندسية على مقياس كبير تم تصميمها لتخزين المياه ونقلها، فابتداء من أعمال متواضعة تركت آثارا ضئيلة توسعت المنشآت إلى مقاييس عملاقة. فعلى سبيل المثال، تم بناء سد بورون على وادي <تيهواكان> بدءا من نحو 750 قبل الميلاد بطول 400 متر وعرض 100 متر وارتفاع نحو 25 مترا. وقد قام العمال بنقل 2.64مليون متر مكعب  من الأتربة يدويا، حيث كان يجري نقل عدة كيلوغرامات من الأتربة في كل مرة. وربما بقي هذا السد أكبر منشأة مائية تخزينية حتى القرن الثامن عشر. وعلى مقربة منه، أنشأ المهندسون القدامى آلاف الكيلومترات من الأقنية المائية، منها أقنية على سطح الأرض cannals، وبعضها الآخر عبارة عن أقنية محمولة على جسور ترتفع في الغالب فوق سطح الأرض بواسطة أعمدة(1). وقد أقيمت هذه المنشآت قبل وصول الأوروبيين إلى المكسيك بألفي عام. لقد قاموا بتحويل المياه من الينابيع والجداول وتم استجرارها عبر خطوط تقسيم الأحواض المائية وحول الوديان السحيقة وعلى المنحدرات الشديدة الميل. وثمة مبتكرات أخرى لتجميع مياه الأمطار من الأبنية والساحات. فشعوب جنوبي المكسيك استثمرت عمليا كافة المصادر المائية المتاحة في بيئتهم.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/07.gif

قبل نحو 2500 سنة، شيدت فى هيرف الأكوا بوادي أوكساكا مدرجات و أقنية للري تعلو الجدران الاستنادية

و ذلك للاستفادة من الينابيع الفوارة في مواقعها

 

 

وإن بقاء العديد من منشآت الري ومنشآت تجميع المياه فترة تراوح بين 1500ونحو 3000 سنة هي شواهد على المستوى الرفيع لتصميم هذه المنشآت وتشييدها، فهذه المنجزات تتميز بروعتها وكونها استثنائية على كافة المقاييس؛ كما أنها متميزة بشكل خاص، نظرا إلى أنه لم يتوافر لدى البنائين أدوات معدنية ووسائل نقل تعتمد على العجلات أو الحيوانات لحمل الأثقال. وحتى أكثر المعالم قدما ممازال قائما، يمثل مستوى عاليا من الإبداع التقاني ويدلل على إدارة رفيعة المستوى قادرة على صيانة هذه البنية التحتية الضخمة. ومع أنه تم اكتشاف منظومات قبتاريخية(2)  لإدارة المياه في عدة مواقع في المكسيك، فإن نظرة متأنية إلى اثنين منها ـ الأقنية الواسعة الامتداد في وادي تيهواكان وشبكة ري المدرجات في وادي أكساكا، وهي من الضخامة لدرجة تفوق الخيال ـ تلقي الضوء على العبقرية الفذة للمهندسين الهدروليكيين القدامى.

 

لقد بدأت التحريات المعاصرة في هذين الموقعين في عقد الستينات وبداية عقد السبعينات عندما أجريت أعمال مسح أساسية بإشراف عالمين يعتبر كل منهما أحد الرموز الأسطورية في مجال علم الآثار: <R .S. ماكنيش>(<سكوتي>) في وادي تيهواكان و<K .V. فلانيري> (<نيلي>) في وادي أكساكا. أحدنا (<نيلي>) كان عندها فتيا وطالبا في مرحلة الدراسات العليا متمتعا بامتياز المشاركة في كلتا الدراستين. ولم يكن موضوع إدارة المياه محورا أساسيا لأي منهما. ومع أن أهمية هذه المنظومات كانت واضحة حينذاك، فإن ثغرة طويلة الأمد تلت التقييم الأصلي الذي كان هزيلا متواضعا بحد ذاته. بيد أنه استمر شغف <نيلي> بموضوع إدارة المياه في مرحلة ما قبل التاريخ. وفي نهاية عقد الثمانينات وجه دعوة للجيولوجي <كاران>  (المؤلف الآخر لهذه المقالة) لينضم إليه في إجراء تحليل أكثر عمقا لتلك المنشآت المائية. وقد كانت مكتشفاتنا كما سنرى لاحقا.

 

 

الأقنية العادية والأقنية

المحمولة والتيكوتل(**)

 

لقد تبين أن شبكة أقنية جنوب المكسيك هي كبرى منظومات إدارة المياه التي شيدت في مرحلة ما قبل التاريخ في العالم الجديد. فمجموع أطوال هذه الأقنية يتجاوز 1200 كيلومتر. وقد وُفِّرت المياه لأراض زراعية تبلغ مساحتها 330 كيلومتر مربع ـ منطقة تقارب مساحتها مساحة قطاع غزة ـ وقد أُنجز هذا العمل قبل 2500سنة. فالقائمون على الري كونوا الأقنية بحفر مجار channels في التربة، وربما شيدوا أرصفة نهرية levees على طرفي هذه الأقنية. وكل واحدة من هذه الأقنية كانت تنقل المياه من مصدر يقع في موقع مرتفع إلى أحد الحقول الواقعة في المناطق المنخفضة. وتسلك القناة في الغالب مسارا متعرجا للمحافظة على ميل خفيف بحدود درجتين أو أقل.

 

 لقد جرى تحويل معظم مياه الري من ينابيع كبرى، ومياه هذه الينابيع كانت غنية بالفلزات minerals  المنحلة وبخاصة الكالسيت calcite، وهو أحد أشكال فحمات الكالسيوم. وأسهمت هذه الفلزات بحماية القنوات بتشكيلها غلافا مانعا للتسرب، إلا أنها شكلت على المدى البعيد خطرا على بقائها؛ فأثناء جريان مياه الينابيع في قناة ما يزداد تركيز المواد الكيميائية بفعل التبخر وتبدلات الضغط والحرارة، فتتبلور طبقة رقيقة من الفلزات على السطح الداخلي للقناة. فالفلزات التي تترسب من لتر واحد من المياه ضئيلة للغاية، بيد أن التدفق عبر القناة الرئيسية قد يتجاوز نصف مليون ليتر يوميا. لقد توضعت طبقة فوق طبقة وتصلبت لتشكل غشاء صخريا يعرف باسم التراکرتين الكلسي(3)  يشبه الصواعد والنوازل في الكهوف. تتراكم هذه الطبقات بمعدل وسطي يبلغ سنتيمترا واحدا في السنة أو مترا واحدا خلال القرن.

 

 

 

نظرة إجمالية/ الري القديم(***)

 

  في فترة ما قبل التاريخ، كان المزارعون في  المكسيك يواجهون شُحا في المياه خلال ستة أشهر من السنة.

  للتغلب على العوائق التي تعترض مزاولة الزراعة في كامل السنة، قاموا بتطوير أساليب مبتكرة لنقل المياه إلى محاصيلهم. اشتملت ابتكاراتهم على السدود والآبار والأقنية السطحية والمحمولةaquiducts والحقول في  المدرجات.

توضح اثنتان من هذه المنظومات براعة هؤلاء المهندسين الأوائل: شبكة من الأقنية في وادي تيهواكان وحدائق المدرجات في وادي أوكساكا التي تروى من قنوات تعلو الجدران الإسنادية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/003s.gif

شيدت منظومات إدارة المياه في فترة ما قبل التاريخ في مواقع مختلفة منتشرة في جنوب المكسيك. ومن أقدم الأمثلة المعروفة بئر عمرها  000 10 سنة في سان ماركوس نيكوكستلا، وقد استمر تشييد المنظومات الأحدث نسبيا حتى فترة وصول الأوروبيين

 

كانت التوضعات واسعة الامتداد لدرجة أن العديد من الأقنية أشرفت على الامتلاء في نهاية المطاف. بيد أنه استمر الجريان نظرا لترسب التراکرتين في قاع القناة وكذلك أثناء فيضان مياهها، مما كان يؤدي إلى ارتفاع جدران القناة لتشكل حواجز تعمل بشكل عام على إبقاء المياه داخل القناة، حتى فوق سطح الأرض. واستمر الفيض من الأقنية بين الفينة والفينة فتوضعت طبقات من الفلزات بعيدا عن القناة الأصلية، وبهذه الطريقة فإن ما كان من قبل مجرى صغيرا فى التربة، صار مرتفعا متطاولا ridge وصل ارتفاعه إلى نحو خمسة أمتار وعرضه إلى 30  مترا في قاعدته، ويعلوه قناة تمتد على خط الذرا [انظر الشكل في الصفحة 28]. وربما ساعدت الصيانة الدورية على أن تحافظ القناة على مقطع بشكل U ويزداد ارتفاعها باستمرار وتبقى صالحة للاستعمال.

 

 إن الطبيعة الصخرية والأشكال المتطاولة والمتعرجة لهذه الأقنية الأحفوريةfossilized كان الدافع ليطلق عليها اسم تيكوتل tecoatl وتعني «الحية الحجرية» في لغة الأزتكس. فانتشار التيكوتل لمسافات بعيدة تقاس بالعديد من الكيلومترات حولت طبيعة سطح الأرض بشكل جذري مُشكلةً حواجز كان لها تأثير في مسارات الطرق وتصاميم المدن والبلدات مما قبل التاريخ والاستعمار الاسباني حتى يومنا هذا.

 

ولما كانت الظروف الطبيعية لا تسمح بإنشاء الأقنية (فوق المنحدرات الشديدة على سبيل المثال)، ابتكر القائمون على الري المجاري المائية التي ترتفع فوق سطح الأرض ـ الأقنية المحمولة ـ والمبنية بعناية فائقة بأتربة مرصوصة وأحجار لا يربطها ملاط. وتعتبر هذه القنوات منشآت بسيطة إذا ما قورنت بأضخم الأقنية المحمولة الرومانية التي تعود إلى المرحلة التاريخية نفسها تقريبا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/17.gif

هيرف الأگوا اليوم: ما زالت معالم الحقول القديمة واضحة في المدرجات، هنا بجوار بركة أحد الينابيع الفوارة

 

 ويعدُّ خانق(4) ريو كسيكويلا مثالا جديرا بالاهتمام. ويتميز هذا الموقع بوجود قناتين محمولتين وعلى مناسيب مختلفة فوق النهر. ويبلغ عرض كل من هاتين القناتين مترا واحدا ولهما درجة انحدار ثابتة تقريبا، على الرغم من عدم انتظام جدران الخانق. وتدل كسر فخارية معروفة من حيث النوع والقدم على عمر المنشآت. وتراوح ارتفاع القناة المحمولة السفلى ـ البالغ طولها كيلومترا واحدا والتي شيدت نحو 400 بعد الميلاد ـ ما بين 4 و 12  مترا فوق النهر. وهذا الجزء كان عرضة لأضرار بفعل الفياضانات والانزلاقات الأرضية وتم التخلي عنه عام 700. أما القناة المحمولة العليا، التي أنشئت في الوقت نفسه تقريبا والتي بلغ طولها ستة كيلومترات وتراوح ارتفاعها ما بين 20 و 22م فوق مستوى النهر، فقد بقيت قيد الاستعمال حتى عام 1540 على أقل تقدير. لقد حملت هذه الأقنية  مياها عذبة نسبيا ولم تتحول إلى أقنية أحفورية.

 

تُعد الأقنية التي تحجرت سجلا تاريخيا حول استخداماتها وبيئاتها. وثمة محتبسات في طبقات التراکرتين تشمل بقايا وافرة من الطحالب المائية(5)والمشطورات diatoms والنباتات المستنقعية الأكبر حجما والتي نمت داخل وعلى طول القناة. ونظرا لحساسية هذه الكائنات لتغيرات الشروط البيئية، ثمة إمكانية لتحديد التركيب الكيميائي السابق للمياه وحمولتها من المواد المغذية ومعدلات التدفق ودرجة صفائها. وتشمل البقايا المحفوظة داخل التراکرتين غبار الطلع للنباتات التي كانت تزرع في الحقول المجاورة، حيث تُظهر أن الأقنية كانت تروي محاصيل الذرة والفلفل peppers والطماطم (البندورة). وثمة احتمال كبير بأن سالف العروس amaranth، الذي يُجنى حاليا وربما في قديم الزمن، كان يزرع أو ينمو على ضفاف الأقنية كنبات بري. وقد ازدهرت نباتات التيفا cattails على طول الأقنية ـ ربما من دون زراعتها ـ تماما كما يحدث في الوقت الحاضر، وثمة احتمال بأن المزارعين قاموا بتجميع هذه النباتات المفيدة من أجل الغذاء والألياف وقصبات الرماح arrow shafts.

 

ونظرا لأن الأقنية كونت بيئة مائية اصطناعية، خلافا للبيئة الجافة المحيطة بها، فإننا على يقين بأن النباتات المائية التي تُشكل معظم البقايا العضوية في التراکرتين، كانت معاصرة لفترة استخدام القناة. وقد منحتنا المادة العضوية المحفوظة فرصة فريدة إذ يمكننا استخدام الصفة المميزة للكربون المشع المرتبطة بتحديد الأعمار والتي تعتمد على الخصائص الكيميائية للكربون في الكائنات الحية، لقياس عمر الأقنية مباشرة. فعادة ما يتعين استنتاج عمر المنظومات المائية القديمة من مواقع السكنى habitation والأشياء المصنوعة في جوارها، علما بأن هذه الطريقة يكتنفها الغموض، لأنه ليس من الواضح دائما أن المؤشرات الزمنية كانت معاصرة لتلك المنظومات. فتحاليل الكربون المشع كانت الحل لهذه المشكلة، إذ بينت أن بعض الأقنية شيدت في سنة 800 قبل الميلاد وأن العمل في الأقنية استمر حتى أوائل القرن 15.

 

ريّ المدرجات(****)

 

  على مسافة نحو 170 كيلومتر جنوب شرقي وادي تيهواكان، ثمة موقع أثري متميز في الجبال بالنهاية الجنوبية لوادي أواكساكا، يُظهر قدرة التكيف والإبداع للمهندسين الهدروليكيين المكسيكيين في مرحلة ما قبل التاريخ. لقد ساعد الري في هيرف الأگوا على استمرار الزراعة على مدى 18 قرنا على أقل تقدير، وذلك اعتبارا من 500 قبل الميلاد وحتى عام 1350. وقد توافرت مياه الري من عدد من الينابيع الكبيرة الدائمة الجريان وذات خصائص غير عادية. وتعني هيرف الأگوا بالأسبانية «الماء يغلي». والحق أن الماء ليس حارا ولكنه مُكَرْبَنcarbonated طبيعيا، تماما كالمياه الجوفية الشهيرة المعبأة بالزجاجات في جنوب فرنسا. تحتوي المياه المُكربنة طبيعيا على كميات كبيرة من غاز ثنائي أكسيد الكربون المنحلّ فيها، ومصدر هذا الغاز: الماگما magma أو من تحول الحجر الكلسي أو من غيرها من السيرورات المعقدة. فالمياه العميقة تحت سطح الأرض هي مياه حبيسة confined تحت ضغوط كبيرة تحافظ على انحلال الغاز،  كما هي الحال في إناء يحافظ على انضغاط مشروبات مكربنة.

 

 

تشكّل التيكوتل(***** )

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/16.gif الحية الحجرية، أو التيكوتل، في الصورة: هي واحدة من الآلاف التي تجتاز وادي تيهواكان على نحو متقاطع. وكان أصل كل منها قناة حفرت في التربة (انظر الرسم البياني). وأثناء جريان مياه الينابيع في القناة توضعت ترسبات فلزية من هذه المياه مشكلة في نهاية المطاف قشرة ذات سماكة كبيرة لدرجة أن منسوب المياه في القناة ارتفع فوق سطح الأرض. وعلى الرغم من هذا التبدل في المناسيب، فإن التيكوتل استمرت في وظيفتها مرتفعة نحو خمسة أمتار وازداد عرضها فوصل عند القاعدة إلى 30 مترًا. وشكلت  التيكوتل عرفا متعرجا وصل طوله إلى 15  كيلومترا

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/005ms.gif
 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/005ms2.gif

 

توافر التشققات في صخور هيرف الأگوا مسارات تسمح للمياه الجوفية بالصعود إلى سطح الأرض بسرعة كبيرة. وإن الانخفاض الفجائي للضغط الذي يحصل إثر انبجاس المياه يشبه إزالة غطاء زجاجة صودا مهتزة: يطلق فوران المياه تلقائيا فقاعات وتتولد نوافير صغيرة الحجم، مما يجعل مياه النبع تزيد وكأنها في حالة غليان. ويكسب غاز ثنائي أكسيد الكربون الماء حموضة لدرجة تمكنه من إذابة الصخور الصلدة الواقعة تحت التربة والمؤلفة بمعظمها من الحجر الكلسي. وكما هي الحال بالنسبة إلى التراکرتين في وادي تواكان، فإن الحجر الكلسي مكون من الكالسيت، ومن ثم تحتوي مياه الينابيع في هيرف الأگوا على تراكيز عالية جدا من الكلسيوم والبيكربونات المنحلة. وهكذا فقد حافظت طبقات التراکرتين المترسبة من المياه في هيرف الأگوا على السجلات الأثرية تماما كما هي الحال في وادي تيهواكان.

 

 إن المكان الذي يحدث فيه غليان المياه الباردة لا بد أنه أثار فضولية السكان الأوائل في المنطقة، حيث اكتشفوا أن بإمكانهم استخدام هذه المياه للري في الأشهر التي لا تجلب خلالها رياح المونسون الأمطار. ونظرا لافتقار المنحدرات الشديدة الواقعة تحت الينابيع مباشرة إلى غطاء من التربة فقد نقل المزارعون يدويا خمسة ملايين متر مكعب من الأتربة إلى هذه المواقع، لأغراض التنمية الزراعية في حقول تقع فوق المدرجات تقارب مساحتها كيلومترين مربعين. ويبدو أنهم اختاروا التربة بعناية فائقة وربما تم غربلتها للحصول على بنية مسامية متجانسة، الأمر الذي أدى إلى تحسين عملية الصرف. وفي بدء أعمال إنشاء المصاطب تم بناء جدران استنادية برصف الحجارة بالطريقة الجافة dry-lying stone. وقد وضعت الجدران على مسافات تم تحديد مواقعها بعناية على المنحدرات الجرداء. وتم وضع التربة خلف كل من هذه الجدران، من أجل إنشاء مصطبة ضيقة في أعلى الجدار. ومن ثم أنشأ المزارعون قناة حائطية wall canalصغيرة في أعلى الجدار، وقد بلغ مجموع أطوال الأقنية التي تم بناؤها وصيانتها 6.5 كيلومتر [انظر الشكل في الصفحتين 24 و 25].

 

 تميزت الأقنية الحائطية بميل خفيف، مما يسمح بتحويل المياه إليها من أقنية أكبر حجما بكثير تنقل المياه من الينابيع مباشرة وتتبع انحدار الأرض. وثمة قنوات إضافية صغيرة الحجم كانت تصل ما بين النهايات السفلى للأقنية الحائطية وتعمل على إيصال المياه إلى المدرجات السفلى أو تعيد المياه إلى قنوات الإمداد supply canals. وأثناء جريان المياه في قناة حائطية كان يتم تجميعها في قاع القناة في أحواض دائرية ضحلة أو پوسيتوس pocitos  وقد  أنشئت هذه الأحواض كل بضعة أمتار على طول القناة. وباستخدام إناء صغير كان يحصل المزارع على المياه من الپوسيتوس يدويا لسقاية النباتات التي كانت في طور النمو في المصاطب المجاورة،. يعرف هذا النوع من السقاية بالإسبانية باسم رييگوس أَبرازو riegos a brazo، ومازالت هذه السقاية متبعة في هذه المنطقة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/12.gif
 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/13.gif

ثلاث تيكوتيلات متوازية (في اليسار):التيكوتيلات الأصغر هي فروع تقود إلى حقول قديمة مجاورة. وفي ما وراء الجدار الأبيض بالوسط، يمكن تتبع تيكوتل رئيسية لم يُكشف عنها باتجاه ما هو حاليا مركز مدينة تيهواكان، حيث خرّبت الطرق الحديثة (في الأسفل) أجزاء من القناة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/10.gif http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/1/11.gif

سد بورّون (في أسفل ويمين الصورة اليمنى) قرب پيُبلا في المكسيك. ويعتقد أنه أكبر منشأة

تخزينية للمياه شيدت في الأمريكتينقبل وصول الأوروبيين. وقد بوشر في بنائه عام 750 قبل الميلاد واستمر البناء على مراحل حتى نحو عام 1150، عندما وصل السد إلى ارتفاع نحو 25 مترا وطول 400 متر، وقد أصاب الحت الوجه الجنوبي (الصورة اليسرى) بارتفاع يعادل طول رجل بطول يبلغ ست أقدام.

 

إن نظرة فاحصة لهذه المدرجات تظهر روعة تصميمها. فالمسافات المنتظمة بين الجدران والمدرجات الضيقة ساعدت على تخفيض كميات التربة اللازمة لإنشائها، كما أن وجود الأقنية الحائطية والپوسيتوس بالجوار سهّل عملية السقاية. وحتى في أشد السفوح انحدارا، حيث يصل ارتفاع الجدران إلى  2.4 متر، تمت المحافظة على عرض ثابت نسبيا للمدرجات، فعرض معظمهما هو من2.4 إلى 3 أمتار؛ أي ما يعادل امتداد ذراعين لأشخاص تراوح أطوالهم ما بين 1.4و 1.7 متر، وهذه القيم، كما يستدل من بقايا الهياكل، تعادل أطوال المزارعين القدامى. وثمة حفر صغيرة تُسمى حفر البكاء weep holes في قاعدة كل من جدران المدرجات أسهمت في تحسين عملية الصرف وحفظ رطوبة التربة. وقد كانت السقاية اليدوية والصرف المناسب من الأهمية بمكان نظرا لارتفاع كمية الأملاح في المياه. فإذا كانت كمية المياه أكثر مما ينبغي أو تعذر صرفها بالشكل المناسب، تتراكم الأملاح في التربة بسرعة، مما يفقدها مساميتها وتصبح قاسية لدرجة يصعب قلبها يدويا، كما لا تسمح بنمو الجذور.

 

 وكان يجري باستمرار تبديل لمسارات المياه في كامل شبكة الأقنية لإيصال المياه إلى القنوات الحائطية عند اللزوم وفي الوقت المحدد؛ ومن ثم لم يجر تمرير كميات كافية من المياه في أي من هذه الأقنية لتصبح «تيكوتل» كبيرة. وبالمقابل يكسو الأقنية غشاء رقيق من التراکرتين يحافظ على العديد من التفاصيل الإنشائية. وما يثير الاهتمام هو غياب البوابات أو الفتحات التي تسمح بتحويل المياه من القنوات إلى المدرجات بكميات كبيرة. إن مثل هذا النظام في الريّ المعروف باسم نظام الغمر flooding كان يمكن أن يؤدي إلى إكساء أو إشباع المصاطب برمتها بقشرة من التراکرتين، و يحتمل أن يحدث ذلك إثر عدد محدود من السقايات، بيد أن المزارعين عملوا على تخفيض نسبة تراكم الأملاح في التربة باعتمادهم طريقة عالية الكفاءة مثل الري اليدوي، أسهمت أيضا بتخفيض كميات المياه اللازمة لنمو النباتات في المدرجات، إلى الحد الأدنى، ما أدى بدوره إلى زيادة المساحات المروية.

 

لقد اقتصرت السقاية أساسا على الفصل الجاف وخلال الجزء الآخر من السنة. وساعدت مياه الأمطار على غسل الأملاح المتراكمة في التربة المسامية. وتعززت هذه العملية بتحلل المواد العضوية داخل تربة المدرجات. وقد احتوت المواد العضوية، إضافة إلى بقايا المحاصيل غير المحصودة، على المياه العادمة وغيرها من النفايات المنزلية، التي كانت تُخلط مع التربة بشكل روتيني لتجديد خصوبتها.

 

إضافة إلى ذلك وجدنا أدلة حول التعديلات التي أدخلت على التربة استنادا إلى الحطام المنزلي: قطع من الفخار بأعمار مختلفة تتوافر في تربة المدرجات من الأسفل إلى الأعلى وفق تسلسل زمني. ويمكن تحديد عمر الأواني الخزفية مباشرة أحيانا باستخدام تقانات الكربون المشع، كما يمكن تحديد الأعمار بشكل غير مباشر من خلال تصنيف الأواني استنادا إلى شكلها وتركيبها ونمط ألوانها ويتم ذلك عندما نجد في الموقع أنواع معينة حددت أعمارها. وإضافة إلى توفير سجل حول ممارسات طرح النفايات، أعطت الفخاريات في موقع هيرف الأگوا فوائد أثرية غير مقصودة، حيث بينت أية أنواع من الأواني كانت قيد الاستعمال اليومي؛ ومن ثم كانت الأكثر عرضة للكسر. وبفضل ذلك تعلمنا أن السكان الذين كانوا يعملون في الحقول، كانوا يطرحون نفايات تحتوي على أوان خزفية يومية الاستعمال مع أدوات للطعام، وقد عُثر على الأوانى المتميزة فقط داخل معبد صغير في هذا الموقع.

 

قصة بطولة تقانية(******)

 

 إن ما يبدو نشوءا مفاجئا لتقانة ري متطورة على نطاق واسع، يبدو لغزا لأول وهلة، بيد أن الغياب الظاهري لأعمال سابقة أقل شأنا في هذا المجال قد يكون على الأرجح ناتجا من ثغرات في السجل الأثري. فاكتشافنا في عام 1993ما قد يكون أقدم الآبار المائية في العالم الجديد يبين أن إدارة المياه قد تكون لها بداية، وإن كانت بدائية، أكثر قدما مما كان يعتقد من قبل. فالبئر تم حفرها قبل نحو  000 10 سنة بعمق خمسة أمتار وقطر يبلغ عشرة أمتار على مستوى أرض دُفنت فيما بعد. وربما بقيت هذه البئر قيد الاستعمال مدة 2000 سنة. وثمة احتمال أن تكون هذه البئر، التي تحتل موقعها حاليا قرية سان ماركوس نيكوكستلا في وادي تيهواكان، أكثر قدما من الزراعة في العالم الجديد. ومع أنه من المحتمل كثيرا ألا تكون تلك البئر قد استخدمت للزراعة، فإنها تقدم دليلا على أن إدارة المياه في هذه المنطقة بدأت، في الحقيقة، منذ أمد بعيد.

 

 لم نعثر على أمثلة لمنشآت هدروليكية في القرون الممتدة بين فترة حفر تلك البئر وفترة ظهور الأقنية الأولى قبل نحو  3000سنة. ولكن من المحتمل أنه تم حفر آبار صغيرة وأنشئت هدارات wiers مؤقتة لتحويل المياه من الجداولstreams وغيرها من الوسائل البسيطة لتوفير المياه، خلال هذه الفترة. فالممارسات الزراعية الأولى ربما تطلبت نقل المياه لمسافة محددة أو الري على نطاق صغير باستخدام أقنية اندثرت أو لم يتم اكتشافها بعد.

 

 بيد أنه ما زال يُطرح السؤال حول كيف تمكن مهندسو الريّ الأوائل من تصميم مسارات لأقنية تمتد عدة كيلومترات في أراض وعرة مع الحفاظ على ميل مستمر باتجاه انحدار الأرض لا يتجاوز درجتين. ففي يومنا هذا يستحيل بناء منشآت مماثلة من دون استخدام أدوات مساحية متطورة. فقدامى المصريين استخدموا المسواة level والشواخص rods المُعايَرة، لكي يراقبوا من مسافات بعيدة. ومع أن مثل هذه الأدوات البسيطة والفعالة، كانت متوافرة لدى المهندسين في المكسيك، فإننا لا نملك دليلا مباشرا على هذه التفاصيل.

 

 لكن لدينا فعلا إجابة جزئية حول كيفية تخطيط منظومات الأقنية. ففي مكان بعيد في وادي تيهواكان ثمة خطٌ من جلاميد صغيرة يقود بعيدا عن منعطف حاد في تيكوتل. يمتد هذا المسار باتجاه منحدر قصير لممر يقع في أحد المرتفعات المتطاولة ridge، ثم يستمر صاعدا على الطرف الآخر نحو نقطة أعلى بقليل تقع فوق واد صغير خال من القنوات. فالمسار المحدد بواسطة الجلاميد قد يمثل تصميما معماريا لبناء قناة مستقبلية. وإيصال المياه إلى الجانب الآخر يستلزم تمديد مسار القناة القائمة نحو الأعلى بحيث يرتفع بمقدار متر واحد قبل إنشاء الفرع الجديد. فإذا أخذ البناؤون بعين الاعتبار ظاهرة تراكم التراکرتين العادية، فإن هذا الهدف يمكن بلوغه في غضون قرن، إذ يمكن أن يقوم أحفاد المزارعين خلاله بإضافة حقل ري آخر إلى هذه المنظومة.

 

 وثمة سؤال آخر من بين عدة أسئلة تسحر علماء الآثار يتمثل فيما إذا كان تصميم وإدارة هذه المشروعات يتم من قبل المستفيدين users  أو من قبل سلطة مركزية. وقد طرح المؤرخ المعروف <K.A.ويتفوغل>  فرضية مفادها أن استثمار وتوزيع الموارد المائية على نطاق واسع هي خطوات أساسية باتجاه نشوء الحضارات في كافة أنحاء العالم. واستنادا إلى هذا المبدأ تمكنت المجتمعات الهدروليكية دون غيرها من تحقيق منجزات تتمثل بثقافة متطورة كالزراعة الدائمة والتنوع الاقتصادي وحفظ السجلات والأجهزة الإدارية الهرمية. وقد أصبح المجتمع الهدروليكي مجتمعا متحضرا، لأن المصدر المائي الموثوق ساعد على توفير الحافز والإمكانات اللازمة لذلك. ومع ذلك فإن نقيض ذلك يبدو صحيحا: إن إقامة وصيانة بنية تحتية لإدارة المياه على نطاق واسع قد تتطلب عناية مركزة لدولة على مستوى رفيع من التنظيم. وهناك باحثون آخرون ألقوا ظلالا من الشك حول كلا الاقتراحين مشيرين إلى أن كيانات اجتماعية-سياسية صغيرة مفككة تنظيميا، يمكن أن تقوم ببناء وتشغيل منظومات مائية على مقياس متوسط على الأقل، ربما بالتعاون مع منظمات مجاورة مماثلة لكن من دون سلطة مركزية.

 

وثمة أدلة لكل من هذه التفسيرات. فعلى سبيل المثال، يُدار الري حاليا في وادي تيهواكان من قبل جمعيات للمياه غير حكومية تنسب إلى السكان الأصليين لهذا الوادي. وحتى يومنا هذا غالبا ما يجري توارث الحقوق المائية، وهذه ممارسة يمكن إرجاعها إلى ما قبل الفترة الاستعمارية حسب مخطوطات الأزتكس والوثائق الأسبانية الأولى. فكل واحد من المجتمعات الصغيرة يكون مسؤولا عن الصيانة والاستخدام المناسب للجزء الخاص به من منظومة الأقنية الأكبر حجما، بيد أن الإدارة الشمولية تتم بالتوافق ما بين مختلف المجتمعات المشاركة. وهكذا يجري تشغيل المنظومة محليا وتشاركيا.

 

هذا وسوف يستمر الحوار حول كيفية بناء وإدارة البنية التحتية الهدروليكية لهذه المجتمعات. ومما لا شك فيه هو أن منظومات جنوبي المكسيك تعتبر من المعجزات الهندسية وترقى إلى قمة منجزات البنائين في أي مكان في العالم خلال فترة ما قبل التاريخ

 

 

المؤلفان

S. Christopher Caran – James A. Neely

 

يتشاركان منذ مدة طويلة الاهتمام بمنظومات إدارة المياه قبل التاريخ في المكسيك وجنوب شرق أمريكا. <كاران> هو باحث جيولوجي في جامعة تكساس، متخصص بدراسات الحقب الرابع quaternary، ويشغل حاليا منصب رئيس مختبرات تحليل الحقب الرباعي في جامعته. وأما <نيلي> فيشغل منصب أستاذ فخري في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة تكساس، وتركزت أبحاثه على التنمية الزراعية. وقد كشف <نيلي> في عقدي الستينات والسبعينات معظم منظومات إدارة المياه التي جاء ذكرها في هذه المقالة، وقد أجرى أبحاثا معمقة في هذا المجال منذ ذلك الحين، وبعضها بالاشتراك مع <كاران> وذلك اعتبارا من عام 1988

  مراجع للاستزادة 

 

The Keepers of Water and Earth: Mexican Rural Social Organization and Irrigation.

K. I. Enge and Scott Whiteford. University of Texas Press, 1989.

 

Irrigated Agriculture at Hierve el Agua, Oaxanca, Mexico.

J. A. Neely et al. in Debating Oaxaca Archaeology. Edited by J. Marcus. University of Michigan, Museum of Anthropology, Anthropological Papers No. 84, 1990

 

A Late Paleo-Indian/Early Archaic Water Well in Mexico: Possible Oldest Water-Management Feature in the New World.

S. C. Caran et al. in Geoarchaeology: An International Journal, Vol. 11, No. 1, pages 1-36; January 1996.

 

A Contextual Study of the “Fossilized” Prehispanic Canal Systems of the Tehuacán Valley, Puebla, Mexico.

J. . Neely in Antiquity, Vol. 75, No. 289, pages 505-506, 2002.

 

(*) HYDRAULIC ENGINEERING IN PREHISTORIC MEXICO

(**) Canals, Aqueducts and Tecoatles

(***) Overview/ Ancient Irrigation

(****) Terrace Irrigation                                                          

(*****)The Formation of a Tecoati

(******) A Technological Saga

 

(1) تم التمييز بين ثلاثة أنواع من الأقنية: tecoatles ;aqueducts؛ cannals. وقد ترجمت في هذه المقالة باستخدام التعابير: الأقنية السطحية، الأقنية المحمولة، والأقنية الحجرية. فالأقنية السطحية cannals هي المجاري المائية المحفورة في التربة والمبطنة في الغالب، إلا أنها تبقى بمستوى سطح الأرض. أما الأقنية المحمولة aqueducts فهي أقنية محمولة على جسور ترتفع عن سطح الأرض بواسطة أعمدة وتتبع في الغالب مسارا مستقيما حتى فى مجاري الوديان، وعلى نقيض ذلك تشكل الأقنية الحجرية مسارا يتلوى كالحية، لذا أطلق عليها في المكسيك اسم «تيكوتل» tecoatle، وتعني بالإسبانية «الحية الحجرية». وقد تشكلت هذه الأقنية بفعل تراكم الترسبات الكلسية (التراکرتين) من مياه الينابيع وتصلبت لتصبح أقنية حجرية مرتفعة فوق سطح الأرض.           (التحرير)

(2)هي مقابل prehistoric، وقد استخدم التعبير الأطول (ما قبل التاريخ) في معظم المقالة لأنه الأكثر قبولا.    (التحرير)

(3) calcareous travertine

(4)canyon   

(5)aquatic algae

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى